25
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“هل يمكنني أن أسألك عن اسمك؟”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
وأخيرًا، وصلتُ إلى مصدر الصوت. من خلال نافذة متجر محطمة، سمعتُ صرخات الناس تختلط بعواء الزومبيات. كانت جلبة مدوّية، مزيجًا من رعب البشر ووحشية الموتى. دخلتُ المتجر دون أن أضيّع لحظة واحدة، وسرعان ما وقعت عيناي على مجموعة من الزومبيات. ثلاثة؟ أربعة؟ لا، بل خمسة على الأقل.
ترجمة: Arisu san
(هل يظن أن لقب “أبو سويون” يوحي بمزيد من الألفة؟)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
عندها، توجّهت جميع الأنظار نحوي. انحنيت برأسي خجلًا. ثم تابع الرجل المسنّ، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا:
تركتُ أتباعي في أماكنهم وتوجَّهتُ نحو مصدر الصوت. كنتُ أجري بسرعة لا بأس بها، رغم سطوع الشمس. لم تكن سرعتي كما هي في الليل، لكنها كانت كافية لتجاوز باقي الزومبيات بفارق ملحوظ. ومع استمرار اندفاعي، بدأ القلق يتسرّب إلى داخلي. هل ابتعدتُ أكثر مما ينبغي عن المجموعة التي دخلت المدرسة؟
ظلّ المدير يحدّق بي دون أن يتحرك.
ولكن، إن كان الصوت الذي سمعته يخص المدير فعلاً، فهذا يعني أنهم لم يحظوا حتى بفرصة للتحدث بجدية.
“سيدي!!”
“انتظر… إذًا، ماذا يفعل الأخوان لي وكانغ أون-جونغ بالداخل؟ هل الأطفال يخبرونهم بما جرى؟”
نظر المدير إليّ وهز رأسه بالإيجاب. ارتسمت على وجه “لي جونغ-أوك” ابتسامة خفيفة فيها شيء من المرارة، ثم قال:
لم يكن الوقت مناسباً للغرق في دوامة الأفكار. دفعتُ تلك الهواجس جانباً وركّزت على الأمر الأهم: التأكّد من أنّ الصوت يعود حقًا إلى المدير.
“نعم، إنه إنسان”، أجاب “لي جونغ-أوك” بابتسامة هادئة.
وأخيرًا، وصلتُ إلى مصدر الصوت. من خلال نافذة متجر محطمة، سمعتُ صرخات الناس تختلط بعواء الزومبيات. كانت جلبة مدوّية، مزيجًا من رعب البشر ووحشية الموتى. دخلتُ المتجر دون أن أضيّع لحظة واحدة، وسرعان ما وقعت عيناي على مجموعة من الزومبيات. ثلاثة؟ أربعة؟ لا، بل خمسة على الأقل.
“لكني لا أستطيع رؤيته كذلك.”
كانوا يحاولون التسلل إلى مكانٍ ما. كانوا يتجهون نحو غرفة القياس. عندها فقط أدركتُ أنني داخل متجر ملابس. سقط أحد الزومبيات على الأرض بعنف، وارتجف مرة قبل أن يتوقف تمامًا، كأن جمجمته تهشّمت.
“هل كان يعاني من مشكلة نطق منذ الولادة؟”
“ادخل بسرعة!”
“هل يمكنني أن أسألك عن اسمك؟”
كان ذاك صوت المدير، صادرًا من داخل غرفة القياس.
من بين كل ما كان يمكنه قوله، اختار أن يسألني. نظرت إلى “لي جونغ-أوك” متوسّلًا أن يجيب نيابة عني. وقد فهم تمامًا ما رغبت به، فأجاب عني بابتسامة:
وفي اللحظة التالية، دفع أحد الزومبيات جسده من خلال الباب المكسور جزئيًا لغرفة القياس.
(وحش؟ صديق؟)
“سيدي!!”
كنتُ أعلم ما يدور في ذهنه. لا شك أنه ظن أنني على وشك التهامه. شعرتُ بالأسى وأنا أراه يكافح للخروج، ساقاه تتلوّيان ويضغط بهما على الأرض اليائسة. رغبتُ في مساعدته، لكنني كنت أعلم أن الثبات في مكاني هو أفضل ما يمكنني فعله الآن.
