قوات التحالف الثلاثية
الفصل العشرون: قوات التحالف الثلاثي
“أعلم ما تعتمد عليه. إنه ذلك التنين الذي استدعيته، أليس كذلك؟ وهذان العملاقان الكيميائيان (حارسا الغولم) ذوا المدى البعيد للغاية؟” رسم لوسيان ابتسامه انتصار واهية على وجهه الشاحب: “هل تظن أن إمبراطوريتنا تشارلز لم تجرِ أبحاثاً على التنانين طوال هذه السنين؟”
راقبت ميلينا النيران السوداء والحمراء في كفها وهي تخمد تدريجياً، ثم أغلقت ببطء عينيها، وعادت لتبدو كفتاة هادئة. خرجت من تلك الزاوية والتقت بنظرات روجر، فأومأت له برأسها برفق، ثم عادت بصمت إلى جانب رولاند.
فهم حارس الشجرة مقصد رولاند. جثا هذا العملاق، الذي يتجاوز طوله ثلاثة أمتار (ويصل لسبعة أمتار مع جواده)، على ركبة واحدة أمام رولاند، وضغط بيده اليمنى على موضع قلبه قائلاً: “اعذر تقصيري يا لورد رولاند. لم يسبق لي أن أخبرتك باسمي السابق، وهو فيرناند، يمكنك مناداتي به. يرجى مخاطبتي بلقب حارس الشجرة، فقد أقسمت على تكريس حياتي للشجرة الذهبية وحمايتها بكل ما أملك”.
سألها رولاند عندما شعر بحركتها خلفه: “ميلينا، هل انتهيتِ بهذه السرعة؟” فقد كان قد فرغ للتو من توجيه دي لقيادة الجيش لتطهير ما تبقى من الموتى الأحياء المختبئين في المدينة.
بينما سيتساءل حلفاء الإمبراطورية المقدسة الآخرون في أنفسهم: “هل تقاتلون بعضكم حقاً أم أنها مجرد تمثيلية؟ أيعقل أنكم متحالفون سراً لخدعتنا طوال هذا الوقت؟”
هندم كينيث هايد ثيابه النبيلة متجهاً نحو الباب، وخلفه سار عدة جنود ملكيين وضعوا كيسًا من القماش فوق رأس لوسيان واقتادوه نحو قصر السيد.
أجابت ميلينا بصوت ناعم: “نعم، لقد تذكرتُ أمراً فجأة، لكني قمت بتسويته الآن”.
في هذه اللحظة، أقبل حارس الشجرة راكباً حصانه، وكان لوسيان، المقيد اليدين والقدمين بإحكام، معلقاً على جانب السرج. تحرك حارس الشجرة على بعد اثنتي عشرة خطوة من رولاند، وعلّق ترس الشجرة الذهبية ورمحه على حصانه، ثم حمل لوسيان بيد واحدة وكأنه يحمل طائراً معداً للذبح.
ألقى حارس الشجرة بـ لوسيان على الأرض وقال بصوت جهوري: “اللورد رولاند، لقد تم أسر قائد العدو حياً، وهو الآن تحت تصرفك”.
نظر رولاند إلى لوسيان المغشي عليه، وأثنى على حارس الشجرة قائلاً: “شكراً جزيلاً لك. لكن المعركة لم تنتهِ بعد، وسأحتاج إلى مساعدتك مجدداً لاحقاً”.
تنفس رولاند الصعداء؛ فقد نجح المخطط، والنتيجة النهائية ستعتمد الآن على القوة العسكرية لكلا الطرفين.
بدى الذهول التام على وجه لوسيان: “ماذا؟”
ثم وجه رولاند تعليماته إلى فرسان الأراضي المفقودة الذين عادوا للتو: “وايت، ستبقى أنت وفالكون وآرثر في مدينة لايتون للقضاء على فلول قوات العدو المتبقية. تذكروا، لا أريد ناجين؛ فهؤلاء الجنود كان مقدراً لهم دفع الثمن منذ اللحظة التي قرروا فيها مهاجمة السلالة الذهبية. لقد عهدت بأمر الموتى الأحياء إلى دي، لذا لا داعي للقلق بشأن ذلك. أما أنا فسأعود إلى مدينة موين برفقة حارس الشجرة، وثلاثين من فرسان الترول، وجميع فرسان غودريك. وسأترك المحارب التنيني الجوفي هنا للاحتياط”.
تفاجأ رولاند قليلاً، ولم يتوقع أن يصفه حارس الشجرة بهذه الطريقة. ومع ذلك، فإن الفلسفة الفكرية لـ ميكايلا تتوافق تماماً مع رؤية رولاند. وإذا تسنى استدعاؤه يوماً، فسيكونان بالتأكيد صديقين حميمين يتشاركان الأفكار.
وكان وايت قد وصل للتو، فشبك يديه محيياً بسرعة قبل أن يستدير لإبلاغ الفارسين الآخرين.
نظر رولاند إلى حارس الشجرة، راغباً في مناداته باسمه، لكنه أدرك أنه لا يعرف اسمه الشخصي، ومناداته بلقب “حارس الشجرة” بدت رسمية وجافة بعض الشيء.
فهم حارس الشجرة مقصد رولاند. جثا هذا العملاق، الذي يتجاوز طوله ثلاثة أمتار (ويصل لسبعة أمتار مع جواده)، على ركبة واحدة أمام رولاند، وضغط بيده اليمنى على موضع قلبه قائلاً: “اعذر تقصيري يا لورد رولاند. لم يسبق لي أن أخبرتك باسمي السابق، وهو فيرناند، يمكنك مناداتي به. يرجى مخاطبتي بلقب حارس الشجرة، فقد أقسمت على تكريس حياتي للشجرة الذهبية وحمايتها بكل ما أملك”.
أومأ حارس الشجرة برأسه موافقاً على كلام رولاند: “هذا صحيح. ورغم أن الأعداء كانوا ضعفاء حقاً، إلا أن هؤلاء الجنود الخاضعين لغودريك باتوا بالتأكيد أقوى مما كانوا عليه في المنطقة الحدودية. اللورد رولاند، إنك حقاً ملك معطاء ومتسامح، ومستعد لبسط بركة الشجرة الذهبية بالتساوي على هؤلاء المنفيين. إن أفعالك تذكرني باللورد ميكايلا، الابن الأصغر للملك الثاني لخاتم الدن، اللورد راداجون، والذي كان يعامل الجميع بالمساواة والعدل تماماً مثلك”.
غمر الضوء الذهبي للشجرة الذهبية رولاند والجنود المحيطين به، واختفوا جميعاً في رمشة عين.
قالت إيكوسيلا الواقفة خلف رولاند بنبرة حماسية: “لم أتوقع أبداً أن يكون هو اللورد فيرناند! في عاصمتنا الملكية ليندل، كان يتردد غالباً على أكاديمية الفرسان لتدريبنا على الفنون القتالية وتشجيعنا”.
وعند رؤية فرسان الترول يجثون أمام رولاند، أراد حارس الشجرة وفرسان غودريك إظهار ولائهم بالطريقة ذاتها، لكن رولاند أوقفهم.
