نوفاريس: بداية المطاردة
سارا معًا في أعماق الغابة، بين الأشجار التي تزداد كثافة كلما توغلا أكثر.
ابتسم الرجل مجددًا، ابتسامة أقرب إلى كشف أنياب.
الأرض كانت رطبة، والهواء أثقل من أن يكون طبيعيًا.
خطواتهما وحدها كانت تكسر الصمت.
امتد الصف البشري تحت الأضواء البيضاء والزرقاء التي غمرت المكان بوهجٍ بارد. أمامه ارتفعت بوابة نوفاريس الهائلة، بتصميمها المعدني الانسيابي وأسطحها اللامعة التي تعكس الضوء كأنها مصنوعة من مادة لا تشبه أي معدن يعرفه. خطوط مضيئة تتحرك عبر الجدران العملاقة بنبض منتظم، وشاشات شفافة معلقة في الهواء تعرض رموزًا وبيانات تتغير باستمرار.
ثم…
“الوقت انتهى منذ اللحظة التي مات فيها الأمير.”
وخلف الطاولة جلس رجل ضخم.
توقف إيثان فجأة.
تجمد مكانه.
وعيناه ضاقتا ببطء.
كان هناك صوت.
طرق مرتفعة تتحرك فيها مركبات تنزلق في الهواء والأرض.
كلما تقدما، أصبحت الأرض أكثر صلابة، شعر أن الغابة نفسها تتغير تحت أقدامهما.
ليس حفيف أوراق.
خفض الرجل قطعة القماش من يده، ثم قال بصوت هادئ
ولا حركة حيوان مختبئ.
صدر أنين منخفض.
سكتت لحظة.
بل شيء آخر تمامًا.
التفت إليها إيثان فورًا.
خفض نظرة.
“زززز… ززززز…”
جسده العريض ابتلع نصف الكرسي تقريبًا، بينما امتدت ندبة خشنة من صدغه حتى قرب عينه، مشوّهة جزءًا من وجهه بطريقة جعلته يبدو كمن نجا من شيء كان يجب أن يقتله.
صوت منتظم.
صدر من الرجل ضحك خافت وخشن، كاحتكاك معدن صدئ.
حاد.
تنهد بضيق، ثم استدار وخرج بهدوء من الفندق.
كل شيء هنا كان “مضبوطًا” بشكل مزعج.
يتكرر بنفس الإيقاع دون أي تغيير لم يكن ينتمي للغابة أصلًا.
ولا حركة حيوان مختبئ.
لم يكن حيًا…
لكن لم يكن جامدًا أيضًا.
الصوت يشبة نبض معدني يتنفس من داخل الأرض.
ثم مرت فكرة ساخرة داخل رأسه
“لأنهم لا يطاردونك أنت… بل يطاردون الحقيقة.”
رفع إيثان رأسه ببطء نحو الأمام.
ليس صوت آلة واحدة… بل آلاف، ملايين، تعمل ككيان واحد.
هذه المرة ضحك الرجل فعلًا، لكن الضحكة خرجت قصيرة وميتة.
“هل تسمعين هذا؟”
ثم قالت الموظفة “الغرفة الواحدة ليومٍ واحد تكلف عشر عملات ذهبية.”
توقفت فالينتسيا.
“لم يُذكر هذا في الكتاب…” تمتم.
بدلًا من ذلك، تقدمت خطوة واحدة.
مالت قليلًا تستمع.
“أورلاندو.”
الهواء حولها تحرك بخفة، لكن عينيها بقيتا ثابتتين.
امتد الصف البشري تحت الأضواء البيضاء والزرقاء التي غمرت المكان بوهجٍ بارد. أمامه ارتفعت بوابة نوفاريس الهائلة، بتصميمها المعدني الانسيابي وأسطحها اللامعة التي تعكس الضوء كأنها مصنوعة من مادة لا تشبه أي معدن يعرفه. خطوط مضيئة تتحرك عبر الجدران العملاقة بنبض منتظم، وشاشات شفافة معلقة في الهواء تعرض رموزًا وبيانات تتغير باستمرار.
“اذهب من هناك.”
“نعم.”
سار إيثان عبر الشوارع المضيئة، يراقب الناس والمباني من حوله، حتى بدأت الأصوات الصاخبة تصل إلى مسامعه.
ثم أضافت “قد ترى مدينة تشبه مدن الماضي، وأخرى من الحاضر، وأخرى من المستقبل.”
سكتت لحظة.
اتجه إيثان نحو البار، ثم وقف أمام الطاولة الطويلة يراقب العامل الذي ينشغل بتعبئة الأكواب وتلقي العملات من الزبائن
“لكنني أعرف هذا الصوت.”
“الأخبار تتحرك أسرع من اللازم.”
رفع نظره ليرى لافتة مضيئة كُتب عليها “القمر الفضي”.
التفت إليها إيثان فورًا.
ابتسم الرجل مجددًا، ابتسامة أقرب إلى كشف أنياب.
“تعرفينه؟”
لم تجب.
بدلًا من ذلك، تقدمت خطوة واحدة.
ثم أخرى.
غير مدرك أن ذلك الفتى المجنون سيصبح قريبًا جزءًا من مشكلته التالية.
اتسعت عيناه قليلًا وهو يسير بين شوارعها الواسعة.
تبعها ايثان بحذر.
كلما تقدما، أصبحت الأرض أكثر صلابة، شعر أن الغابة نفسها تتغير تحت أقدامهما.
“لا.”
أما إيثان…
الأشجار ازدادت كثافة… ثم بدأت تفقد شكلها الطبيعي.
الضوء بين الأغصان خفت تدريجيًا، ليس لأنه اختفى… بل لأنه لم يعد يدخل.
اندفع في الهواء لعدة أمتار قبل أن يرتطم بالأرض بالقرب من إيثان بعنف، متدحرجًا فوق الحجارة المبللة.
“زززززز… ززززززز…”
الصوت أصبح أوضح.
كأن الجدران نفسها تقترب ببطء.
“لم يُذكر هذا في الكتاب…” تمتم.
أقرب.
“تبا… ليس هذا ما كان يفترض أن يحدث.”
