نوفاريس: بداية المطاردة
سارا معًا في أعماق الغابة، بين الأشجار التي تزداد كثافة كلما توغلا أكثر.
الأرض كانت رطبة، والهواء أثقل من أن يكون طبيعيًا.
خطواتهما وحدها كانت تكسر الصمت.
رفع الفتى حاجبه باستغراب حقيقي هذه المرة.
فبدأ ينفض الغبار عن معطفه بهدوء غريب، كما لو أن الانفجار حادث يومي معتاد.
ثم…
توقف إيثان فجأة.
فوق رأسه استقرت نظارة حماية ثقيلة، تشبه تلك التي يرتديها قادة الدبابات أو المهندسون العسكريون داخل ساحات الحرب، بعدسات داكنة مخدوشة وآثار احتراق على أطرافها، تبدو كجزء دائم من مظهره الفوضوي.
تجمد مكانه.
“أي أثر؟”
وعيناه ضاقتا ببطء.
كان هناك صوت.
بدلًا من ذلك، تقدمت خطوة واحدة.
ليس حفيف أوراق.
توقفت حركة الرجل لثانية.
ولا حركة حيوان مختبئ.
كان هناك صوت.
بل شيء آخر تمامًا.
شعر إيثان بشيء بارد يمر داخل صدره.
“أيها المختل! هل تحاول قتلنا؟!”
“زززز… ززززز…”
وتوقف.
صوت منتظم.
“هوية مؤقتة. لكنها لن تخدع أحدًا إذا دققوا كثيرًا.”
حاد.
اندس بين الناس بصمت.
“اذهب من هناك.”
يتكرر بنفس الإيقاع دون أي تغيير لم يكن ينتمي للغابة أصلًا.
كأن هذه الحضارة لا تعيش… بل تعمل فقط.
رفع نظره ليرى لافتة مضيئة كُتب عليها “القمر الفضي”.
لم يكن حيًا…
الممر الضيق أمامه كان غارقًا بضوء أحمر خافت، ينساب فوق الجدران المعدنية الداكنة كآثار دم جاف.
لكن لم يكن جامدًا أيضًا.
توقف إيثان فجأة.
توقف إيثان للحظة.
الصوت يشبة نبض معدني يتنفس من داخل الأرض.
كان فتى.
رفع إيثان رأسه ببطء نحو الأمام.
“هل تسمعين هذا؟”
رفع الفتى حاجبه باستغراب حقيقي هذه المرة.
سكنت الأصوات، وتوقفت الحركات، حتى الحراس بقوا جامدين في أماكنهم.
توقفت فالينتسيا.
“لكنني أعرف هذا الصوت.”
مالت قليلًا تستمع.
رفع إيثان رأسه ببطء.
وتوقف.
الهواء حولها تحرك بخفة، لكن عينيها بقيتا ثابتتين.
توقف لثانية…
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
“نعم.”
التفتت نحوه، وعادت جديتها “والآن، وقد أخرجتك من الغابة، أعطني الجوهرة.”
سكتت لحظة.
مرت مركبة فوقهم، وقطعت السماء بخط ضوئي خافت قبل أن تختفي بين الأبراج.
“لكنني أعرف هذا الصوت.”
ليس حفيف أوراق.
التفت إليها إيثان فورًا.
ثم، عندما أصبح قريبًا بما يكفي…
“تعرفينه؟”
نظر إيثان إلى الاتجاه الذي أشار إليه الرجل، ثم بدأ يسير نحوه بهدوء.
“زززززز… ززززززز…”
لم تجب.
ثم جاء صوت الرجل باردًا وحاسمًا
بدلًا من ذلك، تقدمت خطوة واحدة.
توقف إيثان للحظة.
سكت لحظة، ثم أضاف في نفسه
ثم أخرى.
ممددًا فوق الأرض وسط الغبار، يسعل بصعوبة بينما يحاول رفع نفسه ببطء.
اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجهه وهو يكمل
تبعها ايثان بحذر.
“ماذا؟ أنت من طلب سلاحًا أقوى.”
كلما تقدما، أصبحت الأرض أكثر صلابة، شعر أن الغابة نفسها تتغير تحت أقدامهما.
“تعرفينه؟”
الأشجار ازدادت كثافة… ثم بدأت تفقد شكلها الطبيعي.
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
دخل نوفاريس.
الضوء بين الأغصان خفت تدريجيًا، ليس لأنه اختفى… بل لأنه لم يعد يدخل.
“زززززز… ززززززز…”
ابتسم الرجل ابتسامة بلا دفء.
“تعرفينه؟”
الصوت أصبح أوضح.
سار بين الشوارع، يسأل المارة عن حانة تُدعى القمر الفضي.
أقرب.
“يبدو أن هذا العالم يملك عددًا مزعجًا من المجانين.”
ليس صوت آلة واحدة… بل آلاف، ملايين، تعمل ككيان واحد.
اختفت الأصوات تدريجيًا مع خطوات إيثان.
تقدم إيثان خطوة أخيرة.
أقرب.
ثم خرج من بين الأشجار.
وتوقف.
“اذهب من هناك.”
عينيه اتسعتا ببطء.
أمامه…
كان يقلب سكينًا بين أصابعه بمهارة باردة، يديرها بلا اهتمام… كأن يديه اعتادتا العنف أكثر من أي شيء آخر.
رفع رأسه ببطء.
لم تكن غابة.
تنهد إيثان بخفة.
شعره الأسود كان مبعثرًا بشكل فوضوي، وملابسه امتلأت ببقع الحرق والسخام
ولا أطلال.
ولا مدينة قديمة.
ودفعه.
ثم أمال رأسه قليلًا.
بل عالم آخر.
“أن القاتل مستخدم زمن.”
مدينة هائلة تمتد بلا نهاية تقريبًا، أبراجها تخترق السماء وواجهاتها الزجاجية تعكس الضوء البارد.
نظر إيثان إلى الباب، ثم تحرك نحوه بهدوء.
طرق مرتفعة تتحرك فيها مركبات تنزلق في الهواء والأرض.
سكت.
كل شيء هنا كان “مضبوطًا” بشكل مزعج.
عينيه اتسعتا ببطء.
توقف إيثان عندما رأى الطابور الطويل الممتد أمام بوابة المدينة.
نظيفًا أكثر من اللازم.
