▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
توجهنا نحو خط الدفاع الثاني لمأوى “سيول فورست”. كان هناك عدد كبير من الناس مجتمعين أمام ذلك الخط، والناجون كانوا يعملون بجد على إصلاح الداخل. لم يكن أحد منهم يستريح، لكن لم يبدو أن أحدًا في حال جيدة.
هذا الهجوم قد كلّفهم العديد من الأرواح، ومواجهة المتحولين سلبت ما تبقى من الأمل في عيونهم.
وُضِعت الجثث على الجانب الأيسر من المأوى، مغطاة بالقماش، وكان النائحون ينتحبون أمامها.
نظرتُ إلى كيم هيونغ-جون، وتعابير المرارة تعلو وجهي. وقد بدا عليه الحزن أيضًا وهو يتأمل الدمار من حوله.
“هيونغ-جون!”
ركض رجل من خط الدفاع الثاني نحونا منادياً باسم كيم هيونغ-جون. كان “بارك كي-تشول”.
ابتسم كيم هيونغ-جون بهدوء وتوجه نحوه، ثم بدأ الاثنان التواصل بلغة الإشارة. فتحت فمي من الدهشة.
«هذان الاثنان يعرفان لغة الإشارة؟»
إذا لم يتمكنا من التواصل بالكلام، فالإشارات منطقية بالتأكيد. استخدم الاثنان لغة الإشارة للتعبير عما يريدان، على عكسي، الذي طالما لجأ إلى دفتر ملاحظاته.
بعد لحظة، نظر كيم هيونغ-جون نحوي.
«اثنتان وتسعون إصابة. من بينهم، أربعة وخمسون قتيلاً.»
«كم كان عددهم في البداية؟»
«كانوا مئتين وثمانية عشر، والآن لم يتبقَ سوى ربع العدد قادرين على الحركة. وإن حسبنا المصابين، فإن أكثر من نصفهم عاجزون. هذه الغارة نالت منهم بحق.»
أومأت برأسي، أُقرّ بما قاله كيم هيونغ-جون.
«وماذا عن قائد المجموعة؟»
«يبدو أنه في المستشفى أيضًا.»
«مستشفى؟ هل يوجد مستشفى هنا؟»
«تعرف الشقق الواقعة شمال “سيول فورست”، أليس كذلك؟»
«آه، تلك التي يسكنها الأغنياء؟»
«بالضبط. لقد عدّلوها وهم يستخدمونها الآن كمستشفى.»
لم أصدق أذني. مستشفى؟ هل هذا يعني أن هناك طبيبًا هنا؟ لم أتمالك نفسي من التفكير في “كانغ أون-جونغ”. لقد كانت مريضة منذ أشهر.
لو أحضرتها إلى هنا، ربما نتمكن من معرفة ما تعانيه، وربما تتلقى الرعاية المناسبة.
أومأت بعنف وطلبت من كيم هيونغ-جون معروفًا:
«هل يمكنك تولّي أمر زعيم الأعداء قليلاً؟»
«هم؟ إلى أين تنوي الذهاب؟»
«لرؤية المستشفى. أريد أن أرى ما وضعهم.»
وبينما كنت أستعد للانطلاق، أمسك كيم هيونغ-جون بطرف قميصي. التفتُّ إليه فرأيت تعبير العبوس على وجهه.
«أكمِل أمر زعيم الأعداء أولًا.»
«…»
«الأولويات. ألا تذكر؟»
ترددت قليلًا بعد سماع كلامه، لكنني سرعان ما تنهدت وأومأت.
كان محقًا.
كنت قلقًا على صحة “كانغ أون-جونغ”، لكن الصواب كان أن أتعامل مع سبب هذه الكارثة أولاً.
لاحظت منصة صغيرة بجوار خط الدفاع الثاني. بدا أنها تُستخدم لإصدار الأوامر. لكنها الآن ستصبح منصتي لاكتشاف ابنة زعيم الأعداء.