صاح صوت شاب بنداء يائس للمدير. أعادني ذلك إلى وعيي، فقد كان الصوت مألوفًا. تذكّرتُ الطالب الذي كان يوبّخ الطالبة ليلة الأمس. وبينما توالت ذكرياتي، شعرتُ بغضب لا يوصف يتأجج بداخلي.
وبفضلي، وصل الثلاثة سالمين إلى بوابة المدرسة. راقبتهم من بعيد وأنا أتنفس الصعداء. ثم استدعيتُ أتباعي الذين كنتُ قد أخفيتهم سابقًا، استعدادًا لمرافقة الجميع نحو ملاذنا الجديد.
“هل هذا الغضب موجّه إلى المعلمين الصغار؟ أم إلى العالم بأسره؟”
“أبو سويون.”
زمجرتُ بوجه الزومبيات بوجه متجهم.
كان المدير في المقدّمة، تليه الطالبة في زي الرياضة وهي تغطي فمها لكتم بكائها. أما الطالب، فكان يتبعها بتعبير شارد، كأن روحه فُقدت.
“غرررر!!!”
“أبو سويون.”
أطلقت صوتي بكل ما أوتيت من قوة، شقّ صراخي الأجواء وملأ المتجر بصوتٍ حادٍ مبحوح. وللحظة، ساد صمتي، ووجَّهت الزومبيات أنظارها نحوي.
اقترب مني الرجل المسنّ، و”لي جونغ-أوك” يسنده. ثم أمسك بيدي.
نظرتُ إليهم بعينين حمراوين مليئتين بالرغبة في القتل، وكأنني على وشك التهامهم. فخفضوا رؤوسهم وبدأوا يهزّونها، مدركين أنهم أمام مفترس من القمة.
“يالها من مأساة. لا بد أن الأمر صعب عليه.”
“هل هم مشوشون؟ لا… إنهم خائفون.”
كانوا يحاولون التسلل إلى مكانٍ ما. كانوا يتجهون نحو غرفة القياس. عندها فقط أدركتُ أنني داخل متجر ملابس. سقط أحد الزومبيات على الأرض بعنف، وارتجف مرة قبل أن يتوقف تمامًا، كأن جمجمته تهشّمت.
تقدّمت نحو غرفة القياس، ففتحوا لي الطريق كأنهم بابٌ آلي. شعرتُ بوجود بشرٍ في الداخل.
“يالها من مأساة. لا بد أن الأمر صعب عليه.”
كانوا منشغلين بشيء ما هناك. تساءلت عمّا يفعلونه. نظرتُ من الداخل فرأيت فتحة صغيرة في آخر غرفة القياس، بالكاد تسع شخصًا واحدًا. كان الطالب الذكر يحاول التسلل من خلالها، بينما المدير يحدّق بي بفم مفتوح كسمكة خارجة من الماء.
نظرت إليه، فبادلني نظرة ماكرة، وحرّك شفتيه بكلمتين: “ليش؟” و”شو؟” (why – what). شعرت بامتنان لتصرفه ذاك. جرأته وثقته بنفسه ما زالتا تدهشاني.
تلاقت أعيننا، ولم أدرِ ما يجب أن أفعله. أدرتُ وجهي بعبوس بينما كنتُ أحاول أن أستوعب مشاعري المتضاربة. كان المدير يحمل كيس خيش، ويمكنني سماع صوت بلعه بصعوبة من شدة توتره. كان الكيس يرتجف بعنف، انعكاسًا مباشرًا لحالته النفسية.
ظل المدير صامتًا. كنت ما أزال ألحظ التوتر في نظراتهم. ثم تدخّل الرجل المسنّ ذو الشعر الأبيض:
زومبي ذو عينين حمراوين متوهجتين. في عينيه، كنتُ متحوّلًا لم يسبق له رؤيته من قبل.
“سيدي، من هنا! بسرعة!”
“نعم، إنه إنسان”، أجاب “لي جونغ-أوك” بابتسامة هادئة.
شهق الطالب على الجانب الآخر حين رأى وجهي. وقع على مؤخرته وهو يضع يده على فمه، ويبدو أنه عض لسانه من شدة الصدمة. وبجانبه، رأيت طالبة أخرى.
