▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
حدقت في زعيم الأعداء.
وما إن أنهيت لحظة الصمت، حتى ثبتّ نظري عليه، تحسبًا لأن يفقد عقله فجأة ويهجم.
لكن زعيم الأعداء بقي ساكنًا كتمثال. لم يتحرك قيد أنملة.
ظننت في البداية أن عجزه عن الحركة سببه أنه فقد أطرافه، لكنني أدركت سريعًا أنه فقد حتى الإرادة للقيام بأي حركة يائسة أخيرة. من مجرد النظر إلى ظهره، كنت أعلم أنه فقد كل ما كان يعني له شيئًا.
بعد برهة، التفت إليّ “كيم هيونغ-جون”، الذي كان بجانبي، ونظر في عينيّ.
“هناك شيء غير طبيعي.”
“ماذا الآن؟”
“جسده لا يذوب.”
“…؟”
“لم يحدث له أي تغيير، حتى بعد أن تأكد من وفاة ابنته. هل تعتقد أنه كان يكذب علينا؟”
لم أجد جوابًا. فكرت إن كان السبب هو أنه لم يرَ ابنته تموت أمام عينيه. لكن ذلك لا يغيّر الحقيقة… لقد رحلت عن هذا العالم. لم أستطع أن أفهم لماذا لم يحدث له أي شيء.
اقتربت منه بحذر. كان يبكي بصمت.
جلست على بُعد مترٍ منه تقريبًا، وانتظرت أن يتكلم.
ظل زعيم الأعداء ينتحب بصمت لفترة، ثم تماسك أخيرًا.
قال بنبرة حزينة:
“الناس… ماكرون للغاية…”
لم أُجب. كنت أحاول أن أفهم ما الذي يحاول قوله.
تنهد، ثم رفع رأسه نحو السماء الليلية، وأغمض عينيه.
“هذه الأحذية… اشتريتها لابنتي عندما جاءت لزيارتي في أحد عطلات نهاية الأسبوع، قبل أربع سنوات.”
“…”
“اشتريتها لها رغم أنها أخبرتني أنها لا تحب الأحذية الرياضية. وقتها، قالت إنها لن ترتديها إلا إذا اندلعت حرب أو شيء من هذا القبيل. لكن انظري إليها الآن… لقد ارتدتها في النهاية.”
ابتسم زعيم الأعداء ابتسامة باهتة مليئة بالحسرة.
“كنتُ محبطًا حينها لأنها رفضتها، لكنها ارتدتها في النهاية…”
لم أقل شيئًا. بدا أن الإنصات هو الخيار الأنسب. تنفس زعيم الأعداء بعمق.
“ما رأيك؟ هل بدوت كأب يهتم بابنته؟”
“ماذا؟”
“أنا آسف، لكنك لست محظوظًا. رغبتي لم تكن حماية ابنتي. كنت أعلم ذلك منذ البداية، لكنني حاولت فقط أن أتصرف وكأنها كذلك.”
“إذًا كنت تكذب عليّ طوال هذا الوقت؟ ما هي رغبتك الحقيقية؟”
لم يجب عن سؤالي. شعرت أنه لا يزال خجلًا من كشف رغبته، رغم أننا وصلنا إلى هذا الحد.
تساءلت: هل سيجعله الضرب يعترف؟ أم منحه بعض الوقت؟
كنت منزعجًا بشدة، لكنني أدركت أن الخيار الثاني هو الأصح. كنت أعلم أن العنف له حدوده، خاصة مع أولئك الذين لا يخشون الموت مثله.
انتظرت بصبر. حرّك زعيم الأعداء رأسه مبتسمًا ابتسامة باهتة، ثم نظر إليّ بعينين دامعتين.
“رغبتي هي… أن أشعر بالانتماء.”
انسابت دمعة من إحدى عينيه. عضّ شفتيه وتابع:
“لقد عشت وحدي طيلة حياتي. حتى حين كوّنت أسرة، لم يتغير شيء.”
كان وجهه غارقًا في الحزن، كأن قلبه مثقل بألمٍ عمره سنوات.
“الانتماء…”
بدا ذلك وكأنه يختصر حياته كلها.
