▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“ربما لم يكن بمأمنٍ كملجأ غابة سيول، لكنه كان يضم أكثر من مئة وعشرين ناجيًا حتى قبل عدة أشهر.”
“ما الذي حدث هناك؟”
“هاجمتهم العصابة. أو لأكون دقيقًا، عضّهم بعض ‘الكلاب’.”
“قلتَ ‘كلاب’؟”
لم أفهم ما قصده بكلمة “كلاب”.
قطّبت حاجبي في حيرة، فأطلق كيم هيونغ-جون ضحكة ساخرة وأكمل:
“لم أشرح لك شيئًا عن ‘الكلاب’، أليس كذلك؟”
“هل هو اسم عصابة أيضًا؟”
“هم أناس يعبدون العصابة. معظمهم كانت لهم صلات بعالم الجريمة.”
“كنت متأكدًا أن أمثال هؤلاء سيظهرون عاجلًا أم آجلًا.”
عبست وجهي، وأومأ كيم هيونغ-جون موافقًا.
“كثيرون ممن لم يكونوا مجرمين من قبل أصبحوا ‘كلابًا’ أيضًا. فمع قلة الطعام، وعدم القدرة على التحرك بحرية، بدأ الناس العاديون بالانضمام إليهم.”
“لكن كيف اجتمع ‘الكلاب’ وأفراد العصابة؟ لا بد أن بينهما قاسمًا مشتركًا حتى يُعظّموا أفراد العصابة هكذا.”
“لا أعلم تحديدًا. هناك الكثير من الشائعات. يقول البعض إن زعيم ‘الكلاب’ وزعيم العصابة من نفس العائلة، ويقول آخرون إنهما كانا صديقين.”
بصقت على الأرض حين سمعت ما قاله كيم هيونغ-جون. تذكّرت على الفور ما قاله السيد كواك. قال إن أولئك الذين انضموا إليهم من المدرسة الإعدادية دمّروا النظام الذي كان قائمًا في المدرسة الابتدائية من الداخل، وتسبّبوا في سقوطه. ربما كان هؤلاء هم “الكلاب”.
قد يكونون قد تسللوا إلى الملجأ متظاهرين بأنهم ناجون، ثم سرّبوا معلومات عن الملجأ لأفراد العصابة. كما أن السيد كواك ذكر أنه حين هاجم الزومبي المدرسة الابتدائية، اختبأ جميع من كانوا من المدرسة الإعدادية في صالة الألعاب، وكأنهم علموا مُسبقًا بقدوم الزومبي.
الناجون لا يمكنهم التمييز بين الزومبي العاديين وتلك التي تسيطر عليها العصابة. أولئك الذين تحت سيطرة العصابة يظهرون باللون الأحمر بالنسبة لي، لكن بالنسبة للناجين، لا فرق بينهم وبين الزومبي في الشوارع. إن كان “الكلاب” يخربون من الداخل، وأفراد العصابة يهاجمون من الخارج، فلن يتمكن الكثير من الملاجئ من الصمود.
صرّيت على أسناني.
“إنهم أسوأ من الحيوانات.”
بشرٌ ما زالوا أحياء… يعبدون الزومبي؟ ويقدمون البشر الأحياء كقرابين؟ كيف يمكن لعاقل أن يفعل ذلك؟
كانوا أشبه بذئاب في لباس الخراف… بل لا، بل كانوا أسوأ. كانوا شياطين.
تجمّدت ملامحي، فدفعني كيم هيونغ-جون بمرفقه وقال:
“هل تعرف لماذا يُطلق عليهم لقب ‘كلاب’؟”
“لماذا؟”
“لأنهم يأكلون لحم البشر أيضًا.”
أغمضت عيني بقوة، محاولًا كبح جماح الغضب داخلي. أردت أن أقضي على كل فرد منهم. كانوا أسوأ من الزومبي أنفسهم. في زمنٍ لا يكفي فيه أن يتكاتف الناس كي ينجوا، هم اختاروا أن ينجوا على حساب الآخرين.
أظلم وجهي، وارتسمت على وجه كيم هيونغ-جون نظرة حزينة.
“ملجأ جامعة هانيانغ سقط بسبب ‘الكلاب’.”