سكت.
مرتبًا لدرجة غير إنسانية.
“لم يُذكر هذا في الكتاب…” تمتم.
والصوت…
وقف إيثان دون حركة.
مرت مركبة فوقهم، وقطعت السماء بخط ضوئي خافت قبل أن تختفي بين الأبراج.
“زززز… ززززز…”
مالت قليلًا تستمع.
لم يكن خلف المدينة.
ثم أضاف “والمكافأة على رأسك… تكفي لشراء حي كامل.”
“لأنهم لا يطاردونك أنت… بل يطاردون الحقيقة.”
بل داخلها.
“لولا أن أورلاندو يرى أنك مهم… لكنت سلّمتك لهم بنفسي.”
نبضها.
تنفسها.
كأن هذه الحضارة لا تعيش… بل تعمل فقط.
“التضحيات؟! كدت تموت أنت أيضًا!”
مرت مركبة فوقهم، وقطعت السماء بخط ضوئي خافت قبل أن تختفي بين الأبراج.
وقف إيثان دون حركة.
ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا، مشوشًا بين الصدمة والإنكار “هل هذا… حلم؟”
كلما اقترب الصف، أصبحت التفاصيل أوضح.
قال إيثان وهو لا يزال يحدق في المدينة الممتدة أمامه “كيف هذا المكان يشبه المدن المستقبلية التي أراها في التلفاز في عالمي؟”
ساد الصمت من جديد.
ثم أمال رأسه قليلًا.
نظرت فالينتسيا إلى الأفق بصمت للحظة، قبل أن تجيب بهدوء “يبدو أنك لا تعلم أن فيرجيا يجمع بين الحاضر والماضي وأيضًا المستقبل.”
وضعها فوق الطاولة.
توقف إيثان عندما رأى الطابور الطويل الممتد أمام بوابة المدينة.
سكتت لحظة، بينما مرت نسمة باردة بينهما، حاملة معها أصوات المدينة البعيدة.
ثم أضافت “قد ترى مدينة تشبه مدن الماضي، وأخرى من الحاضر، وأخرى من المستقبل.”
الصوت أصبح أوضح.
“لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا فقط.”
رفعت يدها قليلًا، وأشارت إلى المدينة الممتدة أمامهما.
وقف خارج الفندق للحظات، يراقب المدينة التي لا تشبه أي شيء عرفه من قبل.
“هذه المدينة اسمها… نوفاريس.”
ثم تابع “فالينتسيا أخفت الكثير. عبثت بمسار التحقيق وأبطأتهم.”
التفتت نحوه، وعادت جديتها “والآن، وقد أخرجتك من الغابة، أعطني الجوهرة.”
راقبه إيثان بصمت بارد.
نظر إليها إيثان للحظة ثم فتح الحقيبة وأخرج الجوهرة. كان توهجها الخافت ينسكب على وجهيهما، يلمع بين أصابعه
ساد الصمت.
مد يده ببطء، ثم سلمها الجوهرة.
ولا يملك ما يكفي من المال.
أخذتها و أخرجت كيسًا من العملات، ثم رمته نحو إيثان، فسقط على يدية بصوتٍ معدني ثقيل.
استدارت بهدوء، وتحركت خطواتها فوق التراب المبلل، بينما ابتلعها ظل الغابة شيئًا فشيئاً
“لولا أن أورلاندو يرى أنك مهم… لكنت سلّمتك لهم بنفسي.”
ظل ايثان يراقبها حتى اختفت بين الأشجار.
ضحك الرجل بخفوت.
ثم حول نظره إلى المدينة أمامه.
توقف أمام الحانة للحظة، ثم دفع الباب ودخل.
شاشات هولوغرافية ضخمة انعكست فوق الجدران وفي الهواء، تعرض إعلانات ورموزًا متحركة بألوان حادة تملأ المدينة بالحياة.
“لم يُذكر هذا في الكتاب…” تمتم.
“أن القاتل مستخدم زمن.”
سكت لحظة، ثم أضاف في نفسه
توقفت حركة السكين.
“ربما في الأجزاء المفقودة…”
سكنت الأصوات، وتوقفت الحركات، حتى الحراس بقوا جامدين في أماكنهم.
رفع عينيه مباشرة نحو إيثان.
رفع رأسه مجددًا.
أضواء الهولوغرام انعكست على وجوه الواقفين، بينما تحركت طائرات صغيرة بلا طيار فوق البوابة بانتظام، ماسحات زرقاء تمر فوق الداخلين للحظات قبل أن تختفي. الأرضية المعدنية أسفل قدميه أصدرت صوتًا خافتًا مع كل خطوة، ناعمًا ومنتظمًا بشكل يكاد يكون آليًا.
وأخذ أول خطوة… نحو المدينة.
“اذهب من هناك.”
توقف إيثان عندما رأى الطابور الطويل الممتد أمام بوابة المدينة.
الطرق الواسعة امتدت بين المباني بإضاءة نظيفة وباردة، بينما تحركت وسائل نقل غريبة بصمت شبه كامل، تنزلق فوق الأرض أو تطفو قليلًا عنها دون أي صوت محركات مألوف.
ساد الصمت للمرة الأخيرة.
امتد الصف البشري تحت الأضواء البيضاء والزرقاء التي غمرت المكان بوهجٍ بارد. أمامه ارتفعت بوابة نوفاريس الهائلة، بتصميمها المعدني الانسيابي وأسطحها اللامعة التي تعكس الضوء كأنها مصنوعة من مادة لا تشبه أي معدن يعرفه. خطوط مضيئة تتحرك عبر الجدران العملاقة بنبض منتظم، وشاشات شفافة معلقة في الهواء تعرض رموزًا وبيانات تتغير باستمرار.
شعر إيثان بأن الغرفة أصبحت أضيق.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وقال لنفسه
كل شيء بدا متطورًا بشكل يفوق ما اعتاد رؤيته.
ابتسم الرجل ببطء.
سقطت الجملة داخل الغرفة بثقل حجر.
الهواء نفسه كان مختلفًا؛ نظيفًا بشكل غريب، يحمل رائحة معدنية خفيفة مع دفء الكهرباء والأجهزة المنتشرة في المكان. أصوات الطنين الإلكتروني امتزجت مع وقع الخطوات وحديث الناس المتداخل، لتصنع ضجيجًا ناعمًا يشبه المدن المستقبلية التي كان يراها في الأفلام.