نظر حارس الشجرة بدهشة نحو فارس ليندل الواقف خلف رولاند. ورغم أن الخوذة الذهبية كانت تغطي وجه إيكوسيلا، إلا أنه ميزها فوراً من نبرة صوتها المألوفة.
“في هذه الأثناء، تصادف وجود قوات سلالة الذهبية في مدينة لايتون لإنقاذ سكانها، وانطلاقاً من الروح الإنسانية، تدخلنا لمؤازرة فيلق الأجنحة الملائكية الرفيع ضد جيش إمبراطورية تشارلز. وللأسف الشديد، لقي أفراد الفيلق حتفهم جميعاً في القتال، فثأرت السلالة الذهبية لهم من خلال سحق جيش لوسيان بالكامل”.
“هل أنتِ… الابنة الكبرى لعائلة كوران؟” استدعى حارس الشجرة من ذاكرته تلك الفتاة ذات الشعر الأحمر التي كانت تطمح دائماً في أكاديمية الفرسان لتصبح حارساً للشجرة.
قطب لوسيان حاجبيه قليلاً؛ حيث منعه الألم من استيعاب مغزى الكلام فوراً.
وتابع قائلاً بملامح حنين ظهرت من تحت درعه الثقيل: “حقاً؟ هل أجبتِ أنتِ أيضاً أيتها الفتاة الصغيرة نداء الشجرة الذهبية لتأتي إلى هذا العالم الجديد؟ أذكر أنه بعد أن أصبحتِ فارسة فخورة من فرسان ليندل، جُرِّدتِ من رتبتكِ كفارسة بسبب خطايا عائلتكِ. هل لأن اللورد رولاند أعاد إليكِ رتبتكِ ترتدين هذه الدروع الآن؟”.
“ستتجرع قريباً مرارة خيانة تنينك الخاص. أما بالنسبة للغولم الصخري، فلا تشغل بالك به. فليس شيئاً تنفرد به سلالتك الذهبية؛ إذ يرغب مجلس السحرة والأقزام في قلعة قلب الحجر في اختبار أداء عمالقتهم الكيميائيين في ساحة المعركة، ولذا أرسلوا جيوشهم أيضاً. تهانينا يا لورد رولاند، فإن مدينتك الصغيرة موين على وشك مواجهة هجوم مشترك من تحالف الممالك الثلاث”.
أصدر رولاند تعليماته، ثم أشار إلى لوسيان الذي تحمله إيكوسيلا قائلاً: “وبالمناسبة، خذه إلى قصر السيد أيضاً. إنه قائد الأعداء الذي نصب لي كميناً في مدينة لايتون. كن حذراً؛ فرغم إصابته البالغة، إلا أنه قوي جداً. ولا نريد أن يتولى فرسان الأراضي المفقودة حراسته بمفردهم”.
أجابت إيكوسيلا باحترام: “نعم، لقد أعاد إليّ ملكنا الجديد رولاند رتبتي كفارسة، مما أتاح لي معانقة مجدي السابق مجدداً”.
التفت حارس الشجرة إلى رولاند منهياً حديثه مع إيكوسيلا: “هذا جيد إذن، ولكن ليس هذا وقت تبادل الذكريات. اللورد رولاند، يرجى إصدار الأوامر، وسأبيد لك كافة الأعداء الغزاة”.
أوضح رولاند الخطوات التالية لخطته الحربية: “قبل أن أصدر الأوامر، أحتاج إلى توضيح الوضع الحالي لك. عدونا الرئيسي الآن هو إمبراطورية تشارلز. كانت مدينة لايتون تابعة لهم في الأصل، وهي مدينة كبيرة نسبياً من حيث تعداد السكان. قبل بضعة أيام، جاء اللورد السابق لمدينة لايتون، مارين، إلى مدينة موين. وتحت ذريعة أن مدينة لايتون تعاني من كارثة الموتى الأحياء، طلب مني إرسال قوات للمساعدة، لكنه في الحقيقة استغل خلو مدينتي من القوات وأرسل جيشاً لمهاجمة مدينة موين”.
“لكن العدو لا يعلم أننا نستطيع نقل قواتنا بصمت خارج المدينة عبر نقاط الانتقال السريع للمباركة الموجودة داخلها. لذا استخدمت إستراتيجية مضادة، حيث كذبت على اللورد مارين وأخبرته بأنني سأرسل حتماً قوات للمساعدة في غضون ثلاثة أيام. واليوم هو اليوم الذي اتفقت فيه معه على إرسال القوات. كان مسعاي الأصلي هو استغلال فارق الوقت للسيطرة على مدينة لايتون، لكني لم أتوقع أن تحتوي مدينة لايتون على كمين من جيش إمبراطورية تشارلز فحسب، بل وأيضاً على فيلق نخبة من الإمبراطورية المقدسة”. تحولت نبرة رولاند إلى البرود وهو يقول هذا.
ضحك كينيث هايد بحماسة غامرة: “إذن أهنئك يا لورد رولاند. سأرسل رجالي لاستدعاء اللورد مارين إلى قصر السيد فوراً”.
بمجرد انتهاء هذا الأمر، سيتعقب رولاند بالتأكيد الإمبراطورية المقدسة. وبالطبع، لن يكون هذا عبر احتجاج رسمي علني؛ فما دامت الإمبراطورية المقدسة قد تجرأت على إرسال هذا الفيلق، فلا بد أنها مستعدة للتضحية به، والاحتجاج العلني لن يجعلهم يبدون حمقى فحسب، بل سيدفعهم لرفع درجة حذرهم إلى أقصى حد.
لم يمنحه رولاند أي فرصة للحديث، ولوح لـ إيكوسيلا لتتقدم وتحمل لوسيان: “هيا بنا، دعني آخذك في زيارة لمدينتي موين. يسعدني دائماً استضافة الضيوف”.
أدرك لوسيان أخيراً ما كان يجري. وبربط هذا مع مشهد ظهور حارس الشجرة العظيم المفاجئ، انقبضت حدقتا عينيه، وشعر كأنه سقط فجأة في وادٍ جليدي سحيق.
لم يكن رولاند يعرف شهرة فيلق الأجنحة الملائكية الجبارة إلا من خلال الكتب. وإذا علمت الإمبراطورية المقدسة أن فيلقهم هذا قد هُزم على يديه، فقد يضطر إلى بذل موارد أكبر بكثير للتعامل معهم مستقبلاً.
وبطبيعة الحال، كان لا بد من نشر أخبار الهزيمة. ولكن كيف هُزم فيلق الأجنحة الملائكية؟
التفت حارس الشجرة إلى رولاند منهياً حديثه مع إيكوسيلا: “هذا جيد إذن، ولكن ليس هذا وقت تبادل الذكريات. اللورد رولاند، يرجى إصدار الأوامر، وسأبيد لك كافة الأعداء الغزاة”.
