25
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
عندها، توجّهت جميع الأنظار نحوي. انحنيت برأسي خجلًا. ثم تابع الرجل المسنّ، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا:
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
لم أتجرأ على النظر إلى الطلاب. نظراتي وحدها كانت كفيلة بإرعابهم حتى الموت.
ترجمة: Arisu san
لكن، ما إن رأوني أتابعهم، حتى تراجعت جميعها، تمصّ شفاهها. رمقتهم بنظرات تحذير: “هؤلاء لي. لا تجرؤوا على الاقتراب.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان ذاك صوت المدير، صادرًا من داخل غرفة القياس.
تركتُ أتباعي في أماكنهم وتوجَّهتُ نحو مصدر الصوت. كنتُ أجري بسرعة لا بأس بها، رغم سطوع الشمس. لم تكن سرعتي كما هي في الليل، لكنها كانت كافية لتجاوز باقي الزومبيات بفارق ملحوظ. ومع استمرار اندفاعي، بدأ القلق يتسرّب إلى داخلي. هل ابتعدتُ أكثر مما ينبغي عن المجموعة التي دخلت المدرسة؟
“لا أظن ذلك.”
ولكن، إن كان الصوت الذي سمعته يخص المدير فعلاً، فهذا يعني أنهم لم يحظوا حتى بفرصة للتحدث بجدية.
“اذهب، بسرعة.”
“انتظر… إذًا، ماذا يفعل الأخوان لي وكانغ أون-جونغ بالداخل؟ هل الأطفال يخبرونهم بما جرى؟”
“قد يبدو غريبًا بعض الشيء. أتفهم ذلك. حتى أنا لم أكن أثق به في البداية.”
لم يكن الوقت مناسباً للغرق في دوامة الأفكار. دفعتُ تلك الهواجس جانباً وركّزت على الأمر الأهم: التأكّد من أنّ الصوت يعود حقًا إلى المدير.
نظرتُ إليه بفضول.
وأخيرًا، وصلتُ إلى مصدر الصوت. من خلال نافذة متجر محطمة، سمعتُ صرخات الناس تختلط بعواء الزومبيات. كانت جلبة مدوّية، مزيجًا من رعب البشر ووحشية الموتى. دخلتُ المتجر دون أن أضيّع لحظة واحدة، وسرعان ما وقعت عيناي على مجموعة من الزومبيات. ثلاثة؟ أربعة؟ لا، بل خمسة على الأقل.
كانت ترتدي زيّ التمارين الرياضية، وانهارت ساقاها ما إن التقت عينها بعيني. بالنسبة لهم، لم أكن بطلاً ولا منقذًا. بل كنت تجسيدًا حيًّا للخطر، ذكرى حية لفكرة الموت.
كانوا يحاولون التسلل إلى مكانٍ ما. كانوا يتجهون نحو غرفة القياس. عندها فقط أدركتُ أنني داخل متجر ملابس. سقط أحد الزومبيات على الأرض بعنف، وارتجف مرة قبل أن يتوقف تمامًا، كأن جمجمته تهشّمت.
أطلقت صوتي بكل ما أوتيت من قوة، شقّ صراخي الأجواء وملأ المتجر بصوتٍ حادٍ مبحوح. وللحظة، ساد صمتي، ووجَّهت الزومبيات أنظارها نحوي.
“ادخل بسرعة!”
لم أتجرأ على النظر إلى الطلاب. نظراتي وحدها كانت كفيلة بإرعابهم حتى الموت.
كان ذاك صوت المدير، صادرًا من داخل غرفة القياس.
وأخيرًا، فُتح مدخل المدرسة المحكم، وظهر لي جونغ-أوك وهو يطلّ برأسه. رفعتُ يدي عاليًا ليلاحظني، مشيرًا له بأنني مستعدّ لمرافقتهم. لكن بدلًا من ذلك، أشار إليّ بالاقتراب.
وفي اللحظة التالية، دفع أحد الزومبيات جسده من خلال الباب المكسور جزئيًا لغرفة القياس.
أطلقت صوتي بكل ما أوتيت من قوة، شقّ صراخي الأجواء وملأ المتجر بصوتٍ حادٍ مبحوح. وللحظة، ساد صمتي، ووجَّهت الزومبيات أنظارها نحوي.
“سيدي!!”
“نعم، سيدي.”
