نوفاريس: بداية المطاردة
سارا معًا في أعماق الغابة، بين الأشجار التي تزداد كثافة كلما توغلا أكثر.
سار بين الشوارع، يسأل المارة عن حانة تُدعى القمر الفضي.
الأرض كانت رطبة، والهواء أثقل من أن يكون طبيعيًا.
موظفات الاستقبال كن يقفن خلف منصات زجاجية مضيئة، تتحرك أمامهن شاشات شفافة مليئة بالبيانات.
خطواتهما وحدها كانت تكسر الصمت.
انفجر صوت غاضب من داخل الدخان
ثم…
“اسمعني جيدًا… لا تبقَ في مدينة واحدة طويلًا.”
توقف إيثان فجأة.
رفع إيثان عينيه نحوه بسرعة.
تجمد مكانه.
ساد الصمت.
صوت الأجهزة وهي تفحص الداخلين، ومضات الضوء السريعة، وأوامر الحراس القصيرة التي تُقال بنبرة صارمة خالية من أي مشاعر.
وعيناه ضاقتا ببطء.
“لأنهم لا يطاردونك أنت… بل يطاردون الحقيقة.”
مرت مركبة فوقهم، وقطعت السماء بخط ضوئي خافت قبل أن تختفي بين الأبراج.
كان هناك صوت.
“قلت لك أن نسبة النجاح تجاوزت الستين بالمئة!”
ليس حفيف أوراق.
وعيناه ضاقتا ببطء.
ولا حركة حيوان مختبئ.
توقفت حركة السكين.
ثم تمتم بضيق وهو يمسح الدم الخفيف عن زاوية فمه
بل شيء آخر تمامًا.
غير مدرك أن ذلك الفتى المجنون سيصبح قريبًا جزءًا من مشكلته التالية.
“زززز… ززززز…”
وخلفه، كان صوت الفتى ما يزال يرتفع بثقة غريبة
صوت منتظم.
انغلق الباب خلفه بصوت مكتوم، فعزل ضجيج الحانة ولم يبق سوى صمت ثقيل ورائحة خشب قديم ودخان خافت عالق في الهواء.
حاد.
قال الرجل دون أن يبعد عينيه عنه “لكن قبل أن تختفي… اسمع هذه.”
يتكرر بنفس الإيقاع دون أي تغيير لم يكن ينتمي للغابة أصلًا.
لم يكن حيًا…
انفتحت الأبواب الزجاجية تلقائيًا بصوت ناعم، واستقبله هواء بارد يحمل رائحة عطر خفيف القاعة الداخلية كانت واسعة وفخمة، بإضاءة هادئة تنعكس فوق الأرضية السوداء اللامعة، بينما تحرك النزلاء والموظفون بهدوء وسط المكان.
لكن لم يكن جامدًا أيضًا.
الصوت يشبة نبض معدني يتنفس من داخل الأرض.
سار بين الشوارع، يسأل المارة عن حانة تُدعى القمر الفضي.
توقف إيثان فجأة.
رفع إيثان رأسه ببطء نحو الأمام.
اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجهه وهو يكمل
ثم وقع نظره على مبنى ضخم يرتفع وسط المدينة.
“هل تسمعين هذا؟”
توقفت فالينتسيا.
ثم، عندما أصبح قريبًا بما يكفي…
“إذًا… لم يعد لدي وقت.”
مالت قليلًا تستمع.
اهتزت الأرض بعنف تحت قدميه، وتكسرت نوافذ قريبة بصوت حاد، بينما اندفع لهيب أسود من أحد الأزقة مصحوبًا بسحابة كثيفة من الدخان والغبار.
أخذها إيثان بصمت.
الهواء حولها تحرك بخفة، لكن عينيها بقيتا ثابتتين.
“نعم.”
“نعم.”
سكتت لحظة.
أما إيثان…
“لكنني أعرف هذا الصوت.”
مرتبًا لدرجة غير إنسانية.
لأنه أدرك أنه لا يملك أي هوية أصلًا.
التفت إليها إيثان فورًا.
ثم نهض إيثان.
استدارت بهدوء، وتحركت خطواتها فوق التراب المبلل، بينما ابتلعها ظل الغابة شيئًا فشيئاً
“تعرفينه؟”
لم تجب.
بدلًا من ذلك، تقدمت خطوة واحدة.
ضحك الرجل بخفوت.
ثم أخرى.
رفع إيثان عينيه نحوه بسرعة.
“هناك… حانة القمر الفضي.”
تبعها ايثان بحذر.
فبدأ ينفض الغبار عن معطفه بهدوء غريب، كما لو أن الانفجار حادث يومي معتاد.
نظر الفتى خلفه نحو الدخان المتصاعد
كلما تقدما، أصبحت الأرض أكثر صلابة، شعر أن الغابة نفسها تتغير تحت أقدامهما.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وقال لنفسه
الأشجار ازدادت كثافة… ثم بدأت تفقد شكلها الطبيعي.
استقبله هواء دافئ ورائحة الطعام والمشروبات.
الضوء بين الأغصان خفت تدريجيًا، ليس لأنه اختفى… بل لأنه لم يعد يدخل.
موظفات الاستقبال كن يقفن خلف منصات زجاجية مضيئة، تتحرك أمامهن شاشات شفافة مليئة بالبيانات.
“زززززز… ززززززز…”
توقف إيثان فجأة.
الصوت أصبح أوضح.
“ستين بالمئة ليست نسبة مطمئنة أيها الأحمق!”
أقرب.
“ماذا تريد؟”
أخذتها و أخرجت كيسًا من العملات، ثم رمته نحو إيثان، فسقط على يدية بصوتٍ معدني ثقيل.
ليس صوت آلة واحدة… بل آلاف، ملايين، تعمل ككيان واحد.
ابتسم الرجل مجددًا، ابتسامة أقرب إلى كشف أنياب.
تقدم إيثان خطوة أخيرة.
ثم هز كتفيه بلا اكتراث.
كانت الغرفة صغيرة حد الاختناق.
ثم خرج من بين الأشجار.