“لماذا استخدموا ‘الكلاب’ للهجوم؟ ألم يكن بإمكانهم الهجوم بأنفسهم؟”
“لم يرغبوا بخسارة رجالهم. الكلاب تزرع الانقسام من الداخل، ثم تأتي العصابة لتوجه الضربة القاضية.”
ما كان يجب أن أطرح سؤالي. ماذا كنت أتوقع منهم؟ لم أكن مخطئًا للأسف. ضربت الأرض بقبضتي بأقصى ما أملك من قوة.
دَفْ.
لم أستطع كبح نفسي. كان عليّ أن أفرغ غضبي في شيء. نظر إليّ كيم هيونغ-جون، ثم تلفّت حوله.
“آجاشي، فهمت. أعلم أنك غاضب، لكن لا تُلفت أنظارهم إلى غابة سيول. سأتورّط بسببك.”
“آه… آسف.”
“حدث نفس الشيء هنا في غابة سيول. تورطنا أكثر من مرة بسبب الكلاب.”
“كيف نجوتم؟”
“لدينا أسلحة نارية.”
“أسلحة؟”
سقط فكّي من الذهول.
كنت متأكدًا أنه قال “أسلحة نارية”.
لم أصدق أذني. بلعت ريقي وقلت:
“ألا يعتبر امتلاك أسلحة أمرًا خطيرًا؟ ألا يمكن للكلاب الاستيلاء عليها؟”
“الضباط في ملجأ غابة سيول يتولون أمرها. الكلاب لا يعرفون حتى أين تُخزن الأسلحة.”
“ومن أين حصلتم عليها أصلًا؟”
“ألا توجد قواعد عسكرية في سيول؟”
هل كان يقصد قيادة الدفاع عن العاصمة؟ كنت قد خمّنت أمرًا كهذا بعدما لم تصل أي فرق إنقاذ، لكن لم أتوقع أن الناجين قد حصلوا فعلًا على الأسلحة. نظرت إليه بذهول، فضحك ساخرًا.
“لهذا ركضت إليك بسرعة. خشيت أن تدخل غابة سيول فتُطلق عليك النار.”
“كنت أظن أن الجيش واجه مشكلة، ولهذا لم يأتِ لإنقاذ أحد. لكن لم أتوقع أنهم سقطوا بيد الزومبي.”
“ردة فعلهم الأولية لم تكن مناسبة. ماذا عساهم يفعلون إذا خرج الزومبي فجأة ولم تصلهم أوامر بإطلاق النار؟”
“لكن… ألم يكن بإمكانهم استخدام الحراب؟”
“ربما، لكن ماذا لو خرج الزومبي من داخل الثكنات؟ أو لم تكن لديهم معلومات كافية عن العدوى؟ هل كنت ستقدر على مجابهة كمين كهذا؟”
كان كيم هيونغ-جون محقًا.
ربما خرج الزومبي من المستشفى العسكري، أو من أحد الجنود المصابين. لم يكونوا ليتمكنوا من احتواء الوضع.
ربما أطلق البعض النار من تلقاء أنفسهم، لكن الضجيج كان سيجلب المزيد من الزومبي، وبدون ذخيرة كافية، ستتحول الأمور إلى جحيم بسرعة.
في الجيش، حيث تُعد القيادة العليا كل شيء، فإن انهيار النظام بشكل مفاجئ يعني دمارًا كاملًا. ومن دون خطة استجابة أولية، لن يبقى هناك أمل في التنظيم أو المقاومة.
سقطت سيول، التي تضم خُمس سكان كوريا، بيد الزومبي. وهذا يعني أن مناطق أخرى أيضًا قد تكون في خطر. لم أعد واثقًا إن كانت هناك مدينة آمنة في كوريا… بل في العالم بأسره.
لم أعد متأكدًا من أي شيء.
تحوّلت ملامحي إلى الكآبة، فتنهد كيم هيونغ-جون وقال:
“هذا الملجأ يملك ميزة جغرافية.”
تساءلت في نفسي عن نوع تلك الميزة. ذهبت إلى حاجز السطح ونظرت إلى المناطق المحيطة بغابة سيول. صفوف الأشجار الطويلة كانت على الأرجح تمنع الزومبي الذين يعتمدون على الرؤية والشم من الاقتراب. نهر “جونغنانغ تشون” يجري من الشمال إلى الغرب، ونهر الهان يسد الجنوب.