صاح صوت شاب بنداء يائس للمدير. أعادني ذلك إلى وعيي، فقد كان الصوت مألوفًا. تذكّرتُ الطالب الذي كان يوبّخ الطالبة ليلة الأمس. وبينما توالت ذكرياتي، شعرتُ بغضب لا يوصف يتأجج بداخلي.
تقدّمت نحو غرفة القياس، ففتحوا لي الطريق كأنهم بابٌ آلي. شعرتُ بوجود بشرٍ في الداخل.
“هل هذا الغضب موجّه إلى المعلمين الصغار؟ أم إلى العالم بأسره؟”
“إنسان؟”
زمجرتُ بوجه الزومبيات بوجه متجهم.
ظلّ المدير يحدّق بي دون أن يتحرك.
“غرررر!!!”
نظر المدير إليّ وهز رأسه بالإيجاب. ارتسمت على وجه “لي جونغ-أوك” ابتسامة خفيفة فيها شيء من المرارة، ثم قال:
أطلقت صوتي بكل ما أوتيت من قوة، شقّ صراخي الأجواء وملأ المتجر بصوتٍ حادٍ مبحوح. وللحظة، ساد صمتي، ووجَّهت الزومبيات أنظارها نحوي.
كان أيضًا يوجّه كلمات صريحة وجارحة دون أن يرف له جفن، لكن طريقته المباشرة تلك كانت فعّالة في بناء الثقة. انحنى قليلًا فوق المكتب وقال للمدير:
نظرتُ إليهم بعينين حمراوين مليئتين بالرغبة في القتل، وكأنني على وشك التهامهم. فخفضوا رؤوسهم وبدأوا يهزّونها، مدركين أنهم أمام مفترس من القمة.
“سيدي، من هنا! بسرعة!”
“هل هم مشوشون؟ لا… إنهم خائفون.”
“قد يبدو غريبًا بعض الشيء. أتفهم ذلك. حتى أنا لم أكن أثق به في البداية.”
تقدّمت نحو غرفة القياس، ففتحوا لي الطريق كأنهم بابٌ آلي. شعرتُ بوجود بشرٍ في الداخل.
“ادخل بسرعة!”
كانوا منشغلين بشيء ما هناك. تساءلت عمّا يفعلونه. نظرتُ من الداخل فرأيت فتحة صغيرة في آخر غرفة القياس، بالكاد تسع شخصًا واحدًا. كان الطالب الذكر يحاول التسلل من خلالها، بينما المدير يحدّق بي بفم مفتوح كسمكة خارجة من الماء.
توجّهنا نحو مكتب المدير. وعندما دخلنا، لاحظت الطالبين من متجر الملابس جالسين في الزاوية. كان المدير ورجل مسنّ ذو شعر أبيض يجلسان على طاولة في منتصف الغرفة.
تلاقت أعيننا، ولم أدرِ ما يجب أن أفعله. أدرتُ وجهي بعبوس بينما كنتُ أحاول أن أستوعب مشاعري المتضاربة. كان المدير يحمل كيس خيش، ويمكنني سماع صوت بلعه بصعوبة من شدة توتره. كان الكيس يرتجف بعنف، انعكاسًا مباشرًا لحالته النفسية.
بالطبع، لم أكن أنوي أذيتهم. كنتُ فقط أهدد الزومبيات حتى تبتعد. تساءلتُ إن كان المدير والطالبان مدركين لما حصل خلفهم، أم إنهم لم يلاحظوا نجاتهم من الموت ثلاث مرات على الأقل.
زومبي ذو عينين حمراوين متوهجتين. في عينيه، كنتُ متحوّلًا لم يسبق له رؤيته من قبل.
بالطبع، لم أكن أنوي أذيتهم. كنتُ فقط أهدد الزومبيات حتى تبتعد. تساءلتُ إن كان المدير والطالبان مدركين لما حصل خلفهم، أم إنهم لم يلاحظوا نجاتهم من الموت ثلاث مرات على الأقل.
“سيدي، من هنا! بسرعة!”
“…”
شهق الطالب على الجانب الآخر حين رأى وجهي. وقع على مؤخرته وهو يضع يده على فمه، ويبدو أنه عض لسانه من شدة الصدمة. وبجانبه، رأيت طالبة أخرى.
“هل هم مشوشون؟ لا… إنهم خائفون.”
“هل كانت هي أول من عبر؟”
بعد أن أعطيتهم هذه التعليمات الموجزة، تبعت “لي جونغ-أوك” إلى الداخل. وبينما كنا نعبر الساحة الواسعة، رأيت وجوه الناس تطلّ من نوافذ الطابق الأول. كانوا يحدقون بنا وكأنني حيوان داخل قفص في حديقة حيوانات.