بدأ صبري ينفد، فرفعتُ يدي اليمنى. كانت شفتاه ترتجفان بينما كانت عيناه مثبتتين على أطراف أصابعي. أشرتُ له بإيماءة بسيطة لا يفهمها إلا البشر:
“هل كانت هي أول من عبر؟”
كانوا منشغلين بشيء ما هناك. تساءلت عمّا يفعلونه. نظرتُ من الداخل فرأيت فتحة صغيرة في آخر غرفة القياس، بالكاد تسع شخصًا واحدًا. كان الطالب الذكر يحاول التسلل من خلالها، بينما المدير يحدّق بي بفم مفتوح كسمكة خارجة من الماء.
كانت ترتدي زيّ التمارين الرياضية، وانهارت ساقاها ما إن التقت عينها بعيني. بالنسبة لهم، لم أكن بطلاً ولا منقذًا. بل كنت تجسيدًا حيًّا للخطر، ذكرى حية لفكرة الموت.
لم أتجرأ على النظر إلى الطلاب. نظراتي وحدها كانت كفيلة بإرعابهم حتى الموت.
ظلّ المدير يحدّق بي دون أن يتحرك.
“ادخل بسرعة!”
“هل جسده مشلول من الخوف، أم أن عقله يخبره ألا يتحرك؟”
كان المدير في المقدّمة، تليه الطالبة في زي الرياضة وهي تغطي فمها لكتم بكائها. أما الطالب، فكان يتبعها بتعبير شارد، كأن روحه فُقدت.
بدأ صبري ينفد، فرفعتُ يدي اليمنى. كانت شفتاه ترتجفان بينما كانت عيناه مثبتتين على أطراف أصابعي. أشرتُ له بإيماءة بسيطة لا يفهمها إلا البشر:
“هل هم مشوشون؟ لا… إنهم خائفون.”
“اذهب، بسرعة.”
نظر المدير إليّ وهز رأسه بالإيجاب. ارتسمت على وجه “لي جونغ-أوك” ابتسامة خفيفة فيها شيء من المرارة، ثم قال:
حدّق بي بذهول، ثم رمش بعينيه وألقى بجسده داخل الفتحة. بدا واضحًا أن المرور عبر تلك الفتحة سيكون مؤلمًا له. حافّتاها الحادتان ستخدشان جسده. سمعتُ صراخه وهو يحاول دفع جسده للخارج.
أطلقت صوتي بكل ما أوتيت من قوة، شقّ صراخي الأجواء وملأ المتجر بصوتٍ حادٍ مبحوح. وللحظة، ساد صمتي، ووجَّهت الزومبيات أنظارها نحوي.
“ليته يعلم أنه لا حاجة للعجلة…”
عندها، توجّهت جميع الأنظار نحوي. انحنيت برأسي خجلًا. ثم تابع الرجل المسنّ، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا:
كنتُ أعلم ما يدور في ذهنه. لا شك أنه ظن أنني على وشك التهامه. شعرتُ بالأسى وأنا أراه يكافح للخروج، ساقاه تتلوّيان ويضغط بهما على الأرض اليائسة. رغبتُ في مساعدته، لكنني كنت أعلم أن الثبات في مكاني هو أفضل ما يمكنني فعله الآن.
تتبعتُ خطوات المدير والطالبين. ما إن غادروا متجر الملابس حتى استعادوا رباطة جأشهم وساروا بسرعة.
وما إن اجتاز المدير الفتحة، حتى ركض الجميع هاربين، وكأنهم اتفقوا مسبقًا على ذلك. أطلقتُ تنهيدة ارتياح، ثم التفتُّ نحو مدخل المتجر. لا يزال هناك عدد من الزومبيات، يشيحون بوجوههم عني. كانوا جميعًا بحالة جيدة، ما جعلهم مؤهلين لأن يصبحوا أتباعًا لي.
كان المدير في المقدّمة، تليه الطالبة في زي الرياضة وهي تغطي فمها لكتم بكائها. أما الطالب، فكان يتبعها بتعبير شارد، كأن روحه فُقدت.
تردّدتُ لوهلة فيما إن كان عليّ تحويلهم أم لا. لكني هززت رأسي وقررت تركهم. كنتُ أعلم أن المدير والطالبين قد رأوا وجوه هؤلاء الزومبيات. يمكنني تخيّل ردة فعلهم إن رافقوني إلى المدرسة.
“أنا أوافق. ينبغي أن نتعاون مع هؤلاء الناس.”
“سأراكم لاحقًا.”
“نعم، سيدي.”
وتوجّهتُ نحو المدرسة.
