نوفاريس: بداية المطاردة
سارا معًا في أعماق الغابة، بين الأشجار التي تزداد كثافة كلما توغلا أكثر.
الأرض كانت رطبة، والهواء أثقل من أن يكون طبيعيًا.
ليتجمد الزمن.
خطواتهما وحدها كانت تكسر الصمت.
توقفت حركة الرجل لثانية.
ثم…
الضوء في كل مكان.
توقف إيثان فجأة.
قال دون أن ينظر خلفه:
تجمد مكانه.
ثم وضع الكأس ببطء، وحدق في إيثان بنظرة مختلفة تمامًا.
وعيناه ضاقتا ببطء.
استمر الشجار خلفه، لكن إيثان فقد اهتمامه سريعًا.
كان هناك صوت.
رفع إيثان رأسه ببطء.
ليس حفيف أوراق.
واجهته الزجاجية العملاقة عكست أضواء المكان بألوان زرقاء وفضية متداخلة، حتى بدا المبنى وكأنه يتوهج وسط نوفاريس.
ولا حركة حيوان مختبئ.
ثم أكمل الرجل “المشكلة أنهم لا يعرفون شكلك. لا يملكون اسمًا. ولا حتى وصفًا واضحًا.”
أقرب.
بل شيء آخر تمامًا.
موظفات الاستقبال كن يقفن خلف منصات زجاجية مضيئة، تتحرك أمامهن شاشات شفافة مليئة بالبيانات.
“زززز… ززززز…”
قال إيثان وهو لا يزال يحدق في المدينة الممتدة أمامه “كيف هذا المكان يشبه المدن المستقبلية التي أراها في التلفاز في عالمي؟”
صوت منتظم.
امتد الصف البشري تحت الأضواء البيضاء والزرقاء التي غمرت المكان بوهجٍ بارد. أمامه ارتفعت بوابة نوفاريس الهائلة، بتصميمها المعدني الانسيابي وأسطحها اللامعة التي تعكس الضوء كأنها مصنوعة من مادة لا تشبه أي معدن يعرفه. خطوط مضيئة تتحرك عبر الجدران العملاقة بنبض منتظم، وشاشات شفافة معلقة في الهواء تعرض رموزًا وبيانات تتغير باستمرار.
بينما كان إيثان يسير بين شوارع المدينة المزدحمة، والضوء الأحمر المنعكس من اللافتات القديمة ينساب فوق الطرقات الرطبة…
حاد.
يتكرر بنفس الإيقاع دون أي تغيير لم يكن ينتمي للغابة أصلًا.
لم يكن حيًا…
دوى انفجار هائل.
اقترب ودخل.
لكن لم يكن جامدًا أيضًا.
الصوت يشبة نبض معدني يتنفس من داخل الأرض.
“إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث.”
رفع إيثان رأسه ببطء نحو الأمام.
ظل الرجل يحدق فيه لثوانٍ، ثم فتح الدرج المجاور ببطء، وأخرج بطاقة معدنية سوداء.
“هل تسمعين هذا؟”
“حين يذبح أمير… لا تبقى الأسرار حيّة طويلًا.”
تضيق عينا إيثان.
توقفت فالينتسيا.
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
مالت قليلًا تستمع.
رفع الرجل نظره إليه للحظة، ليقول إيثان بهدوء
الهواء حولها تحرك بخفة، لكن عينيها بقيتا ثابتتين.
وقبل أن يتقدم، سمع إحدى الموظفات تقول للرجل الواقف أمامها بابتسامة رسمية “الهوية، من فضلك.”
“نعم.”
ساد الصمت للمرة الأخيرة.
رفع عينيه نحو إيثان.
سكتت لحظة.
“لكنني أعرف هذا الصوت.”
التفت إليها إيثان فورًا.
صدر من الرجل ضحك خافت وخشن، كاحتكاك معدن صدئ.
“تعرفينه؟”
لم تجب.
بدلًا من ذلك، تقدمت خطوة واحدة.
خرج رجل من بين الحطام مترنحًا، وثيابه ممزقة جزئيًا، بينما كان يحدق بالفتى بعينين ممتلئتين بالغضب والصدمة.
ظل الرجل يحدق فيه لثوانٍ، ثم فتح الدرج المجاور ببطء، وأخرج بطاقة معدنية سوداء.
ثم أخرى.
انفتحت الأبواب الزجاجية تلقائيًا بصوت ناعم، واستقبله هواء بارد يحمل رائحة عطر خفيف القاعة الداخلية كانت واسعة وفخمة، بإضاءة هادئة تنعكس فوق الأرضية السوداء اللامعة، بينما تحرك النزلاء والموظفون بهدوء وسط المكان.
مد يده ببطء، ثم سلمها الجوهرة.
تبعها ايثان بحذر.
صوت منتظم.
ثم خرج من بين الأشجار.
كلما تقدما، أصبحت الأرض أكثر صلابة، شعر أن الغابة نفسها تتغير تحت أقدامهما.
كان يقلب سكينًا بين أصابعه بمهارة باردة، يديرها بلا اهتمام… كأن يديه اعتادتا العنف أكثر من أي شيء آخر.
توقفت حركة السكين.
الأشجار ازدادت كثافة… ثم بدأت تفقد شكلها الطبيعي.
تقدم بخطوات هادئة، وصوت حذائه ارتطم بالأرضية الصلبة بإيقاع بطيء ومنتظم.
ساد الصمت.
الضوء بين الأغصان خفت تدريجيًا، ليس لأنه اختفى… بل لأنه لم يعد يدخل.
قال الرجل دون أن يبعد عينيه عنه “لكن قبل أن تختفي… اسمع هذه.”
“زززززز… ززززززز…”
حتى المصباح بدا وكأنه فقد جزءًا من ضوئه.
الصوت أصبح أوضح.
الصوت يشبة نبض معدني يتنفس من داخل الأرض.
أقرب.
رفعت يدها قليلًا، وأشارت إلى المدينة الممتدة أمامهما.
ليس صوت آلة واحدة… بل آلاف، ملايين، تعمل ككيان واحد.
تقدم إيثان خطوة أخيرة.
“التضحيات؟! كدت تموت أنت أيضًا!”
