حدقت بحيرة فيما كان ”هو“ يفعله. على عكس المخلوقات الأخرى المجاورة، وقف بلا حراك، موجهًا رأسه نحو الأرض.
أمسكت بقلم التلوين وفتحت دفتر الرسم. أردت أن أكتب التالي: ”كنت أبحث عن مكان آمن لتقيم فيه صغيرتي. ولكن حدث أمر ما، ولهذا تأخرت“.
‹هذا الشيء… لماذا يبدو متوترًا؟ لماذا يقف هكذا محدقًا في الأرض؟ هل يبحث عن شيء ما؟›
ابتلعت ريقي بصعوبة وأنا أحاول فهم ما يجري. شعرت بأن قلبي توقف لبرهة، رغم أنه من الناحية الفنية لم يحدث ذلك؛ بما أنني ميت عمليًا. نبض الصداع بإيقاع ثابت، كدقات قلب. أخذت نفسًا عميقًا ونظرت إلى بقية المخلوقات وعلا وجهي ابتسامة غامضة.
كما لو أن ”هو“ قرأ أفكاري، رفع رأسه فجأة ونظر نحوي. وبما أن ”هو“ بدا وكأنه يتبع أوامري، قررت اختبار الأمر ببعض التعليمات.
قفز ”هو“ عائدًا إلى وضعية الانتباه، بلا تردد.
‹انظر لليسار.›
‹أبي… أبي… أبي…›
*طقطقة*
لست واثقًا من كيفية وصف المشهد أمامي.
أدار ”هو“ رقبته بسرعة، حتى سمعت صوت عظامه تتكسر.
*نبض!*
‹والآن انظر لليمين.›
*ضجة.*
*طقطقة!*
عضضت شفتي بحيرة، ونظرت إلى المخلوقات الأخرى التي وقفت على مقربة. لم يتجرأ أي منهم على مقابلة نظراتي؛ كانوا خائفين مني. دفعت واحدًا منهم مجددًا لأتحقق من أن أفكاري ليست محض أوهام.
انفرج فمي من الدهشة، غير قادر على استيعاب ما يحدث.
انفرج فمي من الدهشة، غير قادر على استيعاب ما يحدث.
‹اجلس ثم انهض.›
شعرت بالارتباك يعتصرني، حدقت بصمت في دفتر الرسم، كأن الصفحة البيضاء تسخر من عجز أفكاري عن التحول إلى كلمات. غمرني شعور يشبه العرق البارد. هذا الشعور… أشبه بمحاولة تعلم لغة أجنبية من البداية؛ تعرف الكلمات التي تريد قولها، لكنك تعجز عن صياغتها أو كتابتها. وكأن الكتابة أصبحت لغزًا بعيد المنال.
*شوش، شوش.*
‹حسنًا… لماذا لا تنحنون لقائدكم؟›
‹انحني.›
لم أعرف كم من الوقت أمضيته فاقدًا للوعي. ربما يوم أو حتى يومان. لكن بمجرد عودتي إلى غرفة المعيشة، غمرني شعور عارم بالارتياح، غسل كل مخاوفي. حيث كان الحاجز لا يزال قائمًا كجدار حصين. أزحته جانبًا وطرقت الباب بلطف.
*ضجة.*
«غرر… غرر… غرر…»
‹ازحف.›
ردُّوا معًا، وكأن الحماسة تسري فيهم.
*شششش، شششش.*
لم يسعني سوى البكاء. غرزت أسناني المكسورة في يدي، محاولًا أن أمنع صوتي من الإفلات.
‹قف.›
‹يمكنني الرسم! لست مضطرًا للكتابة… في النهاية، أليس الرسم هو أقدم لغة عرفها الإنسان؟›
قفز ”هو“ عائدًا إلى وضعية الانتباه، بلا تردد.
جلست مرتاحًا وأغمضت عينيَّ، مدركًا أن عينيَّ الحمراوين قد تكونان مهددتين لها.
‹استدر.›
‹والآن انظر لليمين.›
*دورة!*
لم أجد وصفًا دقيقًا لهم. لكن الآن، صار لديَّ مجموعة من الأتباع، ينتظرون أوامري.