كانت ترتدي زيّ التمارين الرياضية، وانهارت ساقاها ما إن التقت عينها بعيني. بالنسبة لهم، لم أكن بطلاً ولا منقذًا. بل كنت تجسيدًا حيًّا للخطر، ذكرى حية لفكرة الموت.
“ليته يعلم أنه لا حاجة للعجلة…”
ظلّ المدير يحدّق بي دون أن يتحرك.
كانوا منشغلين بشيء ما هناك. تساءلت عمّا يفعلونه. نظرتُ من الداخل فرأيت فتحة صغيرة في آخر غرفة القياس، بالكاد تسع شخصًا واحدًا. كان الطالب الذكر يحاول التسلل من خلالها، بينما المدير يحدّق بي بفم مفتوح كسمكة خارجة من الماء.
“هل جسده مشلول من الخوف، أم أن عقله يخبره ألا يتحرك؟”
كان أيضًا يوجّه كلمات صريحة وجارحة دون أن يرف له جفن، لكن طريقته المباشرة تلك كانت فعّالة في بناء الثقة. انحنى قليلًا فوق المكتب وقال للمدير:
بدأ صبري ينفد، فرفعتُ يدي اليمنى. كانت شفتاه ترتجفان بينما كانت عيناه مثبتتين على أطراف أصابعي. أشرتُ له بإيماءة بسيطة لا يفهمها إلا البشر:
صاح صوت شاب بنداء يائس للمدير. أعادني ذلك إلى وعيي، فقد كان الصوت مألوفًا. تذكّرتُ الطالب الذي كان يوبّخ الطالبة ليلة الأمس. وبينما توالت ذكرياتي، شعرتُ بغضب لا يوصف يتأجج بداخلي.
“اذهب، بسرعة.”
لا أعلم كم من الوقت مرّ. بدا وكأنه تجاوز الساعة منذ أن دخل المدير والأطفال المدرسة.
حدّق بي بذهول، ثم رمش بعينيه وألقى بجسده داخل الفتحة. بدا واضحًا أن المرور عبر تلك الفتحة سيكون مؤلمًا له. حافّتاها الحادتان ستخدشان جسده. سمعتُ صراخه وهو يحاول دفع جسده للخارج.
تحولت أنظار الجميع إليه. اتسعت عينا المدير عندما سمع قراره.
“ليته يعلم أنه لا حاجة للعجلة…”
“رغم شكله… فهو إنسان.”
كنتُ أعلم ما يدور في ذهنه. لا شك أنه ظن أنني على وشك التهامه. شعرتُ بالأسى وأنا أراه يكافح للخروج، ساقاه تتلوّيان ويضغط بهما على الأرض اليائسة. رغبتُ في مساعدته، لكنني كنت أعلم أن الثبات في مكاني هو أفضل ما يمكنني فعله الآن.
“غرررر!!!”
وما إن اجتاز المدير الفتحة، حتى ركض الجميع هاربين، وكأنهم اتفقوا مسبقًا على ذلك. أطلقتُ تنهيدة ارتياح، ثم التفتُّ نحو مدخل المتجر. لا يزال هناك عدد من الزومبيات، يشيحون بوجوههم عني. كانوا جميعًا بحالة جيدة، ما جعلهم مؤهلين لأن يصبحوا أتباعًا لي.
لا أعلم كم من الوقت مرّ. بدا وكأنه تجاوز الساعة منذ أن دخل المدير والأطفال المدرسة.
تردّدتُ لوهلة فيما إن كان عليّ تحويلهم أم لا. لكني هززت رأسي وقررت تركهم. كنتُ أعلم أن المدير والطالبين قد رأوا وجوه هؤلاء الزومبيات. يمكنني تخيّل ردة فعلهم إن رافقوني إلى المدرسة.
لا أعلم كم من الوقت مرّ. بدا وكأنه تجاوز الساعة منذ أن دخل المدير والأطفال المدرسة.
“سأراكم لاحقًا.”
بدا المدير شاحبًا، غارقًا في أفكاره. كانوا يتحرّكون بدافع غريزة النجاة. وخلال الطريق، واجهنا مواقف خطرة حين اقتربت منهم زومبيات تمتلك حاستي الشم والبصر.
وتوجّهتُ نحو المدرسة.