ثم خرج من بين الأشجار.
وتوقف.
لم يكن خلف المدينة.
وتوقف.
عينيه اتسعتا ببطء.
الأرض كانت رطبة، والهواء أثقل من أن يكون طبيعيًا.
“الأخبار تتحرك أسرع من اللازم.”
أمامه…
ساد صمت قصير.
لم تكن غابة.
ولا أطلال.
ولا مدينة قديمة.
شعر إيثان بشيء بارد يمر داخل صدره.
تراجع إيثان خطوة غريزيًا، وعيناه ضاقتا بحذر.
بل عالم آخر.
اتسعت عيناه قليلًا وهو يسير بين شوارعها الواسعة.
الضوء بين الأغصان خفت تدريجيًا، ليس لأنه اختفى… بل لأنه لم يعد يدخل.
مدينة هائلة تمتد بلا نهاية تقريبًا، أبراجها تخترق السماء وواجهاتها الزجاجية تعكس الضوء البارد.
مصباح يتدلى فوق طاولة خشبية في المنتصف، يهتز ضوؤه الخافت أحيانًا، فيحرّك الظلال فوق الجدران كأنها تتنفس.
“لم يُذكر هذا في الكتاب…” تمتم.
طرق مرتفعة تتحرك فيها مركبات تنزلق في الهواء والأرض.
وفي وسط الفوضى…
وقف خارج الفندق للحظات، يراقب المدينة التي لا تشبه أي شيء عرفه من قبل.
كل شيء هنا كان “مضبوطًا” بشكل مزعج.
“إذًا… لم يعد لدي وقت.”
المكان بدا كأنه خرج مباشرة من أفلام الخيال العلمي التي كان يشاهدها في عالمه أبراج شاهقة من الزجاج الأسود والمعادن اللامعة ترتفع حتى تكاد تلامس السماء، واجهاتها مضاءة بخطوط نيون زرقاء وبيضاء تتحرك بانسيابية فوق الأسطح.
نظيفًا أكثر من اللازم.
مرتبًا لدرجة غير إنسانية.
والصوت…
ثم خرج من بين الأشجار.
“زززز… ززززز…”
توقف أمام الحانة للحظة، ثم دفع الباب ودخل.
لم يكن خلف المدينة.
السحابة السوداء استمرت بالتمدد خلفه، بينما تناثرت شرارات صغيرة داخل الدخان.
الرجل فتح فمه بغضب، لكنه بدا عاجزًا عن الرد لثانية كاملة.
بل داخلها.
سكتت لحظة.
نبضها.
سكون قصير مر بينهما، لم يُسمع خلاله سوى طنين المصباح الكهربائي.
تنفسها.
التعب ما زال يثقل جسده، وعضلاته تؤلمه بعد الرحلة الطويلة، لكن حتى إرهاقه بدا صغيرًا أمام المشهد الذي يقف أمامه الآن.
كأن هذه الحضارة لا تعيش… بل تعمل فقط.
تراجع إيثان خطوة غريزيًا، وعيناه ضاقتا بحذر.
التعب ما زال يثقل جسده، وعضلاته تؤلمه بعد الرحلة الطويلة، لكن حتى إرهاقه بدا صغيرًا أمام المشهد الذي يقف أمامه الآن.
مرت مركبة فوقهم، وقطعت السماء بخط ضوئي خافت قبل أن تختفي بين الأبراج.
سكتت لحظة، بينما مرت نسمة باردة بينهما، حاملة معها أصوات المدينة البعيدة.
ثم خرج من بين الأشجار.
وقف إيثان دون حركة.
“لماذا؟”
ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا، مشوشًا بين الصدمة والإنكار “هل هذا… حلم؟”
كان المكان مزدحمًا، الطاولات ممتلئة، وأحاديث الناس تختلط ببعضها.
قال الرجل دون أن يبعد عينيه عنه “لكن قبل أن تختفي… اسمع هذه.”
قال إيثان وهو لا يزال يحدق في المدينة الممتدة أمامه “كيف هذا المكان يشبه المدن المستقبلية التي أراها في التلفاز في عالمي؟”
شعر إيثان بشيء بارد يمر داخل صدره.
نظرت فالينتسيا إلى الأفق بصمت للحظة، قبل أن تجيب بهدوء “يبدو أنك لا تعلم أن فيرجيا يجمع بين الحاضر والماضي وأيضًا المستقبل.”
اقترب إيثان خطوة واحدة فقط.
تنهد إيثان بخفة.
سكتت لحظة، بينما مرت نسمة باردة بينهما، حاملة معها أصوات المدينة البعيدة.
فوق رأسه استقرت نظارة حماية ثقيلة، تشبه تلك التي يرتديها قادة الدبابات أو المهندسون العسكريون داخل ساحات الحرب، بعدسات داكنة مخدوشة وآثار احتراق على أطرافها، تبدو كجزء دائم من مظهره الفوضوي.
سكت لحظة، ثم أضاف في نفسه
ثم أضافت “قد ترى مدينة تشبه مدن الماضي، وأخرى من الحاضر، وأخرى من المستقبل.”
تنهد إيثان بخفة.
رفعت يدها قليلًا، وأشارت إلى المدينة الممتدة أمامهما.
“هذه المدينة اسمها… نوفاريس.”
توقفت حركة الرجل لثانية.
التفتت نحوه، وعادت جديتها “والآن، وقد أخرجتك من الغابة، أعطني الجوهرة.”
ثم، عندما أصبح قريبًا بما يكفي…
موظفات الاستقبال كن يقفن خلف منصات زجاجية مضيئة، تتحرك أمامهن شاشات شفافة مليئة بالبيانات.
نظر إليها إيثان للحظة ثم فتح الحقيبة وأخرج الجوهرة. كان توهجها الخافت ينسكب على وجهيهما، يلمع بين أصابعه
بل داخلها.
“لماذا؟”
مد يده ببطء، ثم سلمها الجوهرة.
أخذتها و أخرجت كيسًا من العملات، ثم رمته نحو إيثان، فسقط على يدية بصوتٍ معدني ثقيل.
رفع رأسه مجددًا.