“لأنهم لا يطاردونك أنت… بل يطاردون الحقيقة.”
“التضحيات؟! كدت تموت أنت أيضًا!”
وتوقف.
بل عالم آخر.
فتح الباب ودخل، ليجد ممرًا ضيقًا بإضاءة خافتة يقوده إلى غرفة في الخلف.
عينيه اتسعتا ببطء.
أمامه…
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
لم تكن غابة.
وقف إيثان يراقب بصمت.
ولا أطلال.
ولا مدينة قديمة.
أما الفتى…
بل عالم آخر.
كان فتى.
تجمد مكانه.
مدينة هائلة تمتد بلا نهاية تقريبًا، أبراجها تخترق السماء وواجهاتها الزجاجية تعكس الضوء البارد.
طرق مرتفعة تتحرك فيها مركبات تنزلق في الهواء والأرض.
كل شيء هنا كان “مضبوطًا” بشكل مزعج.
نظيفًا أكثر من اللازم.
كأن هذه الحضارة لا تعيش… بل تعمل فقط.
مرتبًا لدرجة غير إنسانية.
والصوت…
“زززز… ززززز…”
“يبدو أن هذا العالم يملك عددًا مزعجًا من المجانين.”
لم يكن خلف المدينة.
توقفت فالينتسيا.
بل داخلها.
ثم حول نظره إلى المدينة أمامه.
نبضها.
الصوت أصبح أوضح.
رفع رأسه ببطء.
تنفسها.
سكتت لحظة.
كأن هذه الحضارة لا تعيش… بل تعمل فقط.
مرت مركبة فوقهم، وقطعت السماء بخط ضوئي خافت قبل أن تختفي بين الأبراج.
خرج رجل من بين الحطام مترنحًا، وثيابه ممزقة جزئيًا، بينما كان يحدق بالفتى بعينين ممتلئتين بالغضب والصدمة.
وقف إيثان دون حركة.
ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا، مشوشًا بين الصدمة والإنكار “هل هذا… حلم؟”
مدينة هائلة تمتد بلا نهاية تقريبًا، أبراجها تخترق السماء وواجهاتها الزجاجية تعكس الضوء البارد.
قال إيثان وهو لا يزال يحدق في المدينة الممتدة أمامه “كيف هذا المكان يشبه المدن المستقبلية التي أراها في التلفاز في عالمي؟”
“هوية مؤقتة. لكنها لن تخدع أحدًا إذا دققوا كثيرًا.”
نظرت فالينتسيا إلى الأفق بصمت للحظة، قبل أن تجيب بهدوء “يبدو أنك لا تعلم أن فيرجيا يجمع بين الحاضر والماضي وأيضًا المستقبل.”
سكتت لحظة، بينما مرت نسمة باردة بينهما، حاملة معها أصوات المدينة البعيدة.
ثم أضافت “قد ترى مدينة تشبه مدن الماضي، وأخرى من الحاضر، وأخرى من المستقبل.”
“أقوى؟! لقد فجرت نصف الورشة!”
رفعت يدها قليلًا، وأشارت إلى المدينة الممتدة أمامهما.
اندس بين الناس بصمت.
رفع الفتى حاجبه باستغراب حقيقي هذه المرة.
“هذه المدينة اسمها… نوفاريس.”
التفتت نحوه، وعادت جديتها “والآن، وقد أخرجتك من الغابة، أعطني الجوهرة.”
نظر إليها إيثان للحظة ثم فتح الحقيبة وأخرج الجوهرة. كان توهجها الخافت ينسكب على وجهيهما، يلمع بين أصابعه
“يجب أن أفكر في هذا لاحقًا.”
ساد صمت قصير.
مد يده ببطء، ثم سلمها الجوهرة.
كانت الغرفة صغيرة حد الاختناق.
أخذتها و أخرجت كيسًا من العملات، ثم رمته نحو إيثان، فسقط على يدية بصوتٍ معدني ثقيل.
تقدم بخطوات هادئة، وصوت حذائه ارتطم بالأرضية الصلبة بإيقاع بطيء ومنتظم.
استدارت بهدوء، وتحركت خطواتها فوق التراب المبلل، بينما ابتلعها ظل الغابة شيئًا فشيئاً
“أريد حساء الرماد… مع نبيذ الليل.”
ظل ايثان يراقبها حتى اختفت بين الأشجار.
اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجهه وهو يكمل
ثم حول نظره إلى المدينة أمامه.
فتح عينيه أخيرًا.
“لم يُذكر هذا في الكتاب…” تمتم.
تجمد مكانه.
“هذه المدينة اسمها… نوفاريس.”
سكت لحظة، ثم أضاف في نفسه
“ربما في الأجزاء المفقودة…”
ولا مدينة قديمة.
رفع رأسه مجددًا.
وضعها فوق الطاولة.
وأخذ أول خطوة… نحو المدينة.
توقف إيثان عندما رأى الطابور الطويل الممتد أمام بوابة المدينة.
نظيفًا أكثر من اللازم.
امتد الصف البشري تحت الأضواء البيضاء والزرقاء التي غمرت المكان بوهجٍ بارد. أمامه ارتفعت بوابة نوفاريس الهائلة، بتصميمها المعدني الانسيابي وأسطحها اللامعة التي تعكس الضوء كأنها مصنوعة من مادة لا تشبه أي معدن يعرفه. خطوط مضيئة تتحرك عبر الجدران العملاقة بنبض منتظم، وشاشات شفافة معلقة في الهواء تعرض رموزًا وبيانات تتغير باستمرار.
كأن هذه الحضارة لا تعيش… بل تعمل فقط.
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء صغيرة من جيبه ومدها للحارس.
كل شيء بدا متطورًا بشكل يفوق ما اعتاد رؤيته.
سكنت الأصوات، وتوقفت الحركات، حتى الحراس بقوا جامدين في أماكنهم.