ظل ”هو“ يحدق في وجهي بجمود، وقد انتشرت الأوساخ على ملابسه. كانت حركاته دقيقة وباردة، أشبه بآلة تنتظر تعليماتي التالية. غطيت فمي بيدي، مذهولًا مما رأيته.
«أين…»
‹هل أصبح هذا الشيء دمية بين يدي؟ أو بالأصح تابعي؟›
— «غررر!»
لم أستطع فهم ما يحدث. تساءلت لماذا يحدث هذا.
عضضت شفتي بابتسامة خفيفة، وبدأت بإعطائهم الأوامر:
‹لماذا يتبع أوامري؟ وما الذي تغير فجأة؟›
استعدت في ذهني ما حدث قبل بضع دقائق. تذكرت الصداع الحاد الذي اجتاح رأسي حين دفعته. منذ تلك اللحظة، أصبحت أتحكم في حركاته.
ظل ”هو“ يحدق في وجهي بجمود، وقد انتشرت الأوساخ على ملابسه. كانت حركاته دقيقة وباردة، أشبه بآلة تنتظر تعليماتي التالية. غطيت فمي بيدي، مذهولًا مما رأيته.
عضضت شفتي بحيرة، ونظرت إلى المخلوقات الأخرى التي وقفت على مقربة. لم يتجرأ أي منهم على مقابلة نظراتي؛ كانوا خائفين مني. دفعت واحدًا منهم مجددًا لأتحقق من أن أفكاري ليست محض أوهام.
‹حسنًا… لماذا لا تنحنون لقائدكم؟›
*نبض!*
رغم التردد في صوتها، كان في نبرتها دفء كاد يذيب كل آلامي. في تلك اللحظة، شعرت أن العالم بأسره بات ملكي. لم تعد لديَّ أي رغبة في الموت؛ أصبحت سو يون هي السبب الوحيد الذي يدفعني للحياة… والتمسك بها.
أصابني نفس الصداع مجددًا. اخترق الألم الحاد رأسي ثانيةً، وآلمني أكثر مما كان عليه في المرة الأولى. صررت على أسناني محاولًا تحمل الصداع، لكن الألم كان لا يُطاق.
لم أعرف كم من الوقت أمضيته فاقدًا للوعي. ربما يوم أو حتى يومان. لكن بمجرد عودتي إلى غرفة المعيشة، غمرني شعور عارم بالارتياح، غسل كل مخاوفي. حيث كان الحاجز لا يزال قائمًا كجدار حصين. أزحته جانبًا وطرقت الباب بلطف.
*تكسر!*
‹هل هم يراع عملاقة؟ أم عِصِيٌّ مضيئة تتوهج في الظلام؟›
شعرت بأجزاء من أسناني تتناثر على لساني. لم أصدق أنني عضضت بقوة تكفي لتكسر أسناني. التفت ببطء نحو تلك المخلوقات، وبصقت بقايا أسناني. الآن، اثنان منهما اكتسيا وهجًا أخضرًا غريبًا.
‹استدر.›
‹هل هذا الصداع جزء من العملية التي تربطني بهم؟ هل أصبحت واحدًا معهم، كما تتواصل النباتات عبر جذورها؟›
‹لماذا يتبع أوامري؟ وما الذي تغير فجأة؟›
ابتلعت ريقي بصعوبة وأنا أحاول فهم ما يجري. شعرت بأن قلبي توقف لبرهة، رغم أنه من الناحية الفنية لم يحدث ذلك؛ بما أنني ميت عمليًا. نبض الصداع بإيقاع ثابت، كدقات قلب. أخذت نفسًا عميقًا ونظرت إلى بقية المخلوقات وعلا وجهي ابتسامة غامضة.
وأثناء ترددي، خرجت بحذر ووقفت أمامي. لم تقل شيئًا في البداية، بل اكتفت بالتحديق بي، ثم ابتسمت وهمست لي بصوت هادئ:
‹هاه، بدأت الأمور تصبح ممتعة الآن.›
بعد فترة قصيرة، سمعت صوتًا هادئًا جدًا، أقرب إلى الهمس: «أنت…»
ودون تردد، دفعت المزيد من المخلوقات عشوائيًا. اجتاحني صداع كاد أن يدفعني للجنون، لكنني لم أتوقف. كلما زاد عدد الأتباع لديَّ، زاد عدد الحراس. لا زال هناك الكثير لأتعلمه عنهم، لكن ربما يمكنني تحويلهم إلى حراس شخصيين لي ولسو يون.