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
استدارت بهدوء، وتحركت خطواتها فوق التراب المبلل، بينما ابتلعها ظل الغابة شيئًا فشيئاً
ظل ايثان يراقبها حتى اختفت بين الأشجار.
الممر الضيق أمامه كان غارقًا بضوء أحمر خافت، ينساب فوق الجدران المعدنية الداكنة كآثار دم جاف.
ثم حول نظره إلى المدينة أمامه.
ضحكات، موسيقى خافتة، وأصوات أكواب تتصادم.
“لم يُذكر هذا في الكتاب…” تمتم.
سكت لحظة، ثم أضاف في نفسه
وضعها فوق الطاولة.
“ربما في الأجزاء المفقودة…”
عينان ثقيلتان… بلا ترحيب.
حتى المصباح بدا وكأنه فقد جزءًا من ضوئه.
رفع رأسه مجددًا.
حتى المصباح بدا وكأنه فقد جزءًا من ضوئه.
“ربما في الأجزاء المفقودة…”
وأخذ أول خطوة… نحو المدينة.
ساد الصمت للمرة الأخيرة.
توقف إيثان عندما رأى الطابور الطويل الممتد أمام بوابة المدينة.
وقبل أن يتقدم، سمع إحدى الموظفات تقول للرجل الواقف أمامها بابتسامة رسمية “الهوية، من فضلك.”
امتد الصف البشري تحت الأضواء البيضاء والزرقاء التي غمرت المكان بوهجٍ بارد. أمامه ارتفعت بوابة نوفاريس الهائلة، بتصميمها المعدني الانسيابي وأسطحها اللامعة التي تعكس الضوء كأنها مصنوعة من مادة لا تشبه أي معدن يعرفه. خطوط مضيئة تتحرك عبر الجدران العملاقة بنبض منتظم، وشاشات شفافة معلقة في الهواء تعرض رموزًا وبيانات تتغير باستمرار.
انفجر صوت غاضب من داخل الدخان
كل شيء بدا متطورًا بشكل يفوق ما اعتاد رؤيته.
“يبدو أن هذا العالم يملك عددًا مزعجًا من المجانين.”
الهواء نفسه كان مختلفًا؛ نظيفًا بشكل غريب، يحمل رائحة معدنية خفيفة مع دفء الكهرباء والأجهزة المنتشرة في المكان. أصوات الطنين الإلكتروني امتزجت مع وقع الخطوات وحديث الناس المتداخل، لتصنع ضجيجًا ناعمًا يشبه المدن المستقبلية التي كان يراها في الأفلام.
سكت لحظة، ثم أضاف في نفسه
تنهد إيثان بخفة.
ثم وصل إلى الباب الأخير.
التعب ما زال يثقل جسده، وعضلاته تؤلمه بعد الرحلة الطويلة، لكن حتى إرهاقه بدا صغيرًا أمام المشهد الذي يقف أمامه الآن.
اندس بين الناس بصمت.
وفي وسط الفوضى…
أضواء الهولوغرام انعكست على وجوه الواقفين، بينما تحركت طائرات صغيرة بلا طيار فوق البوابة بانتظام، ماسحات زرقاء تمر فوق الداخلين للحظات قبل أن تختفي. الأرضية المعدنية أسفل قدميه أصدرت صوتًا خافتًا مع كل خطوة، ناعمًا ومنتظمًا بشكل يكاد يكون آليًا.
رفع إيثان نظره قليلًا.
رفع الفتى حاجبه باستغراب حقيقي هذه المرة.
اقترب إيثان خطوة واحدة فقط.
الحراس وقفوا ببدلات سوداء متطورة، تتوهج أطرافها بخطوط ضوء خافتة. خوذاتهم أخفت نصف وجوههم، وأعينهم تتابع الناس ببرود حاد، بينما تظهر بيانات متحركة على شاشات شفافة قرب أيديهم.
كلما اقترب الصف، أصبحت التفاصيل أوضح.
والصوت…
صوت الأجهزة وهي تفحص الداخلين، ومضات الضوء السريعة، وأوامر الحراس القصيرة التي تُقال بنبرة صارمة خالية من أي مشاعر.
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء ووضعها فوق جهاز صغير، فمر ضوء أزرق عبر سطح البطاقة للحظة.
رفع إيثان رأسه ببطء نحو الأمام.
ثم، عندما أصبح قريبًا بما يكفي…
لأنه أدرك أنه لا يملك أي هوية أصلًا.
سقطت الجملة داخل الغرفة بثقل حجر.
سمع أحد الحراس يقول للرجل الذي أمامه ببرود حاد “الهوية.”
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء صغيرة من جيبه ومدها للحارس.
مررها الحارس فوق جهاز مضيء، فظهر وميض أزرق سريع على سطح البطاقة قبل أن يومئ له بالعبور.
“إذًا كيف يطاردونني؟”
أما إيثان…
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء ووضعها فوق جهاز صغير، فمر ضوء أزرق عبر سطح البطاقة للحظة.
دوى انفجار هائل.
فشعر بانقباض بارد يمر في صدره ببطء.
توقف الرجل لحظة، ثم قال
بل شيء آخر تمامًا.
لأنه أدرك أنه لا يملك أي هوية أصلًا.
مصباح يتدلى فوق طاولة خشبية في المنتصف، يهتز ضوؤه الخافت أحيانًا، فيحرّك الظلال فوق الجدران كأنها تتنفس.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وقال لنفسه
“يجب أن أفكر في هذا لاحقًا.”
أخذتها و أخرجت كيسًا من العملات، ثم رمته نحو إيثان، فسقط على يدية بصوتٍ معدني ثقيل.
توقفت فالينتسيا.
خفض نظرة.
وأخذ أول خطوة… نحو المدينة.
ليتجمد الزمن.
تنهد بضيق، ثم استدار وخرج بهدوء من الفندق.
ثم خرج من بين الأشجار.
سكنت الأصوات، وتوقفت الحركات، حتى الحراس بقوا جامدين في أماكنهم.
“لا.”
ثم أكمل الرجل “المشكلة أنهم لا يعرفون شكلك. لا يملكون اسمًا. ولا حتى وصفًا واضحًا.”
رفع إيثان رأسه ببطء.