الهواء نفسه كان مختلفًا؛ نظيفًا بشكل غريب، يحمل رائحة معدنية خفيفة مع دفء الكهرباء والأجهزة المنتشرة في المكان. أصوات الطنين الإلكتروني امتزجت مع وقع الخطوات وحديث الناس المتداخل، لتصنع ضجيجًا ناعمًا يشبه المدن المستقبلية التي كان يراها في الأفلام.
دخل نوفاريس.
تنهد إيثان بخفة.
التعب ما زال يثقل جسده، وعضلاته تؤلمه بعد الرحلة الطويلة، لكن حتى إرهاقه بدا صغيرًا أمام المشهد الذي يقف أمامه الآن.
اندفع في الهواء لعدة أمتار قبل أن يرتطم بالأرض بالقرب من إيثان بعنف، متدحرجًا فوق الحجارة المبللة.
اندس بين الناس بصمت.
الطرق الواسعة امتدت بين المباني بإضاءة نظيفة وباردة، بينما تحركت وسائل نقل غريبة بصمت شبه كامل، تنزلق فوق الأرض أو تطفو قليلًا عنها دون أي صوت محركات مألوف.
أضواء الهولوغرام انعكست على وجوه الواقفين، بينما تحركت طائرات صغيرة بلا طيار فوق البوابة بانتظام، ماسحات زرقاء تمر فوق الداخلين للحظات قبل أن تختفي. الأرضية المعدنية أسفل قدميه أصدرت صوتًا خافتًا مع كل خطوة، ناعمًا ومنتظمًا بشكل يكاد يكون آليًا.
اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجهه وهو يكمل
رفع إيثان نظره قليلًا.
الحراس وقفوا ببدلات سوداء متطورة، تتوهج أطرافها بخطوط ضوء خافتة. خوذاتهم أخفت نصف وجوههم، وأعينهم تتابع الناس ببرود حاد، بينما تظهر بيانات متحركة على شاشات شفافة قرب أيديهم.
توقف أمام الحانة للحظة، ثم دفع الباب ودخل.
“أريد حساء الرماد… مع نبيذ الليل.”
كلما اقترب الصف، أصبحت التفاصيل أوضح.
“أورلاندو.”
تقدم إيثان خطوة أخيرة.
صوت الأجهزة وهي تفحص الداخلين، ومضات الضوء السريعة، وأوامر الحراس القصيرة التي تُقال بنبرة صارمة خالية من أي مشاعر.
ثم، عندما أصبح قريبًا بما يكفي…
ثم جاء صوت الرجل باردًا وحاسمًا
سمع أحد الحراس يقول للرجل الذي أمامه ببرود حاد “الهوية.”
ثم مرر يده في شعره بتنهد متعب، وقال لنفسه “يبدو أنني بحاجة إلى مساعدة أورلاندو…”
نظيفًا أكثر من اللازم.
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء صغيرة من جيبه ومدها للحارس.
سكت لحظة، ثم أضاف في نفسه
مررها الحارس فوق جهاز مضيء، فظهر وميض أزرق سريع على سطح البطاقة قبل أن يومئ له بالعبور.
شد حقيبته فوق كتفه، وأكمل السير بين الأضواء الباهتة والدخان المتصاعد…
أما إيثان…
فشعر بانقباض بارد يمر في صدره ببطء.
ضحك الرجل بخفوت.
وقف إيثان دون حركة.
لأنه أدرك أنه لا يملك أي هوية أصلًا.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وقال لنفسه
توقفت حركة السكين.
“يجب أن أفكر في هذا لاحقًا.”
تنهد بضيق، ثم استدار وخرج بهدوء من الفندق.
خفض نظرة.
ليتجمد الزمن.
توقفت حركة الرجل لثانية.
سكنت الأصوات، وتوقفت الحركات، حتى الحراس بقوا جامدين في أماكنهم.
سارا معًا في أعماق الغابة، بين الأشجار التي تزداد كثافة كلما توغلا أكثر.
رفع إيثان رأسه ببطء.
انعكست الأضواء الزرقاء على عينيه بينما نظر نحو البوابة العملاقة أمامه، ثم بدأ يتحرك.
بدلًا من ذلك، تقدمت خطوة واحدة.
دخل نوفاريس.
مالت قليلًا تستمع.
ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا، مشوشًا بين الصدمة والإنكار “هل هذا… حلم؟”
اتسعت عيناه قليلًا وهو يسير بين شوارعها الواسعة.
المكان بدا كأنه خرج مباشرة من أفلام الخيال العلمي التي كان يشاهدها في عالمه أبراج شاهقة من الزجاج الأسود والمعادن اللامعة ترتفع حتى تكاد تلامس السماء، واجهاتها مضاءة بخطوط نيون زرقاء وبيضاء تتحرك بانسيابية فوق الأسطح.
دوى انفجار هائل.
ثم قال الرجل أخيرًا
الطرق الواسعة امتدت بين المباني بإضاءة نظيفة وباردة، بينما تحركت وسائل نقل غريبة بصمت شبه كامل، تنزلق فوق الأرض أو تطفو قليلًا عنها دون أي صوت محركات مألوف.
وقف إيثان يراقب بصمت.
ثم أخرى.
شاشات هولوغرافية ضخمة انعكست فوق الجدران وفي الهواء، تعرض إعلانات ورموزًا متحركة بألوان حادة تملأ المدينة بالحياة.
عينيه اتسعتا ببطء.
انعكست الأضواء الزرقاء على عينيه بينما نظر نحو البوابة العملاقة أمامه، ثم بدأ يتحرك.
الضوء في كل مكان.
واجهته الزجاجية العملاقة عكست أضواء المكان بألوان زرقاء وفضية متداخلة، حتى بدا المبنى وكأنه يتوهج وسط نوفاريس.
“سيصلون إليك.”
أبيض، أزرق، بنفسجي خافت، ينعكس على الزجاج والمعدن والأرضيات السوداء المصقولة، حتى بدا وكأن المدينة بأكملها تتوهج من الداخل.
اتسعت عيناه قليلًا وهو يسير بين شوارعها الواسعة.