ألقى رولاند نظرة على لوسيان المغشي عليه على الأرض. أليس هناك كبش فداء مثالي هنا؟ يكفي القول بأن قائد إمبراطورية تشارلز، لوسيان، وقائد فيلق الأجنحة الملائكية الرفيع قد اشتبكا بسبب تباين وجهات نظرهما حول كارثة الموتى الأحياء في مدينة لايتون، مما أدى إلى تصاعد الخلاف بينهما وتحوله إلى معركة دموية طاحنة.
“في هذه الأثناء، تصادف وجود قوات سلالة الذهبية في مدينة لايتون لإنقاذ سكانها، وانطلاقاً من الروح الإنسانية، تدخلنا لمؤازرة فيلق الأجنحة الملائكية الرفيع ضد جيش إمبراطورية تشارلز. وللأسف الشديد، لقي أفراد الفيلق حتفهم جميعاً في القتال، فثأرت السلالة الذهبية لهم من خلال سحق جيش لوسيان بالكامل”.
أجابت إيكوسيلا باحترام: “نعم، لقد أعاد إليّ ملكنا الجديد رولاند رتبتي كفارسة، مما أتاح لي معانقة مجدي السابق مجدداً”.
إن إرسال رفات جنود فيلق الأجنحة الملائكية إلى الإمبراطورية المقدسة لن يثير غضب واشمئزاز أولئك المسؤولين الكبار الذين خططوا لمهاجمة رولاند فحسب، بل سيتعين عليهم أيضاً الترويج بقوة لفكرة أن فيلق الأجنحة الملائكية قد تجاهل أوامر لوسيان، وخاض غمار المعركة ببسالة لإنقاذ أهالي مدينة لايتون من الكارثة. هذا التكتيك سيشوه سمعة إمبراطورية تشارلز، وفي الوقت ذاته سيجعل قادة الإمبراطورية المقدسة عاجزين تماماً عن الاحتجاج أو التعبير عن تظلمهم.
ولم يكن يهم إن كان المسؤولون الكبار في الإمبراطورية المقدسة سيصدقون رواية رولاند أم لا؛ فالأهم هو أن يصدق عامة الشعب في بلادهم حقيقة أن فيلق الأجنحة الملائكية قد ذهب بدافع التضحية والإيثار إلى بلد العدو لإنقاذ مدينة لايتون من كارثة الموتى الأحياء.
وحتى لو قررت الإمبراطورية المقدسة نزع القناع وقول الحقيقة علانية، فإن حلفاءها سيفكرون ملياً قبل الثقة بها مجدداً؛ فكيف يثقون بإمبراطورية أبرمت للتو تحالفاً مع السلالة الذهبية وكانت تعيش فترة سلام، لتبادر بطعن حليفها في الظهر؟
وإذا استغلت إمبراطورية تشارلز هذا الرأي العام السلبي، فسيكون له تأثير مدمر على حلفاء الإمبراطورية المقدسة. فإمبراطورية تشارلز تعلن عداءها صراحة السلالة الذهبية، ولا تخشى عواقب هذا الخبر.
بمجرد سماع اسم فيلق الهجناء التنيني، ثارت عاصفة من الغضب في صدر لوسيان. فلو لم تتسبب تلك التجارب الفاشلة في تفكيك واضطراب خطوطه الأمامية، لكان من المستحيل على حارس الشجرة وحده اختراق صفوف جيشه بهذه السرعة الخاطفة.
وإذا كشفت الإمبراطورية المقدسة عن تفاصيل تلك الصفقة السرية، فستكون إمبراطورية تشارلز مبتهجة للغاية.
وتابع قائلاً بملامح حنين ظهرت من تحت درعه الثقيل: “حقاً؟ هل أجبتِ أنتِ أيضاً أيتها الفتاة الصغيرة نداء الشجرة الذهبية لتأتي إلى هذا العالم الجديد؟ أذكر أنه بعد أن أصبحتِ فارسة فخورة من فرسان ليندل، جُرِّدتِ من رتبتكِ كفارسة بسبب خطايا عائلتكِ. هل لأن اللورد رولاند أعاد إليكِ رتبتكِ ترتدين هذه الدروع الآن؟”.
“هذا ممتاز. أرسل شخصاً لاستدعاء اللورد مارين إلى قصر السيد فوراً. أخبره بأن لدي أموراً هامة أود مناقشتها معه”.
بينما سيتساءل حلفاء الإمبراطورية المقدسة الآخرون في أنفسهم: “هل تقاتلون بعضكم حقاً أم أنها مجرد تمثيلية؟ أيعقل أنكم متحالفون سراً لخدعتنا طوال هذا الوقت؟”
بدأ فرسان الترول الذين اختارتهم الشجرة الذهبية يقتربون تدريجياً من رولاند، وأثارت أجسادهم الضخمة فضول أهالي مدينة لايتون مجدداً. وبمجرد أن أدركوا أن هؤلاء الترول لا يؤذون البشر، تبدد خوفهم كلياً.
بناءً على ذلك، ستشعر الإمبراطورية المقدسة بإحباط وحرج شديدين أياً كان الخيار الذي ستسلكه. وعلى النقيض من ذلك، لو بادر رولاند بتقديم احتجاج مباشر ضد الإمبراطورية المقدسة بسبب نكثها بالعهود وانتهاك التحالف، فمن المرجح أن ترتد التهمة عليه من قِبلهم. فقد خمن رولاند بالفعل طبيعة الحجج والخطابات التي سيعدها الطرف الآخر لو ذهب للاحتجاج:
أجابت إيكوسيلا باحترام: “نعم، لقد أعاد إليّ ملكنا الجديد رولاند رتبتي كفارسة، مما أتاح لي معانقة مجدي السابق مجدداً”.
“كان فيلق الأجنحة الملائكية فيلقاً نخبوياً أرسلناه لدعم السلالة الذهبية، لكنكم تآمرتم على هؤلاء الجنود البواسل وشوهتم شجاعتهم وشرفهم. ما هي النوايا الحقيقية السلالة الذهبية إذن؟!”
أدرك لوسيان أخيراً ما كان يجري. وبربط هذا مع مشهد ظهور حارس الشجرة العظيم المفاجئ، انقبضت حدقتا عينيه، وشعر كأنه سقط فجأة في وادٍ جليدي سحيق.
علاوة على ذلك، فإن بقية الدول المراقبة ستختار بلا شك تصديق رواية الإمبراطورية المقدسة؛ فبلادهم وإمبراطورية تشارلز يخوضان حرباً طاحنة على الحدود، فكيف يصدق العقل أنهما سيتحالفان ضد فصيل صغير كالسلالة الذهبية؟ وحتى لو أراد المرء إطلاق الأكاذيب، فعليه على الأقل احترام البديهيات المنطقية.
لم يكن رولاند يعرف شهرة فيلق الأجنحة الملائكية الجبارة إلا من خلال الكتب. وإذا علمت الإمبراطورية المقدسة أن فيلقهم هذا قد هُزم على يديه، فقد يضطر إلى بذل موارد أكبر بكثير للتعامل معهم مستقبلاً.