وعيناه ضاقتا ببطء.
تنهد إيثان بخفة.
“تعرفينه؟”
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
التعب ما زال يثقل جسده، وعضلاته تؤلمه بعد الرحلة الطويلة، لكن حتى إرهاقه بدا صغيرًا أمام المشهد الذي يقف أمامه الآن.
الحراس وقفوا ببدلات سوداء متطورة، تتوهج أطرافها بخطوط ضوء خافتة. خوذاتهم أخفت نصف وجوههم، وأعينهم تتابع الناس ببرود حاد، بينما تظهر بيانات متحركة على شاشات شفافة قرب أيديهم.
اندس بين الناس بصمت.
“ماذا تريد؟”
ثم مرر يده في شعره بتنهد متعب، وقال لنفسه “يبدو أنني بحاجة إلى مساعدة أورلاندو…”
أضواء الهولوغرام انعكست على وجوه الواقفين، بينما تحركت طائرات صغيرة بلا طيار فوق البوابة بانتظام، ماسحات زرقاء تمر فوق الداخلين للحظات قبل أن تختفي. الأرضية المعدنية أسفل قدميه أصدرت صوتًا خافتًا مع كل خطوة، ناعمًا ومنتظمًا بشكل يكاد يكون آليًا.
ساد صمت قصير.
خفض نظرة.
رفع إيثان نظره قليلًا.
“قلت لك أن نسبة النجاح تجاوزت الستين بالمئة!”
الحراس وقفوا ببدلات سوداء متطورة، تتوهج أطرافها بخطوط ضوء خافتة. خوذاتهم أخفت نصف وجوههم، وأعينهم تتابع الناس ببرود حاد، بينما تظهر بيانات متحركة على شاشات شفافة قرب أيديهم.
شاشات هولوغرافية ضخمة انعكست فوق الجدران وفي الهواء، تعرض إعلانات ورموزًا متحركة بألوان حادة تملأ المدينة بالحياة.
كلما اقترب الصف، أصبحت التفاصيل أوضح.
مدينة هائلة تمتد بلا نهاية تقريبًا، أبراجها تخترق السماء وواجهاتها الزجاجية تعكس الضوء البارد.
صوت الأجهزة وهي تفحص الداخلين، ومضات الضوء السريعة، وأوامر الحراس القصيرة التي تُقال بنبرة صارمة خالية من أي مشاعر.
أما إيثان…
وأخذ أول خطوة… نحو المدينة.
ثم، عندما أصبح قريبًا بما يكفي…
اهتزت الأرض بعنف تحت قدميه، وتكسرت نوافذ قريبة بصوت حاد، بينما اندفع لهيب أسود من أحد الأزقة مصحوبًا بسحابة كثيفة من الدخان والغبار.
رفع إيثان نظره إليه.
سمع أحد الحراس يقول للرجل الذي أمامه ببرود حاد “الهوية.”
توقفت حركة الرجل لثانية.
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء صغيرة من جيبه ومدها للحارس.
أغلق إيثان قبضته حول البطاقة.
شد حقيبته فوق كتفه، وأكمل السير بين الأضواء الباهتة والدخان المتصاعد…
مررها الحارس فوق جهاز مضيء، فظهر وميض أزرق سريع على سطح البطاقة قبل أن يومئ له بالعبور.
شعره الأسود كان مبعثرًا بشكل فوضوي، وملابسه امتلأت ببقع الحرق والسخام
أما إيثان…
استمر الشجار خلفه، لكن إيثان فقد اهتمامه سريعًا.
فشعر بانقباض بارد يمر في صدره ببطء.
رفع رأسه ببطء.
لأنه أدرك أنه لا يملك أي هوية أصلًا.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وقال لنفسه
“اذهب من هناك.”
“يجب أن أفكر في هذا لاحقًا.”
خفض نظرة.
ثم أخرى.
صوت الأجهزة وهي تفحص الداخلين، ومضات الضوء السريعة، وأوامر الحراس القصيرة التي تُقال بنبرة صارمة خالية من أي مشاعر.
ليتجمد الزمن.
صوتها الخفيف فوق الخشب بدا أعلى من المفترض.
سكنت الأصوات، وتوقفت الحركات، حتى الحراس بقوا جامدين في أماكنهم.
رفع إيثان رأسه ببطء.
انعكست الأضواء الزرقاء على عينيه بينما نظر نحو البوابة العملاقة أمامه، ثم بدأ يتحرك.
دخل نوفاريس.
دخل نوفاريس.
اتسعت عيناه قليلًا وهو يسير بين شوارعها الواسعة.
ابتسم الرجل ببطء.
المكان بدا كأنه خرج مباشرة من أفلام الخيال العلمي التي كان يشاهدها في عالمه أبراج شاهقة من الزجاج الأسود والمعادن اللامعة ترتفع حتى تكاد تلامس السماء، واجهاتها مضاءة بخطوط نيون زرقاء وبيضاء تتحرك بانسيابية فوق الأسطح.
أبيض، أزرق، بنفسجي خافت، ينعكس على الزجاج والمعدن والأرضيات السوداء المصقولة، حتى بدا وكأن المدينة بأكملها تتوهج من الداخل.
الطرق الواسعة امتدت بين المباني بإضاءة نظيفة وباردة، بينما تحركت وسائل نقل غريبة بصمت شبه كامل، تنزلق فوق الأرض أو تطفو قليلًا عنها دون أي صوت محركات مألوف.
التفتت نحوه، وعادت جديتها “والآن، وقد أخرجتك من الغابة، أعطني الجوهرة.”
شاشات هولوغرافية ضخمة انعكست فوق الجدران وفي الهواء، تعرض إعلانات ورموزًا متحركة بألوان حادة تملأ المدينة بالحياة.
الصوت أصبح أوضح.
“أي أثر؟”
الضوء في كل مكان.
أبيض، أزرق، بنفسجي خافت، ينعكس على الزجاج والمعدن والأرضيات السوداء المصقولة، حتى بدا وكأن المدينة بأكملها تتوهج من الداخل.
ساد صمت قصير.