سار إيثان بين شوارع نوفاريس المضيئة، بينما انعكست الألوان المتحركة فوق الزجاج الأسود للمباني العملاقة من حوله. السيارات مرت على الطرق الواسعة، وشاشات الهولوغرام العملاقة أضاءت الواجهات بإعلانات متغيرة وألوان نابضة بالحياة، فيما اختلطت أصوات الناس مع الطنين الإلكتروني الخافت الذي يملأ المدينة.
بل عالم آخر.
ثم وقع نظره على مبنى ضخم يرتفع وسط المدينة.
واجهته الزجاجية العملاقة عكست أضواء المكان بألوان زرقاء وفضية متداخلة، حتى بدا المبنى وكأنه يتوهج وسط نوفاريس.
“أن القاتل مستخدم زمن.”
“اسمعني جيدًا… لا تبقَ في مدينة واحدة طويلًا.”
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
“نعم.”
وقف إيثان يراقب بصمت.
اقترب ودخل.
انفتحت الأبواب الزجاجية تلقائيًا بصوت ناعم، واستقبله هواء بارد يحمل رائحة عطر خفيف القاعة الداخلية كانت واسعة وفخمة، بإضاءة هادئة تنعكس فوق الأرضية السوداء اللامعة، بينما تحرك النزلاء والموظفون بهدوء وسط المكان.
وقف إيثان يراقب بصمت.
موظفات الاستقبال كن يقفن خلف منصات زجاجية مضيئة، تتحرك أمامهن شاشات شفافة مليئة بالبيانات.
وقبل أن يتقدم، سمع إحدى الموظفات تقول للرجل الواقف أمامها بابتسامة رسمية “الهوية، من فضلك.”
“سيصلون إليك.”
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء ووضعها فوق جهاز صغير، فمر ضوء أزرق عبر سطح البطاقة للحظة.
الطرق الواسعة امتدت بين المباني بإضاءة نظيفة وباردة، بينما تحركت وسائل نقل غريبة بصمت شبه كامل، تنزلق فوق الأرض أو تطفو قليلًا عنها دون أي صوت محركات مألوف.
ثم قالت الموظفة “الغرفة الواحدة ليومٍ واحد تكلف عشر عملات ذهبية.”
صمت سخيف لدرجة جعلت الرجل يحدق فيه وقد بدا عليه أنه فقد القدرة على استيعابه.
توقف إيثان للحظة.
خفض نظرة.
أما إيثان…
شعر بانقباض خفيف في صدره وهو يدرك المشكلة.
توقفت حركة السكين.
لا يملك هوية.
“ماذا؟ أنت من طلب سلاحًا أقوى.”
ولا يملك ما يكفي من المال.
تنهد بضيق، ثم استدار وخرج بهدوء من الفندق.
راقبه إيثان بصمت بارد.
عادت أبواب الزجاج لتنغلق خلفه.
غير مدرك أن ذلك الفتى المجنون سيصبح قريبًا جزءًا من مشكلته التالية.
“التجارب تحتاج بعض التضحيات.”
وقف خارج الفندق للحظات، يراقب المدينة التي لا تشبه أي شيء عرفه من قبل.
ثم مرر يده في شعره بتنهد متعب، وقال لنفسه “يبدو أنني بحاجة إلى مساعدة أورلاندو…”
سار بين الشوارع، يسأل المارة عن حانة تُدعى القمر الفضي.
بل عالم آخر.
أشار له أحد المارة إلى جهةٍ بعيدة قليلًا، وقال
“هناك… حانة القمر الفضي.”
توقف أمام الحانة للحظة، ثم دفع الباب ودخل.
“إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث.”
نظر إيثان إلى الاتجاه الذي أشار إليه الرجل، ثم بدأ يسير نحوه بهدوء.
ولا يملك ما يكفي من المال.
سار إيثان عبر الشوارع المضيئة، يراقب الناس والمباني من حوله، حتى بدأت الأصوات الصاخبة تصل إلى مسامعه.
ضحكات، موسيقى خافتة، وأصوات أكواب تتصادم.
رفع إيثان رأسه ببطء نحو الأمام.
رفع نظره ليرى لافتة مضيئة كُتب عليها “القمر الفضي”.
توقف أمام الحانة للحظة، ثم دفع الباب ودخل.
ساد الصمت من جديد.
الضوء بين الأغصان خفت تدريجيًا، ليس لأنه اختفى… بل لأنه لم يعد يدخل.
استقبله هواء دافئ ورائحة الطعام والمشروبات.
كان فتى.
كان المكان مزدحمًا، الطاولات ممتلئة، وأحاديث الناس تختلط ببعضها.
وقف إيثان يتفحص المكان بعينيه بهدوء.
حتى المصباح بدا وكأنه فقد جزءًا من ضوئه.
مدينة هائلة تمتد بلا نهاية تقريبًا، أبراجها تخترق السماء وواجهاتها الزجاجية تعكس الضوء البارد.
اتجه إيثان نحو البار، ثم وقف أمام الطاولة الطويلة يراقب العامل الذي ينشغل بتعبئة الأكواب وتلقي العملات من الزبائن
شعر إيثان بأن الغرفة أصبحت أضيق.
رفع الرجل نظره إليه للحظة، ليقول إيثان بهدوء
“أريد حساء الرماد… مع نبيذ الليل.”
توقفت حركة الرجل لثانية.
أما إيثان…
“إذًا… لم يعد لدي وقت.”
ثم وضع الكأس ببطء، وحدق في إيثان بنظرة مختلفة تمامًا.
لكن هذه المرة… كان الصمت أسوأ.
خفض الرجل قطعة القماش من يده، ثم قال بصوت هادئ
“من أرسلك؟”
“إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث.”
نظر إليه إيثان وأجاب
….
“أورلاندو.”
اندفع في الهواء لعدة أمتار قبل أن يرتطم بالأرض بالقرب من إيثان بعنف، متدحرجًا فوق الحجارة المبللة.
ظل ايثان يراقبها حتى اختفت بين الأشجار.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يومئ الرجل ببطء، ثم أشار بعينه إلى باب صغير خلف البار.
“اذهب من هناك.”
ساد الصمت من جديد.