ولم يكن يهم إن كان المسؤولون الكبار في الإمبراطورية المقدسة سيصدقون رواية رولاند أم لا؛ فالأهم هو أن يصدق عامة الشعب في بلادهم حقيقة أن فيلق الأجنحة الملائكية قد ذهب بدافع التضحية والإيثار إلى بلد العدو لإنقاذ مدينة لايتون من كارثة الموتى الأحياء.
أردف رولاند: “على أي حال، لم يكن هذا سوى حادث عرضي صغير في الخطة. كان مسعاي الأصلي هو استغلال هذه الفرصة لاستدعائك يا فيرناند، برفقة فرسان الترول، وبذلك لن ينجح مخطط إمبراطورية تشارلز والإمبراطورية المقدسة. والآن كل ما نحتاجه هو العودة إلى مدينة موين والقضاء على جيش إمبراطورية تشارلز الذي يهاجمها”.
تناهى هذا الصوت فجأة من الأرض. كان لوسيان قد استفاق للتو من غيبوبته، وكان جسده بأكمله يرتجف من الألم، لكنه كبح أنفاسه رافضاً إظهار أي ضعف أمام رولاند.
نظر لوسيان إلى رولاند بعدم تصديق، متسائلاً كيف لا يزال هذا الشاب يظن أنه قادر على النجاة من حملة الإبادة الشاملة. (ربما لأنه يُدعى رولاند الميت الحي ولا يخشى الموت مطلقاً؟)
بعد الاستماع لكلمات رولاند، رتب حارس الشجرة فيرناند أفكاره وسأل بفضول: “اللورد رولاند، لِمَ لم تقم باستدعائي واستدعاء فرسان الترول منذ البداية؟ وكذلك صانعو العطور الحربية في العاصمة الملكية، وجنود ليندل وبقية فرسان ليندل، وحراس الشجرة الذين أبرموا عهداً عتيقاً مع الشجرة الذهبية؟”
وحتى لو قررت الإمبراطورية المقدسة نزع القناع وقول الحقيقة علانية، فإن حلفاءها سيفكرون ملياً قبل الثقة بها مجدداً؛ فكيف يثقون بإمبراطورية أبرمت للتو تحالفاً مع السلالة الذهبية وكانت تعيش فترة سلام، لتبادر بطعن حليفها في الظهر؟
منع رولاند إيكوسيلا من استلال سلاحها، وسأل بفضول: “الأمر لا يتعدى فارق مسيرة يوم واحد، فلماذا أنت واثق جداً من أن الجنرال فولر سيسيطر على مدينة موين في غضون يوم؟”
توقف حارس الشجرة برهة، وألقى نظرة على إيكوسيلا ثم تابع: “لماذا لم تستدعِ سوى الجيش الخاضع لقيادة غودريك؟ اللورد رولاند، اعذر صراحتي، لكن الجيش الملكي التابع للعاصمة ليندل أقوى بكثير من هذه الجيوش الملكية المنفية. وإذا كنت تواجه خصوماً كُثراً، فإن الجنود الخاضعين مباشرة لقيادة العاصمة ليندل هم خيارك الأمثل. بل إنني أوصيك باستدعاء الملك المبارك مباشرة. ففي معركة ليندل الثانية، لولا النذير الملعون مارغيت، لربما سقطت العاصمة حقاً”.
أما بالنسبة لتجسيد النذير الملعون مارغيت، فهناك نسخة منه في حصن ستورمفيل. وموعد فتحه بات قريباً جداً، لكنه لا يعلم بعد كم سيكلفه استدعاؤه من طاقة السحر.
بدا وكأن عيني فيرناند لا تزالان تعكسان ذلك الجسد الضخم والمهارات القتالية الفائقة للنذير الملعون، وهو يرتدي رداءً رثاً ويحصد أبطال و أنصاف الآلهة في ساحة المعركة.
ألقى رولاند نظرة على لوسيان المغشي عليه على الأرض. أليس هناك كبش فداء مثالي هنا؟ يكفي القول بأن قائد إمبراطورية تشارلز، لوسيان، وقائد فيلق الأجنحة الملائكية الرفيع قد اشتبكا بسبب تباين وجهات نظرهما حول كارثة الموتى الأحياء في مدينة لايتون، مما أدى إلى تصاعد الخلاف بينهما وتحوله إلى معركة دموية طاحنة.
أجاب رولاند بعد تفكير: “هذه الأمور معقدة بعض الشيء. في الوقت الحالي، لا يمكنني سوى استدعاء الجنود المتواجدين في منطقة ليمغريف. وفي مدينة موين، هناك أيضاً عدد غير قليل من الجنود المنفيين وفرسان الأراضي المفقودة الذين استدعيتهم. يمكنك فهم الأمر كحاجة للسيطرة على المزيد من الأراضي لفتح وحدات قتالية جديدة”.
فهم حارس الشجرة مقصد رولاند. جثا هذا العملاق، الذي يتجاوز طوله ثلاثة أمتار (ويصل لسبعة أمتار مع جواده)، على ركبة واحدة أمام رولاند، وضغط بيده اليمنى على موضع قلبه قائلاً: “اعذر تقصيري يا لورد رولاند. لم يسبق لي أن أخبرتك باسمي السابق، وهو فيرناند، يمكنك مناداتي به. يرجى مخاطبتي بلقب حارس الشجرة، فقد أقسمت على تكريس حياتي للشجرة الذهبية وحمايتها بكل ما أملك”.
بناءً على ذلك، ستشعر الإمبراطورية المقدسة بإحباط وحرج شديدين أياً كان الخيار الذي ستسلكه. وعلى النقيض من ذلك، لو بادر رولاند بتقديم احتجاج مباشر ضد الإمبراطورية المقدسة بسبب نكثها بالعهود وانتهاك التحالف، فمن المرجح أن ترتد التهمة عليه من قِبلهم. فقد خمن رولاند بالفعل طبيعة الحجج والخطابات التي سيعدها الطرف الآخر لو ذهب للاحتجاج:
أما بالنسبة لتجسيد النذير الملعون مارغيت، فهناك نسخة منه في حصن ستورمفيل. وموعد فتحه بات قريباً جداً، لكنه لا يعلم بعد كم سيكلفه استدعاؤه من طاقة السحر.
ارتسمت تعابير غريبة على وجه رولاند: “هل تشير إلى تلك الأبحاث التي أنتجت جنوداً أنصاف تنانين عاجزين عن كبح جماح مشاعرهم وهيجانهم؟ بعد كل هذه السنين من الأبحاث، لم تفلح إمبراطورية تشارلز إلا في تطوير مثل هذا الفيلق الهائج الخارج عن السيطرة؟”
وبعد تذكير حارس الشجرة له، تذكر رولاند أنه من بين الجوائز التي فتحها في مدينة موين، كان هناك الهجين الأسد الذي لم يقم باستدعائه بعد. ومع ذلك، وبالنظر إلى القوة العسكرية الحالية لرولاند، فهو لا يحتاج بشكل ملح لمساعدة الهجين الأسد. أضف إلى ذلك أنه برغم أن نبلاء مدينة موين لا يعاملون الهجناء كخدم بفضل وجود رولاند، إلا أن التمييز المتجذر في النفوس لا يمكن محوه في وقت قصير. بل إن هذا الهجين الأسد هو على الأرجح قائد التمرد بين الهجناء في مدينة موين. وإذا لم يتعامل رولاند مع هذا الأمر بحذر، فقد تشتعل النيران في فنائه الخلفي.