رفع حاجبيه وتابع قائلًا:
“لم أكن أريد أن أكون أبًا مغتربًا (جيريوغي أبّا) منذ البداية. مضت الحياة، وكنت أعمل يومًا بعد يوم لأجل مستقبلٍ أفضل… وفجأة، وجدت نفسي أصبحت كذلك دون أن أدرك.”
“…”
“ظننت أن البُعد سيكون مؤقتًا… لكنه أصبح واقعي الجديد.”
بدأت دموعه تنهمر بحرية. بدا بائسًا، وهو يبكي من دون ذراعين أو ساقين.
شعرت بطعم المرارة في فمي، وقلت ساخرًا: “وماذا بعد؟”
“حين نظرت إلى حياتي، أدركت أنني كنت إنسانًا بائسًا. بائسًا لدرجة أنني لم أعد أعلم ما أفعل بنفسي.”
“كان عليك العودة إلى أسرتك وأنت ما زلت حيًا.”
“لكن، من كان سيضع الطعام على المائدة ويوفر السقف فوق رؤوسهم؟ زوجتي كرّست حياتها لرعاية الأطفال. أردت أن أرسلهم إلى مدارس جيدة، ومعاهد خاصة، وجامعات مرموقة، وأن أوفر لهم أفضل المعلمين. أردت أن أهبهم العالم.”
“وهل لهذا السبب تجاهلت مشاعرك الحقيقية كل تلك السنوات؟”
“الزمن أمر نسبي. بالنسبة للبعض، يمر كلمح البصر، وبالنسبة لآخرين، كالأبد. اعتدت على الوحدة، وسرت في ذلك الطريق بصمت، دون كثير من التفكير. ولمّا وصلت نهايته، بعد موتي، أدركت حينها فقط رغبتي الدفينة.”
“وهل لهذا السبب لم تغادر العصابة من قبل؟”
أغمض زعيم الأعداء عينيه وهز رأسه بالإيجاب.
بعد أن أدرك أن رغبته هي الشعور بالانتماء، لبّى تلك الرغبة بالانضمام إلى ما يُعرف بـ”العائلة”.
لكنني بدأت أتساءل: لماذا لم يتحول بعد أن طُرد من “جونغنو”؟ فسألته مباشرة.
عضّ زعيم الأعداء شفته وتردد قليلًا، ثم تنهد وقال:
“لم نوقع عقدًا أو شيئًا من هذا القبيل. فما الذي يجعل رغبتي تبطل بسبب مغادرتي؟”
“ماذا تعني؟”
“مغادرتي لـ’جونغنو’ لا تعني أن رغبتي تحطمت. كل ما في الأمر أنني أقنعت نفسي بأنني غادرت بإرادتي، وما زلت أعتبر نفسي جزءًا من العائلة.”
“وهل هذا ممكن؟”
“أنا متأكد أنني قلتها من قبل: لا أحد يستطيع معرفة رغبة إنسان إلا بعد أن يأكل دماغه حين يتحول إلى مخلوق أسود.”
هززت رأسي موافقًا. تابع زعيم الأعداء كلامه بعد أن تنفس بعمق:
“هناك رغبات لا يمكن تدميرها. بل الأدق أن نقول إنها رغبات لا تُكسر. هناك عدد أكبر من الزومبي ذوي الرغبات المرنة مثلي، مقارنةً بأمثالك ذوي الرغبات المطلقة. لذا… من الأفضل أن تبقى حذرًا.”
بدأ رأسي يدور من شدة الحيرة بعد كل ما سمعته منه.
كلما عرفت أكثر عن هؤلاء الزومبي أصحاب العيون الحمراء المتوهجة، ازددت ضياعًا. شعرت وكأنني أتخبط داخل متاهة.
هززت رأسي في محاولة لتصفية ذهني. لا تزال لدي أسئلة له.