أشرتُ إلى نفسي بتساؤل، فأومأ، ثم تابع وهو يتنهّد: “قابلت المدير قبل ساعة، أليس كذلك؟”
تتبعتُ خطوات المدير والطالبين. ما إن غادروا متجر الملابس حتى استعادوا رباطة جأشهم وساروا بسرعة.
وتوجّهتُ نحو المدرسة.
كان المدير في المقدّمة، تليه الطالبة في زي الرياضة وهي تغطي فمها لكتم بكائها. أما الطالب، فكان يتبعها بتعبير شارد، كأن روحه فُقدت.
تلاقت أعيننا، ولم أدرِ ما يجب أن أفعله. أدرتُ وجهي بعبوس بينما كنتُ أحاول أن أستوعب مشاعري المتضاربة. كان المدير يحمل كيس خيش، ويمكنني سماع صوت بلعه بصعوبة من شدة توتره. كان الكيس يرتجف بعنف، انعكاسًا مباشرًا لحالته النفسية.
بدا المدير شاحبًا، غارقًا في أفكاره. كانوا يتحرّكون بدافع غريزة النجاة. وخلال الطريق، واجهنا مواقف خطرة حين اقتربت منهم زومبيات تمتلك حاستي الشم والبصر.
“أعتقد أنك بحاجة لسماع هذا الأمر.”
لكن، ما إن رأوني أتابعهم، حتى تراجعت جميعها، تمصّ شفاهها. رمقتهم بنظرات تحذير: “هؤلاء لي. لا تجرؤوا على الاقتراب.”
ظلّ المدير يحدّق بي دون أن يتحرك.
بالطبع، لم أكن أنوي أذيتهم. كنتُ فقط أهدد الزومبيات حتى تبتعد. تساءلتُ إن كان المدير والطالبان مدركين لما حصل خلفهم، أم إنهم لم يلاحظوا نجاتهم من الموت ثلاث مرات على الأقل.
صاح صوت شاب بنداء يائس للمدير. أعادني ذلك إلى وعيي، فقد كان الصوت مألوفًا. تذكّرتُ الطالب الذي كان يوبّخ الطالبة ليلة الأمس. وبينما توالت ذكرياتي، شعرتُ بغضب لا يوصف يتأجج بداخلي.
وبفضلي، وصل الثلاثة سالمين إلى بوابة المدرسة. راقبتهم من بعيد وأنا أتنفس الصعداء. ثم استدعيتُ أتباعي الذين كنتُ قد أخفيتهم سابقًا، استعدادًا لمرافقة الجميع نحو ملاذنا الجديد.
“يمكنك مناداته بـ (أبو سويون).”
كنتُ واثقًا أنهم سيقبلون عرضنا. في الغالب، كانوا سينضمون إلينا على أي حال. ما حدث اليوم سيكون كافيًا لإقناعهم بأن المدرسة لم تعد مكانًا آمنًا. لا بد أنهم أدركوا وجود متحوّل يراقبهم. القرار الآن بيد لي جونغ-أوك.
لم أتجرأ على النظر إلى الطلاب. نظراتي وحدها كانت كفيلة بإرعابهم حتى الموت.
لا أعلم كم من الوقت مرّ. بدا وكأنه تجاوز الساعة منذ أن دخل المدير والأطفال المدرسة.
“يمكنك مناداته بـ (أبو سويون).”
وأخيرًا، فُتح مدخل المدرسة المحكم، وظهر لي جونغ-أوك وهو يطلّ برأسه. رفعتُ يدي عاليًا ليلاحظني، مشيرًا له بأنني مستعدّ لمرافقتهم. لكن بدلًا من ذلك، أشار إليّ بالاقتراب.
“استريحوا.”
لم أفهم السبب، لكنني تبعت إشارته واتجهت نحوه.
“هل جسده مشلول من الخوف، أم أن عقله يخبره ألا يتحرك؟”
“أبو سويون.”
بالطبع، لم أكن أنوي أذيتهم. كنتُ فقط أهدد الزومبيات حتى تبتعد. تساءلتُ إن كان المدير والطالبان مدركين لما حصل خلفهم، أم إنهم لم يلاحظوا نجاتهم من الموت ثلاث مرات على الأقل.
نظرتُ إليه بفضول.
كان ذاك صوت المدير، صادرًا من داخل غرفة القياس.
“أعتقد أنك بحاجة لسماع هذا الأمر.”