سار إيثان بين شوارع نوفاريس المضيئة، بينما انعكست الألوان المتحركة فوق الزجاج الأسود للمباني العملاقة من حوله. السيارات مرت على الطرق الواسعة، وشاشات الهولوغرام العملاقة أضاءت الواجهات بإعلانات متغيرة وألوان نابضة بالحياة، فيما اختلطت أصوات الناس مع الطنين الإلكتروني الخافت الذي يملأ المدينة.
لم تجب.
ابتسم الرجل ببطء.
ثم وقع نظره على مبنى ضخم يرتفع وسط المدينة.
بقي جالسًا خلف الطاولة، يراقبه بعينين اعتادتا رؤية الهاربين قبل سقوطهم.
“زززز… ززززز…”
واجهته الزجاجية العملاقة عكست أضواء المكان بألوان زرقاء وفضية متداخلة، حتى بدا المبنى وكأنه يتوهج وسط نوفاريس.
كل شيء هنا كان “مضبوطًا” بشكل مزعج.
كان هناك صوت.
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
التفتت نحوه، وعادت جديتها “والآن، وقد أخرجتك من الغابة، أعطني الجوهرة.”
ثم مرت فكرة ساخرة داخل رأسه
اقترب ودخل.
مصباح يتدلى فوق طاولة خشبية في المنتصف، يهتز ضوؤه الخافت أحيانًا، فيحرّك الظلال فوق الجدران كأنها تتنفس.
ساد الصمت للمرة الأخيرة.
انفتحت الأبواب الزجاجية تلقائيًا بصوت ناعم، واستقبله هواء بارد يحمل رائحة عطر خفيف القاعة الداخلية كانت واسعة وفخمة، بإضاءة هادئة تنعكس فوق الأرضية السوداء اللامعة، بينما تحرك النزلاء والموظفون بهدوء وسط المكان.
نظر إيثان إلى الاتجاه الذي أشار إليه الرجل، ثم بدأ يسير نحوه بهدوء.
ابتسم الرجل ببطء.
وقف إيثان يراقب بصمت.
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء صغيرة من جيبه ومدها للحارس.
موظفات الاستقبال كن يقفن خلف منصات زجاجية مضيئة، تتحرك أمامهن شاشات شفافة مليئة بالبيانات.
“هناك… حانة القمر الفضي.”
وقبل أن يتقدم، سمع إحدى الموظفات تقول للرجل الواقف أمامها بابتسامة رسمية “الهوية، من فضلك.”
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء ووضعها فوق جهاز صغير، فمر ضوء أزرق عبر سطح البطاقة للحظة.
المكان بدا كأنه خرج مباشرة من أفلام الخيال العلمي التي كان يشاهدها في عالمه أبراج شاهقة من الزجاج الأسود والمعادن اللامعة ترتفع حتى تكاد تلامس السماء، واجهاتها مضاءة بخطوط نيون زرقاء وبيضاء تتحرك بانسيابية فوق الأسطح.
صدر أنين منخفض.
ثم قالت الموظفة “الغرفة الواحدة ليومٍ واحد تكلف عشر عملات ذهبية.”
توقف إيثان للحظة.
“لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا فقط.”
شعر بانقباض خفيف في صدره وهو يدرك المشكلة.
وخلفه، كان صوت الفتى ما يزال يرتفع بثقة غريبة
لا يملك هوية.
ولا يملك ما يكفي من المال.
تنهد بضيق، ثم استدار وخرج بهدوء من الفندق.
عادت أبواب الزجاج لتنغلق خلفه.
وقف خارج الفندق للحظات، يراقب المدينة التي لا تشبه أي شيء عرفه من قبل.
التعب ما زال يثقل جسده، وعضلاته تؤلمه بعد الرحلة الطويلة، لكن حتى إرهاقه بدا صغيرًا أمام المشهد الذي يقف أمامه الآن.
“إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث.”
ثم مرر يده في شعره بتنهد متعب، وقال لنفسه “يبدو أنني بحاجة إلى مساعدة أورلاندو…”
ركض الجميع في اتجاهات مختلفة، بعضهم سقط، وآخرون دفعوا بعضهم بجنون محاولين الهرب.
سار بين الشوارع، يسأل المارة عن حانة تُدعى القمر الفضي.
أشار له أحد المارة إلى جهةٍ بعيدة قليلًا، وقال
“هناك… حانة القمر الفضي.”
“إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث.”
نظر إيثان إلى الاتجاه الذي أشار إليه الرجل، ثم بدأ يسير نحوه بهدوء.
سمع أحد الحراس يقول للرجل الذي أمامه ببرود حاد “الهوية.”
سار إيثان عبر الشوارع المضيئة، يراقب الناس والمباني من حوله، حتى بدأت الأصوات الصاخبة تصل إلى مسامعه.
“وأنت لم تقتل شخصًا عاديًا.”
ضحكات، موسيقى خافتة، وأصوات أكواب تتصادم.
المعدن البارد لامس أصابعه، بينما انعكس الضوء الأحمر فوق حواف البطاقة كأنه دم متجمد.
تجمد مكانه.
رفع نظره ليرى لافتة مضيئة كُتب عليها “القمر الفضي”.
الصوت أصبح أوضح.
توقف أمام الحانة للحظة، ثم دفع الباب ودخل.
استقبله هواء دافئ ورائحة الطعام والمشروبات.
صوت منتظم.
كان المكان مزدحمًا، الطاولات ممتلئة، وأحاديث الناس تختلط ببعضها.
توقف إيثان عندما رأى الطابور الطويل الممتد أمام بوابة المدينة.
ثم ارتفعت زاوية فم الرجل بابتسامة باهتة.
وقف إيثان يتفحص المكان بعينيه بهدوء.
اتجه إيثان نحو البار، ثم وقف أمام الطاولة الطويلة يراقب العامل الذي ينشغل بتعبئة الأكواب وتلقي العملات من الزبائن
رفع الرجل نظره إليه للحظة، ليقول إيثان بهدوء
“أريد حساء الرماد… مع نبيذ الليل.”
تنهد إيثان بخفة.
قال الرجل دون أن يبعد عينيه عنه “لكن قبل أن تختفي… اسمع هذه.”
توقفت حركة الرجل لثانية.