بدى الذهول التام على وجه لوسيان: “ماذا؟”
وافق كينيث هايد على الفور. نظر بابتسامة إلى لوسيان الصامت والشاحب، ثم قال لرولاند: “اللورد رولاند، لقد رأيت حارس الشجرة ينتقل سرياً من ميدان التدريب قبل قليل، ومع أسر قائد العدو، هل يعني هذا أن عمليتك في مدينة لايتون كللت بالنجاح التام؟”
استعاد رولاند تركيزه، ونظر إلى حارس الشجرة وتابع: “علاوة على ذلك، لقد منحت بركتي لجنود جيش غودريك هؤلاء الذين نُفوا يوماً من وطنهم، وباتت قوتهم القتالية الآن أعظم بكثير من ذي قبل”.
هز رأسه لتبديد هذا الشعور من عقله. وصل حارس الشجرة ومعه أكثر من أربعمائة من فرسان غودريك، مما جعل المساحة القريبة من السور الغربي للمدينة تكتظ بالكامل بالقوات.
أومأ حارس الشجرة برأسه موافقاً على كلام رولاند: “هذا صحيح. ورغم أن الأعداء كانوا ضعفاء حقاً، إلا أن هؤلاء الجنود الخاضعين لغودريك باتوا بالتأكيد أقوى مما كانوا عليه في المنطقة الحدودية. اللورد رولاند، إنك حقاً ملك معطاء ومتسامح، ومستعد لبسط بركة الشجرة الذهبية بالتساوي على هؤلاء المنفيين. إن أفعالك تذكرني باللورد ميكايلا، الابن الأصغر للملك الثاني لخاتم الدن، اللورد راداجون، والذي كان يعامل الجميع بالمساواة والعدل تماماً مثلك”.
“سعال… سعال… لقد فات الأوان يا رولاند”.
تفاجأ رولاند قليلاً، ولم يتوقع أن يصفه حارس الشجرة بهذه الطريقة. ومع ذلك، فإن الفلسفة الفكرية لـ ميكايلا تتوافق تماماً مع رؤية رولاند. وإذا تسنى استدعاؤه يوماً، فسيكونان بالتأكيد صديقين حميمين يتشاركان الأفكار.
أطلق لوسيان ضحكة هازئة متقطعة، وكأنه يرى بالفعل التنين الذي استدعاه رولاند ينقلب ضده ويحيل مدينة موين إلى بحر من النيران.
“سعال… لدي الكثير من الأسئلة لأطرحها عليك بشأن ميكايلا بمجرد انتهاء معركة مدينة موين. أما الآن، فإن أولويتي هي إعادتك أنت وفرسان غودريك وفرسان الترول إلى مدينة موين. دعنا لا نتأخر، وعلينا الانطلاق فوراً”.
بدى الذهول التام على وجه لوسيان: “ماذا؟”
استعاد رولاند تركيزه، ونظر إلى حارس الشجرة وتابع: “علاوة على ذلك، لقد منحت بركتي لجنود جيش غودريك هؤلاء الذين نُفوا يوماً من وطنهم، وباتت قوتهم القتالية الآن أعظم بكثير من ذي قبل”.
كبح رولاند فضوله، وتواصل مع الشجرة الذهبية في عقله طالباً منها سحب فرسان الترول الذين استدعاهم، بينما ذهب حارس الشجرة لإبلاغ فرسان غودريك بالاستعداد للتجمع.
بدأ فرسان الترول الذين اختارتهم الشجرة الذهبية يقتربون تدريجياً من رولاند، وأثارت أجسادهم الضخمة فضول أهالي مدينة لايتون مجدداً. وبمجرد أن أدركوا أن هؤلاء الترول لا يؤذون البشر، تبدد خوفهم كلياً.
أجاب رولاند بعد تفكير: “هذه الأمور معقدة بعض الشيء. في الوقت الحالي، لا يمكنني سوى استدعاء الجنود المتواجدين في منطقة ليمغريف. وفي مدينة موين، هناك أيضاً عدد غير قليل من الجنود المنفيين وفرسان الأراضي المفقودة الذين استدعيتهم. يمكنك فهم الأمر كحاجة للسيطرة على المزيد من الأراضي لفتح وحدات قتالية جديدة”.
وعندما وصل فرسان الترول إلى جوار رولاند، جثوا جميعاً على ركبة واحدة أمامه ليعربوا عن امتنانهم وولائهم المطلق. ولا بد من القول إن مشهد ثلاثين عملاقاً يجثون دفعة واحدة أمامك هو منظر يبعث على الهيبة.
تنفس رولاند الصعداء؛ فقد نجح المخطط، والنتيجة النهائية ستعتمد الآن على القوة العسكرية لكلا الطرفين.
هز رأسه لتبديد هذا الشعور من عقله. وصل حارس الشجرة ومعه أكثر من أربعمائة من فرسان غودريك، مما جعل المساحة القريبة من السور الغربي للمدينة تكتظ بالكامل بالقوات.
“في هذه الأثناء، تصادف وجود قوات سلالة الذهبية في مدينة لايتون لإنقاذ سكانها، وانطلاقاً من الروح الإنسانية، تدخلنا لمؤازرة فيلق الأجنحة الملائكية الرفيع ضد جيش إمبراطورية تشارلز. وللأسف الشديد، لقي أفراد الفيلق حتفهم جميعاً في القتال، فثأرت السلالة الذهبية لهم من خلال سحق جيش لوسيان بالكامل”.
راقبت ميلينا النيران السوداء والحمراء في كفها وهي تخمد تدريجياً، ثم أغلقت ببطء عينيها، وعادت لتبدو كفتاة هادئة. خرجت من تلك الزاوية والتقت بنظرات روجر، فأومأت له برأسها برفق، ثم عادت بصمت إلى جانب رولاند.
وعند رؤية فرسان الترول يجثون أمام رولاند، أراد حارس الشجرة وفرسان غودريك إظهار ولائهم بالطريقة ذاتها، لكن رولاند أوقفهم.
ضحك كينيث هايد بحماسة غامرة: “إذن أهنئك يا لورد رولاند. سأرسل رجالي لاستدعاء اللورد مارين إلى قصر السيد فوراً”.
“أستشعر إخلاصكم وولاءكم، ولكن لا داعي للجثو. وأنتم أيضاً يا فرسان الترول، انهضوا. مدينة موين بحاجة إلى عونكم جميعاً”.