سار إيثان بين شوارع نوفاريس المضيئة، بينما انعكست الألوان المتحركة فوق الزجاج الأسود للمباني العملاقة من حوله. السيارات مرت على الطرق الواسعة، وشاشات الهولوغرام العملاقة أضاءت الواجهات بإعلانات متغيرة وألوان نابضة بالحياة، فيما اختلطت أصوات الناس مع الطنين الإلكتروني الخافت الذي يملأ المدينة.
ليس صوت آلة واحدة… بل آلاف، ملايين، تعمل ككيان واحد.
كلما اقترب الصف، أصبحت التفاصيل أوضح.
بدلًا من ذلك، تقدمت خطوة واحدة.
تقدم إيثان خطوة أخيرة.
سار إيثان عبر الشوارع المضيئة، يراقب الناس والمباني من حوله، حتى بدأت الأصوات الصاخبة تصل إلى مسامعه.
ثم خرج من بين الأشجار.
سكت.
وتوقف.
تراجع إيثان خطوة غريزيًا، وعيناه ضاقتا بحذر.
فبدأ ينفض الغبار عن معطفه بهدوء غريب، كما لو أن الانفجار حادث يومي معتاد.
عينيه اتسعتا ببطء.
رفع إيثان نظره إليه.
خرج رجل من بين الحطام مترنحًا، وثيابه ممزقة جزئيًا، بينما كان يحدق بالفتى بعينين ممتلئتين بالغضب والصدمة.
أمامه…
“لماذا؟”
لم تكن غابة.
شد حقيبته فوق كتفه، وأكمل السير بين الأضواء الباهتة والدخان المتصاعد…
ولا أطلال.
ولا مدينة قديمة.
الأشجار ازدادت كثافة… ثم بدأت تفقد شكلها الطبيعي.
توقف إيثان عندما رأى الطابور الطويل الممتد أمام بوابة المدينة.
بل عالم آخر.
المكان بدا كأنه خرج مباشرة من أفلام الخيال العلمي التي كان يشاهدها في عالمه أبراج شاهقة من الزجاج الأسود والمعادن اللامعة ترتفع حتى تكاد تلامس السماء، واجهاتها مضاءة بخطوط نيون زرقاء وبيضاء تتحرك بانسيابية فوق الأسطح.
مدينة هائلة تمتد بلا نهاية تقريبًا، أبراجها تخترق السماء وواجهاتها الزجاجية تعكس الضوء البارد.
امتد الصف البشري تحت الأضواء البيضاء والزرقاء التي غمرت المكان بوهجٍ بارد. أمامه ارتفعت بوابة نوفاريس الهائلة، بتصميمها المعدني الانسيابي وأسطحها اللامعة التي تعكس الضوء كأنها مصنوعة من مادة لا تشبه أي معدن يعرفه. خطوط مضيئة تتحرك عبر الجدران العملاقة بنبض منتظم، وشاشات شفافة معلقة في الهواء تعرض رموزًا وبيانات تتغير باستمرار.
دوى انفجار هائل.
طرق مرتفعة تتحرك فيها مركبات تنزلق في الهواء والأرض.
ممددًا فوق الأرض وسط الغبار، يسعل بصعوبة بينما يحاول رفع نفسه ببطء.
ثم قالت الموظفة “الغرفة الواحدة ليومٍ واحد تكلف عشر عملات ذهبية.”
كل شيء هنا كان “مضبوطًا” بشكل مزعج.
نظيفًا أكثر من اللازم.
سار إيثان عبر الشوارع المضيئة، يراقب الناس والمباني من حوله، حتى بدأت الأصوات الصاخبة تصل إلى مسامعه.
مرتبًا لدرجة غير إنسانية.
ثم خرج من بين الأشجار.
والصوت…
“زززز… ززززز…”
أجاب الرجل بهدوء ثقيل “لأن المتحولين لا يتعقبون الأشخاص… بل يتعقبون الأثر.”
لم يكن خلف المدينة.
بل شيء آخر تمامًا.
تضيق عينا إيثان.
بل داخلها.
شعر بانقباض خفيف في صدره وهو يدرك المشكلة.
نبضها.
“هناك… حانة القمر الفضي.”
تنفسها.
والصوت…
كأن هذه الحضارة لا تعيش… بل تعمل فقط.
نظر إيثان إلى الباب، ثم تحرك نحوه بهدوء.
مرت مركبة فوقهم، وقطعت السماء بخط ضوئي خافت قبل أن تختفي بين الأبراج.
“المتحولون لا ينسون الدم.”
وقف إيثان دون حركة.
ثم أضاف “والمكافأة على رأسك… تكفي لشراء حي كامل.”
ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا، مشوشًا بين الصدمة والإنكار “هل هذا… حلم؟”
قال إيثان وهو لا يزال يحدق في المدينة الممتدة أمامه “كيف هذا المكان يشبه المدن المستقبلية التي أراها في التلفاز في عالمي؟”
سكت.
نظرت فالينتسيا إلى الأفق بصمت للحظة، قبل أن تجيب بهدوء “يبدو أنك لا تعلم أن فيرجيا يجمع بين الحاضر والماضي وأيضًا المستقبل.”
توقف لثانية.
سكتت لحظة، بينما مرت نسمة باردة بينهما، حاملة معها أصوات المدينة البعيدة.
الطرق الواسعة امتدت بين المباني بإضاءة نظيفة وباردة، بينما تحركت وسائل نقل غريبة بصمت شبه كامل، تنزلق فوق الأرض أو تطفو قليلًا عنها دون أي صوت محركات مألوف.
ثم أضافت “قد ترى مدينة تشبه مدن الماضي، وأخرى من الحاضر، وأخرى من المستقبل.”
توقفت حركة الرجل لثانية.
رفعت يدها قليلًا، وأشارت إلى المدينة الممتدة أمامهما.
“زززز… ززززز…”
“زززززز… ززززززز…”
“هذه المدينة اسمها… نوفاريس.”
تبعها ايثان بحذر.
التفتت نحوه، وعادت جديتها “والآن، وقد أخرجتك من الغابة، أعطني الجوهرة.”
وقبل أن يتقدم، سمع إحدى الموظفات تقول للرجل الواقف أمامها بابتسامة رسمية “الهوية، من فضلك.”