ورغم أن الكلمات تجلت بوضوح في ذهني، إلا أن يدي ظلت معلقة في الهواء، متجمدة، وكأنها لم تستوعب أوامري. عقلي ألحَّ عليَّ أن أكتب، لكن أصابعي بدت كأنها تحولت إلى حجر، عاجزة عن الحركة.
تابعت دفعهم بلا هوادة، متأرجحًا بين مشاعر الفرح وعذاب الألم.
‹هل هم يراع عملاقة؟ أم عِصِيٌّ مضيئة تتوهج في الظلام؟›
‹غررر!!!›
‹انظر لليسار.›
صرخت صرخة مدوية، وقد اختلط فيها الإصرار بالوجع، وارتد صداها في الشارع الخالي.
«أين… أين ذهبت؟»
* * *
‹لا، لا، لا!›
فتحت عيني ببطء.
‹أنت… أبي.›
‹هل فقدت وعيي؟›
‹جميعكم. انظروا إليَّ وأنصتوا جيدًا.›
لم يعد التعب كما عهدته يؤثر فيَّ، لكن يبدو أن الإغماء لا يزال ممكنًا. الألم اللامتناهي أطاح بي. وقفت، وضغطت بأصابعي على صدغي علَّني أتمكن من تخفيف الألم.
‹أنت… أبي.›
— «غررر!»
عضضت شفتي بحيرة، ونظرت إلى المخلوقات الأخرى التي وقفت على مقربة. لم يتجرأ أي منهم على مقابلة نظراتي؛ كانوا خائفين مني. دفعت واحدًا منهم مجددًا لأتحقق من أن أفكاري ليست محض أوهام.
في تلك اللحظة، سمعت أصواتًا خلفي. استدرت لأرى المخلوقات الخضراء تحيط بي من كل اتجاه. وقفوا جميعًا ساكنين، يحدقون بي بجمود. غطَّى الظلام كل شيء من حولي، فلا ضوء يلوح في الأفق… ومع ذلك، توهجت أجسادهم الخضراء بنور غريب وسط هذا السواد.
‹كيف لم أفكر في هذا من قبل؟ حتى لو لم أستطع التحدث، لا يزال بإمكاني الكتابة.›
لست واثقًا من كيفية وصف المشهد أمامي.
‹والآن انظر لليمين.›
‹هل هم يراع عملاقة؟ أم عِصِيٌّ مضيئة تتوهج في الظلام؟›
لحظتها، أطلقت صرختي الفظيعة دون قصد، تعبيرًا عن فرحتي. شعرت بالفخر لأن سو يون فهمت ما حاولت قوله، وأنني تمكنت من التواصل معها. سارعت إلى تغطية فمي خشية أن يثير صوتي خوفها أو استيائها.
لم أجد وصفًا دقيقًا لهم. لكن الآن، صار لديَّ مجموعة من الأتباع، ينتظرون أوامري.
رغم التردد في صوتها، كان في نبرتها دفء كاد يذيب كل آلامي. في تلك اللحظة، شعرت أن العالم بأسره بات ملكي. لم تعد لديَّ أي رغبة في الموت؛ أصبحت سو يون هي السبب الوحيد الذي يدفعني للحياة… والتمسك بها.
عضضت شفتي بابتسامة خفيفة، وبدأت بإعطائهم الأوامر:
‹هل تقصد أنها تريد مني أن أكتب ما أود قوله لأنني أعجز عن الكلام؟›
‹حسنًا… لماذا لا تنحنون لقائدكم؟›
‹هل فقدت وعيي؟›
— «غررر!»
تابعت دفعهم بلا هوادة، متأرجحًا بين مشاعر الفرح وعذاب الألم.