قال إيثان وهو لا يزال يحدق في المدينة الممتدة أمامه “كيف هذا المكان يشبه المدن المستقبلية التي أراها في التلفاز في عالمي؟”
ثم وضع الكأس ببطء، وحدق في إيثان بنظرة مختلفة تمامًا.
خفض الرجل قطعة القماش من يده، ثم قال بصوت هادئ
“نعم.”
“من أرسلك؟”
الرجل فتح فمه بغضب، لكنه بدا عاجزًا عن الرد لثانية كاملة.
نظر إليه إيثان وأجاب
موظفات الاستقبال كن يقفن خلف منصات زجاجية مضيئة، تتحرك أمامهن شاشات شفافة مليئة بالبيانات.
“أورلاندو.”
ظل ايثان يراقبها حتى اختفت بين الأشجار.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يومئ الرجل ببطء، ثم أشار بعينه إلى باب صغير خلف البار.
امتد الصف البشري تحت الأضواء البيضاء والزرقاء التي غمرت المكان بوهجٍ بارد. أمامه ارتفعت بوابة نوفاريس الهائلة، بتصميمها المعدني الانسيابي وأسطحها اللامعة التي تعكس الضوء كأنها مصنوعة من مادة لا تشبه أي معدن يعرفه. خطوط مضيئة تتحرك عبر الجدران العملاقة بنبض منتظم، وشاشات شفافة معلقة في الهواء تعرض رموزًا وبيانات تتغير باستمرار.
أما إيثان…
“اذهب من هناك.”
نظر إيثان إلى الباب، ثم تحرك نحوه بهدوء.
فتح الباب ودخل، ليجد ممرًا ضيقًا بإضاءة خافتة يقوده إلى غرفة في الخلف.
بل داخلها.
انغلق الباب خلفه بصوت مكتوم، فعزل ضجيج الحانة ولم يبق سوى صمت ثقيل ورائحة خشب قديم ودخان خافت عالق في الهواء.
الممر الضيق أمامه كان غارقًا بضوء أحمر خافت، ينساب فوق الجدران المعدنية الداكنة كآثار دم جاف.
تنهد إيثان بخفة.
تقدم بخطوات هادئة، وصوت حذائه ارتطم بالأرضية الصلبة بإيقاع بطيء ومنتظم.
وعيناه ضاقتا ببطء.
دون وعي، اقتربت يده من خنجره.
راقبه إيثان بصمت بارد.
ثم وصل إلى الباب الأخير.
ودفعه.
“هل تسمعين هذا؟”
توقف لثانية…
“أخبر أورلاندو… أني سأحتاج أكثر مما اعطاني.”
ودفعه.
“اذهب من هناك.”
كانت الغرفة صغيرة حد الاختناق.
مصباح يتدلى فوق طاولة خشبية في المنتصف، يهتز ضوؤه الخافت أحيانًا، فيحرّك الظلال فوق الجدران كأنها تتنفس.
لأنه أدرك أنه لا يملك أي هوية أصلًا.
السحابة السوداء استمرت بالتمدد خلفه، بينما تناثرت شرارات صغيرة داخل الدخان.
وخلف الطاولة جلس رجل ضخم.
“زززز… ززززز…”
جسده العريض ابتلع نصف الكرسي تقريبًا، بينما امتدت ندبة خشنة من صدغه حتى قرب عينه، مشوّهة جزءًا من وجهه بطريقة جعلته يبدو كمن نجا من شيء كان يجب أن يقتله.
كل شيء هنا كان “مضبوطًا” بشكل مزعج.
كان يقلب سكينًا بين أصابعه بمهارة باردة، يديرها بلا اهتمام… كأن يديه اعتادتا العنف أكثر من أي شيء آخر.
رفع عينيه نحو إيثان.
“ماذا تريد؟”
عينان ثقيلتان… بلا ترحيب.
أجاب الرجل بهدوء ثقيل “لأن المتحولين لا يتعقبون الأشخاص… بل يتعقبون الأثر.”
قال بصوت أجش “أنت إيثان؟”
ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا، مشوشًا بين الصدمة والإنكار “هل هذا… حلم؟”
اقترب إيثان خطوة واحدة فقط.
“ربما في الأجزاء المفقودة…”
“نعم.”
توقفت حركة السكين.
فوق رأسه استقرت نظارة حماية ثقيلة، تشبه تلك التي يرتديها قادة الدبابات أو المهندسون العسكريون داخل ساحات الحرب، بعدسات داكنة مخدوشة وآثار احتراق على أطرافها، تبدو كجزء دائم من مظهره الفوضوي.
سكون قصير مر بينهما، لم يُسمع خلاله سوى طنين المصباح الكهربائي.
شعر إيثان بشيء بارد يمر داخل صدره.
ثم ارتفعت زاوية فم الرجل بابتسامة باهتة.
اهتزت الأرض بعنف تحت قدميه، وتكسرت نوافذ قريبة بصوت حاد، بينما اندفع لهيب أسود من أحد الأزقة مصحوبًا بسحابة كثيفة من الدخان والغبار.
“إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث.”
ضيّق إيثان عينيه قليلًا.
ثم هز كتفيه بلا اكتراث.
“الأخبار تتحرك أسرع من اللازم.”
صدر من الرجل ضحك خافت وخشن، كاحتكاك معدن صدئ.
الممر الضيق أمامه كان غارقًا بضوء أحمر خافت، ينساب فوق الجدران المعدنية الداكنة كآثار دم جاف.
“حين يذبح أمير… لا تبقى الأسرار حيّة طويلًا.”
تجمد مكانه.
مال للأمام ببطء، فتمدّد ظله فوق الطاولة حتى لامس يدي إيثان.
“قلت لك أن نسبة النجاح تجاوزت الستين بالمئة!”
“ماذا تريد؟”
راقبه إيثان بصمت بارد.
أجاب مباشرة “هوية جديدة.”
ثم أضاف “والمكافأة على رأسك… تكفي لشراء حي كامل.”
ظل الرجل يحدق فيه لثوانٍ، ثم فتح الدرج المجاور ببطء، وأخرج بطاقة معدنية سوداء.
وأخذ أول خطوة… نحو المدينة.
لم يكن حيًا…
وضعها فوق الطاولة.
صوتها الخفيف فوق الخشب بدا أعلى من المفترض.
“هوية مؤقتة. لكنها لن تخدع أحدًا إذا دققوا كثيرًا.”