وضعت زعيم الأعداء فوق المنصة، بينما استدعى كيم هيونغ-جون “بارك كي-تشول” وشرح له باختصار ما جرى حتى الآن. وبعد أن استوعب الموقف، نادى “بارك كي-تشول” الحاضرين:
“أيها الجميع! من فضلكم، انتبهوا قليلاً!”
تردّد صدى صوته في المكان، وتجمع جميع العاملين حول المنصة. وعندما هدأ الجمع، طرح “بارك كي-تشول” سؤالًا:
“هل يعرف أحدكم هذا الرجل؟”
تجهم الحضور وضيّقوا أعينهم وهم يحدقون في زعيم الأعداء، المبتور الأطراف. كان منظره مقززًا، إذ بدا كزومبي عديم الذراعين والساقين، يهزّ رأسه على المنصة.
تابع “بارك كي-تشول”:
“إن كان أحدكم يعرفه، فليرفع يده! لا تترددوا، أرجوكم!”
“ولمَ نهتم لأمره؟ هل هو شخص مهم؟” صرخ أحد الناجين بانفعال، غير قادر على تحمل سوداوية الموقف.
ألقى “بارك كي-تشول” نظرة على زعيم الأعداء، ثم أعلن:
“إنه زعيم الزومبي الذي هاجم هذا المكان!”
سادت الهمسات المذعورة بين الحاضرين بعد سماع هذا الإعلان.
“زعيم… زعيم؟ زعيم زومبي؟”
“هل للزومبي زعماء؟”
“انتظر، هل يعني ذلك أنهم هاجمونا عمدًا؟”
“ألم تكن تعرف، أيها القائد؟”
“ما كل هذه الفوضى في يوم واحد؟! ومن هؤلاء المخلوقات بجانب بارك كي-تشول؟!”
ركز الناجون أنظارهم علينا — كيم هيونغ-جون وأنا. تنحنحت ونظرت إليه، لكنه تجاهلني، ثم تنهد وهو يلعق شفتيه.
شعر “بارك كي-تشول” بتوجّه أنظارهم فأشار إلينا:
“هذان هما من أنقذانا!”
“أنقذانا؟ أليسا زومبي أيضًا؟”
ارتفعت أصوات الاستهجان من جديد، وأخذ الحشد يصرخ بغضب:
“لنقتلهم!”
“يجب أن نقتلهم جميعًا!”
“الوحوش تتطور!”
“وماذا إن كانوا متحولين أيضًا؟”
“أفضل أن أعض لساني وأموت على أن يُنقذني زومبي!”
أمسك بعضهم بالحجارة من الأرض وراحوا يرموننا بها.
كان من الواضح أن هؤلاء الناس يكرهون الزومبي كرهًا أعمى.
عندما كنا نحارب من أجلهم، لم ينبس أحد ببنت شفة، أما الآن، وقد شعروا أنهم بأمان، فقد أطلقوا لعناتهم دون هوادة. غلي الدم في عروقي، لكنني تماسكت حين تذكرت عائلة كيم هيونغ-جون.
“هاهاهاها!”
انفجر ضحك حاد في المكان، فتوقف الجميع، وقد اجتذبت انتباههم جهة واحدة فقط.
كان زعيم الأعداء، من أطلق تلك الضحكة الساخرة.
نظر إلى الحشود وصرخ:
“أيها الحثالة القذرة!”
وصل صوته إلى عقول الناجين، وفجّر صدمة جديدة.
“ماذا؟ ذلك… ذلك الشيء… هل… يتحدث؟”
“إنه زومبي… يتحدث…!”
“ما الذي يجري بحق الجحيم؟”
“هذا مستحيل!”
تابع زعيم الأعداء صراخه وهو يشتمهم:
“أيها الحمقى! ترموننا بالحجارة بينما يجب أن تركعوا لنا وتتوسلوا من أجل حياتكم؟ أنتم لستم سوى قمامة بلا قيمة، لا تستحقون العيش!”
“هذا الوحش مجنون!”
“اقتلوه!”
“اقضوا عليهم!”
لوّح الناجون برماح الخيزران وأطلقوا سيلًا من الشتائم، لكن أحدًا منهم لم يجرؤ على الصعود إلى المنصة. كانوا يتبادلون النظرات، كلٌّ منهم ينتظر الآخر ليأخذ المبادرة.