نظر إليها إيثان للحظة ثم فتح الحقيبة وأخرج الجوهرة. كان توهجها الخافت ينسكب على وجهيهما، يلمع بين أصابعه
ضحك الرجل بخفوت.
“زززز… ززززز…”
مد يده ببطء، ثم سلمها الجوهرة.
أخذتها و أخرجت كيسًا من العملات، ثم رمته نحو إيثان، فسقط على يدية بصوتٍ معدني ثقيل.
شاشات هولوغرافية ضخمة انعكست فوق الجدران وفي الهواء، تعرض إعلانات ورموزًا متحركة بألوان حادة تملأ المدينة بالحياة.
ومع كل خطوة، بدأ ضجيج الحانة يعود تدريجيًا، أصوات ضحك وكؤوس وموسيقى بعيدة…
استدارت بهدوء، وتحركت خطواتها فوق التراب المبلل، بينما ابتلعها ظل الغابة شيئًا فشيئاً
ظل ايثان يراقبها حتى اختفت بين الأشجار.
سكت لحظة، ثم أضاف في نفسه
ثم حول نظره إلى المدينة أمامه.
مررها الحارس فوق جهاز مضيء، فظهر وميض أزرق سريع على سطح البطاقة قبل أن يومئ له بالعبور.
بل شيء آخر تمامًا.
“لم يُذكر هذا في الكتاب…” تمتم.
“إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث.”
سكت لحظة، ثم أضاف في نفسه
أجاب مباشرة “هوية جديدة.”
“ربما في الأجزاء المفقودة…”
استمر الشجار خلفه، لكن إيثان فقد اهتمامه سريعًا.
ضيّق إيثان عينيه قليلًا.
رفع رأسه مجددًا.
شعره الأسود كان مبعثرًا بشكل فوضوي، وملابسه امتلأت ببقع الحرق والسخام
الرجل فتح فمه بغضب، لكنه بدا عاجزًا عن الرد لثانية كاملة.
وأخذ أول خطوة… نحو المدينة.
توقف إيثان عندما رأى الطابور الطويل الممتد أمام بوابة المدينة.
امتد الصف البشري تحت الأضواء البيضاء والزرقاء التي غمرت المكان بوهجٍ بارد. أمامه ارتفعت بوابة نوفاريس الهائلة، بتصميمها المعدني الانسيابي وأسطحها اللامعة التي تعكس الضوء كأنها مصنوعة من مادة لا تشبه أي معدن يعرفه. خطوط مضيئة تتحرك عبر الجدران العملاقة بنبض منتظم، وشاشات شفافة معلقة في الهواء تعرض رموزًا وبيانات تتغير باستمرار.
“لأنهم لا يطاردونك أنت… بل يطاردون الحقيقة.”
كل شيء بدا متطورًا بشكل يفوق ما اعتاد رؤيته.
ثم جاء صوت الرجل باردًا وحاسمًا
الهواء نفسه كان مختلفًا؛ نظيفًا بشكل غريب، يحمل رائحة معدنية خفيفة مع دفء الكهرباء والأجهزة المنتشرة في المكان. أصوات الطنين الإلكتروني امتزجت مع وقع الخطوات وحديث الناس المتداخل، لتصنع ضجيجًا ناعمًا يشبه المدن المستقبلية التي كان يراها في الأفلام.
تنهد إيثان بخفة.
ابتسم الرجل ابتسامة بلا دفء.
التعب ما زال يثقل جسده، وعضلاته تؤلمه بعد الرحلة الطويلة، لكن حتى إرهاقه بدا صغيرًا أمام المشهد الذي يقف أمامه الآن.
استقرت الكلمات داخل الغرفة بثقل خانق.
اندس بين الناس بصمت.
حاد.
سكتت لحظة، بينما مرت نسمة باردة بينهما، حاملة معها أصوات المدينة البعيدة.
أضواء الهولوغرام انعكست على وجوه الواقفين، بينما تحركت طائرات صغيرة بلا طيار فوق البوابة بانتظام، ماسحات زرقاء تمر فوق الداخلين للحظات قبل أن تختفي. الأرضية المعدنية أسفل قدميه أصدرت صوتًا خافتًا مع كل خطوة، ناعمًا ومنتظمًا بشكل يكاد يكون آليًا.
رفع إيثان نظره قليلًا.
ابتسم الرجل ببطء.
واجهته الزجاجية العملاقة عكست أضواء المكان بألوان زرقاء وفضية متداخلة، حتى بدا المبنى وكأنه يتوهج وسط نوفاريس.
الحراس وقفوا ببدلات سوداء متطورة، تتوهج أطرافها بخطوط ضوء خافتة. خوذاتهم أخفت نصف وجوههم، وأعينهم تتابع الناس ببرود حاد، بينما تظهر بيانات متحركة على شاشات شفافة قرب أيديهم.
كلما اقترب الصف، أصبحت التفاصيل أوضح.
تقدم بخطوات هادئة، وصوت حذائه ارتطم بالأرضية الصلبة بإيقاع بطيء ومنتظم.
صوت الأجهزة وهي تفحص الداخلين، ومضات الضوء السريعة، وأوامر الحراس القصيرة التي تُقال بنبرة صارمة خالية من أي مشاعر.
لم تجب.
ثم، عندما أصبح قريبًا بما يكفي…
كأن الجدران نفسها تقترب ببطء.
سمع أحد الحراس يقول للرجل الذي أمامه ببرود حاد “الهوية.”
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء صغيرة من جيبه ومدها للحارس.
ثم أضاف “والمكافأة على رأسك… تكفي لشراء حي كامل.”
مررها الحارس فوق جهاز مضيء، فظهر وميض أزرق سريع على سطح البطاقة قبل أن يومئ له بالعبور.
دخل نوفاريس.
أما إيثان…
فشعر بانقباض بارد يمر في صدره ببطء.
خطواتهما وحدها كانت تكسر الصمت.
لأنه أدرك أنه لا يملك أي هوية أصلًا.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وقال لنفسه
غير مدرك أن ذلك الفتى المجنون سيصبح قريبًا جزءًا من مشكلته التالية.