لكن هذه المرة… كان الصمت أسوأ.
نظر إيثان إلى الباب، ثم تحرك نحوه بهدوء.
“الأخبار تتحرك أسرع من اللازم.”
فتح الباب ودخل، ليجد ممرًا ضيقًا بإضاءة خافتة يقوده إلى غرفة في الخلف.
انغلق الباب خلفه بصوت مكتوم، فعزل ضجيج الحانة ولم يبق سوى صمت ثقيل ورائحة خشب قديم ودخان خافت عالق في الهواء.
تعالت صرخات الناس فورًا.
الممر الضيق أمامه كان غارقًا بضوء أحمر خافت، ينساب فوق الجدران المعدنية الداكنة كآثار دم جاف.
تقدم بخطوات هادئة، وصوت حذائه ارتطم بالأرضية الصلبة بإيقاع بطيء ومنتظم.
مالت قليلًا تستمع.
دون وعي، اقتربت يده من خنجره.
أما إيثان…
ثم وصل إلى الباب الأخير.
“اسمعني جيدًا… لا تبقَ في مدينة واحدة طويلًا.”
نظر إليها إيثان للحظة ثم فتح الحقيبة وأخرج الجوهرة. كان توهجها الخافت ينسكب على وجهيهما، يلمع بين أصابعه
توقف لثانية…
كأن هذه الحضارة لا تعيش… بل تعمل فقط.
ودفعه.
“المتحولون لا ينسون الدم.”
كانت الغرفة صغيرة حد الاختناق.
فوق رأسه استقرت نظارة حماية ثقيلة، تشبه تلك التي يرتديها قادة الدبابات أو المهندسون العسكريون داخل ساحات الحرب، بعدسات داكنة مخدوشة وآثار احتراق على أطرافها، تبدو كجزء دائم من مظهره الفوضوي.
مصباح يتدلى فوق طاولة خشبية في المنتصف، يهتز ضوؤه الخافت أحيانًا، فيحرّك الظلال فوق الجدران كأنها تتنفس.
نظيفًا أكثر من اللازم.
وخلف الطاولة جلس رجل ضخم.
صدر أنين منخفض.
جسده العريض ابتلع نصف الكرسي تقريبًا، بينما امتدت ندبة خشنة من صدغه حتى قرب عينه، مشوّهة جزءًا من وجهه بطريقة جعلته يبدو كمن نجا من شيء كان يجب أن يقتله.
كان هناك صوت.
المعدن البارد لامس أصابعه، بينما انعكس الضوء الأحمر فوق حواف البطاقة كأنه دم متجمد.
كان يقلب سكينًا بين أصابعه بمهارة باردة، يديرها بلا اهتمام… كأن يديه اعتادتا العنف أكثر من أي شيء آخر.
“قبيلة المتحولين أعلنت مطاردة.”
ثم مرت فكرة ساخرة داخل رأسه
رفع عينيه نحو إيثان.
ثم هز كتفيه بلا اكتراث.
عينان ثقيلتان… بلا ترحيب.
طرق مرتفعة تتحرك فيها مركبات تنزلق في الهواء والأرض.
قال بصوت أجش “أنت إيثان؟”
“لولا أن أورلاندو يرى أنك مهم… لكنت سلّمتك لهم بنفسي.”
اقترب إيثان خطوة واحدة فقط.
رفع نظره ليرى لافتة مضيئة كُتب عليها “القمر الفضي”.
سكت.
“نعم.”
“حين يذبح أمير… لا تبقى الأسرار حيّة طويلًا.”
ودفعه.
توقفت حركة السكين.
سكون قصير مر بينهما، لم يُسمع خلاله سوى طنين المصباح الكهربائي.
مرت مركبة فوقهم، وقطعت السماء بخط ضوئي خافت قبل أن تختفي بين الأبراج.
ثم ارتفعت زاوية فم الرجل بابتسامة باهتة.
التعب ما زال يثقل جسده، وعضلاته تؤلمه بعد الرحلة الطويلة، لكن حتى إرهاقه بدا صغيرًا أمام المشهد الذي يقف أمامه الآن.
“إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث.”
ضيّق إيثان عينيه قليلًا.
ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا، مشوشًا بين الصدمة والإنكار “هل هذا… حلم؟”
“الأخبار تتحرك أسرع من اللازم.”
الأرض كانت رطبة، والهواء أثقل من أن يكون طبيعيًا.
صدر من الرجل ضحك خافت وخشن، كاحتكاك معدن صدئ.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يومئ الرجل ببطء، ثم أشار بعينه إلى باب صغير خلف البار.
تعالت صرخات الناس فورًا.
“حين يذبح أمير… لا تبقى الأسرار حيّة طويلًا.”
أجاب مباشرة “هوية جديدة.”
مال للأمام ببطء، فتمدّد ظله فوق الطاولة حتى لامس يدي إيثان.
ساد الصمت للمرة الأخيرة.
اهتزت الأرض بعنف تحت قدميه، وتكسرت نوافذ قريبة بصوت حاد، بينما اندفع لهيب أسود من أحد الأزقة مصحوبًا بسحابة كثيفة من الدخان والغبار.
“ماذا تريد؟”
ثم وقع نظره على مبنى ضخم يرتفع وسط المدينة.
أجاب مباشرة “هوية جديدة.”
ظل الرجل يحدق فيه لثوانٍ، ثم فتح الدرج المجاور ببطء، وأخرج بطاقة معدنية سوداء.
وضعها فوق الطاولة.
صوتها الخفيف فوق الخشب بدا أعلى من المفترض.
وقف إيثان يتفحص المكان بعينيه بهدوء.
“هوية مؤقتة. لكنها لن تخدع أحدًا إذا دققوا كثيرًا.”
خطواتهما وحدها كانت تكسر الصمت.
أخذها إيثان بصمت.
المعدن البارد لامس أصابعه، بينما انعكس الضوء الأحمر فوق حواف البطاقة كأنه دم متجمد.
ثم خرج من بين الأشجار.