في الحال، انحنت جميع المخلوقات الخضراء أمامي في صمت مطيع. أخذت نفسًا عميقًا وعددتهم بعناية، ثم ابتلعت ريقي في دهشة.
وفي لحظة من الإصرار اليائس، كتبت بعض الحروف بيدي المرتجفة.
‹إجمالًا، لديَّ ٣٢ تابعًا، لحظة لكن… ماذا يجب أن أفعل الآن؟›
‹انظر لليسار.›
أخذهم معي إلى الشقة الآن سيكون قرارًا طائشًا. لم أفهم بعد طبيعتهم بالكامل. لم أكن أعرف ما الذي سيحدث إذا خرجوا عن السيطرة. ليس لديَّ أي خيار سوى إعطاؤهم أوامر إضافية قبل تركهم.
سارعت من خطواتي، وتوتري يتزايد مع كل خطوة.
‹جميعكم. انظروا إليَّ وأنصتوا جيدًا.›
‹قف.›
وإتباعًا لأوامري، رفعوا رؤوسهم بوقت واحد وحدقوا في وجهي بفتور.
لم يسعني سوى البكاء. غرزت أسناني المكسورة في يدي، محاولًا أن أمنع صوتي من الإفلات.
‹ابقوا كما أنتم. لا تهاجموا البشر حتى لو شعرتم بوجودهم. هل فهمتم؟›
ردُّوا معًا، وكأن الحماسة تسري فيهم.
— «غررر!»
جلست مرتاحًا وأغمضت عينيَّ، مدركًا أن عينيَّ الحمراوين قد تكونان مهددتين لها.
ردُّوا معًا، وكأن الحماسة تسري فيهم.
كانت تلك الكلمة كالسهم الذي أصابني في العمق. بعد كل المسافة التي نشأت بيننا، وبعد كل الخوف الذي عصف بعلاقتنا، ها هي الآن تناديني بـ ”أبي“ مجددًا.
‹استريحوا.›
«غرر؟»
— «غررر!»
‹استريحوا.›
توجهت المخلوقات نحو جدار قريب، ووقفت بترتيب دقيق، وجوهها موجهة نحوه بلا حراك. أما أنا، فمضيت مسرعًا في طريقي، تاركًا إياهم خلفي.
‹يمكنني الرسم! لست مضطرًا للكتابة… في النهاية، أليس الرسم هو أقدم لغة عرفها الإنسان؟›
اضطررت إلى تأجيل خطتي الأصلية في البحث عن المدرسة الثانوية. كل ما شغل ذهني في تلك اللحظة هو أن سو يون وحدها. لم يكن الإغماء جزءًا من خطتي، كان كل ما أرجوه أن تكون سو يون بخير وألا تكون قد خرجت بحثًا عني.
انفرج فمي من الدهشة، غير قادر على استيعاب ما يحدث.
سارعت من خطواتي، وتوتري يتزايد مع كل خطوة.
‹هل هم يراع عملاقة؟ أم عِصِيٌّ مضيئة تتوهج في الظلام؟›
لم أعرف كم من الوقت أمضيته فاقدًا للوعي. ربما يوم أو حتى يومان. لكن بمجرد عودتي إلى غرفة المعيشة، غمرني شعور عارم بالارتياح، غسل كل مخاوفي. حيث كان الحاجز لا يزال قائمًا كجدار حصين. أزحته جانبًا وطرقت الباب بلطف.
عندما مددت يدي نحوها، رأيتها تتصلب. سحبت يدي على الفور، ومال رأسي للأسفل مجددًا. بدا أنها ما زالت ترغب في الحفاظ على بعض المسافة.
*طرق، طرق، طرق*
‹يمكنني الرسم! لست مضطرًا للكتابة… في النهاية، أليس الرسم هو أقدم لغة عرفها الإنسان؟›
واصلت طرقي الإيقاعي، وسرعان ما سمعت خطى خفيفة من الداخل.
وبعد فترة وجيزة، فُتح الباب قليلًا وظهر وجه سو يون الصغير من خلال الفتحة. عضضت شفتي السفلى وكتمت بكائي.