“يجب أن أفكر في هذا لاحقًا.”
خفض نظرة.
وفي داخله مرّت فكرة واحدة فقط
ليتجمد الزمن.
سكنت الأصوات، وتوقفت الحركات، حتى الحراس بقوا جامدين في أماكنهم.
رفع إيثان رأسه ببطء.
“إذًا… هم ما زالوا يطاردونني.”
“من أرسلك؟”
انعكست الأضواء الزرقاء على عينيه بينما نظر نحو البوابة العملاقة أمامه، ثم بدأ يتحرك.
دخل نوفاريس.
اتسعت عيناه قليلًا وهو يسير بين شوارعها الواسعة.
“زززز… ززززز…”
المكان بدا كأنه خرج مباشرة من أفلام الخيال العلمي التي كان يشاهدها في عالمه أبراج شاهقة من الزجاج الأسود والمعادن اللامعة ترتفع حتى تكاد تلامس السماء، واجهاتها مضاءة بخطوط نيون زرقاء وبيضاء تتحرك بانسيابية فوق الأسطح.
الطرق الواسعة امتدت بين المباني بإضاءة نظيفة وباردة، بينما تحركت وسائل نقل غريبة بصمت شبه كامل، تنزلق فوق الأرض أو تطفو قليلًا عنها دون أي صوت محركات مألوف.
“إذًا… هذا يعني أن القوة ممتازة.”
شعر بانقباض خفيف في صدره وهو يدرك المشكلة.
شاشات هولوغرافية ضخمة انعكست فوق الجدران وفي الهواء، تعرض إعلانات ورموزًا متحركة بألوان حادة تملأ المدينة بالحياة.
اقترب إيثان خطوة واحدة فقط.
“لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا فقط.”
الضوء في كل مكان.
أبيض، أزرق، بنفسجي خافت، ينعكس على الزجاج والمعدن والأرضيات السوداء المصقولة، حتى بدا وكأن المدينة بأكملها تتوهج من الداخل.
“إذًا… هم ما زالوا يطاردونني.”
سار إيثان بين شوارع نوفاريس المضيئة، بينما انعكست الألوان المتحركة فوق الزجاج الأسود للمباني العملاقة من حوله. السيارات مرت على الطرق الواسعة، وشاشات الهولوغرام العملاقة أضاءت الواجهات بإعلانات متغيرة وألوان نابضة بالحياة، فيما اختلطت أصوات الناس مع الطنين الإلكتروني الخافت الذي يملأ المدينة.
أما إيثان…
وقف إيثان يراقب بصمت.
ثم وقع نظره على مبنى ضخم يرتفع وسط المدينة.
واجهته الزجاجية العملاقة عكست أضواء المكان بألوان زرقاء وفضية متداخلة، حتى بدا المبنى وكأنه يتوهج وسط نوفاريس.
“لماذا؟”
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
ثم…
اقترب ودخل.
انفتحت الأبواب الزجاجية تلقائيًا بصوت ناعم، واستقبله هواء بارد يحمل رائحة عطر خفيف القاعة الداخلية كانت واسعة وفخمة، بإضاءة هادئة تنعكس فوق الأرضية السوداء اللامعة، بينما تحرك النزلاء والموظفون بهدوء وسط المكان.
طار جسد صغير عبر الدخان.
وقف إيثان يراقب بصمت.
أما إيثان…
موظفات الاستقبال كن يقفن خلف منصات زجاجية مضيئة، تتحرك أمامهن شاشات شفافة مليئة بالبيانات.
سار إيثان عبر الشوارع المضيئة، يراقب الناس والمباني من حوله، حتى بدأت الأصوات الصاخبة تصل إلى مسامعه.
وقبل أن يتقدم، سمع إحدى الموظفات تقول للرجل الواقف أمامها بابتسامة رسمية “الهوية، من فضلك.”
اقترب ودخل.
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء ووضعها فوق جهاز صغير، فمر ضوء أزرق عبر سطح البطاقة للحظة.
اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجهه وهو يكمل
ثم قالت الموظفة “الغرفة الواحدة ليومٍ واحد تكلف عشر عملات ذهبية.”
انفتحت الأبواب الزجاجية تلقائيًا بصوت ناعم، واستقبله هواء بارد يحمل رائحة عطر خفيف القاعة الداخلية كانت واسعة وفخمة، بإضاءة هادئة تنعكس فوق الأرضية السوداء اللامعة، بينما تحرك النزلاء والموظفون بهدوء وسط المكان.
توقف إيثان للحظة.
ولا مدينة قديمة.
شعر بانقباض خفيف في صدره وهو يدرك المشكلة.
أجاب مباشرة “هوية جديدة.”
لا يملك هوية.
تعالت صرخات الناس فورًا.
ولا يملك ما يكفي من المال.
كان يقلب سكينًا بين أصابعه بمهارة باردة، يديرها بلا اهتمام… كأن يديه اعتادتا العنف أكثر من أي شيء آخر.
تنهد بضيق، ثم استدار وخرج بهدوء من الفندق.
عادت أبواب الزجاج لتنغلق خلفه.
عينان ثقيلتان… بلا ترحيب.
وقف خارج الفندق للحظات، يراقب المدينة التي لا تشبه أي شيء عرفه من قبل.
لكن لم يكن جامدًا أيضًا.
ثم مرر يده في شعره بتنهد متعب، وقال لنفسه “يبدو أنني بحاجة إلى مساعدة أورلاندو…”
“أورلاندو.”
ليس صوت آلة واحدة… بل آلاف، ملايين، تعمل ككيان واحد.
سار بين الشوارع، يسأل المارة عن حانة تُدعى القمر الفضي.
دون وعي، اقتربت يده من خنجره.
أشار له أحد المارة إلى جهةٍ بعيدة قليلًا، وقال
“ستين بالمئة ليست نسبة مطمئنة أيها الأحمق!”
“هناك… حانة القمر الفضي.”
وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة “فندق نوفا كراون.”
صوت منتظم.
نظر إيثان إلى الاتجاه الذي أشار إليه الرجل، ثم بدأ يسير نحوه بهدوء.
كان فتى.