انعكست الأضواء الزرقاء على عينيه بينما نظر نحو البوابة العملاقة أمامه، ثم بدأ يتحرك.
دخل نوفاريس.
الممر الضيق أمامه كان غارقًا بضوء أحمر خافت، ينساب فوق الجدران المعدنية الداكنة كآثار دم جاف.
اتسعت عيناه قليلًا وهو يسير بين شوارعها الواسعة.
لم تكن غابة.
المكان بدا كأنه خرج مباشرة من أفلام الخيال العلمي التي كان يشاهدها في عالمه أبراج شاهقة من الزجاج الأسود والمعادن اللامعة ترتفع حتى تكاد تلامس السماء، واجهاتها مضاءة بخطوط نيون زرقاء وبيضاء تتحرك بانسيابية فوق الأسطح.
نظر إيثان إلى الباب، ثم تحرك نحوه بهدوء.
خفض الرجل قطعة القماش من يده، ثم قال بصوت هادئ
الطرق الواسعة امتدت بين المباني بإضاءة نظيفة وباردة، بينما تحركت وسائل نقل غريبة بصمت شبه كامل، تنزلق فوق الأرض أو تطفو قليلًا عنها دون أي صوت محركات مألوف.
شاشات هولوغرافية ضخمة انعكست فوق الجدران وفي الهواء، تعرض إعلانات ورموزًا متحركة بألوان حادة تملأ المدينة بالحياة.
الصوت أصبح أوضح.
الضوء في كل مكان.
كان هناك صوت.
رفعت يدها قليلًا، وأشارت إلى المدينة الممتدة أمامهما.
أبيض، أزرق، بنفسجي خافت، ينعكس على الزجاج والمعدن والأرضيات السوداء المصقولة، حتى بدا وكأن المدينة بأكملها تتوهج من الداخل.
“أخبر أورلاندو… أني سأحتاج أكثر مما اعطاني.”
رفعت يدها قليلًا، وأشارت إلى المدينة الممتدة أمامهما.
سار إيثان بين شوارع نوفاريس المضيئة، بينما انعكست الألوان المتحركة فوق الزجاج الأسود للمباني العملاقة من حوله. السيارات مرت على الطرق الواسعة، وشاشات الهولوغرام العملاقة أضاءت الواجهات بإعلانات متغيرة وألوان نابضة بالحياة، فيما اختلطت أصوات الناس مع الطنين الإلكتروني الخافت الذي يملأ المدينة.
“إذًا كيف يطاردونني؟”
“الوقت انتهى منذ اللحظة التي مات فيها الأمير.”
ثم وقع نظره على مبنى ضخم يرتفع وسط المدينة.
واجهته الزجاجية العملاقة عكست أضواء المكان بألوان زرقاء وفضية متداخلة، حتى بدا المبنى وكأنه يتوهج وسط نوفاريس.
“أريد حساء الرماد… مع نبيذ الليل.”
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
ساد الصمت للمرة الأخيرة.
اقترب ودخل.
“تعرفينه؟”
ركض الجميع في اتجاهات مختلفة، بعضهم سقط، وآخرون دفعوا بعضهم بجنون محاولين الهرب.
انفتحت الأبواب الزجاجية تلقائيًا بصوت ناعم، واستقبله هواء بارد يحمل رائحة عطر خفيف القاعة الداخلية كانت واسعة وفخمة، بإضاءة هادئة تنعكس فوق الأرضية السوداء اللامعة، بينما تحرك النزلاء والموظفون بهدوء وسط المكان.
نظر الفتى خلفه نحو الدخان المتصاعد
كأن هذه الحضارة لا تعيش… بل تعمل فقط.
وقف إيثان يراقب بصمت.
ودفعه.
موظفات الاستقبال كن يقفن خلف منصات زجاجية مضيئة، تتحرك أمامهن شاشات شفافة مليئة بالبيانات.
“زززز… ززززز…”
استدار بهدوء، وبدأ يبتعد وسط الشارع.
وقبل أن يتقدم، سمع إحدى الموظفات تقول للرجل الواقف أمامها بابتسامة رسمية “الهوية، من فضلك.”
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء ووضعها فوق جهاز صغير، فمر ضوء أزرق عبر سطح البطاقة للحظة.
ثم قالت الموظفة “الغرفة الواحدة ليومٍ واحد تكلف عشر عملات ذهبية.”
توقف إيثان للحظة.
تنفسها.
شعر بانقباض خفيف في صدره وهو يدرك المشكلة.
لا يملك هوية.
“لولا أن أورلاندو يرى أنك مهم… لكنت سلّمتك لهم بنفسي.”
استقبله هواء دافئ ورائحة الطعام والمشروبات.
ولا يملك ما يكفي من المال.
تنهد بضيق، ثم استدار وخرج بهدوء من الفندق.
عادت أبواب الزجاج لتنغلق خلفه.
ثم قالت الموظفة “الغرفة الواحدة ليومٍ واحد تكلف عشر عملات ذهبية.”
وقف خارج الفندق للحظات، يراقب المدينة التي لا تشبه أي شيء عرفه من قبل.
تجمد مكانه.
اقترب ودخل.
ثم مرر يده في شعره بتنهد متعب، وقال لنفسه “يبدو أنني بحاجة إلى مساعدة أورلاندو…”
شاشات هولوغرافية ضخمة انعكست فوق الجدران وفي الهواء، تعرض إعلانات ورموزًا متحركة بألوان حادة تملأ المدينة بالحياة.
سار بين الشوارع، يسأل المارة عن حانة تُدعى القمر الفضي.
“لولا أن أورلاندو يرى أنك مهم… لكنت سلّمتك لهم بنفسي.”
ثم تمتم بضيق وهو يمسح الدم الخفيف عن زاوية فمه
أشار له أحد المارة إلى جهةٍ بعيدة قليلًا، وقال
بل داخلها.
“هناك… حانة القمر الفضي.”
كلما اقترب الصف، أصبحت التفاصيل أوضح.
نظر إيثان إلى الاتجاه الذي أشار إليه الرجل، ثم بدأ يسير نحوه بهدوء.
ثم ارتفعت زاوية فم الرجل بابتسامة باهتة.