كانت غابة سيول في مركز كل هذا، لذا لا حاجة لحراسة سوى الجهة الشرقية. وضع الحواجز والدفاع من تلك الجهة فقط كان كافيًا.
العائق الوحيد هو الغذاء. فسهولة الدفاع تعني صعوبة التنقل أيضًا.
تساءلت في نفسي إن كان لديهم فريق للحصول على الطعام مثلنا. وإن وُجد، فلا بد أنهم يغامرون بحياتهم بكل مرة. التفتُّ إلى كيم هيونغ-جون.
“هل هناك قوارب في ملجأ غابة سيول؟”
“نعم، الناجون هناك خططوا مسبقًا لاستخدام القوارب.”
بدأت أفهم الصورة.
إن فتحوا بوابات الملجأ وأدخلوا أفراد العصابة، فبإمكانهم الفرار عبر نهر الهان باستخدام القوارب. العصابة لن تملك أي فرصة ضد ذلك.
“لقد وضعوا خططًا كثيرة باستخدام الأنفاق السفلية أيضًا. لكن عدد الأنفاق كبير جدًا، ويبدو أن أفراد العصابة يعرفون طريقهم فيها كذلك.”
“من حديثك، يبدو أن الوضع لم يعد آمنًا هناك. لا أفهم لماذا تترك عائلتك في ذلك المكان.”
“آجاشي، هل تظن أن هناك ملجأ آمن الآن؟ الملاجئ الوحيدة الآمنة هي تلك التي ما زالت قائمة حتى هذه اللحظة.”
كان صوته هادئًا وثابتًا. لم أستطع أن أجادله.
أومأت له دون أن أنبس ببنت شفة. عندها، بلل شفتيه وقال:
“حسنًا، نعود إلى موضوعنا. ألم تقل إن لديك أمرًا تود إخباري به؟”
“آه، نعم.”
شبكت أصابعي ببعضها البعض.
“لقد عرفت ما الذي يحدث حين يأكل المرء لحم البشر.”
“ماذا؟!”
اتسعت عينا كيم هيونغ-جون من الصدمة.
اقترب منّي بسرعة ونظر إليّ بقلق.
“كيف عرفت؟ هل… هل أكلتَ إنسانًا، آجاشي؟ هل أكلتَ شخصًا حيًا؟”
طلبت منه أن يهدأ، ثم رويت له ما حدث في “ماجانغ-دونغ”. أنصت إليّ جيدًا، لكن ملامحه لم تكن مبشّرة.
“ذلك الرجل… تظن أنه سينجو من كل هذا؟”
“لم تكن انطلاقته واعدة، بدا أخرقًا في البداية، لكن في اللحظة الأخيرة، بدت عليه الثقة.”
ظل كيم هيونغ-جون عابسًا وصامتًا لفترة.
تساءلت إن كان يعتبر السيد كواك غير جدير بالثقة.
فجأة، اتسعت عيناه وكأن فكرة خطيرة قد طرأت على باله.
“انتظر، آجاشي… هل أخبرته عن حي هينغدانغ-دونغ؟”
“لا، لا فائدة من إخباره بذلك.”
“لا، لا أقصد الملجأ أو المخلوقات السوداء.”
“إذًا ماذا؟”
“هل حذرته من دخول هينغدانغ-دونغ؟”
انفتح فمي دون أن أنطق. رأيت السيد كواك أول مرة في محطة “وانغشيمني”. لو صادف أحد أفراد العصابة هناك، فمن المهم أن لا يذكر اسم محطة وانغشيمني. لو علمت العصابة بذلك، فسيدركون فورًا أن المخلوق الأسود لم يعد في حي هينغدانغ 1-دونغ.
قفزت واقفًا، وحدّقت في كيم هيونغ-جون.
“يجب أن أتحرك فورًا.”
“الآن؟”
“لا جدوى من التأخير أكثر.”
“هل تريدني أن أرافقك؟”
“ابقَ هنا. سأعلمك إذا احتجتك.”
“وكيف تنوي إخباري بذلك؟”
بدلًا من الرد، أشرت إلى التابعَين المربوطَين على الكرسي.
“إن احتجت دعمًا، سأصدر لهما أمرًا بأن ينظرا إلى الأعلى ويبدآ في الصراخ.”
“انتظر، حتى لو صرخا… كيف سأعرف مكانك؟”
“سأكون في مدرسة OO الابتدائية في ماجانغ-دونغ.”