ثم، عندما أصبح قريبًا بما يكفي…
ليس حفيف أوراق.
أخذها إيثان بصمت.
وخلف الطاولة جلس رجل ضخم.
مرتبًا لدرجة غير إنسانية.
المعدن البارد لامس أصابعه، بينما انعكس الضوء الأحمر فوق حواف البطاقة كأنه دم متجمد.
قال الرجل دون أن يبعد عينيه عنه “لكن قبل أن تختفي… اسمع هذه.”
“قلت لك أن نسبة النجاح تجاوزت الستين بالمئة!”
رفع إيثان نظره إليه.
“ماذا تريد؟”
ابتسم الرجل ابتسامة بلا دفء.
لكن لم يكن جامدًا أيضًا.
“قبيلة المتحولين أعلنت مطاردة.”
“إذًا… هم ما زالوا يطاردونني.”
التفتت نحوه، وعادت جديتها “والآن، وقد أخرجتك من الغابة، أعطني الجوهرة.”
سقطت الجملة داخل الغرفة بثقل حجر.
حتى الهواء بدا أثقل بعدها.
ثم وقع نظره على مبنى ضخم يرتفع وسط المدينة.
ثم أضاف “والمكافأة على رأسك… تكفي لشراء حي كامل.”
رفع الرجل نظره إليه للحظة، ليقول إيثان بهدوء
ساد الصمت.
“يجب أن أفكر في هذا لاحقًا.”
ابتسم الرجل مجددًا، ابتسامة أقرب إلى كشف أنياب.
الضوء في كل مكان.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يومئ الرجل ببطء، ثم أشار بعينه إلى باب صغير خلف البار.
“لولا أن أورلاندو يرى أنك مهم… لكنت سلّمتك لهم بنفسي.”
راقبه إيثان بصمت بارد.
وفي داخله مرّت فكرة واحدة فقط
“هذا بالضبط ما يفعله أمثالك.”
رفع رأسه ببطء.
ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا، مشوشًا بين الصدمة والإنكار “هل هذا… حلم؟”
“إذًا… هم ما زالوا يطاردونني.”
“التضحيات؟! كدت تموت أنت أيضًا!”
ضحك الرجل بخفوت.
ولا أطلال.
توقف لثانية…
“المتحولون لا ينسون الدم.”
لا يملك هوية.
اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجهه وهو يكمل
“ماذا؟ أنت من طلب سلاحًا أقوى.”
“وأنت لم تقتل شخصًا عاديًا.”
أغلق إيثان قبضته حول البطاقة.
ولا حركة حيوان مختبئ.
“أقوى؟! لقد فجرت نصف الورشة!”
“كان يستحق.”
رفع الرجل نظره إليه للحظة، ليقول إيثان بهدوء
هذه المرة ضحك الرجل فعلًا، لكن الضحكة خرجت قصيرة وميتة.
نظيفًا أكثر من اللازم.
“كل شخص يغرق في الدم يقول الجملة نفسها.”
ثم أمال رأسه قليلًا.
امتد الصف البشري تحت الأضواء البيضاء والزرقاء التي غمرت المكان بوهجٍ بارد. أمامه ارتفعت بوابة نوفاريس الهائلة، بتصميمها المعدني الانسيابي وأسطحها اللامعة التي تعكس الضوء كأنها مصنوعة من مادة لا تشبه أي معدن يعرفه. خطوط مضيئة تتحرك عبر الجدران العملاقة بنبض منتظم، وشاشات شفافة معلقة في الهواء تعرض رموزًا وبيانات تتغير باستمرار.
“اسمعني جيدًا… لا تبقَ في مدينة واحدة طويلًا.”
توقف إيثان عندما رأى الطابور الطويل الممتد أمام بوابة المدينة.
كان يقلب سكينًا بين أصابعه بمهارة باردة، يديرها بلا اهتمام… كأن يديه اعتادتا العنف أكثر من أي شيء آخر.
تضيق عينا إيثان.
اقترب ودخل.
سكت لحظة، ثم أضاف في نفسه
“لماذا؟”
أجاب الرجل بهدوء ثقيل “لأن المتحولين لا يتعقبون الأشخاص… بل يتعقبون الأثر.”
شعر إيثان بشيء بارد يمر داخل صدره.
توقف إيثان عندما رأى الطابور الطويل الممتد أمام بوابة المدينة.
رفع عينيه نحو إيثان.
“أي أثر؟”
“سيصلون إليك.”
توقف الرجل لحظة، ثم قال
فتح الباب ودخل، ليجد ممرًا ضيقًا بإضاءة خافتة يقوده إلى غرفة في الخلف.
“الزمن يترك ندوبًا… وأنت، تتركها في كل مكان دون أن تشعر”
أخذتها و أخرجت كيسًا من العملات، ثم رمته نحو إيثان، فسقط على يدية بصوتٍ معدني ثقيل.
“هذا بالضبط ما يفعله أمثالك.”
ساد الصمت من جديد.
لكن هذه المرة… كان الصمت أسوأ.
كل شيء بدا متطورًا بشكل يفوق ما اعتاد رؤيته.
ولا حركة حيوان مختبئ.
ثم أكمل الرجل “المشكلة أنهم لا يعرفون شكلك. لا يملكون اسمًا. ولا حتى وصفًا واضحًا.”
رفع إيثان عينيه نحوه بسرعة.
“إذًا كيف يطاردونني؟”
أخذتها و أخرجت كيسًا من العملات، ثم رمته نحو إيثان، فسقط على يدية بصوتٍ معدني ثقيل.
ابتسم الرجل ببطء.
“لأنهم لا يطاردونك أنت… بل يطاردون الحقيقة.”
صوت منتظم.
استقرت الكلمات داخل الغرفة بثقل خانق.
موظفات الاستقبال كن يقفن خلف منصات زجاجية مضيئة، تتحرك أمامهن شاشات شفافة مليئة بالبيانات.
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء صغيرة من جيبه ومدها للحارس.
ثم تابع “فالينتسيا أخفت الكثير. عبثت بمسار التحقيق وأبطأتهم.”
توقف لثانية.
“أقوى؟! لقد فجرت نصف الورشة!”
توقف أمام الحانة للحظة، ثم دفع الباب ودخل.
“لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا فقط.”