سار إيثان عبر الشوارع المضيئة، يراقب الناس والمباني من حوله، حتى بدأت الأصوات الصاخبة تصل إلى مسامعه.
أمامه…
الصوت أصبح أوضح.
ضحكات، موسيقى خافتة، وأصوات أكواب تتصادم.
مد يده ببطء، ثم سلمها الجوهرة.
رفع نظره ليرى لافتة مضيئة كُتب عليها “القمر الفضي”.
توقف أمام الحانة للحظة، ثم دفع الباب ودخل.
استقبله هواء دافئ ورائحة الطعام والمشروبات.
بدلًا من ذلك، تقدمت خطوة واحدة.
“لأنهم لا يطاردونك أنت… بل يطاردون الحقيقة.”
كان المكان مزدحمًا، الطاولات ممتلئة، وأحاديث الناس تختلط ببعضها.
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء ووضعها فوق جهاز صغير، فمر ضوء أزرق عبر سطح البطاقة للحظة.
وقف إيثان يتفحص المكان بعينيه بهدوء.
اختفت الأصوات تدريجيًا مع خطوات إيثان.
اتجه إيثان نحو البار، ثم وقف أمام الطاولة الطويلة يراقب العامل الذي ينشغل بتعبئة الأكواب وتلقي العملات من الزبائن
توقف إيثان عندما رأى الطابور الطويل الممتد أمام بوابة المدينة.
رفع الرجل نظره إليه للحظة، ليقول إيثان بهدوء
“أريد حساء الرماد… مع نبيذ الليل.”
“من أرسلك؟”
توقفت حركة الرجل لثانية.
مررها الحارس فوق جهاز مضيء، فظهر وميض أزرق سريع على سطح البطاقة قبل أن يومئ له بالعبور.
ثم وضع الكأس ببطء، وحدق في إيثان بنظرة مختلفة تمامًا.
خفض الرجل قطعة القماش من يده، ثم قال بصوت هادئ
“من أرسلك؟”
“لكنني لم أمت.”
نظر إليه إيثان وأجاب
وفي وسط الفوضى…
“أورلاندو.”
أقرب.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يومئ الرجل ببطء، ثم أشار بعينه إلى باب صغير خلف البار.
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء ووضعها فوق جهاز صغير، فمر ضوء أزرق عبر سطح البطاقة للحظة.
عينان ثقيلتان… بلا ترحيب.
“اذهب من هناك.”
ابتسم الرجل ببطء.
نظر إيثان إلى الباب، ثم تحرك نحوه بهدوء.
ولا أطلال.
ثم وصل إلى الباب الأخير.
فتح الباب ودخل، ليجد ممرًا ضيقًا بإضاءة خافتة يقوده إلى غرفة في الخلف.
انغلق الباب خلفه بصوت مكتوم، فعزل ضجيج الحانة ولم يبق سوى صمت ثقيل ورائحة خشب قديم ودخان خافت عالق في الهواء.
الممر الضيق أمامه كان غارقًا بضوء أحمر خافت، ينساب فوق الجدران المعدنية الداكنة كآثار دم جاف.
تقدم بخطوات هادئة، وصوت حذائه ارتطم بالأرضية الصلبة بإيقاع بطيء ومنتظم.
“نعم.”
دون وعي، اقتربت يده من خنجره.
“هل تسمعين هذا؟”
ثم وصل إلى الباب الأخير.
ثم نهض إيثان.
توقف لثانية…
ودفعه.
كأن الجدران نفسها تقترب ببطء.
ثم أمال رأسه قليلًا.
كانت الغرفة صغيرة حد الاختناق.
فوق رأسه استقرت نظارة حماية ثقيلة، تشبه تلك التي يرتديها قادة الدبابات أو المهندسون العسكريون داخل ساحات الحرب، بعدسات داكنة مخدوشة وآثار احتراق على أطرافها، تبدو كجزء دائم من مظهره الفوضوي.
مصباح يتدلى فوق طاولة خشبية في المنتصف، يهتز ضوؤه الخافت أحيانًا، فيحرّك الظلال فوق الجدران كأنها تتنفس.
طار جسد صغير عبر الدخان.
الصوت أصبح أوضح.
وخلف الطاولة جلس رجل ضخم.
فوق رأسه استقرت نظارة حماية ثقيلة، تشبه تلك التي يرتديها قادة الدبابات أو المهندسون العسكريون داخل ساحات الحرب، بعدسات داكنة مخدوشة وآثار احتراق على أطرافها، تبدو كجزء دائم من مظهره الفوضوي.
جسده العريض ابتلع نصف الكرسي تقريبًا، بينما امتدت ندبة خشنة من صدغه حتى قرب عينه، مشوّهة جزءًا من وجهه بطريقة جعلته يبدو كمن نجا من شيء كان يجب أن يقتله.
كان يقلب سكينًا بين أصابعه بمهارة باردة، يديرها بلا اهتمام… كأن يديه اعتادتا العنف أكثر من أي شيء آخر.
هز الرجل رأسه ببطء.
رفع عينيه نحو إيثان.
ثم…
“يجب أن أفكر في هذا لاحقًا.”
عينان ثقيلتان… بلا ترحيب.
صدر أنين منخفض.
قال بصوت أجش “أنت إيثان؟”
مال للأمام ببطء، فتمدّد ظله فوق الطاولة حتى لامس يدي إيثان.
ثم وقع نظره على مبنى ضخم يرتفع وسط المدينة.
اقترب إيثان خطوة واحدة فقط.
“نعم.”
صوت منتظم.
توقفت حركة السكين.
عينيه اتسعتا ببطء.
سكون قصير مر بينهما، لم يُسمع خلاله سوى طنين المصباح الكهربائي.
ثم ارتفعت زاوية فم الرجل بابتسامة باهتة.
“إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث.”
بقي جالسًا خلف الطاولة، يراقبه بعينين اعتادتا رؤية الهاربين قبل سقوطهم.
ثم وصل إلى الباب الأخير.
ضيّق إيثان عينيه قليلًا.
وفي وسط الفوضى…
“الأخبار تتحرك أسرع من اللازم.”
صدر من الرجل ضحك خافت وخشن، كاحتكاك معدن صدئ.