“… اللعنة.”
اسودّ وجه كيم هيونغ-جون.
شعرت أنه قلق لأنني أتحرك بمفردي.
فخفضت صوتي وأضفيت عليه طمأنينة:
“مرّت بضع ساعات فقط. ولم يكن المكان يبدو خطيرًا حينها.”
“ولهذا السبب تحديدًا هو أخطر. أنت تعلم أنه قد يكون غادر حينها فقط، أليس كذلك؟”
“…”
كان محقًا.
على خريطة سيول التي أملكها، كان حي ماجانغ-دونغ مظلَّلًا باللون البرتقالي. وبالنظر إلى قدرات الزومبي الذي امتلك تلك الخريطة، فاللون البرتقالي لا يُمثل خطرًا كبيرًا، لكنني لا أستطيع تجاهل احتمال أن يكون عضو العصابة المسؤول عن الحي قد أصبح أقوى.
تمتمتُ ببضع كلمات غير مفهومة، فأطلق كيم هيونغ-جون تنهيدة ثقيلة.
“يجب أن تأخذ احتمال عودته بعين الاعتبار. أفراد العصابة لا يغادرون منطقتهم لأكثر من يومين.”
كلماته تلك صعقتني. تذكرت في تلك اللحظة ما قاله السيد كواك:
“استيقظت قبل يومين، لذا لا أعلم شيئًا.”
التوقيت كان مثاليًا بشكل مريب.
لو كان هذا هو اليوم الثاني منذ استيقاظ السيد كواك، وإذا كانت العصابة لا تغيب عن مناطقها لأكثر من يومين… فمن المؤكد أن أحد أفراد العصابة سيعود اليوم.
وإن كان هو المسؤول عن المنطقة، فلا شك أنه يعرف وضع الطعام والماء جيدًا. ولو قبض على السيد كواك ولاحظ فائضًا في المؤن لديه، فسيبدأ بطرح الأسئلة. وفي اللحظة التي يذكر فيها “محطة وانغشيمني”، ستكون تلك بداية الكارثة.
نظرت إلى كيم هيونغ-جون بعينين حازمتين.
“آسف على عنادي… فلنذهب سويًا.”
“آجاشي، هذا ما كان عليك قوله من البداية.”
“كم تابعًا تستطيع أن تجلب معك؟”
“حوالي النصف؟ ربما أربعمئة.”
أربعمئة تابع؟ لم أصدق أن نصف جيشه يعادل هذا الرقم. يبدو أن كيم هيونغ-جون قضى على عدد لا بأس به من الزومبي ذوي العيون الحمراء منذ آخر لقاء لنا.
أومأت له، وتوجهت مباشرة نحو ماجانغ-دونغ.
وأنا في طريقي، أرسلت أوامر إلى توابعي الموجودين في ملجأ هاي-يونغ:
“من الفصيلة الأولى حتى الثالثة، التحقوا بي فورًا.”
كلما زاد عدد توابعي، نظّمتهم في فصائل وفرق. كل فصيلة تضم مئة تابع، مقسّمين على أربع فرق. وكان مجموع توابعي حوالي 730 تابعًا. 20 منهم كانوا في دوريات، أي بقي 710 تابعًا في ملجأ هاي-يونغ.
حتى إن أخذت الفصائل الثلاث الأولى كاملةً، فسيبقى في الملجأ 410 تابعًا. وإن ظهر أي “طُعم”، سيتمكنون من التعامل معه بسهولة.
هززت رأسي وسرّعت خطاي. لا وقت الآن للتفكير بـ”الطُعم”. لو ترددت من أجلهم، فقد ينجم عن ذلك كارثة أكبر.
“كان عليّ أن آخذه معي إلى الملجأ حين أتيحت لي الفرصة.”
لم أجلب السيد كواك معي حينها لأنني كنت أفكر بعائلتي وناسي. لم أكن أستطيع الوثوق به بالكامل. لكنني أخطأت التقدير. حتى وإن لم آخذه معي، كان يجدر بي أن أشرح له الوضع. أن أوضح له بعض الحقائق عن سيول، وعن أفراد العصابة. أو على الأقل أحذّره من هينغدانغ-دونغ.
لقد تصرفت باستهتار.
كلما زاد قلقي، زدت من سرعتي وأنا أتجه نحو ماجانغ-دونغ.