الآن بعد أن كنت أرى المدير عن قرب، لاحظت أن شعره هو الآخر يغزوه البياض. بدا أصغر بقليل من الرجل المسنّ الذي يجلس إلى جواره. وهذا منطقي، فمديرو المدارس الثانوية نادرًا ما يكونون شبابًا. كانت عيناه تتوهّجان ببريق يشبه نظرات نمر مفترس.
أشرتُ إلى نفسي بتساؤل، فأومأ، ثم تابع وهو يتنهّد: “قابلت المدير قبل ساعة، أليس كذلك؟”
بالطبع، لم أكن أنوي أذيتهم. كنتُ فقط أهدد الزومبيات حتى تبتعد. تساءلتُ إن كان المدير والطالبان مدركين لما حصل خلفهم، أم إنهم لم يلاحظوا نجاتهم من الموت ثلاث مرات على الأقل.
أجبتُ بمجموعة من الزمجرات.
أطلقت صوتي بكل ما أوتيت من قوة، شقّ صراخي الأجواء وملأ المتجر بصوتٍ حادٍ مبحوح. وللحظة، ساد صمتي، ووجَّهت الزومبيات أنظارها نحوي.
“نعم، يتعلق الأمر بذلك.”
“نعم، إنه إنسان”، أجاب “لي جونغ-أوك” بابتسامة هادئة.
لا شك أنهم بدأوا يطرحون الأسئلة حولي. كان من المؤكد أن المدير سيتحدث عن المتحوّل الذي رآه بأم عينه، وأن لي جونغ-أوك سيخبرهم بأنه يعرف هذا الزومبي.
حدّق بي بذهول، ثم رمش بعينيه وألقى بجسده داخل الفتحة. بدا واضحًا أن المرور عبر تلك الفتحة سيكون مؤلمًا له. حافّتاها الحادتان ستخدشان جسده. سمعتُ صراخه وهو يحاول دفع جسده للخارج.
حككت رأسي وأنا أنظر إلى الأتباع المصطفّين أمامي. كانوا جميعًا يحدّقون بي بوجوه جامدة، واقفين في الظل.
تركتُ أتباعي في أماكنهم وتوجَّهتُ نحو مصدر الصوت. كنتُ أجري بسرعة لا بأس بها، رغم سطوع الشمس. لم تكن سرعتي كما هي في الليل، لكنها كانت كافية لتجاوز باقي الزومبيات بفارق ملحوظ. ومع استمرار اندفاعي، بدأ القلق يتسرّب إلى داخلي. هل ابتعدتُ أكثر مما ينبغي عن المجموعة التي دخلت المدرسة؟
“استريحوا.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
بعد أن أعطيتهم هذه التعليمات الموجزة، تبعت “لي جونغ-أوك” إلى الداخل. وبينما كنا نعبر الساحة الواسعة، رأيت وجوه الناس تطلّ من نوافذ الطابق الأول. كانوا يحدقون بنا وكأنني حيوان داخل قفص في حديقة حيوانات.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
شعرت بالحرج، فأنزلت رأسي وتابعت السير خلف “لي جونغ-أوك”.
“أبو سويون.”
توجّهنا نحو مكتب المدير. وعندما دخلنا، لاحظت الطالبين من متجر الملابس جالسين في الزاوية. كان المدير ورجل مسنّ ذو شعر أبيض يجلسان على طاولة في منتصف الغرفة.
لم أتجرأ على النظر إلى الطلاب. نظراتي وحدها كانت كفيلة بإرعابهم حتى الموت.
الآن بعد أن كنت أرى المدير عن قرب، لاحظت أن شعره هو الآخر يغزوه البياض. بدا أصغر بقليل من الرجل المسنّ الذي يجلس إلى جواره. وهذا منطقي، فمديرو المدارس الثانوية نادرًا ما يكونون شبابًا. كانت عيناه تتوهّجان ببريق يشبه نظرات نمر مفترس.
لكنني سرعان ما أدركت أن تلك النظرة ما هي إلا خدعة. كانت يداه، الموضوعتان على المكتب، ترتجفان بعنف. كما لمحت في عيون الطلاب هاوية لا قعر لها من الخوف.
“أبو سويون.”
لم أتجرأ على النظر إلى الطلاب. نظراتي وحدها كانت كفيلة بإرعابهم حتى الموت.
أخيرًا، أظهر المدير ردّ فعل بشريّ حقيقي، وقد اتّسعت عيناه من الدهشة، حتى إنني كدت أضحك.
“تفضل بالجلوس، من فضلك”، قال المدير.
كان ذاك صوت المدير، صادرًا من داخل غرفة القياس.