هززت رأسي وأنا أشاهدهم.
هكذا إذًا، هذا هو أفضل ما يستطيع مأوى “سيول فورست” فعله؟ ما حدث هنا كان نتيجة استقبالهم للناجين دون أي معايير. كمجموعة، كانوا عاجزين عن اتخاذ قرارات عقلانية.
ارتعشت حين تذكرت أنني كدت أضع أمان عائلتي بين أيدي هؤلاء. أدركت حينها أن بناء مأوى خاص بنا في حي “هيانغدانغ-دونغ” كان تدبيرًا إلهيًا.
حاول “بارك كي-تشول” تهدئة التوتر المتصاعد…
“أيّها الجميع! ارجوا منكم الهدوء والاستماع لما سأقوله!”
“ما بالك؟! كيف تجرؤ على التعاون مع الزومبي؟!”
“هذا الحقير خائن! لا بدّ أنه فقد صوابه ليصل إلى حد التعاون مع الزومبي!”
“اقتلوا هذا الوغد أيضًا!”
“إنه خائن! اقتلوه!”
بينما كنت أستمع إلى صراخهم، قطّبت حاجبيّ، وشعرت بقبضتيّ تنغلقان دون أن أتمالك نفسي. كنت على وشك فقدان أعصابي بالكامل.
هؤلاء الناس لا يستوفون أياً من الشروط الثلاثة التي أضعها للناجين. لا يستحقّون العيش. لا يختلفون بشيء عن الكلاب. كما قال قائد العدو تمامًا، لم يكونوا سوى حيوانات دنيئة.
“اقتلهم! اقتلوهم!”
“يجب أن يموتوا!”
بدأ بعض الناجين مرة أخرى برمي الحجارة باتجاهنا.
طارت حجارةٌ نحو رأس بارك جي-تشول، وارتطمَت بجبهته بقوة، محدثة صوتًا حادًا، فسقط على الأرض.
“أه…”
رفع بارك جي-تشول يده إلى جبينه الذي سال منه الدم، ثم هوى أرضًا. اتسعت عيناي من الصدمة. بدأت رؤيتي تتشوش.
بيب—
لقد فقدت ما تبقى لي من عقل.
الغيظ ابتلعني.
مهما حاولت أن أظلّ هادئًا، كان الدم يغلي في عروقي، وحرارة جسدي ترتفع كأنني داخل فرن.
كان جسدي يحترق.
جلدي يصيح من الغضب، وكل خلية في جسدي كانت توشك على الانفجار ما لم أفرغ هذا السخط الذي يشتعل بداخلي.
“غررر…”
زأرت بنية القتل، زئيرًا مزّق حلقي. رأيت نظرات الناجين، ورأيت الحراب الخشبية في أيديهم.
تقدّمت نحوهم وأنا أضغط أسناني، لكن كيم هيونغ-جون اعترض طريقي فجأة، محاولًا منعي بكل قواه.
‘أيّها العجوز! اهدأ!’
‘هل تطلب مني الآن أن أغفر… لهؤلاء الحيوانات اللعينة؟!’
‘أيها العجوز؟ ما بك؟ هل تشعر بالسوء؟’
كان كيم هيونغ-جون شاحب الوجه، وعيناه ترتجفان وهو يحدق بي، غير مدرك كيف يتعامل مع تغيّري المفاجئ. فتحت عيناي لأقصى اتساع.
‘إن كانوا بشرًا، فعليهم أن يتصرفوا كبشر. ألا ترى ما يفعلونه؟!’
‘اهدأ يا عم… لقد فقدوا عائلاتهم اليوم. انظر من حولك. هناك جثث وجدران مهدّمة. هل تعتقد أن باستطاعتهم التمسك بعقلهم؟’
‘لكنهم لا يريدون حتى الاستماع إلينا! ماذا تريدني أن أفعل؟!!’