*شششش، شششش.*
لحسن الحظ أنها كانت بخير ولم تغادر الغرفة. بل انتظرت بهدوء حتى عودتي. مجرد رؤيتها على قيد الحياة أسقط عن كاهلي ثقل الخوف. انخفض رأسي أثناء مد يدي إلى مقبض الباب، ثم أغلقته ببطء.
‹انظر لليسار.›
فقدت ساقاي قوتهما، وسقطت جالسًا أمام باب غرفة النوم. غطيت فمي بيدي المرتجفة وأغمضت عينيَّ.
توجهت المخلوقات نحو جدار قريب، ووقفت بترتيب دقيق، وجوهها موجهة نحوه بلا حراك. أما أنا، فمضيت مسرعًا في طريقي، تاركًا إياهم خلفي.
«غرر… غرر… غرر…»
«بيت…؟» قرأت بنبرة مترددة ما كتبته، ثم أكملت بعد لحظة:
لم يسعني سوى البكاء. غرزت أسناني المكسورة في يدي، محاولًا أن أمنع صوتي من الإفلات.
لم أرد أن أفوت هذه الفرصة الثمينة وهي تفتح لي قلبها بهذه الطريقة. وبدافع من اليأس، رسمت دائرة كبيرة بيدي المرتجفة. لم أكن أعرف ماذا أفعل، لكن هذا الرسم العشوائي أيقظ في داخلي فكرة.
حينها، سمعت صوت الباب يُفتح. رفعت رأسي ببطء، فرأيت سو يون تطل برأسها. أسرعت بإغلاق فمي وحاولت إعادة إغلاق الباب، لكنها وضعت يدها بين الباب وإطاره، وكأنها لا ترغب في إغلاقه مجددًا. ترددت، خائفًا من أن تُحشر يدها إذا أجبرته على الإغلاق.
تابعت دفعهم بلا هوادة، متأرجحًا بين مشاعر الفرح وعذاب الألم.
وأثناء ترددي، خرجت بحذر ووقفت أمامي. لم تقل شيئًا في البداية، بل اكتفت بالتحديق بي، ثم ابتسمت وهمست لي بصوت هادئ:
‹لا أريد استعجالها في الإجابة. أحتاج إلى منحها بعض الوقت للتفكير في هذا الأمر.›
«أين…»
هززت رأسي، غير قادر على الرد. بدت مترددة وعضت على شفتها، متجنبة النظر في عينيَّ.
«غرر؟»
شعرت بأجزاء من أسناني تتناثر على لساني. لم أصدق أنني عضضت بقوة تكفي لتكسر أسناني. التفت ببطء نحو تلك المخلوقات، وبصقت بقايا أسناني. الآن، اثنان منهما اكتسيا وهجًا أخضرًا غريبًا.
لم أفهم همستها الهادئة. بينما غُمر رأسي بالارتباك، تحدثت مرة أخرى بصوت أكثر وضوحًا وهي تلعب بأصابعها.
كدت أنسى متى كانت آخر مرة سمعت فيها صوتها. شعرت برغبة عارمة في احتضانها.
«أين… أين ذهبت؟»
لاحظت أنها أدركت انزعاجي، فعادت إلى غرفة النوم لإحضار شيء ما. شاهدتها تعود وهي تحمل شيئًا بين يديها. قدمت لي دفتر رسم وأقلام تلوين.
كان سؤالها أشبه بسهم أصاب قلبي مباشرة. لم يكن في صوتها أي نفور أو انزعاج؛ فقط تساؤل طفولي نابع من اعتمادها الكلي عليَّ. ما زالت تعتمد عليَّ.
لم أعرف كم من الوقت أمضيته فاقدًا للوعي. ربما يوم أو حتى يومان. لكن بمجرد عودتي إلى غرفة المعيشة، غمرني شعور عارم بالارتياح، غسل كل مخاوفي. حيث كان الحاجز لا يزال قائمًا كجدار حصين. أزحته جانبًا وطرقت الباب بلطف.
كدت أنسى متى كانت آخر مرة سمعت فيها صوتها. شعرت برغبة عارمة في احتضانها.
لم أجد وصفًا دقيقًا لهم. لكن الآن، صار لديَّ مجموعة من الأتباع، ينتظرون أوامري.