قال الرجل دون أن يبعد عينيه عنه “لكن قبل أن تختفي… اسمع هذه.”
كلما اقترب الصف، أصبحت التفاصيل أوضح.
“هذه المدينة اسمها… نوفاريس.”
رفع إيثان نظره إليه.
وقف إيثان يراقب بصمت.
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
ابتسم الرجل ابتسامة بلا دفء.
هذه المرة ضحك الرجل فعلًا، لكن الضحكة خرجت قصيرة وميتة.
“قبيلة المتحولين أعلنت مطاردة.”
سقطت الجملة داخل الغرفة بثقل حجر.
حتى الهواء بدا أثقل بعدها.
كأن الجدران نفسها تقترب ببطء.
ثم أضاف “والمكافأة على رأسك… تكفي لشراء حي كامل.”
“نعم.”
ساد الصمت.
ابتسم الرجل مجددًا، ابتسامة أقرب إلى كشف أنياب.
الرجل فتح فمه بغضب، لكنه بدا عاجزًا عن الرد لثانية كاملة.
“لولا أن أورلاندو يرى أنك مهم… لكنت سلّمتك لهم بنفسي.”
راقبه إيثان بصمت بارد.
“أقوى؟! لقد فجرت نصف الورشة!”
وفي داخله مرّت فكرة واحدة فقط
اندفع في الهواء لعدة أمتار قبل أن يرتطم بالأرض بالقرب من إيثان بعنف، متدحرجًا فوق الحجارة المبللة.
“هذا بالضبط ما يفعله أمثالك.”
رفع رأسه ببطء.
ثم وقع نظره على مبنى ضخم يرتفع وسط المدينة.
“إذًا… هم ما زالوا يطاردونني.”
ثم حول نظره إلى المدينة أمامه.
“تبا… ليس هذا ما كان يفترض أن يحدث.”
ضحك الرجل بخفوت.
“لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا فقط.”
“هناك… حانة القمر الفضي.”
“المتحولون لا ينسون الدم.”
كل شيء بدا متطورًا بشكل يفوق ما اعتاد رؤيته.
أبيض، أزرق، بنفسجي خافت، ينعكس على الزجاج والمعدن والأرضيات السوداء المصقولة، حتى بدا وكأن المدينة بأكملها تتوهج من الداخل.
اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجهه وهو يكمل
لم تكن غابة.
“وأنت لم تقتل شخصًا عاديًا.”
“إذًا… هم ما زالوا يطاردونني.”
أغلق إيثان قبضته حول البطاقة.
لكن لم يكن جامدًا أيضًا.
“كان يستحق.”
هذه المرة ضحك الرجل فعلًا، لكن الضحكة خرجت قصيرة وميتة.
“ماذا؟ أنت من طلب سلاحًا أقوى.”
“كل شخص يغرق في الدم يقول الجملة نفسها.”
فكان يراقب المشهد بصمت من الخلف.
ثم أمال رأسه قليلًا.
“إذًا كيف يطاردونني؟”
“اسمعني جيدًا… لا تبقَ في مدينة واحدة طويلًا.”
“الوقت انتهى منذ اللحظة التي مات فيها الأمير.”
تضيق عينا إيثان.
“لماذا؟”
أجاب الرجل بهدوء ثقيل “لأن المتحولين لا يتعقبون الأشخاص… بل يتعقبون الأثر.”
رفع الفتى حاجبه باستغراب حقيقي هذه المرة.
كان يقلب سكينًا بين أصابعه بمهارة باردة، يديرها بلا اهتمام… كأن يديه اعتادتا العنف أكثر من أي شيء آخر.
شعر إيثان بشيء بارد يمر داخل صدره.
“أي أثر؟”
“أخبر أورلاندو… أني سأحتاج أكثر مما اعطاني.”
توقف الرجل لحظة، ثم قال
“الزمن يترك ندوبًا… وأنت، تتركها في كل مكان دون أن تشعر”
ساد الصمت من جديد.
مرتبًا لدرجة غير إنسانية.
لكن هذه المرة… كان الصمت أسوأ.
“اذهب من هناك.”
ثم أكمل الرجل “المشكلة أنهم لا يعرفون شكلك. لا يملكون اسمًا. ولا حتى وصفًا واضحًا.”
“ستين بالمئة ليست نسبة مطمئنة أيها الأحمق!”
ولا أطلال.
رفع إيثان عينيه نحوه بسرعة.
رمش وهو لا يفهم سبب انفعالة.
“إذًا كيف يطاردونني؟”
ابتسم الرجل ببطء.
“هوية مؤقتة. لكنها لن تخدع أحدًا إذا دققوا كثيرًا.”
استقرت الكلمات داخل الغرفة بثقل خانق.
“لأنهم لا يطاردونك أنت… بل يطاردون الحقيقة.”
توقف أمام الحانة للحظة، ثم دفع الباب ودخل.
استقرت الكلمات داخل الغرفة بثقل خانق.
ثم أضافت “قد ترى مدينة تشبه مدن الماضي، وأخرى من الحاضر، وأخرى من المستقبل.”
“ستين بالمئة ليست نسبة مطمئنة أيها الأحمق!”
ثم تابع “فالينتسيا أخفت الكثير. عبثت بمسار التحقيق وأبطأتهم.”
“هذا بالضبط ما يفعله أمثالك.”
ليس صوت آلة واحدة… بل آلاف، ملايين، تعمل ككيان واحد.
توقف لثانية.
ودفعه.
اقترب ودخل.
“لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا فقط.”
سكت.
رفع عينيه مباشرة نحو إيثان.
بل عالم آخر.
“أن القاتل مستخدم زمن.”
امتد الصف البشري تحت الأضواء البيضاء والزرقاء التي غمرت المكان بوهجٍ بارد. أمامه ارتفعت بوابة نوفاريس الهائلة، بتصميمها المعدني الانسيابي وأسطحها اللامعة التي تعكس الضوء كأنها مصنوعة من مادة لا تشبه أي معدن يعرفه. خطوط مضيئة تتحرك عبر الجدران العملاقة بنبض منتظم، وشاشات شفافة معلقة في الهواء تعرض رموزًا وبيانات تتغير باستمرار.