ثم أخرى.
“حين يذبح أمير… لا تبقى الأسرار حيّة طويلًا.”
مال للأمام ببطء، فتمدّد ظله فوق الطاولة حتى لامس يدي إيثان.
“ماذا تريد؟”
بل داخلها.
أجاب مباشرة “هوية جديدة.”
ظل الرجل يحدق فيه لثوانٍ، ثم فتح الدرج المجاور ببطء، وأخرج بطاقة معدنية سوداء.
ابتسم الرجل مجددًا، ابتسامة أقرب إلى كشف أنياب.
نظرت فالينتسيا إلى الأفق بصمت للحظة، قبل أن تجيب بهدوء “يبدو أنك لا تعلم أن فيرجيا يجمع بين الحاضر والماضي وأيضًا المستقبل.”
وضعها فوق الطاولة.
رفع نظره ليرى لافتة مضيئة كُتب عليها “القمر الفضي”.
صوتها الخفيف فوق الخشب بدا أعلى من المفترض.
توقفت حركة الرجل لثانية.
“هوية مؤقتة. لكنها لن تخدع أحدًا إذا دققوا كثيرًا.”
“هذه المدينة اسمها… نوفاريس.”
أخذها إيثان بصمت.
سكنت الأصوات، وتوقفت الحركات، حتى الحراس بقوا جامدين في أماكنهم.
المعدن البارد لامس أصابعه، بينما انعكس الضوء الأحمر فوق حواف البطاقة كأنه دم متجمد.
ليتجمد الزمن.
قال الرجل دون أن يبعد عينيه عنه “لكن قبل أن تختفي… اسمع هذه.”
“لا.”
رفع إيثان نظره إليه.
لم يكن خلف المدينة.
“لكنني لم أمت.”
ابتسم الرجل ابتسامة بلا دفء.
تراجع إيثان خطوة غريزيًا، وعيناه ضاقتا بحذر.
“قبيلة المتحولين أعلنت مطاردة.”
سقطت الجملة داخل الغرفة بثقل حجر.
نظر إليه إيثان وأجاب
حتى الهواء بدا أثقل بعدها.
ليس صوت آلة واحدة… بل آلاف، ملايين، تعمل ككيان واحد.
ثم أضاف “والمكافأة على رأسك… تكفي لشراء حي كامل.”
ثم أضاف “والمكافأة على رأسك… تكفي لشراء حي كامل.”
ساد الصمت.
“لم يُذكر هذا في الكتاب…” تمتم.
ابتسم الرجل مجددًا، ابتسامة أقرب إلى كشف أنياب.
“لولا أن أورلاندو يرى أنك مهم… لكنت سلّمتك لهم بنفسي.”
راقبه إيثان بصمت بارد.
وفي داخله مرّت فكرة واحدة فقط
“هذا بالضبط ما يفعله أمثالك.”
“ماذا؟ أنت من طلب سلاحًا أقوى.”
رفع رأسه ببطء.
“أورلاندو.”
“إذًا… هم ما زالوا يطاردونني.”
ضحك الرجل بخفوت.
“المتحولون لا ينسون الدم.”
ثم…
اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجهه وهو يكمل
مصباح يتدلى فوق طاولة خشبية في المنتصف، يهتز ضوؤه الخافت أحيانًا، فيحرّك الظلال فوق الجدران كأنها تتنفس.
“وأنت لم تقتل شخصًا عاديًا.”
صدر أنين منخفض.
أغلق إيثان قبضته حول البطاقة.
“كان يستحق.”
هذه المرة ضحك الرجل فعلًا، لكن الضحكة خرجت قصيرة وميتة.
ابتسم الرجل ابتسامة بلا دفء.
“كل شخص يغرق في الدم يقول الجملة نفسها.”
سكنت الأصوات، وتوقفت الحركات، حتى الحراس بقوا جامدين في أماكنهم.
عينيه اتسعتا ببطء.
ثم أمال رأسه قليلًا.
ثم أضاف “والمكافأة على رأسك… تكفي لشراء حي كامل.”
“اسمعني جيدًا… لا تبقَ في مدينة واحدة طويلًا.”
تضيق عينا إيثان.
حتى الهواء بدا أثقل بعدها.
صدر أنين منخفض.
“لماذا؟”
أجاب الرجل بهدوء ثقيل “لأن المتحولين لا يتعقبون الأشخاص… بل يتعقبون الأثر.”
سار إيثان بين شوارع نوفاريس المضيئة، بينما انعكست الألوان المتحركة فوق الزجاج الأسود للمباني العملاقة من حوله. السيارات مرت على الطرق الواسعة، وشاشات الهولوغرام العملاقة أضاءت الواجهات بإعلانات متغيرة وألوان نابضة بالحياة، فيما اختلطت أصوات الناس مع الطنين الإلكتروني الخافت الذي يملأ المدينة.
شعر إيثان بشيء بارد يمر داخل صدره.
قال إيثان وهو لا يزال يحدق في المدينة الممتدة أمامه “كيف هذا المكان يشبه المدن المستقبلية التي أراها في التلفاز في عالمي؟”
ثم نهض إيثان.
“أي أثر؟”
“تبا… ليس هذا ما كان يفترض أن يحدث.”
نظر إليها إيثان للحظة ثم فتح الحقيبة وأخرج الجوهرة. كان توهجها الخافت ينسكب على وجهيهما، يلمع بين أصابعه
توقف الرجل لحظة، ثم قال
“أورلاندو.”
فوق رأسه استقرت نظارة حماية ثقيلة، تشبه تلك التي يرتديها قادة الدبابات أو المهندسون العسكريون داخل ساحات الحرب، بعدسات داكنة مخدوشة وآثار احتراق على أطرافها، تبدو كجزء دائم من مظهره الفوضوي.
“الزمن يترك ندوبًا… وأنت، تتركها في كل مكان دون أن تشعر”
تقدم بخطوات هادئة، وصوت حذائه ارتطم بالأرضية الصلبة بإيقاع بطيء ومنتظم.
“التجارب تحتاج بعض التضحيات.”
ساد الصمت من جديد.
تنهد بضيق، ثم استدار وخرج بهدوء من الفندق.