جلسنا أنا و”لي جونغ-أوك” بهدوء أمام المكتب. تنهد المدير وشبك يديه معًا. ومن شدة قبضته، علمت أنه كان يحاول إخفاء ارتباكه. ولما بقي المدير صامتًا، تابع “لي جونغ-أوك” الحديث.
وتوجّهتُ نحو المدرسة.
“الوحش الذي قلت إنك رأيته في الخارج… هل هو صديقي هذا؟”
لكن، ما إن رأوني أتابعهم، حتى تراجعت جميعها، تمصّ شفاهها. رمقتهم بنظرات تحذير: “هؤلاء لي. لا تجرؤوا على الاقتراب.”
(وحش؟ صديق؟)
تتبعتُ خطوات المدير والطالبين. ما إن غادروا متجر الملابس حتى استعادوا رباطة جأشهم وساروا بسرعة.
كنت أظن أنني أقف في مكان ما بين هذين المصطلحين المتناقضين تمامًا.
لا أعلم كم من الوقت مرّ. بدا وكأنه تجاوز الساعة منذ أن دخل المدير والأطفال المدرسة.
نظر المدير إليّ وهز رأسه بالإيجاب. ارتسمت على وجه “لي جونغ-أوك” ابتسامة خفيفة فيها شيء من المرارة، ثم قال:
وأخيرًا، وصلتُ إلى مصدر الصوت. من خلال نافذة متجر محطمة، سمعتُ صرخات الناس تختلط بعواء الزومبيات. كانت جلبة مدوّية، مزيجًا من رعب البشر ووحشية الموتى. دخلتُ المتجر دون أن أضيّع لحظة واحدة، وسرعان ما وقعت عيناي على مجموعة من الزومبيات. ثلاثة؟ أربعة؟ لا، بل خمسة على الأقل.
“رغم شكله… فهو إنسان.”
عندها، توجّهت جميع الأنظار نحوي. انحنيت برأسي خجلًا. ثم تابع الرجل المسنّ، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا:
“إنسان؟”
“تفضل بالجلوس، من فضلك”، قال المدير.
أخيرًا، أظهر المدير ردّ فعل بشريّ حقيقي، وقد اتّسعت عيناه من الدهشة، حتى إنني كدت أضحك.
زومبي ذو عينين حمراوين متوهجتين. في عينيه، كنتُ متحوّلًا لم يسبق له رؤيته من قبل.
“نعم، إنه إنسان”، أجاب “لي جونغ-أوك” بابتسامة هادئة.
الآن بعد أن كنت أرى المدير عن قرب، لاحظت أن شعره هو الآخر يغزوه البياض. بدا أصغر بقليل من الرجل المسنّ الذي يجلس إلى جواره. وهذا منطقي، فمديرو المدارس الثانوية نادرًا ما يكونون شبابًا. كانت عيناه تتوهّجان ببريق يشبه نظرات نمر مفترس.
“لكني لا أستطيع رؤيته كذلك.”
زمجرتُ بوجه الزومبيات بوجه متجهم.
“سيدي، أنت تدرك أن قول ذلك لشخص أنقذ حياتك وحياة هؤلاء الأطفال… إهانة كبيرة، أليس كذلك؟”
لكن، ما إن رأوني أتابعهم، حتى تراجعت جميعها، تمصّ شفاهها. رمقتهم بنظرات تحذير: “هؤلاء لي. لا تجرؤوا على الاقتراب.”
ورغم ابتسامته، لم يكن على استعداد للتراجع. “لي جونغ-أوك” من النوع الذي لا يُخفي مشاعره. إذا شعر بالإهانة، يقولها صراحة. بشجاعته وسَعَة صدره، استحوذ على زمام الحديث.
ورغم ابتسامته، لم يكن على استعداد للتراجع. “لي جونغ-أوك” من النوع الذي لا يُخفي مشاعره. إذا شعر بالإهانة، يقولها صراحة. بشجاعته وسَعَة صدره، استحوذ على زمام الحديث.
نظرت إليه، فبادلني نظرة ماكرة، وحرّك شفتيه بكلمتين: “ليش؟” و”شو؟” (why – what). شعرت بامتنان لتصرفه ذاك. جرأته وثقته بنفسه ما زالتا تدهشاني.
تحولت أنظار الجميع إليه. اتسعت عينا المدير عندما سمع قراره.
“قد يبدو غريبًا بعض الشيء. أتفهم ذلك. حتى أنا لم أكن أثق به في البداية.”