المعدن البارد لامس أصابعه، بينما انعكس الضوء الأحمر فوق حواف البطاقة كأنه دم متجمد.
تراجع إيثان خطوة غريزيًا، وعيناه ضاقتا بحذر.
رفع عينيه مباشرة نحو إيثان.
دوى انفجار هائل.
انفتحت الأبواب الزجاجية تلقائيًا بصوت ناعم، واستقبله هواء بارد يحمل رائحة عطر خفيف القاعة الداخلية كانت واسعة وفخمة، بإضاءة هادئة تنعكس فوق الأرضية السوداء اللامعة، بينما تحرك النزلاء والموظفون بهدوء وسط المكان.
“أن القاتل مستخدم زمن.”
ضحك الرجل بخفوت.
سكت.
حتى المصباح بدا وكأنه فقد جزءًا من ضوئه.
التفت إليها إيثان فورًا.
ثم قال الرجل أخيرًا
سمع أحد الحراس يقول للرجل الذي أمامه ببرود حاد “الهوية.”
“وأنت… آخر شخص يملك هذه القدرة.”
صدر أنين منخفض.
صدر من الرجل ضحك خافت وخشن، كاحتكاك معدن صدئ.
شعر إيثان بأن الغرفة أصبحت أضيق.
كأن الجدران نفسها تقترب ببطء.
أغلق إيثان قبضته بقوة أكبر.
الطرق الواسعة امتدت بين المباني بإضاءة نظيفة وباردة، بينما تحركت وسائل نقل غريبة بصمت شبه كامل، تنزلق فوق الأرض أو تطفو قليلًا عنها دون أي صوت محركات مألوف.
ثم جاء صوت الرجل باردًا وحاسمًا
حتى المصباح بدا وكأنه فقد جزءًا من ضوئه.
وقف إيثان يراقب بصمت.
“سيصلون إليك.”
أغلق إيثان قبضته حول البطاقة.
أغلق إيثان قبضته بقوة أكبر.
الهواء حولها تحرك بخفة، لكن عينيها بقيتا ثابتتين.
“إذًا… لم يعد لدي وقت.”
ولا يملك ما يكفي من المال.
“لا.”
هز الرجل رأسه ببطء.
الأشجار ازدادت كثافة… ثم بدأت تفقد شكلها الطبيعي.
“الوقت انتهى منذ اللحظة التي مات فيها الأمير.”
ساد الصمت للمرة الأخيرة.
ثم نهض إيثان.
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
احتك الكرسي بالأرض بصوت خافت، بينما وضع البطاقة داخل سترته بحركة هادئة.
قال دون أن ينظر خلفه:
انفجر صوت غاضب من داخل الدخان
“أخبر أورلاندو… أني سأحتاج أكثر مما اعطاني.”
لم يرد الرجل.
بقي جالسًا خلف الطاولة، يراقبه بعينين اعتادتا رؤية الهاربين قبل سقوطهم.
“لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا فقط.”
أما إيثان…
نظيفًا أكثر من اللازم.
حتى المصباح بدا وكأنه فقد جزءًا من ضوئه.
فخرج من الغرفة ببطء.
رفع إيثان نظره قليلًا.
ومع كل خطوة، بدأ ضجيج الحانة يعود تدريجيًا، أصوات ضحك وكؤوس وموسيقى بعيدة…
….
اتسعت عيناه قليلًا وهو يسير بين شوارعها الواسعة.
بينما كان إيثان يسير بين شوارع المدينة المزدحمة، والضوء الأحمر المنعكس من اللافتات القديمة ينساب فوق الطرقات الرطبة…
ثم ارتفعت زاوية فم الرجل بابتسامة باهتة.
دوى انفجار هائل.
اهتزت الأرض بعنف تحت قدميه، وتكسرت نوافذ قريبة بصوت حاد، بينما اندفع لهيب أسود من أحد الأزقة مصحوبًا بسحابة كثيفة من الدخان والغبار.
….
تعالت صرخات الناس فورًا.
وخلفه، كان صوت الفتى ما يزال يرتفع بثقة غريبة
“كل شخص يغرق في الدم يقول الجملة نفسها.”
ركض الجميع في اتجاهات مختلفة، بعضهم سقط، وآخرون دفعوا بعضهم بجنون محاولين الهرب.
استقرت الكلمات داخل الغرفة بثقل خانق.
أغلق إيثان قبضته بقوة أكبر.
وفي وسط الفوضى…
ثم مرر يده في شعره بتنهد متعب، وقال لنفسه “يبدو أنني بحاجة إلى مساعدة أورلاندو…”
طار جسد صغير عبر الدخان.
“اسمعني جيدًا… لا تبقَ في مدينة واحدة طويلًا.”
اندفع في الهواء لعدة أمتار قبل أن يرتطم بالأرض بالقرب من إيثان بعنف، متدحرجًا فوق الحجارة المبللة.
فكان يراقب المشهد بصمت من الخلف.
تنهد إيثان بخفة.
تراجع إيثان خطوة غريزيًا، وعيناه ضاقتا بحذر.
السحابة السوداء استمرت بالتمدد خلفه، بينما تناثرت شرارات صغيرة داخل الدخان.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يومئ الرجل ببطء، ثم أشار بعينه إلى باب صغير خلف البار.
ثم…
صدر أنين منخفض.
نظر إليه إيثان وأجاب
كان فتى.
هز الرجل رأسه ببطء.
ممددًا فوق الأرض وسط الغبار، يسعل بصعوبة بينما يحاول رفع نفسه ببطء.
شعره الأسود كان مبعثرًا بشكل فوضوي، وملابسه امتلأت ببقع الحرق والسخام
جسده العريض ابتلع نصف الكرسي تقريبًا، بينما امتدت ندبة خشنة من صدغه حتى قرب عينه، مشوّهة جزءًا من وجهه بطريقة جعلته يبدو كمن نجا من شيء كان يجب أن يقتله.
فوق رأسه استقرت نظارة حماية ثقيلة، تشبه تلك التي يرتديها قادة الدبابات أو المهندسون العسكريون داخل ساحات الحرب، بعدسات داكنة مخدوشة وآثار احتراق على أطرافها، تبدو كجزء دائم من مظهره الفوضوي.
استقرت الكلمات داخل الغرفة بثقل خانق.
فتح عينيه أخيرًا.