لكن هذه المرة… كان الصمت أسوأ.
التعب ما زال يثقل جسده، وعضلاته تؤلمه بعد الرحلة الطويلة، لكن حتى إرهاقه بدا صغيرًا أمام المشهد الذي يقف أمامه الآن.
ثم أكمل الرجل “المشكلة أنهم لا يعرفون شكلك. لا يملكون اسمًا. ولا حتى وصفًا واضحًا.”
رفع إيثان عينيه نحوه بسرعة.
ثم قالت الموظفة “الغرفة الواحدة ليومٍ واحد تكلف عشر عملات ذهبية.”
“إذًا كيف يطاردونني؟”
ابتسم الرجل ببطء.
“إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث.”
“لأنهم لا يطاردونك أنت… بل يطاردون الحقيقة.”
استقرت الكلمات داخل الغرفة بثقل خانق.
نظر إيثان إلى الاتجاه الذي أشار إليه الرجل، ثم بدأ يسير نحوه بهدوء.
ثم تابع “فالينتسيا أخفت الكثير. عبثت بمسار التحقيق وأبطأتهم.”
ثم أكمل الرجل “المشكلة أنهم لا يعرفون شكلك. لا يملكون اسمًا. ولا حتى وصفًا واضحًا.”
توقف لثانية.
“هوية مؤقتة. لكنها لن تخدع أحدًا إذا دققوا كثيرًا.”
“لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا فقط.”
الصوت أصبح أوضح.
أغلق إيثان قبضته بقوة أكبر.
رفع عينيه مباشرة نحو إيثان.
راقبه إيثان بصمت بارد.
“أن القاتل مستخدم زمن.”
ثم، عندما أصبح قريبًا بما يكفي…
ولا حركة حيوان مختبئ.
سكت.
“المتحولون لا ينسون الدم.”
حتى المصباح بدا وكأنه فقد جزءًا من ضوئه.
تنهد بضيق، ثم استدار وخرج بهدوء من الفندق.
ثم قال الرجل أخيرًا
“وأنت… آخر شخص يملك هذه القدرة.”
ليس حفيف أوراق.
شعر إيثان بأن الغرفة أصبحت أضيق.
سار إيثان بين شوارع نوفاريس المضيئة، بينما انعكست الألوان المتحركة فوق الزجاج الأسود للمباني العملاقة من حوله. السيارات مرت على الطرق الواسعة، وشاشات الهولوغرام العملاقة أضاءت الواجهات بإعلانات متغيرة وألوان نابضة بالحياة، فيما اختلطت أصوات الناس مع الطنين الإلكتروني الخافت الذي يملأ المدينة.
عينان ثقيلتان… بلا ترحيب.
كأن الجدران نفسها تقترب ببطء.
ثم جاء صوت الرجل باردًا وحاسمًا
“الوقت انتهى منذ اللحظة التي مات فيها الأمير.”
“سيصلون إليك.”
أغلق إيثان قبضته بقوة أكبر.
رفع إيثان نظره قليلًا.
“إذًا… لم يعد لدي وقت.”
“حين يذبح أمير… لا تبقى الأسرار حيّة طويلًا.”
“لا.”
هز الرجل رأسه ببطء.
توقف الرجل لحظة، ثم قال
“الوقت انتهى منذ اللحظة التي مات فيها الأمير.”
ساد الصمت للمرة الأخيرة.
الهواء حولها تحرك بخفة، لكن عينيها بقيتا ثابتتين.
حاد.
ثم نهض إيثان.
“الزمن يترك ندوبًا… وأنت، تتركها في كل مكان دون أن تشعر”
“هذا بالضبط ما يفعله أمثالك.”
احتك الكرسي بالأرض بصوت خافت، بينما وضع البطاقة داخل سترته بحركة هادئة.
ثم أضافت “قد ترى مدينة تشبه مدن الماضي، وأخرى من الحاضر، وأخرى من المستقبل.”
خفض الرجل قطعة القماش من يده، ثم قال بصوت هادئ
قال دون أن ينظر خلفه:
وقف إيثان دون حركة.
“أخبر أورلاندو… أني سأحتاج أكثر مما اعطاني.”
توقف الرجل لحظة، ثم قال
لم يرد الرجل.
بقي جالسًا خلف الطاولة، يراقبه بعينين اعتادتا رؤية الهاربين قبل سقوطهم.
أما إيثان…
نبضها.
فخرج من الغرفة ببطء.
ومع كل خطوة، بدأ ضجيج الحانة يعود تدريجيًا، أصوات ضحك وكؤوس وموسيقى بعيدة…
ليس صوت آلة واحدة… بل آلاف، ملايين، تعمل ككيان واحد.
….
وقف إيثان دون حركة.
بينما كان إيثان يسير بين شوارع المدينة المزدحمة، والضوء الأحمر المنعكس من اللافتات القديمة ينساب فوق الطرقات الرطبة…
مرت مركبة فوقهم، وقطعت السماء بخط ضوئي خافت قبل أن تختفي بين الأبراج.
دوى انفجار هائل.
وخلفه، كان صوت الفتى ما يزال يرتفع بثقة غريبة
“لكنني لم أمت.”
اهتزت الأرض بعنف تحت قدميه، وتكسرت نوافذ قريبة بصوت حاد، بينما اندفع لهيب أسود من أحد الأزقة مصحوبًا بسحابة كثيفة من الدخان والغبار.
….
تعالت صرخات الناس فورًا.
ركض الجميع في اتجاهات مختلفة، بعضهم سقط، وآخرون دفعوا بعضهم بجنون محاولين الهرب.
وفي وسط الفوضى…
طار جسد صغير عبر الدخان.
رفعت يدها قليلًا، وأشارت إلى المدينة الممتدة أمامهما.
اندفع في الهواء لعدة أمتار قبل أن يرتطم بالأرض بالقرب من إيثان بعنف، متدحرجًا فوق الحجارة المبللة.
تراجع إيثان خطوة غريزيًا، وعيناه ضاقتا بحذر.
“الوقت انتهى منذ اللحظة التي مات فيها الأمير.”
التعب ما زال يثقل جسده، وعضلاته تؤلمه بعد الرحلة الطويلة، لكن حتى إرهاقه بدا صغيرًا أمام المشهد الذي يقف أمامه الآن.