كان أيضًا يوجّه كلمات صريحة وجارحة دون أن يرف له جفن، لكن طريقته المباشرة تلك كانت فعّالة في بناء الثقة. انحنى قليلًا فوق المكتب وقال للمدير:
كان أيضًا يوجّه كلمات صريحة وجارحة دون أن يرف له جفن، لكن طريقته المباشرة تلك كانت فعّالة في بناء الثقة. انحنى قليلًا فوق المكتب وقال للمدير:
كان أيضًا يوجّه كلمات صريحة وجارحة دون أن يرف له جفن، لكن طريقته المباشرة تلك كانت فعّالة في بناء الثقة. انحنى قليلًا فوق المكتب وقال للمدير:
“لكن هناك شيء واحد يجب أن يكون واضحًا: لا تعاملْه كوحش. إنه إنسان.”
“…”
“…”
“يالها من مأساة. لا بد أن الأمر صعب عليه.”
ظل المدير صامتًا. كنت ما أزال ألحظ التوتر في نظراتهم. ثم تدخّل الرجل المسنّ ذو الشعر الأبيض:
“لا داعي لاتخاذ قرار الآن مباشرة…” قال المدير، وكأنه يشكك في حتميّة القرار.
“أنا أوافق. ينبغي أن نتعاون مع هؤلاء الناس.”
“لا. العالم تغيّر.” وضع المسنّ عصاه على المكتب، وقال: “بات هناك أناس اليوم أسوأ من الحيوانات. لكن انظر إليه. رغم مظهره، ها هو ذا، يصغي إلى حديثنا.”
تحولت أنظار الجميع إليه. اتسعت عينا المدير عندما سمع قراره.
أجبتُ بمجموعة من الزمجرات.
“لا داعي لاتخاذ قرار الآن مباشرة…” قال المدير، وكأنه يشكك في حتميّة القرار.
وفي اللحظة التالية، دفع أحد الزومبيات جسده من خلال الباب المكسور جزئيًا لغرفة القياس.
“لا. العالم تغيّر.” وضع المسنّ عصاه على المكتب، وقال: “بات هناك أناس اليوم أسوأ من الحيوانات. لكن انظر إليه. رغم مظهره، ها هو ذا، يصغي إلى حديثنا.”
كنت أظن أنني أقف في مكان ما بين هذين المصطلحين المتناقضين تمامًا.
عندها، توجّهت جميع الأنظار نحوي. انحنيت برأسي خجلًا. ثم تابع الرجل المسنّ، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا:
“اذهب، بسرعة.”
“هل يمكنني أن أسألك عن اسمك؟”
تركتُ أتباعي في أماكنهم وتوجَّهتُ نحو مصدر الصوت. كنتُ أجري بسرعة لا بأس بها، رغم سطوع الشمس. لم تكن سرعتي كما هي في الليل، لكنها كانت كافية لتجاوز باقي الزومبيات بفارق ملحوظ. ومع استمرار اندفاعي، بدأ القلق يتسرّب إلى داخلي. هل ابتعدتُ أكثر مما ينبغي عن المجموعة التي دخلت المدرسة؟
من بين كل ما كان يمكنه قوله، اختار أن يسألني. نظرت إلى “لي جونغ-أوك” متوسّلًا أن يجيب نيابة عني. وقد فهم تمامًا ما رغبت به، فأجاب عني بابتسامة:
صاح صوت شاب بنداء يائس للمدير. أعادني ذلك إلى وعيي، فقد كان الصوت مألوفًا. تذكّرتُ الطالب الذي كان يوبّخ الطالبة ليلة الأمس. وبينما توالت ذكرياتي، شعرتُ بغضب لا يوصف يتأجج بداخلي.
“يمكنك مناداته بـ (أبو سويون).”
كنتُ واثقًا أنهم سيقبلون عرضنا. في الغالب، كانوا سينضمون إلينا على أي حال. ما حدث اليوم سيكون كافيًا لإقناعهم بأن المدرسة لم تعد مكانًا آمنًا. لا بد أنهم أدركوا وجود متحوّل يراقبهم. القرار الآن بيد لي جونغ-أوك.
كان يصرّ على مناداتي بـ (أبو سويون)، رغم معرفته باسمي الحقيقي: “لي هيون-دوك”.
حككت رأسي وأنا أنظر إلى الأتباع المصطفّين أمامي. كانوا جميعًا يحدّقون بي بوجوه جامدة، واقفين في الظل.