عندما مددت يدي نحوها، رأيتها تتصلب. سحبت يدي على الفور، ومال رأسي للأسفل مجددًا. بدا أنها ما زالت ترغب في الحفاظ على بعض المسافة.
أخذهم معي إلى الشقة الآن سيكون قرارًا طائشًا. لم أفهم بعد طبيعتهم بالكامل. لم أكن أعرف ما الذي سيحدث إذا خرجوا عن السيطرة. ليس لديَّ أي خيار سوى إعطاؤهم أوامر إضافية قبل تركهم.
لاحظت أنها أدركت انزعاجي، فعادت إلى غرفة النوم لإحضار شيء ما. شاهدتها تعود وهي تحمل شيئًا بين يديها. قدمت لي دفتر رسم وأقلام تلوين.
ردُّوا معًا، وكأن الحماسة تسري فيهم.
‹هل تقصد أنها تريد مني أن أكتب ما أود قوله لأنني أعجز عن الكلام؟›
لم أرد أن أفوت هذه الفرصة الثمينة وهي تفتح لي قلبها بهذه الطريقة. وبدافع من اليأس، رسمت دائرة كبيرة بيدي المرتجفة. لم أكن أعرف ماذا أفعل، لكن هذا الرسم العشوائي أيقظ في داخلي فكرة.
أخذت الألوان وابتسمت.
أردت أن أصفق لها لشدة ذكائها. لقد فهمتني بسرعة، رغم بشاعة وسوء رسوماتي الرهيبة وحروفي المشوهة التي كتبتها.
‹كيف لم أفكر في هذا من قبل؟ حتى لو لم أستطع التحدث، لا يزال بإمكاني الكتابة.›
«بيت جديد للإقامة…؟»
أمسكت بقلم التلوين وفتحت دفتر الرسم. أردت أن أكتب التالي: ”كنت أبحث عن مكان آمن لتقيم فيه صغيرتي. ولكن حدث أمر ما، ولهذا تأخرت“.
*تكسر!*
ورغم أن الكلمات تجلت بوضوح في ذهني، إلا أن يدي ظلت معلقة في الهواء، متجمدة، وكأنها لم تستوعب أوامري. عقلي ألحَّ عليَّ أن أكتب، لكن أصابعي بدت كأنها تحولت إلى حجر، عاجزة عن الحركة.
*شوش، شوش.*
شعرت بالارتباك يعتصرني، حدقت بصمت في دفتر الرسم، كأن الصفحة البيضاء تسخر من عجز أفكاري عن التحول إلى كلمات. غمرني شعور يشبه العرق البارد. هذا الشعور… أشبه بمحاولة تعلم لغة أجنبية من البداية؛ تعرف الكلمات التي تريد قولها، لكنك تعجز عن صياغتها أو كتابتها. وكأن الكتابة أصبحت لغزًا بعيد المنال.
أردت أن أصفق لها لشدة ذكائها. لقد فهمتني بسرعة، رغم بشاعة وسوء رسوماتي الرهيبة وحروفي المشوهة التي كتبتها.
راودني شعور غريب، كأنني أمي؛ أفكر وأتكلم بطلاقة، لكن حين يأتي دور الكتابة، أجد نفسي مشلولًا. مع مرور الوقت دون أن أكتب أي شيء، بدأت سو يون تشعر بالقلق، نظراتها مترددة لكنها مليئة بالانتظار.
‹هل فقدت وعيي؟›
‹لا، لا، لا!›
وإتباعًا لأوامري، رفعوا رؤوسهم بوقت واحد وحدقوا في وجهي بفتور.
لم أرد أن أفوت هذه الفرصة الثمينة وهي تفتح لي قلبها بهذه الطريقة. وبدافع من اليأس، رسمت دائرة كبيرة بيدي المرتجفة. لم أكن أعرف ماذا أفعل، لكن هذا الرسم العشوائي أيقظ في داخلي فكرة.