سار إيثان عبر الشوارع المضيئة، يراقب الناس والمباني من حوله، حتى بدأت الأصوات الصاخبة تصل إلى مسامعه.
ضحكات، موسيقى خافتة، وأصوات أكواب تتصادم.
رفع نظره ليرى لافتة مضيئة كُتب عليها “القمر الفضي”.
توقف أمام الحانة للحظة، ثم دفع الباب ودخل.
الرجل فتح فمه بغضب، لكنه بدا عاجزًا عن الرد لثانية كاملة.
دوى انفجار هائل.
استقبله هواء دافئ ورائحة الطعام والمشروبات.
أشار له أحد المارة إلى جهةٍ بعيدة قليلًا، وقال
كان المكان مزدحمًا، الطاولات ممتلئة، وأحاديث الناس تختلط ببعضها.
أما إيثان…
وقف إيثان يتفحص المكان بعينيه بهدوء.
التفت إليها إيثان فورًا.
اتجه إيثان نحو البار، ثم وقف أمام الطاولة الطويلة يراقب العامل الذي ينشغل بتعبئة الأكواب وتلقي العملات من الزبائن
“لكنني لم أمت.”
ركض الجميع في اتجاهات مختلفة، بعضهم سقط، وآخرون دفعوا بعضهم بجنون محاولين الهرب.
رفع الرجل نظره إليه للحظة، ليقول إيثان بهدوء
“أريد حساء الرماد… مع نبيذ الليل.”
غير مدرك أن ذلك الفتى المجنون سيصبح قريبًا جزءًا من مشكلته التالية.
توقفت حركة الرجل لثانية.
أما إيثان…
ثم وضع الكأس ببطء، وحدق في إيثان بنظرة مختلفة تمامًا.
ساد الصمت للمرة الأخيرة.
نظرت فالينتسيا إلى الأفق بصمت للحظة، قبل أن تجيب بهدوء “يبدو أنك لا تعلم أن فيرجيا يجمع بين الحاضر والماضي وأيضًا المستقبل.”
خفض الرجل قطعة القماش من يده، ثم قال بصوت هادئ
قال بصوت أجش “أنت إيثان؟”
“من أرسلك؟”
“يبدو أن هذا العالم يملك عددًا مزعجًا من المجانين.”
“لا.”
نظر إليه إيثان وأجاب
“أورلاندو.”
ثم، عندما أصبح قريبًا بما يكفي…
ساد الصمت للحظة، قبل أن يومئ الرجل ببطء، ثم أشار بعينه إلى باب صغير خلف البار.
“سيصلون إليك.”
“اذهب من هناك.”
ابتسم الرجل ابتسامة بلا دفء.
نظر إيثان إلى الباب، ثم تحرك نحوه بهدوء.
توقف لثانية…
فتح الباب ودخل، ليجد ممرًا ضيقًا بإضاءة خافتة يقوده إلى غرفة في الخلف.
انغلق الباب خلفه بصوت مكتوم، فعزل ضجيج الحانة ولم يبق سوى صمت ثقيل ورائحة خشب قديم ودخان خافت عالق في الهواء.
كان فتى.
الممر الضيق أمامه كان غارقًا بضوء أحمر خافت، ينساب فوق الجدران المعدنية الداكنة كآثار دم جاف.
رفع إيثان نظره إليه.
تقدم بخطوات هادئة، وصوت حذائه ارتطم بالأرضية الصلبة بإيقاع بطيء ومنتظم.
تراجع إيثان خطوة غريزيًا، وعيناه ضاقتا بحذر.
رفعت يدها قليلًا، وأشارت إلى المدينة الممتدة أمامهما.
دون وعي، اقتربت يده من خنجره.
“إذًا… لم يعد لدي وقت.”
ثم وصل إلى الباب الأخير.
بل عالم آخر.
توقف إيثان فجأة.
توقف لثانية…
ودفعه.
أشار له أحد المارة إلى جهةٍ بعيدة قليلًا، وقال
أخذها إيثان بصمت.
كانت الغرفة صغيرة حد الاختناق.
مصباح يتدلى فوق طاولة خشبية في المنتصف، يهتز ضوؤه الخافت أحيانًا، فيحرّك الظلال فوق الجدران كأنها تتنفس.
وقف إيثان يراقب بصمت.
شعر بانقباض خفيف في صدره وهو يدرك المشكلة.
وخلف الطاولة جلس رجل ضخم.
ثم، عندما أصبح قريبًا بما يكفي…
جسده العريض ابتلع نصف الكرسي تقريبًا، بينما امتدت ندبة خشنة من صدغه حتى قرب عينه، مشوّهة جزءًا من وجهه بطريقة جعلته يبدو كمن نجا من شيء كان يجب أن يقتله.
كان يقلب سكينًا بين أصابعه بمهارة باردة، يديرها بلا اهتمام… كأن يديه اعتادتا العنف أكثر من أي شيء آخر.
اتجه إيثان نحو البار، ثم وقف أمام الطاولة الطويلة يراقب العامل الذي ينشغل بتعبئة الأكواب وتلقي العملات من الزبائن
رفع عينيه نحو إيثان.
أغلق إيثان قبضته حول البطاقة.
عينان ثقيلتان… بلا ترحيب.
“الوقت انتهى منذ اللحظة التي مات فيها الأمير.”
قال بصوت أجش “أنت إيثان؟”
اقترب ودخل.
اقترب إيثان خطوة واحدة فقط.
تعالت صرخات الناس فورًا.
اقترب ودخل.
“نعم.”
رفع إيثان عينيه نحوه بسرعة.
الحراس وقفوا ببدلات سوداء متطورة، تتوهج أطرافها بخطوط ضوء خافتة. خوذاتهم أخفت نصف وجوههم، وأعينهم تتابع الناس ببرود حاد، بينما تظهر بيانات متحركة على شاشات شفافة قرب أيديهم.
توقفت حركة السكين.
حتى الهواء بدا أثقل بعدها.
سكون قصير مر بينهما، لم يُسمع خلاله سوى طنين المصباح الكهربائي.
توقف إيثان للحظة.
ثم ارتفعت زاوية فم الرجل بابتسامة باهتة.