السحابة السوداء استمرت بالتمدد خلفه، بينما تناثرت شرارات صغيرة داخل الدخان.
ثم…
صدر أنين منخفض.
كان فتى.
ممددًا فوق الأرض وسط الغبار، يسعل بصعوبة بينما يحاول رفع نفسه ببطء.
ثم…
شعره الأسود كان مبعثرًا بشكل فوضوي، وملابسه امتلأت ببقع الحرق والسخام
فوق رأسه استقرت نظارة حماية ثقيلة، تشبه تلك التي يرتديها قادة الدبابات أو المهندسون العسكريون داخل ساحات الحرب، بعدسات داكنة مخدوشة وآثار احتراق على أطرافها، تبدو كجزء دائم من مظهره الفوضوي.
فتح عينيه أخيرًا.
بل شيء آخر تمامًا.
ثم تمتم بضيق وهو يمسح الدم الخفيف عن زاوية فمه
“كان يستحق.”
أبيض، أزرق، بنفسجي خافت، ينعكس على الزجاج والمعدن والأرضيات السوداء المصقولة، حتى بدا وكأن المدينة بأكملها تتوهج من الداخل.
“تبا… ليس هذا ما كان يفترض أن يحدث.”
توقف لثانية…
لا يملك هوية.
وقبل أن ينهض بالكامل
انفجر صوت غاضب من داخل الدخان
“اسمعني جيدًا… لا تبقَ في مدينة واحدة طويلًا.”
“أيها المختل! هل تحاول قتلنا؟!”
“من أرسلك؟”
خرج رجل من بين الحطام مترنحًا، وثيابه ممزقة جزئيًا، بينما كان يحدق بالفتى بعينين ممتلئتين بالغضب والصدمة.
نبضها.
استدار بهدوء، وبدأ يبتعد وسط الشارع.
التفت الفتى إليه ببطء.
“سيصلون إليك.”
رمش وهو لا يفهم سبب انفعالة.
استقرت الكلمات داخل الغرفة بثقل خانق.
ولا يملك ما يكفي من المال.
ثم قال ببرود
ولا أطلال.
توقف إيثان عندما رأى الطابور الطويل الممتد أمام بوابة المدينة.
“ماذا؟ أنت من طلب سلاحًا أقوى.”
سكتت لحظة.
تجمد الرجل للحظة من شدة الصدمة.
تنهد بضيق، ثم استدار وخرج بهدوء من الفندق.
“أقوى؟! لقد فجرت نصف الورشة!”
السحابة السوداء استمرت بالتمدد خلفه، بينما تناثرت شرارات صغيرة داخل الدخان.
نظر الفتى خلفه نحو الدخان المتصاعد
“اسمعني جيدًا… لا تبقَ في مدينة واحدة طويلًا.”
ثم هز كتفيه بلا اكتراث.
توقفت حركة السكين.
“إذًا… هذا يعني أن القوة ممتازة.”
“ستين بالمئة ليست نسبة مطمئنة أيها الأحمق!”
الرجل فتح فمه بغضب، لكنه بدا عاجزًا عن الرد لثانية كاملة.
“التجارب تحتاج بعض التضحيات.”
ثم قال ببرود
أما الفتى…
ساد الصمت للمرة الأخيرة.
فبدأ ينفض الغبار عن معطفه بهدوء غريب، كما لو أن الانفجار حادث يومي معتاد.
يتكرر بنفس الإيقاع دون أي تغيير لم يكن ينتمي للغابة أصلًا.
“التجارب تحتاج بعض التضحيات.”
تجمد مكانه.
“قلت لك أن نسبة النجاح تجاوزت الستين بالمئة!”
“التضحيات؟! كدت تموت أنت أيضًا!”
ابتسم الرجل مجددًا، ابتسامة أقرب إلى كشف أنياب.
رفع الفتى حاجبه باستغراب حقيقي هذه المرة.
“لكنني لم أمت.”
اتجه إيثان نحو البار، ثم وقف أمام الطاولة الطويلة يراقب العامل الذي ينشغل بتعبئة الأكواب وتلقي العملات من الزبائن
ساد صمت قصير.
حتى المصباح بدا وكأنه فقد جزءًا من ضوئه.
صمت سخيف لدرجة جعلت الرجل يحدق فيه وقد بدا عليه أنه فقد القدرة على استيعابه.
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء ووضعها فوق جهاز صغير، فمر ضوء أزرق عبر سطح البطاقة للحظة.
لا يملك هوية.
أما إيثان…
أبيض، أزرق، بنفسجي خافت، ينعكس على الزجاج والمعدن والأرضيات السوداء المصقولة، حتى بدا وكأن المدينة بأكملها تتوهج من الداخل.
رفع إيثان عينيه نحوه بسرعة.
فكان يراقب المشهد بصمت من الخلف.
استمر الشجار خلفه، لكن إيثان فقد اهتمامه سريعًا.
أما إيثان…
استدار بهدوء، وبدأ يبتعد وسط الشارع.
“يبدو أن هذا العالم يملك عددًا مزعجًا من المجانين.”
وخلفه، كان صوت الفتى ما يزال يرتفع بثقة غريبة
“إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث.”
ثم قال ببرود
“قلت لك أن نسبة النجاح تجاوزت الستين بالمئة!”
“ستين بالمئة ليست نسبة مطمئنة أيها الأحمق!”
اختفت الأصوات تدريجيًا مع خطوات إيثان.
تجمد الرجل للحظة من شدة الصدمة.
ثم مرت فكرة ساخرة داخل رأسه
رفع إيثان رأسه ببطء نحو الأمام.
“يبدو أن هذا العالم يملك عددًا مزعجًا من المجانين.”
“اسمعني جيدًا… لا تبقَ في مدينة واحدة طويلًا.”
شد حقيبته فوق كتفه، وأكمل السير بين الأضواء الباهتة والدخان المتصاعد…
غير مدرك أن ذلك الفتى المجنون سيصبح قريبًا جزءًا من مشكلته التالية.
ساد الصمت للمرة الأخيرة.
“إذًا كيف يطاردونني؟”