(هل يظن أن لقب “أبو سويون” يوحي بمزيد من الألفة؟)
كانت ترتدي زيّ التمارين الرياضية، وانهارت ساقاها ما إن التقت عينها بعيني. بالنسبة لهم، لم أكن بطلاً ولا منقذًا. بل كنت تجسيدًا حيًّا للخطر، ذكرى حية لفكرة الموت.
ضحك الرجل المسنّ وكأنه أحب اللقب.
تركتُ أتباعي في أماكنهم وتوجَّهتُ نحو مصدر الصوت. كنتُ أجري بسرعة لا بأس بها، رغم سطوع الشمس. لم تكن سرعتي كما هي في الليل، لكنها كانت كافية لتجاوز باقي الزومبيات بفارق ملحوظ. ومع استمرار اندفاعي، بدأ القلق يتسرّب إلى داخلي. هل ابتعدتُ أكثر مما ينبغي عن المجموعة التي دخلت المدرسة؟
“يبدو أنه يجد صعوبة في الكلام.”
أطلقت صوتي بكل ما أوتيت من قوة، شقّ صراخي الأجواء وملأ المتجر بصوتٍ حادٍ مبحوح. وللحظة، ساد صمتي، ووجَّهت الزومبيات أنظارها نحوي.
“نعم، سيدي.”
شعرت بالحرج، فأنزلت رأسي وتابعت السير خلف “لي جونغ-أوك”.
“هل كان يعاني من مشكلة نطق منذ الولادة؟”
كانت ترتدي زيّ التمارين الرياضية، وانهارت ساقاها ما إن التقت عينها بعيني. بالنسبة لهم، لم أكن بطلاً ولا منقذًا. بل كنت تجسيدًا حيًّا للخطر، ذكرى حية لفكرة الموت.
“لا أظن ذلك.”
“سيدي، أنت تدرك أن قول ذلك لشخص أنقذ حياتك وحياة هؤلاء الأطفال… إهانة كبيرة، أليس كذلك؟”
“يالها من مأساة. لا بد أن الأمر صعب عليه.”
نظر المدير إليّ وهز رأسه بالإيجاب. ارتسمت على وجه “لي جونغ-أوك” ابتسامة خفيفة فيها شيء من المرارة، ثم قال:
نظر إلينا الرجل المسنّ بعينين مشفقتين، ثم نهض من مكانه دون أن يستند إلى عصاه. فهبّ “لي جونغ-أوك”، الذي كان يجلس بجواره، ليساعده، فشكره بابتسامة لطيفة. ثم ابتسم لي أيضًا. فوقفت وانحنيت له احترامًا.
ولكن، إن كان الصوت الذي سمعته يخص المدير فعلاً، فهذا يعني أنهم لم يحظوا حتى بفرصة للتحدث بجدية.
اقترب مني الرجل المسنّ، و”لي جونغ-أوك” يسنده. ثم أمسك بيدي.
(وحش؟ صديق؟)
“شكرًا لك. شكرًا لأنك أنقذت مديرنا وهؤلاء الأطفال. شكرًا لأنك جئت لأجلنا.”
ترجمة: Arisu san
عضضت على شفتي كي لا تنفلت مشاعري. كانت يده نحيلة ومليئة بالتجاعيد، لكنها كانت أدفأ يد أمسكت بها في حياتي. شعرت بدفء عاطفته يتغلغل في قلبي. كان شعورًا لم أعرفه قط وأنا على قيد الحياة. ولم أنله إلا الآن… بقلب ميت.
“لكني لا أستطيع رؤيته كذلك.”
لم أستطع رفع رأسي. كنت أعلم أنني إن نظرت إليه، فلن أستطيع كبح مشاعري. تمسّكت بيده ورأسي منكّس.
جلسنا أنا و”لي جونغ-أوك” بهدوء أمام المكتب. تنهد المدير وشبك يديه معًا. ومن شدة قبضته، علمت أنه كان يحاول إخفاء ارتباكه. ولما بقي المدير صامتًا، تابع “لي جونغ-أوك” الحديث.
(هل يظن أن لقب “أبو سويون” يوحي بمزيد من الألفة؟)
وبفضلي، وصل الثلاثة سالمين إلى بوابة المدرسة. راقبتهم من بعيد وأنا أتنفس الصعداء. ثم استدعيتُ أتباعي الذين كنتُ قد أخفيتهم سابقًا، استعدادًا لمرافقة الجميع نحو ملاذنا الجديد.