“لا. العالم تغيّر.” وضع المسنّ عصاه على المكتب، وقال: “بات هناك أناس اليوم أسوأ من الحيوانات. لكن انظر إليه. رغم مظهره، ها هو ذا، يصغي إلى حديثنا.”
تتبعتُ خطوات المدير والطالبين. ما إن غادروا متجر الملابس حتى استعادوا رباطة جأشهم وساروا بسرعة.
“إنسان؟”
كان المدير في المقدّمة، تليه الطالبة في زي الرياضة وهي تغطي فمها لكتم بكائها. أما الطالب، فكان يتبعها بتعبير شارد، كأن روحه فُقدت.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
بدا المدير شاحبًا، غارقًا في أفكاره. كانوا يتحرّكون بدافع غريزة النجاة. وخلال الطريق، واجهنا مواقف خطرة حين اقتربت منهم زومبيات تمتلك حاستي الشم والبصر.
كنتُ أعلم ما يدور في ذهنه. لا شك أنه ظن أنني على وشك التهامه. شعرتُ بالأسى وأنا أراه يكافح للخروج، ساقاه تتلوّيان ويضغط بهما على الأرض اليائسة. رغبتُ في مساعدته، لكنني كنت أعلم أن الثبات في مكاني هو أفضل ما يمكنني فعله الآن.
لكن، ما إن رأوني أتابعهم، حتى تراجعت جميعها، تمصّ شفاهها. رمقتهم بنظرات تحذير: “هؤلاء لي. لا تجرؤوا على الاقتراب.”
لم أتجرأ على النظر إلى الطلاب. نظراتي وحدها كانت كفيلة بإرعابهم حتى الموت.
بالطبع، لم أكن أنوي أذيتهم. كنتُ فقط أهدد الزومبيات حتى تبتعد. تساءلتُ إن كان المدير والطالبان مدركين لما حصل خلفهم، أم إنهم لم يلاحظوا نجاتهم من الموت ثلاث مرات على الأقل.
أشرتُ إلى نفسي بتساؤل، فأومأ، ثم تابع وهو يتنهّد: “قابلت المدير قبل ساعة، أليس كذلك؟”
وبفضلي، وصل الثلاثة سالمين إلى بوابة المدرسة. راقبتهم من بعيد وأنا أتنفس الصعداء. ثم استدعيتُ أتباعي الذين كنتُ قد أخفيتهم سابقًا، استعدادًا لمرافقة الجميع نحو ملاذنا الجديد.
توجّهنا نحو مكتب المدير. وعندما دخلنا، لاحظت الطالبين من متجر الملابس جالسين في الزاوية. كان المدير ورجل مسنّ ذو شعر أبيض يجلسان على طاولة في منتصف الغرفة.
كنتُ واثقًا أنهم سيقبلون عرضنا. في الغالب، كانوا سينضمون إلينا على أي حال. ما حدث اليوم سيكون كافيًا لإقناعهم بأن المدرسة لم تعد مكانًا آمنًا. لا بد أنهم أدركوا وجود متحوّل يراقبهم. القرار الآن بيد لي جونغ-أوك.
“هل كان يعاني من مشكلة نطق منذ الولادة؟”
لا أعلم كم من الوقت مرّ. بدا وكأنه تجاوز الساعة منذ أن دخل المدير والأطفال المدرسة.
شعرت بالحرج، فأنزلت رأسي وتابعت السير خلف “لي جونغ-أوك”.
وأخيرًا، فُتح مدخل المدرسة المحكم، وظهر لي جونغ-أوك وهو يطلّ برأسه. رفعتُ يدي عاليًا ليلاحظني، مشيرًا له بأنني مستعدّ لمرافقتهم. لكن بدلًا من ذلك، أشار إليّ بالاقتراب.
كان المدير في المقدّمة، تليه الطالبة في زي الرياضة وهي تغطي فمها لكتم بكائها. أما الطالب، فكان يتبعها بتعبير شارد، كأن روحه فُقدت.
لم أفهم السبب، لكنني تبعت إشارته واتجهت نحوه.
“الوحش الذي قلت إنك رأيته في الخارج… هل هو صديقي هذا؟”
“أبو سويون.”
شعرت بالحرج، فأنزلت رأسي وتابعت السير خلف “لي جونغ-أوك”.
نظرتُ إليه بفضول.