وأخذ أول خطوة… نحو المدينة.
“إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث.”
وقف إيثان يراقب بصمت.
ضيّق إيثان عينيه قليلًا.
ثم وقع نظره على مبنى ضخم يرتفع وسط المدينة.
ثم قال ببرود
“الأخبار تتحرك أسرع من اللازم.”
“نعم.”
صوت منتظم.
صدر من الرجل ضحك خافت وخشن، كاحتكاك معدن صدئ.
كان هناك صوت.
“حين يذبح أمير… لا تبقى الأسرار حيّة طويلًا.”
راقبه إيثان بصمت بارد.
ساد صمت قصير.
مال للأمام ببطء، فتمدّد ظله فوق الطاولة حتى لامس يدي إيثان.
ساد الصمت.
كان هناك صوت.
“ماذا تريد؟”
توقف إيثان للحظة.
أجاب مباشرة “هوية جديدة.”
طار جسد صغير عبر الدخان.
صوتها الخفيف فوق الخشب بدا أعلى من المفترض.
ظل الرجل يحدق فيه لثوانٍ، ثم فتح الدرج المجاور ببطء، وأخرج بطاقة معدنية سوداء.
رفع إيثان رأسه ببطء.
خطواتهما وحدها كانت تكسر الصمت.
وضعها فوق الطاولة.
صوتها الخفيف فوق الخشب بدا أعلى من المفترض.
سكت.
“هوية مؤقتة. لكنها لن تخدع أحدًا إذا دققوا كثيرًا.”
أخذها إيثان بصمت.
صوت منتظم.
ابتسم الرجل ببطء.
المعدن البارد لامس أصابعه، بينما انعكس الضوء الأحمر فوق حواف البطاقة كأنه دم متجمد.
قال الرجل دون أن يبعد عينيه عنه “لكن قبل أن تختفي… اسمع هذه.”
أغلق إيثان قبضته بقوة أكبر.
رفع إيثان نظره إليه.
انغلق الباب خلفه بصوت مكتوم، فعزل ضجيج الحانة ولم يبق سوى صمت ثقيل ورائحة خشب قديم ودخان خافت عالق في الهواء.
ابتسم الرجل ابتسامة بلا دفء.
ضيّق إيثان عينيه قليلًا.
“قبيلة المتحولين أعلنت مطاردة.”
سقطت الجملة داخل الغرفة بثقل حجر.
“التجارب تحتاج بعض التضحيات.”
حتى الهواء بدا أثقل بعدها.
ظل الرجل يحدق فيه لثوانٍ، ثم فتح الدرج المجاور ببطء، وأخرج بطاقة معدنية سوداء.
ثم أضاف “والمكافأة على رأسك… تكفي لشراء حي كامل.”
ولا حركة حيوان مختبئ.
ساد الصمت.
ابتسم الرجل مجددًا، ابتسامة أقرب إلى كشف أنياب.
لم يكن حيًا…
“لولا أن أورلاندو يرى أنك مهم… لكنت سلّمتك لهم بنفسي.”
“أيها المختل! هل تحاول قتلنا؟!”
راقبه إيثان بصمت بارد.
وفي داخله مرّت فكرة واحدة فقط
أجاب مباشرة “هوية جديدة.”
تعالت صرخات الناس فورًا.
“هذا بالضبط ما يفعله أمثالك.”
التفت إليها إيثان فورًا.
رفع رأسه ببطء.
طار جسد صغير عبر الدخان.
“إذًا… هم ما زالوا يطاردونني.”
الأرض كانت رطبة، والهواء أثقل من أن يكون طبيعيًا.
رمش وهو لا يفهم سبب انفعالة.
ضحك الرجل بخفوت.
مد يده ببطء، ثم سلمها الجوهرة.
“المتحولون لا ينسون الدم.”
بدلًا من ذلك، تقدمت خطوة واحدة.
اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجهه وهو يكمل
ضيّق إيثان عينيه قليلًا.
“وأنت لم تقتل شخصًا عاديًا.”
بل عالم آخر.
“أيها المختل! هل تحاول قتلنا؟!”
أغلق إيثان قبضته حول البطاقة.
حتى الهواء بدا أثقل بعدها.
التفتت نحوه، وعادت جديتها “والآن، وقد أخرجتك من الغابة، أعطني الجوهرة.”
“كان يستحق.”
حاد.
هذه المرة ضحك الرجل فعلًا، لكن الضحكة خرجت قصيرة وميتة.
اختفت الأصوات تدريجيًا مع خطوات إيثان.
وقف إيثان يراقب بصمت.
“كل شخص يغرق في الدم يقول الجملة نفسها.”
“وأنت… آخر شخص يملك هذه القدرة.”
ثم أمال رأسه قليلًا.
ومع كل خطوة، بدأ ضجيج الحانة يعود تدريجيًا، أصوات ضحك وكؤوس وموسيقى بعيدة…
“اسمعني جيدًا… لا تبقَ في مدينة واحدة طويلًا.”
وتوقف.
تضيق عينا إيثان.
أجاب الرجل بهدوء ثقيل “لأن المتحولين لا يتعقبون الأشخاص… بل يتعقبون الأثر.”
ضحكات، موسيقى خافتة، وأصوات أكواب تتصادم.
“لماذا؟”
مدينة هائلة تمتد بلا نهاية تقريبًا، أبراجها تخترق السماء وواجهاتها الزجاجية تعكس الضوء البارد.
أجاب الرجل بهدوء ثقيل “لأن المتحولين لا يتعقبون الأشخاص… بل يتعقبون الأثر.”
الرجل فتح فمه بغضب، لكنه بدا عاجزًا عن الرد لثانية كاملة.
“تعرفينه؟”
شعر إيثان بشيء بارد يمر داخل صدره.
توقفت حركة السكين.
“أي أثر؟”
توقف الرجل لحظة، ثم قال
سمع أحد الحراس يقول للرجل الذي أمامه ببرود حاد “الهوية.”
ثم تابع “فالينتسيا أخفت الكثير. عبثت بمسار التحقيق وأبطأتهم.”
“الزمن يترك ندوبًا… وأنت، تتركها في كل مكان دون أن تشعر”
ساد الصمت من جديد.