أقرب.
سكت.
ولا مدينة قديمة.
حتى المصباح بدا وكأنه فقد جزءًا من ضوئه.
الضوء بين الأغصان خفت تدريجيًا، ليس لأنه اختفى… بل لأنه لم يعد يدخل.
ثم قال الرجل أخيرًا
تنهد إيثان بخفة.
رفع الفتى حاجبه باستغراب حقيقي هذه المرة.
“وأنت… آخر شخص يملك هذه القدرة.”
تنفسها.
شعر إيثان بأن الغرفة أصبحت أضيق.
“إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث.”
كأن الجدران نفسها تقترب ببطء.
أما إيثان…
ليس صوت آلة واحدة… بل آلاف، ملايين، تعمل ككيان واحد.
ثم جاء صوت الرجل باردًا وحاسمًا
توقف أمام الحانة للحظة، ثم دفع الباب ودخل.
“سيصلون إليك.”
“الأخبار تتحرك أسرع من اللازم.”
وفي داخله مرّت فكرة واحدة فقط
أغلق إيثان قبضته بقوة أكبر.
تنهد بضيق، ثم استدار وخرج بهدوء من الفندق.
“إذًا… لم يعد لدي وقت.”
لم تكن غابة.
“لا.”
لكن لم يكن جامدًا أيضًا.
هز الرجل رأسه ببطء.
عينان ثقيلتان… بلا ترحيب.
“الوقت انتهى منذ اللحظة التي مات فيها الأمير.”
اندفع في الهواء لعدة أمتار قبل أن يرتطم بالأرض بالقرب من إيثان بعنف، متدحرجًا فوق الحجارة المبللة.
ساد الصمت للمرة الأخيرة.
ثم نهض إيثان.
احتك الكرسي بالأرض بصوت خافت، بينما وضع البطاقة داخل سترته بحركة هادئة.
ثم وقع نظره على مبنى ضخم يرتفع وسط المدينة.
قال دون أن ينظر خلفه:
“قلت لك أن نسبة النجاح تجاوزت الستين بالمئة!”
مال للأمام ببطء، فتمدّد ظله فوق الطاولة حتى لامس يدي إيثان.
“أخبر أورلاندو… أني سأحتاج أكثر مما اعطاني.”
التفت الفتى إليه ببطء.
توقف إيثان فجأة.
لم يرد الرجل.
كل شيء بدا متطورًا بشكل يفوق ما اعتاد رؤيته.
ليس حفيف أوراق.
بقي جالسًا خلف الطاولة، يراقبه بعينين اعتادتا رؤية الهاربين قبل سقوطهم.
سار إيثان بين شوارع نوفاريس المضيئة، بينما انعكست الألوان المتحركة فوق الزجاج الأسود للمباني العملاقة من حوله. السيارات مرت على الطرق الواسعة، وشاشات الهولوغرام العملاقة أضاءت الواجهات بإعلانات متغيرة وألوان نابضة بالحياة، فيما اختلطت أصوات الناس مع الطنين الإلكتروني الخافت الذي يملأ المدينة.
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
أما إيثان…
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
فخرج من الغرفة ببطء.
كل شيء بدا متطورًا بشكل يفوق ما اعتاد رؤيته.
اختفت الأصوات تدريجيًا مع خطوات إيثان.
ومع كل خطوة، بدأ ضجيج الحانة يعود تدريجيًا، أصوات ضحك وكؤوس وموسيقى بعيدة…
كأن هذه الحضارة لا تعيش… بل تعمل فقط.
….
توقف إيثان للحظة.
الصوت أصبح أوضح.
بينما كان إيثان يسير بين شوارع المدينة المزدحمة، والضوء الأحمر المنعكس من اللافتات القديمة ينساب فوق الطرقات الرطبة…
“تبا… ليس هذا ما كان يفترض أن يحدث.”
دوى انفجار هائل.
رفع إيثان نظره إليه.
اهتزت الأرض بعنف تحت قدميه، وتكسرت نوافذ قريبة بصوت حاد، بينما اندفع لهيب أسود من أحد الأزقة مصحوبًا بسحابة كثيفة من الدخان والغبار.
“الوقت انتهى منذ اللحظة التي مات فيها الأمير.”
انغلق الباب خلفه بصوت مكتوم، فعزل ضجيج الحانة ولم يبق سوى صمت ثقيل ورائحة خشب قديم ودخان خافت عالق في الهواء.
تعالت صرخات الناس فورًا.
انفتحت الأبواب الزجاجية تلقائيًا بصوت ناعم، واستقبله هواء بارد يحمل رائحة عطر خفيف القاعة الداخلية كانت واسعة وفخمة، بإضاءة هادئة تنعكس فوق الأرضية السوداء اللامعة، بينما تحرك النزلاء والموظفون بهدوء وسط المكان.
ركض الجميع في اتجاهات مختلفة، بعضهم سقط، وآخرون دفعوا بعضهم بجنون محاولين الهرب.
وفي وسط الفوضى…
“وأنت لم تقتل شخصًا عاديًا.”
طار جسد صغير عبر الدخان.
ثم ارتفعت زاوية فم الرجل بابتسامة باهتة.
شاشات هولوغرافية ضخمة انعكست فوق الجدران وفي الهواء، تعرض إعلانات ورموزًا متحركة بألوان حادة تملأ المدينة بالحياة.
اندفع في الهواء لعدة أمتار قبل أن يرتطم بالأرض بالقرب من إيثان بعنف، متدحرجًا فوق الحجارة المبللة.
لم يكن خلف المدينة.
تراجع إيثان خطوة غريزيًا، وعيناه ضاقتا بحذر.
ثم مرر يده في شعره بتنهد متعب، وقال لنفسه “يبدو أنني بحاجة إلى مساعدة أورلاندو…”
السحابة السوداء استمرت بالتمدد خلفه، بينما تناثرت شرارات صغيرة داخل الدخان.