تردّدتُ لوهلة فيما إن كان عليّ تحويلهم أم لا. لكني هززت رأسي وقررت تركهم. كنتُ أعلم أن المدير والطالبين قد رأوا وجوه هؤلاء الزومبيات. يمكنني تخيّل ردة فعلهم إن رافقوني إلى المدرسة.
“أعتقد أنك بحاجة لسماع هذا الأمر.”
“لا داعي لاتخاذ قرار الآن مباشرة…” قال المدير، وكأنه يشكك في حتميّة القرار.
أشرتُ إلى نفسي بتساؤل، فأومأ، ثم تابع وهو يتنهّد: “قابلت المدير قبل ساعة، أليس كذلك؟”
“هل جسده مشلول من الخوف، أم أن عقله يخبره ألا يتحرك؟”
أجبتُ بمجموعة من الزمجرات.
“استريحوا.”
“نعم، يتعلق الأمر بذلك.”
زمجرتُ بوجه الزومبيات بوجه متجهم.
لا شك أنهم بدأوا يطرحون الأسئلة حولي. كان من المؤكد أن المدير سيتحدث عن المتحوّل الذي رآه بأم عينه، وأن لي جونغ-أوك سيخبرهم بأنه يعرف هذا الزومبي.
لا شك أنهم بدأوا يطرحون الأسئلة حولي. كان من المؤكد أن المدير سيتحدث عن المتحوّل الذي رآه بأم عينه، وأن لي جونغ-أوك سيخبرهم بأنه يعرف هذا الزومبي.
حككت رأسي وأنا أنظر إلى الأتباع المصطفّين أمامي. كانوا جميعًا يحدّقون بي بوجوه جامدة، واقفين في الظل.
كان أيضًا يوجّه كلمات صريحة وجارحة دون أن يرف له جفن، لكن طريقته المباشرة تلك كانت فعّالة في بناء الثقة. انحنى قليلًا فوق المكتب وقال للمدير:
“استريحوا.”
كان المدير في المقدّمة، تليه الطالبة في زي الرياضة وهي تغطي فمها لكتم بكائها. أما الطالب، فكان يتبعها بتعبير شارد، كأن روحه فُقدت.
بعد أن أعطيتهم هذه التعليمات الموجزة، تبعت “لي جونغ-أوك” إلى الداخل. وبينما كنا نعبر الساحة الواسعة، رأيت وجوه الناس تطلّ من نوافذ الطابق الأول. كانوا يحدقون بنا وكأنني حيوان داخل قفص في حديقة حيوانات.
أطلقت صوتي بكل ما أوتيت من قوة، شقّ صراخي الأجواء وملأ المتجر بصوتٍ حادٍ مبحوح. وللحظة، ساد صمتي، ووجَّهت الزومبيات أنظارها نحوي.
شعرت بالحرج، فأنزلت رأسي وتابعت السير خلف “لي جونغ-أوك”.
توجّهنا نحو مكتب المدير. وعندما دخلنا، لاحظت الطالبين من متجر الملابس جالسين في الزاوية. كان المدير ورجل مسنّ ذو شعر أبيض يجلسان على طاولة في منتصف الغرفة.
أطلقت صوتي بكل ما أوتيت من قوة، شقّ صراخي الأجواء وملأ المتجر بصوتٍ حادٍ مبحوح. وللحظة، ساد صمتي، ووجَّهت الزومبيات أنظارها نحوي.
الآن بعد أن كنت أرى المدير عن قرب، لاحظت أن شعره هو الآخر يغزوه البياض. بدا أصغر بقليل من الرجل المسنّ الذي يجلس إلى جواره. وهذا منطقي، فمديرو المدارس الثانوية نادرًا ما يكونون شبابًا. كانت عيناه تتوهّجان ببريق يشبه نظرات نمر مفترس.
لكن، ما إن رأوني أتابعهم، حتى تراجعت جميعها، تمصّ شفاهها. رمقتهم بنظرات تحذير: “هؤلاء لي. لا تجرؤوا على الاقتراب.”
لكنني سرعان ما أدركت أن تلك النظرة ما هي إلا خدعة. كانت يداه، الموضوعتان على المكتب، ترتجفان بعنف. كما لمحت في عيون الطلاب هاوية لا قعر لها من الخوف.
“غرررر!!!”
لم أتجرأ على النظر إلى الطلاب. نظراتي وحدها كانت كفيلة بإرعابهم حتى الموت.
حككت رأسي وأنا أنظر إلى الأتباع المصطفّين أمامي. كانوا جميعًا يحدّقون بي بوجوه جامدة، واقفين في الظل.