ضحك كينيث هايد وهز رأسه نفياً: “على الإطلاق، فكيف لفانٍ مثله أن يستوعب عجائب نقاط الانتقال للمباركة الخاصة بالشجرة الذهبية؟ طوال الأيام القليلة الماضية كنت آخذه في جولات حول مدينة موين للأكل والشرب والاستمتاع، وكان يرسل خطاباته عبر الحمام الزاجل ليلاً. وبناءً على أوامرك، لم آمر رجالي باعتراض الحمام الزاجل. كما استخدمت ذريعة أن اللورد رولاند مشغول بإدارة الشؤون لإبقائه بعيداً عن قصر السيد طيلة الأيام الماضية. لذا، لا يزال اللورد مارين يجهل تماماً حقيقة خروجك وعودتك”.
أجاب رولاند بعد تفكير: “هذه الأمور معقدة بعض الشيء. في الوقت الحالي، لا يمكنني سوى استدعاء الجنود المتواجدين في منطقة ليمغريف. وفي مدينة موين، هناك أيضاً عدد غير قليل من الجنود المنفيين وفرسان الأراضي المفقودة الذين استدعيتهم. يمكنك فهم الأمر كحاجة للسيطرة على المزيد من الأراضي لفتح وحدات قتالية جديدة”.
“سعال… سعال… لقد فات الأوان يا رولاند”.
توقف حارس الشجرة برهة، وألقى نظرة على إيكوسيلا ثم تابع: “لماذا لم تستدعِ سوى الجيش الخاضع لقيادة غودريك؟ اللورد رولاند، اعذر صراحتي، لكن الجيش الملكي التابع للعاصمة ليندل أقوى بكثير من هذه الجيوش الملكية المنفية. وإذا كنت تواجه خصوماً كُثراً، فإن الجنود الخاضعين مباشرة لقيادة العاصمة ليندل هم خيارك الأمثل. بل إنني أوصيك باستدعاء الملك المبارك مباشرة. ففي معركة ليندل الثانية، لولا النذير الملعون مارغيت، لربما سقطت العاصمة حقاً”.
تناهى هذا الصوت فجأة من الأرض. كان لوسيان قد استفاق للتو من غيبوبته، وكان جسده بأكمله يرتجف من الألم، لكنه كبح أنفاسه رافضاً إظهار أي ضعف أمام رولاند.
“أستشعر إخلاصكم وولاءكم، ولكن لا داعي للجثو. وأنتم أيضاً يا فرسان الترول، انهضوا. مدينة موين بحاجة إلى عونكم جميعاً”.
التقط أنفاسه بصعوبة، ونجح في همس كلماته: “لقد قاد الجنرال فولر جيشه في مسيرة قسرية سريعة نحو مدينة موين منذ يوم مضى. ومستحيل أن تتمكن من اللحاق بهم. لقد انتهى أمر مدينتك موين يا رولاند. من المؤسف فقط أني لم أتمكن من القضاء عليك وتنفيد مرسوم جلالة الإمبراطور بالكامل”.
بدى الذهول التام على وجه لوسيان: “ماذا؟”
منع رولاند إيكوسيلا من استلال سلاحها، وسأل بفضول: “الأمر لا يتعدى فارق مسيرة يوم واحد، فلماذا أنت واثق جداً من أن الجنرال فولر سيسيطر على مدينة موين في غضون يوم؟”
لم يكن رولاند يعرف شهرة فيلق الأجنحة الملائكية الجبارة إلا من خلال الكتب. وإذا علمت الإمبراطورية المقدسة أن فيلقهم هذا قد هُزم على يديه، فقد يضطر إلى بذل موارد أكبر بكثير للتعامل معهم مستقبلاً.
“أعلم ما تعتمد عليه. إنه ذلك التنين الذي استدعيته، أليس كذلك؟ وهذان العملاقان الكيميائيان (حارسا الغولم) ذوا المدى البعيد للغاية؟” رسم لوسيان ابتسامه انتصار واهية على وجهه الشاحب: “هل تظن أن إمبراطوريتنا تشارلز لم تجرِ أبحاثاً على التنانين طوال هذه السنين؟”
ارتسمت تعابير غريبة على وجه رولاند: “هل تشير إلى تلك الأبحاث التي أنتجت جنوداً أنصاف تنانين عاجزين عن كبح جماح مشاعرهم وهيجانهم؟ بعد كل هذه السنين من الأبحاث، لم تفلح إمبراطورية تشارلز إلا في تطوير مثل هذا الفيلق الهائج الخارج عن السيطرة؟”
بمجرد انتهاء هذا الأمر، سيتعقب رولاند بالتأكيد الإمبراطورية المقدسة. وبالطبع، لن يكون هذا عبر احتجاج رسمي علني؛ فما دامت الإمبراطورية المقدسة قد تجرأت على إرسال هذا الفيلق، فلا بد أنها مستعدة للتضحية به، والاحتجاج العلني لن يجعلهم يبدون حمقى فحسب، بل سيدفعهم لرفع درجة حذرهم إلى أقصى حد.
بمجرد سماع اسم فيلق الهجناء التنيني، ثارت عاصفة من الغضب في صدر لوسيان. فلو لم تتسبب تلك التجارب الفاشلة في تفكيك واضطراب خطوطه الأمامية، لكان من المستحيل على حارس الشجرة وحده اختراق صفوف جيشه بهذه السرعة الخاطفة.
“ليس ذلك المنتج المعيب!” لم يتمكن لوسيان من كبح صراخه، وتسببت جروحه في التواء ملامح وجهه ألماً. التقط أنفاسه وتابع بعبارات متقطعة: “كيف يمكن مقارنة ذلك الفيلق المعيب بما يمتلكه الجنرال فولر؟ إنه طوق القيد التنيني العظيم القادر على إخضاع عقول التنانين والسيطرة عليها. إنه ذروة وخلاصة سنوات طوال من أبحاث إمبراطورية تشارلز”.
أجابت إيكوسيلا باحترام: “نعم، لقد أعاد إليّ ملكنا الجديد رولاند رتبتي كفارسة، مما أتاح لي معانقة مجدي السابق مجدداً”.
أطلق لوسيان ضحكة هازئة متقطعة، وكأنه يرى بالفعل التنين الذي استدعاه رولاند ينقلب ضده ويحيل مدينة موين إلى بحر من النيران.
بينما سيتساءل حلفاء الإمبراطورية المقدسة الآخرون في أنفسهم: “هل تقاتلون بعضكم حقاً أم أنها مجرد تمثيلية؟ أيعقل أنكم متحالفون سراً لخدعتنا طوال هذا الوقت؟”
“ستتجرع قريباً مرارة خيانة تنينك الخاص. أما بالنسبة للغولم الصخري، فلا تشغل بالك به. فليس شيئاً تنفرد به سلالتك الذهبية؛ إذ يرغب مجلس السحرة والأقزام في قلعة قلب الحجر في اختبار أداء عمالقتهم الكيميائيين في ساحة المعركة، ولذا أرسلوا جيوشهم أيضاً. تهانينا يا لورد رولاند، فإن مدينتك الصغيرة موين على وشك مواجهة هجوم مشترك من تحالف الممالك الثلاث”.
اصفر وجه لوسيان تماماً من جراء فقدان الدماء، وحاول رفع يده، لكن الحبال منعت حركته.