ثم…
“حين يذبح أمير… لا تبقى الأسرار حيّة طويلًا.”
صدر أنين منخفض.
توقف أمام الحانة للحظة، ثم دفع الباب ودخل.
كان فتى.
رفع إيثان عينيه نحوه بسرعة.
ممددًا فوق الأرض وسط الغبار، يسعل بصعوبة بينما يحاول رفع نفسه ببطء.
تنفسها.
شعره الأسود كان مبعثرًا بشكل فوضوي، وملابسه امتلأت ببقع الحرق والسخام
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء صغيرة من جيبه ومدها للحارس.
التفت الفتى إليه ببطء.
فوق رأسه استقرت نظارة حماية ثقيلة، تشبه تلك التي يرتديها قادة الدبابات أو المهندسون العسكريون داخل ساحات الحرب، بعدسات داكنة مخدوشة وآثار احتراق على أطرافها، تبدو كجزء دائم من مظهره الفوضوي.
ثم تمتم بضيق وهو يمسح الدم الخفيف عن زاوية فمه
أجاب الرجل بهدوء ثقيل “لأن المتحولين لا يتعقبون الأشخاص… بل يتعقبون الأثر.”
فتح عينيه أخيرًا.
سكت لحظة، ثم أضاف في نفسه
تضيق عينا إيثان.
ثم تمتم بضيق وهو يمسح الدم الخفيف عن زاوية فمه
“تبا… ليس هذا ما كان يفترض أن يحدث.”
هذه المرة ضحك الرجل فعلًا، لكن الضحكة خرجت قصيرة وميتة.
وقبل أن ينهض بالكامل
فخرج من الغرفة ببطء.
انفجر صوت غاضب من داخل الدخان
لم يرد الرجل.
“أيها المختل! هل تحاول قتلنا؟!”
سكتت لحظة، بينما مرت نسمة باردة بينهما، حاملة معها أصوات المدينة البعيدة.
ثم قال الرجل أخيرًا
خرج رجل من بين الحطام مترنحًا، وثيابه ممزقة جزئيًا، بينما كان يحدق بالفتى بعينين ممتلئتين بالغضب والصدمة.
حتى الهواء بدا أثقل بعدها.
التفت الفتى إليه ببطء.
اتجه إيثان نحو البار، ثم وقف أمام الطاولة الطويلة يراقب العامل الذي ينشغل بتعبئة الأكواب وتلقي العملات من الزبائن
رمش وهو لا يفهم سبب انفعالة.
استدار بهدوء، وبدأ يبتعد وسط الشارع.
ثم قال ببرود
“إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث.”
“ماذا؟ أنت من طلب سلاحًا أقوى.”
لم يرد الرجل.
تجمد الرجل للحظة من شدة الصدمة.
اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجهه وهو يكمل
“أقوى؟! لقد فجرت نصف الورشة!”
نظر الفتى خلفه نحو الدخان المتصاعد
“التجارب تحتاج بعض التضحيات.”
ثم، عندما أصبح قريبًا بما يكفي…
ثم هز كتفيه بلا اكتراث.
“إذًا… هذا يعني أن القوة ممتازة.”
اندس بين الناس بصمت.
الرجل فتح فمه بغضب، لكنه بدا عاجزًا عن الرد لثانية كاملة.
أما الفتى…
“هوية مؤقتة. لكنها لن تخدع أحدًا إذا دققوا كثيرًا.”
فبدأ ينفض الغبار عن معطفه بهدوء غريب، كما لو أن الانفجار حادث يومي معتاد.
“التجارب تحتاج بعض التضحيات.”
توقفت حركة الرجل لثانية.
“لماذا؟”
“التضحيات؟! كدت تموت أنت أيضًا!”
وأخذ أول خطوة… نحو المدينة.
رفع الفتى حاجبه باستغراب حقيقي هذه المرة.
خطواتهما وحدها كانت تكسر الصمت.
“لكنني لم أمت.”
تبعها ايثان بحذر.
ساد صمت قصير.
وفي داخله مرّت فكرة واحدة فقط
صمت سخيف لدرجة جعلت الرجل يحدق فيه وقد بدا عليه أنه فقد القدرة على استيعابه.
أما إيثان…
صوت الأجهزة وهي تفحص الداخلين، ومضات الضوء السريعة، وأوامر الحراس القصيرة التي تُقال بنبرة صارمة خالية من أي مشاعر.
فكان يراقب المشهد بصمت من الخلف.
استمر الشجار خلفه، لكن إيثان فقد اهتمامه سريعًا.
ثم وضع الكأس ببطء، وحدق في إيثان بنظرة مختلفة تمامًا.
استدار بهدوء، وبدأ يبتعد وسط الشارع.
“لا.”
“التجارب تحتاج بعض التضحيات.”
وخلفه، كان صوت الفتى ما يزال يرتفع بثقة غريبة
ثم…
“قلت لك أن نسبة النجاح تجاوزت الستين بالمئة!”
كان هناك صوت.
“ستين بالمئة ليست نسبة مطمئنة أيها الأحمق!”
“الزمن يترك ندوبًا… وأنت، تتركها في كل مكان دون أن تشعر”
ثم أضاف “والمكافأة على رأسك… تكفي لشراء حي كامل.”
اختفت الأصوات تدريجيًا مع خطوات إيثان.
مدينة هائلة تمتد بلا نهاية تقريبًا، أبراجها تخترق السماء وواجهاتها الزجاجية تعكس الضوء البارد.
ثم مرت فكرة ساخرة داخل رأسه
دون وعي، اقتربت يده من خنجره.
“يبدو أن هذا العالم يملك عددًا مزعجًا من المجانين.”
شد حقيبته فوق كتفه، وأكمل السير بين الأضواء الباهتة والدخان المتصاعد…
ضحكات، موسيقى خافتة، وأصوات أكواب تتصادم.
غير مدرك أن ذلك الفتى المجنون سيصبح قريبًا جزءًا من مشكلته التالية.
شعره الأسود كان مبعثرًا بشكل فوضوي، وملابسه امتلأت ببقع الحرق والسخام