“تفضل بالجلوس، من فضلك”، قال المدير.
بدا المدير شاحبًا، غارقًا في أفكاره. كانوا يتحرّكون بدافع غريزة النجاة. وخلال الطريق، واجهنا مواقف خطرة حين اقتربت منهم زومبيات تمتلك حاستي الشم والبصر.
جلسنا أنا و”لي جونغ-أوك” بهدوء أمام المكتب. تنهد المدير وشبك يديه معًا. ومن شدة قبضته، علمت أنه كان يحاول إخفاء ارتباكه. ولما بقي المدير صامتًا، تابع “لي جونغ-أوك” الحديث.
ترجمة: Arisu san
“الوحش الذي قلت إنك رأيته في الخارج… هل هو صديقي هذا؟”
تركتُ أتباعي في أماكنهم وتوجَّهتُ نحو مصدر الصوت. كنتُ أجري بسرعة لا بأس بها، رغم سطوع الشمس. لم تكن سرعتي كما هي في الليل، لكنها كانت كافية لتجاوز باقي الزومبيات بفارق ملحوظ. ومع استمرار اندفاعي، بدأ القلق يتسرّب إلى داخلي. هل ابتعدتُ أكثر مما ينبغي عن المجموعة التي دخلت المدرسة؟
(وحش؟ صديق؟)
“استريحوا.”
كنت أظن أنني أقف في مكان ما بين هذين المصطلحين المتناقضين تمامًا.
شعرت بالحرج، فأنزلت رأسي وتابعت السير خلف “لي جونغ-أوك”.
نظر المدير إليّ وهز رأسه بالإيجاب. ارتسمت على وجه “لي جونغ-أوك” ابتسامة خفيفة فيها شيء من المرارة، ثم قال:
“لا أظن ذلك.”
“رغم شكله… فهو إنسان.”
شعرت بالحرج، فأنزلت رأسي وتابعت السير خلف “لي جونغ-أوك”.
“إنسان؟”
بعد أن أعطيتهم هذه التعليمات الموجزة، تبعت “لي جونغ-أوك” إلى الداخل. وبينما كنا نعبر الساحة الواسعة، رأيت وجوه الناس تطلّ من نوافذ الطابق الأول. كانوا يحدقون بنا وكأنني حيوان داخل قفص في حديقة حيوانات.
أخيرًا، أظهر المدير ردّ فعل بشريّ حقيقي، وقد اتّسعت عيناه من الدهشة، حتى إنني كدت أضحك.
كان يصرّ على مناداتي بـ (أبو سويون)، رغم معرفته باسمي الحقيقي: “لي هيون-دوك”.
“نعم، إنه إنسان”، أجاب “لي جونغ-أوك” بابتسامة هادئة.
“هل كان يعاني من مشكلة نطق منذ الولادة؟”
“لكني لا أستطيع رؤيته كذلك.”
اقترب مني الرجل المسنّ، و”لي جونغ-أوك” يسنده. ثم أمسك بيدي.
“سيدي، أنت تدرك أن قول ذلك لشخص أنقذ حياتك وحياة هؤلاء الأطفال… إهانة كبيرة، أليس كذلك؟”
من بين كل ما كان يمكنه قوله، اختار أن يسألني. نظرت إلى “لي جونغ-أوك” متوسّلًا أن يجيب نيابة عني. وقد فهم تمامًا ما رغبت به، فأجاب عني بابتسامة:
ورغم ابتسامته، لم يكن على استعداد للتراجع. “لي جونغ-أوك” من النوع الذي لا يُخفي مشاعره. إذا شعر بالإهانة، يقولها صراحة. بشجاعته وسَعَة صدره، استحوذ على زمام الحديث.
تركتُ أتباعي في أماكنهم وتوجَّهتُ نحو مصدر الصوت. كنتُ أجري بسرعة لا بأس بها، رغم سطوع الشمس. لم تكن سرعتي كما هي في الليل، لكنها كانت كافية لتجاوز باقي الزومبيات بفارق ملحوظ. ومع استمرار اندفاعي، بدأ القلق يتسرّب إلى داخلي. هل ابتعدتُ أكثر مما ينبغي عن المجموعة التي دخلت المدرسة؟
نظرت إليه، فبادلني نظرة ماكرة، وحرّك شفتيه بكلمتين: “ليش؟” و”شو؟” (why – what). شعرت بامتنان لتصرفه ذاك. جرأته وثقته بنفسه ما زالتا تدهشاني.