لكن هذه المرة… كان الصمت أسوأ.
ثم أكمل الرجل “المشكلة أنهم لا يعرفون شكلك. لا يملكون اسمًا. ولا حتى وصفًا واضحًا.”
تنفسها.
رفع إيثان عينيه نحوه بسرعة.
ثم جاء صوت الرجل باردًا وحاسمًا
وقبل أن ينهض بالكامل
“إذًا كيف يطاردونني؟”
الأرض كانت رطبة، والهواء أثقل من أن يكون طبيعيًا.
ابتسم الرجل ببطء.
لأنه أدرك أنه لا يملك أي هوية أصلًا.
“لأنهم لا يطاردونك أنت… بل يطاردون الحقيقة.”
استقرت الكلمات داخل الغرفة بثقل خانق.
ثم تابع “فالينتسيا أخفت الكثير. عبثت بمسار التحقيق وأبطأتهم.”
اقترب ودخل.
توقف لثانية.
وعيناه ضاقتا ببطء.
“لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا فقط.”
كان يقلب سكينًا بين أصابعه بمهارة باردة، يديرها بلا اهتمام… كأن يديه اعتادتا العنف أكثر من أي شيء آخر.
رفع عينيه مباشرة نحو إيثان.
“لكنني لم أمت.”
“أن القاتل مستخدم زمن.”
سكت.
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء صغيرة من جيبه ومدها للحارس.
“يجب أن أفكر في هذا لاحقًا.”
حتى المصباح بدا وكأنه فقد جزءًا من ضوئه.
توقف لثانية.
ثم قال الرجل أخيرًا
“زززز… ززززز…”
“وأنت… آخر شخص يملك هذه القدرة.”
شعر إيثان بأن الغرفة أصبحت أضيق.
قال بصوت أجش “أنت إيثان؟”
“هناك… حانة القمر الفضي.”
كأن الجدران نفسها تقترب ببطء.
اختفت الأصوات تدريجيًا مع خطوات إيثان.
“إذًا… هم ما زالوا يطاردونني.”
ثم جاء صوت الرجل باردًا وحاسمًا
ضيّق إيثان عينيه قليلًا.
“سيصلون إليك.”
توقف لثانية.
أغلق إيثان قبضته بقوة أكبر.
“إذًا… لم يعد لدي وقت.”
“يبدو أن هذا العالم يملك عددًا مزعجًا من المجانين.”
“لا.”
هز الرجل رأسه ببطء.
“الوقت انتهى منذ اللحظة التي مات فيها الأمير.”
ثم خرج من بين الأشجار.
ساد الصمت للمرة الأخيرة.
ثم نهض إيثان.
السحابة السوداء استمرت بالتمدد خلفه، بينما تناثرت شرارات صغيرة داخل الدخان.
احتك الكرسي بالأرض بصوت خافت، بينما وضع البطاقة داخل سترته بحركة هادئة.
كان المكان مزدحمًا، الطاولات ممتلئة، وأحاديث الناس تختلط ببعضها.
كل شيء هنا كان “مضبوطًا” بشكل مزعج.
قال دون أن ينظر خلفه:
خفض الرجل قطعة القماش من يده، ثم قال بصوت هادئ
“أخبر أورلاندو… أني سأحتاج أكثر مما اعطاني.”
الرجل فتح فمه بغضب، لكنه بدا عاجزًا عن الرد لثانية كاملة.
لم يرد الرجل.
وأخذ أول خطوة… نحو المدينة.
بقي جالسًا خلف الطاولة، يراقبه بعينين اعتادتا رؤية الهاربين قبل سقوطهم.
أما إيثان…
“تبا… ليس هذا ما كان يفترض أن يحدث.”
ثم وصل إلى الباب الأخير.
فخرج من الغرفة ببطء.
رفع الرجل نظره إليه للحظة، ليقول إيثان بهدوء
ومع كل خطوة، بدأ ضجيج الحانة يعود تدريجيًا، أصوات ضحك وكؤوس وموسيقى بعيدة…
سار بين الشوارع، يسأل المارة عن حانة تُدعى القمر الفضي.
….
ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا، مشوشًا بين الصدمة والإنكار “هل هذا… حلم؟”
بينما كان إيثان يسير بين شوارع المدينة المزدحمة، والضوء الأحمر المنعكس من اللافتات القديمة ينساب فوق الطرقات الرطبة…
دوى انفجار هائل.
ليس صوت آلة واحدة… بل آلاف، ملايين، تعمل ككيان واحد.
رمش وهو لا يفهم سبب انفعالة.
اهتزت الأرض بعنف تحت قدميه، وتكسرت نوافذ قريبة بصوت حاد، بينما اندفع لهيب أسود من أحد الأزقة مصحوبًا بسحابة كثيفة من الدخان والغبار.
“زززز… ززززز…”
“ربما في الأجزاء المفقودة…”
تعالت صرخات الناس فورًا.
عينان ثقيلتان… بلا ترحيب.
ركض الجميع في اتجاهات مختلفة، بعضهم سقط، وآخرون دفعوا بعضهم بجنون محاولين الهرب.
كل شيء هنا كان “مضبوطًا” بشكل مزعج.
احتك الكرسي بالأرض بصوت خافت، بينما وضع البطاقة داخل سترته بحركة هادئة.
وفي وسط الفوضى…
طار جسد صغير عبر الدخان.
اندفع في الهواء لعدة أمتار قبل أن يرتطم بالأرض بالقرب من إيثان بعنف، متدحرجًا فوق الحجارة المبللة.
تراجع إيثان خطوة غريزيًا، وعيناه ضاقتا بحذر.
وقف إيثان يتفحص المكان بعينيه بهدوء.
وقف خارج الفندق للحظات، يراقب المدينة التي لا تشبه أي شيء عرفه من قبل.
السحابة السوداء استمرت بالتمدد خلفه، بينما تناثرت شرارات صغيرة داخل الدخان.
تبعها ايثان بحذر.
ثم…
صدر أنين منخفض.
توقفت حركة الرجل لثانية.
التعب ما زال يثقل جسده، وعضلاته تؤلمه بعد الرحلة الطويلة، لكن حتى إرهاقه بدا صغيرًا أمام المشهد الذي يقف أمامه الآن.