بدى الذهول التام على وجه لوسيان: “ماذا؟”
أومأ رولاند برأسه بلا مبالاة، وقاطع لوسيان الذي همّ بقول المزيد: “لا تقل شيئاً من قبيل ‘استسلم الآن لتنجو من الموت’. فمثل هذا الكلام لا يليق بذكائك. علاقتي بإمبراطوريتكم تشارلز مقدر لها أن تكون علاقة حياة أو موت. ومثلما لا يمكنك الاستسلام لي، فلن أستسلم لكم أبداً”.
كبح رولاند فضوله، وتواصل مع الشجرة الذهبية في عقله طالباً منها سحب فرسان الترول الذين استدعاهم، بينما ذهب حارس الشجرة لإبلاغ فرسان غودريك بالاستعداد للتجمع.
ثم خطر ببال رولاند أمر فتابع مبتسماً: “ولكن الأمر ليس مستحيلاً بالكامل. إذا قمت بتسليم لويز إليّ بنفسك، فقد أفكر في الإبقاء على حيواتكم أنتم النبلاء المتآمرين عندما أغزو عاصمتكم. ما هو قولك؟”
نظر لوسيان إلى رولاند بعدم تصديق، متسائلاً كيف لا يزال هذا الشاب يظن أنه قادر على النجاة من حملة الإبادة الشاملة. (ربما لأنه يُدعى رولاند الميت الحي ولا يخشى الموت مطلقاً؟)
ولم يختر رولاند العودة مباشرة إلى مدينة موين؛ نظراً لأن أجساد فرسان الترول كانت ضخمة للغاية، ولم يكن ميدان التدريب في مدينة موين يتسع لاستيعابهم جميعاً معاً في آن واحد. لذا، أمر رولاند حارس الشجرة بقيادة فرسان غودريك للعودة إلى مدينة موين أولاً، بينما قاد هو فرسان الترول للعودة إلى الغابة اللانهائية حيث تستقر الشجرة الذهبية، ومن ثم أخذ لوسيان معه إلى مدينة موين.
لم يكترث رولاند بالأفكار التي كانت تدور في ذهن لوسيان. انحنى نحوه ورسم على شفتيه ابتسامة ودية: “على فكرة يا لوسيان، إن كنت أذكر بدقة، فهذا هو اسمك، أليس كذلك؟ همم، كنت أخطط في البداية لإبقائك في مدينة لايتون لاستكمال استجوابك. لكني برؤية ابتهاجك هذا، أعتقد أني سأغير رأيي. ما رأيك في أن أدعوك لتكون ضيفاً عندي في مدينة موين؟ ولعله يمكنني حتى الترتيب لتجلس وتتناول العشاء مع الجنرال فولر قبل أن ترحلا معاً”.
فهم حارس الشجرة مقصد رولاند. جثا هذا العملاق، الذي يتجاوز طوله ثلاثة أمتار (ويصل لسبعة أمتار مع جواده)، على ركبة واحدة أمام رولاند، وضغط بيده اليمنى على موضع قلبه قائلاً: “اعذر تقصيري يا لورد رولاند. لم يسبق لي أن أخبرتك باسمي السابق، وهو فيرناند، يمكنك مناداتي به. يرجى مخاطبتي بلقب حارس الشجرة، فقد أقسمت على تكريس حياتي للشجرة الذهبية وحمايتها بكل ما أملك”.
بدى الذهول التام على وجه لوسيان: “ماذا؟”
تظاهر رولاند بالدهشة وقال: “يا صاح، ألم ترَ كيف أتى حارس الشجرة إلى هنا؟ لماذا لا تفهم؟”
“اللورد رولاند، لقد عدت.” بادر كينيث هايد، الذي سارع بالحضور فور سماع الأنباء، بتقديم تحيته باحترام.
قطب لوسيان حاجبيه قليلاً؛ حيث منعه الألم من استيعاب مغزى الكلام فوراً.
أومأ حارس الشجرة برأسه موافقاً على كلام رولاند: “هذا صحيح. ورغم أن الأعداء كانوا ضعفاء حقاً، إلا أن هؤلاء الجنود الخاضعين لغودريك باتوا بالتأكيد أقوى مما كانوا عليه في المنطقة الحدودية. اللورد رولاند، إنك حقاً ملك معطاء ومتسامح، ومستعد لبسط بركة الشجرة الذهبية بالتساوي على هؤلاء المنفيين. إن أفعالك تذكرني باللورد ميكايلا، الابن الأصغر للملك الثاني لخاتم الدن، اللورد راداجون، والذي كان يعامل الجميع بالمساواة والعدل تماماً مثلك”.
وافق كينيث هايد على الفور. نظر بابتسامة إلى لوسيان الصامت والشاحب، ثم قال لرولاند: “اللورد رولاند، لقد رأيت حارس الشجرة ينتقل سرياً من ميدان التدريب قبل قليل، ومع أسر قائد العدو، هل يعني هذا أن عمليتك في مدينة لايتون كللت بالنجاح التام؟”
تنهد رولاند: “أعتقد أن هناك رمزاً أو إشارة بينك وبين اللورد مارين ليعلم من خلالها إن كنت قد احتجزته. وبما أنه لم يُحتجز، فلماذا لا تخمن لِمَ أرسل لك اللورد مارين رسالة يخبرك فيها بأننا لن ننطلق نحو مدينة لايتون إلا اليوم؟ لو كنت قد غادرت المدينة بموكب، ألم يكن اللورد مارين ليعلم بذلك؟ ألم يكن ليذكر ذلك لك في رسالته؟”
أدرك لوسيان أخيراً ما كان يجري. وبربط هذا مع مشهد ظهور حارس الشجرة العظيم المفاجئ، انقبضت حدقتا عينيه، وشعر كأنه سقط فجأة في وادٍ جليدي سحيق.
هز رأسه لتبديد هذا الشعور من عقله. وصل حارس الشجرة ومعه أكثر من أربعمائة من فرسان غودريك، مما جعل المساحة القريبة من السور الغربي للمدينة تكتظ بالكامل بالقوات.
أجاب رولاند بعد تفكير: “هذه الأمور معقدة بعض الشيء. في الوقت الحالي، لا يمكنني سوى استدعاء الجنود المتواجدين في منطقة ليمغريف. وفي مدينة موين، هناك أيضاً عدد غير قليل من الجنود المنفيين وفرسان الأراضي المفقودة الذين استدعيتهم. يمكنك فهم الأمر كحاجة للسيطرة على المزيد من الأراضي لفتح وحدات قتالية جديدة”.
اصفر وجه لوسيان تماماً من جراء فقدان الدماء، وحاول رفع يده، لكن الحبال منعت حركته.
أطلق لوسيان ضحكة هازئة متقطعة، وكأنه يرى بالفعل التنين الذي استدعاه رولاند ينقلب ضده ويحيل مدينة موين إلى بحر من النيران.
لم يمنحه رولاند أي فرصة للحديث، ولوح لـ إيكوسيلا لتتقدم وتحمل لوسيان: “هيا بنا، دعني آخذك في زيارة لمدينتي موين. يسعدني دائماً استضافة الضيوف”.