بدأ صبري ينفد، فرفعتُ يدي اليمنى. كانت شفتاه ترتجفان بينما كانت عيناه مثبتتين على أطراف أصابعي. أشرتُ له بإيماءة بسيطة لا يفهمها إلا البشر:
“قد يبدو غريبًا بعض الشيء. أتفهم ذلك. حتى أنا لم أكن أثق به في البداية.”
كانوا منشغلين بشيء ما هناك. تساءلت عمّا يفعلونه. نظرتُ من الداخل فرأيت فتحة صغيرة في آخر غرفة القياس، بالكاد تسع شخصًا واحدًا. كان الطالب الذكر يحاول التسلل من خلالها، بينما المدير يحدّق بي بفم مفتوح كسمكة خارجة من الماء.
كان أيضًا يوجّه كلمات صريحة وجارحة دون أن يرف له جفن، لكن طريقته المباشرة تلك كانت فعّالة في بناء الثقة. انحنى قليلًا فوق المكتب وقال للمدير:
نظرت إليه، فبادلني نظرة ماكرة، وحرّك شفتيه بكلمتين: “ليش؟” و”شو؟” (why – what). شعرت بامتنان لتصرفه ذاك. جرأته وثقته بنفسه ما زالتا تدهشاني.
“لكن هناك شيء واحد يجب أن يكون واضحًا: لا تعاملْه كوحش. إنه إنسان.”
من بين كل ما كان يمكنه قوله، اختار أن يسألني. نظرت إلى “لي جونغ-أوك” متوسّلًا أن يجيب نيابة عني. وقد فهم تمامًا ما رغبت به، فأجاب عني بابتسامة:
“…”
تلاقت أعيننا، ولم أدرِ ما يجب أن أفعله. أدرتُ وجهي بعبوس بينما كنتُ أحاول أن أستوعب مشاعري المتضاربة. كان المدير يحمل كيس خيش، ويمكنني سماع صوت بلعه بصعوبة من شدة توتره. كان الكيس يرتجف بعنف، انعكاسًا مباشرًا لحالته النفسية.
ظل المدير صامتًا. كنت ما أزال ألحظ التوتر في نظراتهم. ثم تدخّل الرجل المسنّ ذو الشعر الأبيض:
أطلقت صوتي بكل ما أوتيت من قوة، شقّ صراخي الأجواء وملأ المتجر بصوتٍ حادٍ مبحوح. وللحظة، ساد صمتي، ووجَّهت الزومبيات أنظارها نحوي.
“أنا أوافق. ينبغي أن نتعاون مع هؤلاء الناس.”
“لكن هناك شيء واحد يجب أن يكون واضحًا: لا تعاملْه كوحش. إنه إنسان.”
تحولت أنظار الجميع إليه. اتسعت عينا المدير عندما سمع قراره.
“لا أظن ذلك.”
“لا داعي لاتخاذ قرار الآن مباشرة…” قال المدير، وكأنه يشكك في حتميّة القرار.
توجّهنا نحو مكتب المدير. وعندما دخلنا، لاحظت الطالبين من متجر الملابس جالسين في الزاوية. كان المدير ورجل مسنّ ذو شعر أبيض يجلسان على طاولة في منتصف الغرفة.
“لا. العالم تغيّر.” وضع المسنّ عصاه على المكتب، وقال: “بات هناك أناس اليوم أسوأ من الحيوانات. لكن انظر إليه. رغم مظهره، ها هو ذا، يصغي إلى حديثنا.”
(وحش؟ صديق؟)
عندها، توجّهت جميع الأنظار نحوي. انحنيت برأسي خجلًا. ثم تابع الرجل المسنّ، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا:
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“هل يمكنني أن أسألك عن اسمك؟”
لكن، ما إن رأوني أتابعهم، حتى تراجعت جميعها، تمصّ شفاهها. رمقتهم بنظرات تحذير: “هؤلاء لي. لا تجرؤوا على الاقتراب.”
من بين كل ما كان يمكنه قوله، اختار أن يسألني. نظرت إلى “لي جونغ-أوك” متوسّلًا أن يجيب نيابة عني. وقد فهم تمامًا ما رغبت به، فأجاب عني بابتسامة:
(هل يظن أن لقب “أبو سويون” يوحي بمزيد من الألفة؟)
“يمكنك مناداته بـ (أبو سويون).”