ثم تمتم بضيق وهو يمسح الدم الخفيف عن زاوية فمه
الهواء نفسه كان مختلفًا؛ نظيفًا بشكل غريب، يحمل رائحة معدنية خفيفة مع دفء الكهرباء والأجهزة المنتشرة في المكان. أصوات الطنين الإلكتروني امتزجت مع وقع الخطوات وحديث الناس المتداخل، لتصنع ضجيجًا ناعمًا يشبه المدن المستقبلية التي كان يراها في الأفلام.
“تبا… ليس هذا ما كان يفترض أن يحدث.”
“التضحيات؟! كدت تموت أنت أيضًا!”
“لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا فقط.”
وقبل أن ينهض بالكامل
ضحك الرجل بخفوت.
وخلفه، كان صوت الفتى ما يزال يرتفع بثقة غريبة
انفجر صوت غاضب من داخل الدخان
“أيها المختل! هل تحاول قتلنا؟!”
مرت مركبة فوقهم، وقطعت السماء بخط ضوئي خافت قبل أن تختفي بين الأبراج.
خرج رجل من بين الحطام مترنحًا، وثيابه ممزقة جزئيًا، بينما كان يحدق بالفتى بعينين ممتلئتين بالغضب والصدمة.
فكان يراقب المشهد بصمت من الخلف.
التفت الفتى إليه ببطء.
“تبا… ليس هذا ما كان يفترض أن يحدث.”
“ماذا تريد؟”
رمش وهو لا يفهم سبب انفعالة.
ثم قال ببرود
….
“ماذا؟ أنت من طلب سلاحًا أقوى.”
تجمد الرجل للحظة من شدة الصدمة.
ثم أضاف “والمكافأة على رأسك… تكفي لشراء حي كامل.”
كل شيء هنا كان “مضبوطًا” بشكل مزعج.
“أقوى؟! لقد فجرت نصف الورشة!”
نظر الفتى خلفه نحو الدخان المتصاعد
تقدم بخطوات هادئة، وصوت حذائه ارتطم بالأرضية الصلبة بإيقاع بطيء ومنتظم.
ثم هز كتفيه بلا اكتراث.
“إذًا… هذا يعني أن القوة ممتازة.”
موظفات الاستقبال كن يقفن خلف منصات زجاجية مضيئة، تتحرك أمامهن شاشات شفافة مليئة بالبيانات.
الرجل فتح فمه بغضب، لكنه بدا عاجزًا عن الرد لثانية كاملة.
ظل ايثان يراقبها حتى اختفت بين الأشجار.
أما الفتى…
شعره الأسود كان مبعثرًا بشكل فوضوي، وملابسه امتلأت ببقع الحرق والسخام
فبدأ ينفض الغبار عن معطفه بهدوء غريب، كما لو أن الانفجار حادث يومي معتاد.
اتسعت عيناه قليلًا وهو يسير بين شوارعها الواسعة.
“التجارب تحتاج بعض التضحيات.”
ثم نهض إيثان.
سكتت لحظة.
“التضحيات؟! كدت تموت أنت أيضًا!”
“ستين بالمئة ليست نسبة مطمئنة أيها الأحمق!”
رفع الفتى حاجبه باستغراب حقيقي هذه المرة.
“لكنني لم أمت.”
“تعرفينه؟”
“ستين بالمئة ليست نسبة مطمئنة أيها الأحمق!”
ساد صمت قصير.
“هذه المدينة اسمها… نوفاريس.”
صمت سخيف لدرجة جعلت الرجل يحدق فيه وقد بدا عليه أنه فقد القدرة على استيعابه.
ثم وضع الكأس ببطء، وحدق في إيثان بنظرة مختلفة تمامًا.
أما إيثان…
شعر بانقباض خفيف في صدره وهو يدرك المشكلة.
فكان يراقب المشهد بصمت من الخلف.
جسده العريض ابتلع نصف الكرسي تقريبًا، بينما امتدت ندبة خشنة من صدغه حتى قرب عينه، مشوّهة جزءًا من وجهه بطريقة جعلته يبدو كمن نجا من شيء كان يجب أن يقتله.
رفع إيثان نظره قليلًا.
استمر الشجار خلفه، لكن إيثان فقد اهتمامه سريعًا.
استدار بهدوء، وبدأ يبتعد وسط الشارع.
استدار بهدوء، وبدأ يبتعد وسط الشارع.
وخلفه، كان صوت الفتى ما يزال يرتفع بثقة غريبة
بل داخلها.
بل عالم آخر.
“قلت لك أن نسبة النجاح تجاوزت الستين بالمئة!”
ابتسم الرجل ابتسامة بلا دفء.
“ستين بالمئة ليست نسبة مطمئنة أيها الأحمق!”
انفتحت الأبواب الزجاجية تلقائيًا بصوت ناعم، واستقبله هواء بارد يحمل رائحة عطر خفيف القاعة الداخلية كانت واسعة وفخمة، بإضاءة هادئة تنعكس فوق الأرضية السوداء اللامعة، بينما تحرك النزلاء والموظفون بهدوء وسط المكان.
اختفت الأصوات تدريجيًا مع خطوات إيثان.
الصوت يشبة نبض معدني يتنفس من داخل الأرض.
ثم مرت فكرة ساخرة داخل رأسه
صدر أنين منخفض.
“يبدو أن هذا العالم يملك عددًا مزعجًا من المجانين.”
اهتزت الأرض بعنف تحت قدميه، وتكسرت نوافذ قريبة بصوت حاد، بينما اندفع لهيب أسود من أحد الأزقة مصحوبًا بسحابة كثيفة من الدخان والغبار.
الحراس وقفوا ببدلات سوداء متطورة، تتوهج أطرافها بخطوط ضوء خافتة. خوذاتهم أخفت نصف وجوههم، وأعينهم تتابع الناس ببرود حاد، بينما تظهر بيانات متحركة على شاشات شفافة قرب أيديهم.
شد حقيبته فوق كتفه، وأكمل السير بين الأضواء الباهتة والدخان المتصاعد…
رفع إيثان رأسه ببطء نحو الأمام.
“التجارب تحتاج بعض التضحيات.”
غير مدرك أن ذلك الفتى المجنون سيصبح قريبًا جزءًا من مشكلته التالية.