لم يمنحه رولاند أي فرصة للحديث، ولوح لـ إيكوسيلا لتتقدم وتحمل لوسيان: “هيا بنا، دعني آخذك في زيارة لمدينتي موين. يسعدني دائماً استضافة الضيوف”.
غمر الضوء الذهبي للشجرة الذهبية رولاند والجنود المحيطين به، واختفوا جميعاً في رمشة عين.
وافق كينيث هايد على الفور. نظر بابتسامة إلى لوسيان الصامت والشاحب، ثم قال لرولاند: “اللورد رولاند، لقد رأيت حارس الشجرة ينتقل سرياً من ميدان التدريب قبل قليل، ومع أسر قائد العدو، هل يعني هذا أن عمليتك في مدينة لايتون كللت بالنجاح التام؟”
ولم يختر رولاند العودة مباشرة إلى مدينة موين؛ نظراً لأن أجساد فرسان الترول كانت ضخمة للغاية، ولم يكن ميدان التدريب في مدينة موين يتسع لاستيعابهم جميعاً معاً في آن واحد. لذا، أمر رولاند حارس الشجرة بقيادة فرسان غودريك للعودة إلى مدينة موين أولاً، بينما قاد هو فرسان الترول للعودة إلى الغابة اللانهائية حيث تستقر الشجرة الذهبية، ومن ثم أخذ لوسيان معه إلى مدينة موين.
هندم كينيث هايد ثيابه النبيلة متجهاً نحو الباب، وخلفه سار عدة جنود ملكيين وضعوا كيسًا من القماش فوق رأس لوسيان واقتادوه نحو قصر السيد.
“اللورد رولاند، لقد عدت.” بادر كينيث هايد، الذي سارع بالحضور فور سماع الأنباء، بتقديم تحيته باحترام.
أومأ رولاند برأسه وسأل: “إذن، اللورد مارين لم يكتشف خطتنا، أليس كذلك؟”
نظر رولاند إلى حارس الشجرة، راغباً في مناداته باسمه، لكنه أدرك أنه لا يعرف اسمه الشخصي، ومناداته بلقب “حارس الشجرة” بدت رسمية وجافة بعض الشيء.
ارتسمت تعابير غريبة على وجه رولاند: “هل تشير إلى تلك الأبحاث التي أنتجت جنوداً أنصاف تنانين عاجزين عن كبح جماح مشاعرهم وهيجانهم؟ بعد كل هذه السنين من الأبحاث، لم تفلح إمبراطورية تشارلز إلا في تطوير مثل هذا الفيلق الهائج الخارج عن السيطرة؟”
ضحك كينيث هايد وهز رأسه نفياً: “على الإطلاق، فكيف لفانٍ مثله أن يستوعب عجائب نقاط الانتقال للمباركة الخاصة بالشجرة الذهبية؟ طوال الأيام القليلة الماضية كنت آخذه في جولات حول مدينة موين للأكل والشرب والاستمتاع، وكان يرسل خطاباته عبر الحمام الزاجل ليلاً. وبناءً على أوامرك، لم آمر رجالي باعتراض الحمام الزاجل. كما استخدمت ذريعة أن اللورد رولاند مشغول بإدارة الشؤون لإبقائه بعيداً عن قصر السيد طيلة الأيام الماضية. لذا، لا يزال اللورد مارين يجهل تماماً حقيقة خروجك وعودتك”.
تنفس رولاند الصعداء؛ فقد نجح المخطط، والنتيجة النهائية ستعتمد الآن على القوة العسكرية لكلا الطرفين.
“هذا ممتاز. أرسل شخصاً لاستدعاء اللورد مارين إلى قصر السيد فوراً. أخبره بأن لدي أموراً هامة أود مناقشتها معه”.
“أعلم ما تعتمد عليه. إنه ذلك التنين الذي استدعيته، أليس كذلك؟ وهذان العملاقان الكيميائيان (حارسا الغولم) ذوا المدى البعيد للغاية؟” رسم لوسيان ابتسامه انتصار واهية على وجهه الشاحب: “هل تظن أن إمبراطوريتنا تشارلز لم تجرِ أبحاثاً على التنانين طوال هذه السنين؟”
“هذا ممتاز. أرسل شخصاً لاستدعاء اللورد مارين إلى قصر السيد فوراً. أخبره بأن لدي أموراً هامة أود مناقشتها معه”.
بينما سيتساءل حلفاء الإمبراطورية المقدسة الآخرون في أنفسهم: “هل تقاتلون بعضكم حقاً أم أنها مجرد تمثيلية؟ أيعقل أنكم متحالفون سراً لخدعتنا طوال هذا الوقت؟”
أصدر رولاند تعليماته، ثم أشار إلى لوسيان الذي تحمله إيكوسيلا قائلاً: “وبالمناسبة، خذه إلى قصر السيد أيضاً. إنه قائد الأعداء الذي نصب لي كميناً في مدينة لايتون. كن حذراً؛ فرغم إصابته البالغة، إلا أنه قوي جداً. ولا نريد أن يتولى فرسان الأراضي المفقودة حراسته بمفردهم”.
وافق كينيث هايد على الفور. نظر بابتسامة إلى لوسيان الصامت والشاحب، ثم قال لرولاند: “اللورد رولاند، لقد رأيت حارس الشجرة ينتقل سرياً من ميدان التدريب قبل قليل، ومع أسر قائد العدو، هل يعني هذا أن عمليتك في مدينة لايتون كللت بالنجاح التام؟”
ابتسم رولاند وقال: “بالتأكيد، وقد أحضرت معي أيضاً ثلاثين من فرسان الترول. غير أن أجسادهم ضخمة وتلفت الأنظار، لذا تركتهم بالقرب من الشجرة الذهبية قبل أن يشن جيش إمبراطورية تشارلز هجومه”.
ضحك كينيث هايد بحماسة غامرة: “إذن أهنئك يا لورد رولاند. سأرسل رجالي لاستدعاء اللورد مارين إلى قصر السيد فوراً”.
في هذه اللحظة، أقبل حارس الشجرة راكباً حصانه، وكان لوسيان، المقيد اليدين والقدمين بإحكام، معلقاً على جانب السرج. تحرك حارس الشجرة على بعد اثنتي عشرة خطوة من رولاند، وعلّق ترس الشجرة الذهبية ورمحه على حصانه، ثم حمل لوسيان بيد واحدة وكأنه يحمل طائراً معداً للذبح.
هندم كينيث هايد ثيابه النبيلة متجهاً نحو الباب، وخلفه سار عدة جنود ملكيين وضعوا كيسًا من القماش فوق رأس لوسيان واقتادوه نحو قصر السيد.
“هل أنتِ… الابنة الكبرى لعائلة كوران؟” استدعى حارس الشجرة من ذاكرته تلك الفتاة ذات الشعر الأحمر التي كانت تطمح دائماً في أكاديمية الفرسان لتصبح حارساً للشجرة.
وبطبيعة الحال، كان لا بد من نشر أخبار الهزيمة. ولكن كيف هُزم فيلق الأجنحة الملائكية؟