تردّدتُ لوهلة فيما إن كان عليّ تحويلهم أم لا. لكني هززت رأسي وقررت تركهم. كنتُ أعلم أن المدير والطالبين قد رأوا وجوه هؤلاء الزومبيات. يمكنني تخيّل ردة فعلهم إن رافقوني إلى المدرسة.
كان يصرّ على مناداتي بـ (أبو سويون)، رغم معرفته باسمي الحقيقي: “لي هيون-دوك”.
كانوا منشغلين بشيء ما هناك. تساءلت عمّا يفعلونه. نظرتُ من الداخل فرأيت فتحة صغيرة في آخر غرفة القياس، بالكاد تسع شخصًا واحدًا. كان الطالب الذكر يحاول التسلل من خلالها، بينما المدير يحدّق بي بفم مفتوح كسمكة خارجة من الماء.
(هل يظن أن لقب “أبو سويون” يوحي بمزيد من الألفة؟)
“يمكنك مناداته بـ (أبو سويون).”
ضحك الرجل المسنّ وكأنه أحب اللقب.
“تفضل بالجلوس، من فضلك”، قال المدير.
“يبدو أنه يجد صعوبة في الكلام.”
بدأ صبري ينفد، فرفعتُ يدي اليمنى. كانت شفتاه ترتجفان بينما كانت عيناه مثبتتين على أطراف أصابعي. أشرتُ له بإيماءة بسيطة لا يفهمها إلا البشر:
“نعم، سيدي.”
أطلقت صوتي بكل ما أوتيت من قوة، شقّ صراخي الأجواء وملأ المتجر بصوتٍ حادٍ مبحوح. وللحظة، ساد صمتي، ووجَّهت الزومبيات أنظارها نحوي.
“هل كان يعاني من مشكلة نطق منذ الولادة؟”
أجبتُ بمجموعة من الزمجرات.
“لا أظن ذلك.”
“تفضل بالجلوس، من فضلك”، قال المدير.
“يالها من مأساة. لا بد أن الأمر صعب عليه.”
(هل يظن أن لقب “أبو سويون” يوحي بمزيد من الألفة؟)
نظر إلينا الرجل المسنّ بعينين مشفقتين، ثم نهض من مكانه دون أن يستند إلى عصاه. فهبّ “لي جونغ-أوك”، الذي كان يجلس بجواره، ليساعده، فشكره بابتسامة لطيفة. ثم ابتسم لي أيضًا. فوقفت وانحنيت له احترامًا.
كان ذاك صوت المدير، صادرًا من داخل غرفة القياس.
اقترب مني الرجل المسنّ، و”لي جونغ-أوك” يسنده. ثم أمسك بيدي.
“هل كانت هي أول من عبر؟”
“شكرًا لك. شكرًا لأنك أنقذت مديرنا وهؤلاء الأطفال. شكرًا لأنك جئت لأجلنا.”
الآن بعد أن كنت أرى المدير عن قرب، لاحظت أن شعره هو الآخر يغزوه البياض. بدا أصغر بقليل من الرجل المسنّ الذي يجلس إلى جواره. وهذا منطقي، فمديرو المدارس الثانوية نادرًا ما يكونون شبابًا. كانت عيناه تتوهّجان ببريق يشبه نظرات نمر مفترس.
عضضت على شفتي كي لا تنفلت مشاعري. كانت يده نحيلة ومليئة بالتجاعيد، لكنها كانت أدفأ يد أمسكت بها في حياتي. شعرت بدفء عاطفته يتغلغل في قلبي. كان شعورًا لم أعرفه قط وأنا على قيد الحياة. ولم أنله إلا الآن… بقلب ميت.
شعرت بالحرج، فأنزلت رأسي وتابعت السير خلف “لي جونغ-أوك”.
لم أستطع رفع رأسي. كنت أعلم أنني إن نظرت إليه، فلن أستطيع كبح مشاعري. تمسّكت بيده ورأسي منكّس.
“سيدي، أنت تدرك أن قول ذلك لشخص أنقذ حياتك وحياة هؤلاء الأطفال… إهانة كبيرة، أليس كذلك؟”
لا أعلم كم من الوقت مرّ. بدا وكأنه تجاوز الساعة منذ أن دخل المدير والأطفال المدرسة.
“سأراكم لاحقًا.”