*طرق، طرق، طرق*
‹يمكنني الرسم! لست مضطرًا للكتابة… في النهاية، أليس الرسم هو أقدم لغة عرفها الإنسان؟›
بعد فترة قصيرة، سمعت صوتًا هادئًا جدًا، أقرب إلى الهمس: «أنت…»
بدأت أرسم بشغف. رسمت بيتًا صغيرًا بداخله سو يون بوجه حزين. تأملت سو يون الرسم بإمعان ثم أشارت بإصبعها نحو نفسها، تسألني بصمت إذا ما كانت هذه هي. أومأت برأسي بحماس، فأدركت أنها فهمتني. قلبت الصفحة سريعًا وبدأت رسم مشهد آخر.
«غرر… غرر… غرر…»
رسمت بيتًا أكبر، مليئًا بألوان والحياة، حيث كانت سو يون تلعب بسعادة مع أطفال آخرين. أمالت رأسها من جانب لآخر وهي تحاول فهم رسمتي، بدت متحيرة. ركزت بكل طاقتي على يدي اليمنى، محاولًا إيصال رسالتي بوضوح. رغبت بشدة في استخدام الحروف لشرح مقصدي.
‹غررر!!!›
وفي لحظة من الإصرار اليائس، كتبت بعض الحروف بيدي المرتجفة.
اضطررت إلى تأجيل خطتي الأصلية في البحث عن المدرسة الثانوية. كل ما شغل ذهني في تلك اللحظة هو أن سو يون وحدها. لم يكن الإغماء جزءًا من خطتي، كان كل ما أرجوه أن تكون سو يون بخير وألا تكون قد خرجت بحثًا عني.
«بيت…؟» قرأت بنبرة مترددة ما كتبته، ثم أكملت بعد لحظة:
وأثناء ترددي، خرجت بحذر ووقفت أمامي. لم تقل شيئًا في البداية، بل اكتفت بالتحديق بي، ثم ابتسمت وهمست لي بصوت هادئ:
«بيت جديد للإقامة…؟»
في تلك اللحظة، سمعت أصواتًا خلفي. استدرت لأرى المخلوقات الخضراء تحيط بي من كل اتجاه. وقفوا جميعًا ساكنين، يحدقون بي بجمود. غطَّى الظلام كل شيء من حولي، فلا ضوء يلوح في الأفق… ومع ذلك، توهجت أجسادهم الخضراء بنور غريب وسط هذا السواد.
«غرر!»
‹غررر!!!›
لحظتها، أطلقت صرختي الفظيعة دون قصد، تعبيرًا عن فرحتي. شعرت بالفخر لأن سو يون فهمت ما حاولت قوله، وأنني تمكنت من التواصل معها. سارعت إلى تغطية فمي خشية أن يثير صوتي خوفها أو استيائها.
بدأت تعبث بأصابعها، ثم خفضت رأسها، وكأنها تحاول جمع شجاعتها. بعد برهة، همست بصوت بالكاد يُسمع: «هل أنت… أبي؟»
لكن مخاوفي تلاشت فور أن رأيت الابتسامة ترتسم على وجهها الصغير.
عضضت شفتي بابتسامة خفيفة، وبدأت بإعطائهم الأوامر:
أردت أن أصفق لها لشدة ذكائها. لقد فهمتني بسرعة، رغم بشاعة وسوء رسوماتي الرهيبة وحروفي المشوهة التي كتبتها.
— «غررر!»
جلست على ركبتيها وأمعنت النظر في الرسم مجددًا، ثم رفعت رأسها نحوي وسألتني: «إذًا، أين… سنقيم؟»
رغم التردد في صوتها، كان في نبرتها دفء كاد يذيب كل آلامي. في تلك اللحظة، شعرت أن العالم بأسره بات ملكي. لم تعد لديَّ أي رغبة في الموت؛ أصبحت سو يون هي السبب الوحيد الذي يدفعني للحياة… والتمسك بها.
هززت رأسي، غير قادر على الرد. بدت مترددة وعضت على شفتها، متجنبة النظر في عينيَّ.
في الحال، انحنت جميع المخلوقات الخضراء أمامي في صمت مطيع. أخذت نفسًا عميقًا وعددتهم بعناية، ثم ابتلعت ريقي في دهشة.
نظرت إليها باستفهام منتظرًا بصبر أن تقول الكلمات التي ترددت في قولها.