كان فتى.
ممددًا فوق الأرض وسط الغبار، يسعل بصعوبة بينما يحاول رفع نفسه ببطء.
شعره الأسود كان مبعثرًا بشكل فوضوي، وملابسه امتلأت ببقع الحرق والسخام
ظل ايثان يراقبها حتى اختفت بين الأشجار.
فوق رأسه استقرت نظارة حماية ثقيلة، تشبه تلك التي يرتديها قادة الدبابات أو المهندسون العسكريون داخل ساحات الحرب، بعدسات داكنة مخدوشة وآثار احتراق على أطرافها، تبدو كجزء دائم من مظهره الفوضوي.
اقترب ودخل.
فتح عينيه أخيرًا.
وقف إيثان دون حركة.
ظل ايثان يراقبها حتى اختفت بين الأشجار.
ثم تمتم بضيق وهو يمسح الدم الخفيف عن زاوية فمه
“قبيلة المتحولين أعلنت مطاردة.”
كانت الغرفة صغيرة حد الاختناق.
“تبا… ليس هذا ما كان يفترض أن يحدث.”
“تبا… ليس هذا ما كان يفترض أن يحدث.”
وقبل أن ينهض بالكامل
فبدأ ينفض الغبار عن معطفه بهدوء غريب، كما لو أن الانفجار حادث يومي معتاد.
انفجر صوت غاضب من داخل الدخان
“حين يذبح أمير… لا تبقى الأسرار حيّة طويلًا.”
“أيها المختل! هل تحاول قتلنا؟!”
سكت.
أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء ووضعها فوق جهاز صغير، فمر ضوء أزرق عبر سطح البطاقة للحظة.
خرج رجل من بين الحطام مترنحًا، وثيابه ممزقة جزئيًا، بينما كان يحدق بالفتى بعينين ممتلئتين بالغضب والصدمة.
احتك الكرسي بالأرض بصوت خافت، بينما وضع البطاقة داخل سترته بحركة هادئة.
“أريد حساء الرماد… مع نبيذ الليل.”
التفت الفتى إليه ببطء.
رمش وهو لا يفهم سبب انفعالة.
رفع نظره ليرى لافتة مضيئة كُتب عليها “القمر الفضي”.
ثم قال ببرود
“ماذا؟ أنت من طلب سلاحًا أقوى.”
سار بين الشوارع، يسأل المارة عن حانة تُدعى القمر الفضي.
“تعرفينه؟”
تجمد الرجل للحظة من شدة الصدمة.
لم تجب.
ضحك الرجل بخفوت.
“أقوى؟! لقد فجرت نصف الورشة!”
صوت منتظم.
نظر الفتى خلفه نحو الدخان المتصاعد
تنهد إيثان بخفة.
ثم هز كتفيه بلا اكتراث.
السحابة السوداء استمرت بالتمدد خلفه، بينما تناثرت شرارات صغيرة داخل الدخان.
“إذًا… هذا يعني أن القوة ممتازة.”
نظر إليها إيثان للحظة ثم فتح الحقيبة وأخرج الجوهرة. كان توهجها الخافت ينسكب على وجهيهما، يلمع بين أصابعه
مرتبًا لدرجة غير إنسانية.
الرجل فتح فمه بغضب، لكنه بدا عاجزًا عن الرد لثانية كاملة.
أقرب.
توقفت حركة الرجل لثانية.
أما الفتى…
فبدأ ينفض الغبار عن معطفه بهدوء غريب، كما لو أن الانفجار حادث يومي معتاد.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وقال لنفسه
“التجارب تحتاج بعض التضحيات.”
“كان يستحق.”
“التضحيات؟! كدت تموت أنت أيضًا!”
رفع الفتى حاجبه باستغراب حقيقي هذه المرة.
نظيفًا أكثر من اللازم.
“لكنني لم أمت.”
“هل تسمعين هذا؟”
ساد صمت قصير.
ضيّق إيثان عينيه قليلًا.
صمت سخيف لدرجة جعلت الرجل يحدق فيه وقد بدا عليه أنه فقد القدرة على استيعابه.
أمامه…
أما إيثان…
ثم هز كتفيه بلا اكتراث.
أقرب.
فكان يراقب المشهد بصمت من الخلف.
نظر الفتى خلفه نحو الدخان المتصاعد
استمر الشجار خلفه، لكن إيثان فقد اهتمامه سريعًا.
“لم يُذكر هذا في الكتاب…” تمتم.
ثم وصل إلى الباب الأخير.
استدار بهدوء، وبدأ يبتعد وسط الشارع.
“الزمن يترك ندوبًا… وأنت، تتركها في كل مكان دون أن تشعر”
وقف إيثان يتفحص المكان بعينيه بهدوء.
وخلفه، كان صوت الفتى ما يزال يرتفع بثقة غريبة
قال الرجل دون أن يبعد عينيه عنه “لكن قبل أن تختفي… اسمع هذه.”
“قلت لك أن نسبة النجاح تجاوزت الستين بالمئة!”
اندس بين الناس بصمت.
“ستين بالمئة ليست نسبة مطمئنة أيها الأحمق!”
سمع أحد الحراس يقول للرجل الذي أمامه ببرود حاد “الهوية.”
اختفت الأصوات تدريجيًا مع خطوات إيثان.
اتجه إيثان نحو البار، ثم وقف أمام الطاولة الطويلة يراقب العامل الذي ينشغل بتعبئة الأكواب وتلقي العملات من الزبائن
ثم مرت فكرة ساخرة داخل رأسه
موظفات الاستقبال كن يقفن خلف منصات زجاجية مضيئة، تتحرك أمامهن شاشات شفافة مليئة بالبيانات.
“يبدو أن هذا العالم يملك عددًا مزعجًا من المجانين.”
الصوت أصبح أوضح.
شد حقيبته فوق كتفه، وأكمل السير بين الأضواء الباهتة والدخان المتصاعد…
غير مدرك أن ذلك الفتى المجنون سيصبح قريبًا جزءًا من مشكلته التالية.
خطواتهما وحدها كانت تكسر الصمت.