حدّقت فيه بعينين متوهجتين باللون الأحمر وأنا أعبس. كيم هيونغ-جون ابتلع ريقه ورفع ذراعيه أكثر، وكأنه عاقد العزم على ألا يدعني أتقدم.
رأيت انعكاسي في عينيه.
حدقت في وجهي الذي كان ملوّحًا بالغضب، لكنّه في الوقت نفسه كان يرسم ابتسامة مريبة على شفتيه. هذه الابتسامة جعلتني أرتجف.
‘ما هذا؟’
حينها بدأت أستعيد هدوئي.
تراجعت النيران المشتعلة في جسدي، كما يهدأ الماء المغلي حين يُبعد عن اللهب.
اختفت الابتسامة، وراحت ذاكرة منسية تطفو في عقلي… كان ذلك الوجه ذاته الذي رأيته يوم واجهت الزومبي ذو العينين المتوهجتين في المدرسة الثانوية.
تساءلت بيني وبين نفسي… هل كنت سأستمتع بالقتل في تلك اللحظة؟
فركت صدغيّ، مشوّش الفكر مما أشعر به.
‘ما الذي يحدث لي؟’
انخفض رأسي، ونظرت بطرف عيني نحو الحشد. رأيت وجوهًا تحمل الذهول، الغضب، والخوف… كلها امتزجت بمشاعر الكراهية تجاه الزومبي.
“هل فهمت الآن؟”
سمعت صوت قائد العدو من جانبي.
رمشت، ثم نظرت نحوه. كان يبتسم بازدراء وهو يحدق بي.
“لا شيء يُمنح مجانًا. إن حصلت على قوة الكائن الأسود، فمن الطبيعي أن تدفع الثمن.”
‘ماذا تقصد؟’
زفَر قائد العدو، وقال:
“حين تأكل دماغ الكائن الأسود، فإن الرغبة التي كان يحملها تسكن داخلك أيضًا. وعليك أن تكون مخلصًا لها. هذا هو الثمن.”
‘رغبة؟’
“من السهل أن تفقد عقلك حين تُستثار تلك الرغبة. لا أعرف ما كانت رغبة الكائن الأسود الذي التهمته، لكن يبدو أنه لم يكن يطيق البشر.”
تجمّدت في مكاني وأنا أستمع إليه.
كيم هيونغ-سوك، شقيق كيم هيونغ-جون، كان رجلًا أحبّ البشر حتى أسس منظمة تجمع الناجين.
رغم أنه أنهى حياته بسبب الخيانة والكره، إلا أنه كان قد قال لي أن أستمر في النجاة، حتى بعدما تحوّل إلى كائن أسود.
“النجاة…”
في تلك اللحظة، خطر في بالي احتمال مرعب.
لا بدّ أن رغبته كانت مشروطة. لقد قال: “من أجل أخي… من أجل عائلتي.”
لم يكن يقصد نجاتي عبثًا. ربما كان يقصد أن أقاتل من أجل كيم هيونغ-جون وعائلته. وهذا يعني أن عليّ التخلص من كل من يهددهم.
هؤلاء الناجون لم يكتفوا برجم الزومبي ذوي العيون الحمراء، بل أصابوا بارك جي-تشول كذلك. لقد آذوا كيم هيونغ-جون وبارك جي-تشول… وهذا ما أثار رغبتي.
بدأ العرق البارد ينزلق من جبيني وأنا أدرك الحقيقة. شعرت بالدوار، وتمايلت في مكاني.
كان ذلك تأكيدًا لنظريتي.
رغبة الكائن الأسود تسكنني.
وإن تم تحفيز تلك الرغبة، سأفقد عقلي، وأجنّ حتى أُشبعها.
زومبي بعينين حمراوين يسعى للنجاة، وكائن أسود لم يستطع إشباع رغبته.
كلا الرغبتين تعيشان داخلي.
حينها، بدأ كل شيء يتضح أمامي.
بلعت ريقي، وسألت قائد العدو بصوت داخلي.
‘وماذا إن تم تدمير إحدى الرغبتين؟’
ابتسم بخبث، وقال:
“حينها… تبدأ مرحلة التحوّل.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