«غرر؟»
‹لا أريد استعجالها في الإجابة. أحتاج إلى منحها بعض الوقت للتفكير في هذا الأمر.›
رسمت بيتًا أكبر، مليئًا بألوان والحياة، حيث كانت سو يون تلعب بسعادة مع أطفال آخرين. أمالت رأسها من جانب لآخر وهي تحاول فهم رسمتي، بدت متحيرة. ركزت بكل طاقتي على يدي اليمنى، محاولًا إيصال رسالتي بوضوح. رغبت بشدة في استخدام الحروف لشرح مقصدي.
جلست مرتاحًا وأغمضت عينيَّ، مدركًا أن عينيَّ الحمراوين قد تكونان مهددتين لها.
*تكسر!*
بعد فترة قصيرة، سمعت صوتًا هادئًا جدًا، أقرب إلى الهمس: «أنت…»
«غرر؟»
فتحت عيني، غير متأكد مما قالته، وأومأت برأسي مشجعًا إياها على المواصلة.
رسمت بيتًا أكبر، مليئًا بألوان والحياة، حيث كانت سو يون تلعب بسعادة مع أطفال آخرين. أمالت رأسها من جانب لآخر وهي تحاول فهم رسمتي، بدت متحيرة. ركزت بكل طاقتي على يدي اليمنى، محاولًا إيصال رسالتي بوضوح. رغبت بشدة في استخدام الحروف لشرح مقصدي.
بدأت تعبث بأصابعها، ثم خفضت رأسها، وكأنها تحاول جمع شجاعتها. بعد برهة، همست بصوت بالكاد يُسمع: «هل أنت… أبي؟»
‹هل هم يراع عملاقة؟ أم عِصِيٌّ مضيئة تتوهج في الظلام؟›
عندما دعتني بـ ”أبي“ شعرت بانفصال عقلي عن الواقع. لم أتمكن من التقاط أنفاسي، ولم أجد الطريقة المناسبة للرد.
بدأت أرسم بشغف. رسمت بيتًا صغيرًا بداخله سو يون بوجه حزين. تأملت سو يون الرسم بإمعان ثم أشارت بإصبعها نحو نفسها، تسألني بصمت إذا ما كانت هذه هي. أومأت برأسي بحماس، فأدركت أنها فهمتني. قلبت الصفحة سريعًا وبدأت رسم مشهد آخر.
شعرت كما لو أن العالم كله توقف من حولي، انفتحت عيناي على اتساعهما، وارتجفت شفتي. كلمة ”أبي“ ترددت في رأسي كصدى أبدي.
عندما دعتني بـ ”أبي“ شعرت بانفصال عقلي عن الواقع. لم أتمكن من التقاط أنفاسي، ولم أجد الطريقة المناسبة للرد.
‹أنت… أبي.›
رغم التردد في صوتها، كان في نبرتها دفء كاد يذيب كل آلامي. في تلك اللحظة، شعرت أن العالم بأسره بات ملكي. لم تعد لديَّ أي رغبة في الموت؛ أصبحت سو يون هي السبب الوحيد الذي يدفعني للحياة… والتمسك بها.
‹أبي… أبي… أبي…›
عندما مددت يدي نحوها، رأيتها تتصلب. سحبت يدي على الفور، ومال رأسي للأسفل مجددًا. بدا أنها ما زالت ترغب في الحفاظ على بعض المسافة.
كانت تلك الكلمة كالسهم الذي أصابني في العمق. بعد كل المسافة التي نشأت بيننا، وبعد كل الخوف الذي عصف بعلاقتنا، ها هي الآن تناديني بـ ”أبي“ مجددًا.
«غرر!»
رغم التردد في صوتها، كان في نبرتها دفء كاد يذيب كل آلامي. في تلك اللحظة، شعرت أن العالم بأسره بات ملكي. لم تعد لديَّ أي رغبة في الموت؛ أصبحت سو يون هي السبب الوحيد الذي يدفعني للحياة… والتمسك بها.
انفرج فمي من الدهشة، غير قادر على استيعاب ما يحدث.
*طقطقة*