“إذًا… لماذا قلت إنك تريد قتل زعيم العائلة؟”
“كذبت. لم تكن لدي أي نية لقتله منذ البداية. صحيح أنني لا أحبه، لكن على أي أساس أقتله، وأنا لم أفعل شيئًا أصلاً؟”
“ولماذا أبقيتني على قيد الحياة؟ هل كنت بحاجة إلى سبب حقيقي؟”
“لم أكذب بشأن ذلك. كان عليّ خداع الضباط، وكنت بحاجة إلى حجة لحماية ملجأ ‘غابة سيول’ بما أن ابنتي كانت هناك. لكن في النهاية، أردت شخصًا يشاركني ذات الحذاء.”
“ذات الحذاء؟”
زومبي ذو عينين حمراوين متوهجتين، عاش من أجل البشر، ومع ذلك تذوّق لحمهم.
أجابني بذلك، فاهتزّ كياني.
أن تحيا لأجل البشر، ومع ذلك تضطر لأكلهم؟ ارتجف بدني من الرعب.
كم من الزمن قضى هذا الشخص وحيدًا ليصبح على ما هو عليه الآن؟
في تلك اللحظة، عادت إلى ذهني محادثة قديمة جمعتني بقائد العدو حين كنا في الشقة.
كنت قد اتهمته بالأنانية المفرطة.
وأدركت الآن لمَ خطر لي هذا الشعور.
بسبب وحدته، اضطر لأن يتغيّر كي لا يفقد صوابه. تساءلتُ إن كان يدرك أن ما فعله ليحافظ على عقله هو، في الواقع، أقرب الأمور إلى الجنون.
لم يكن عليك أن تمرّ بنفس التجربة لتفهم الآخر.
فالبشر بطبيعتهم قادرون على فهم اختلافاتهم، وعلى الوصول إلى أرضٍ مشتركة حين تتعارض الآراء، شرط أن يكون هناك تواصل.
لكن بدا أن قائد العدو قد اعتاد على وحدته إلى حدّ جعله يتخلى عن المبادرة في الاقتراب من الآخرين، فحبس نفسه داخل عالمه الخاص. ومع ذلك، ومن دون وعيٍ منه، ظلّ يحلم بالانتماء.
نظرتُ إليه.
مشكلتك لم تكن في الظروف من حولك. وحدتك من صنعك. لم تحاول أن تفهم الآخرين. فلا عجب أنك انتهيت تعيش وحيدًا.
قال، بصوت بارد:
“فكّر كما يحلو لك. لن تفهم، مهما شرحت لك.”
انظر لنفسك. من ذا الذي سيفهمك وأنت تعجز حتى عن شرح مشاعرك؟
“أتريدني أن أتنقل بين الناس، أخبرهم أنني أشعر بالوحدة في مثل هذا العمر؟”
رفع حاجبًا في وجه سؤالي. وبينما كنت أحدّق فيه، بدأتُ أفهم دوافعه.
لقد عشنا في عصرين مختلفين.
أنا نشأت في زمنٍ اعتدنا فيه على الكلام، على الحوار. أما هو، فقد كان رجلًا تجاوز الستين. رجال جيله تربّوا على الصمت، وكان الصبر عندهم من أسمى الفضائل.
تساءلتُ إن كان قد ظلّ أسير وحدته طيلة هذه السنوات لأنه لم يتعلم يومًا كيف يتواصل مع أسرته. ربما تم تلقينه منذ الصغر أن الصمت هو الطريق الوحيد.
وكلما عرفتُ عنه أكثر، ازددت شفقة عليه.
لكن ذلك لم يكن سببًا كافيًا لأعفو عنه.
فهو قتل الأبرياء، كذب عليّ، وأكل لحم البشر.
نظرت إليه، وتحدثت في داخلي:
أنا آسف… لكن لا أجد سببًا يدعوني لتركك حيًا.
“لم أكن أتوقع أن تفعل. والآن بعد أن عرفت أن ابنتي ماتت… لا أملك شيئًا أندم عليه…”
أغمض عينيه، وقد بدا وجهه هادئًا.
“كانت… رحلة طويلة ومرهقة. لم أعد أريد شيئًا سوى بعض الراحة.”
أليس هناك شيء عليك أن تخبرني به قبل أن ترحل؟
ضحك بخفة، وقال:
“ههه، أجل. وما نفع الكتمان الآن؟”
هزّ رأسه باستسلام، وارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة.
“إذا أردت معرفة أمر المتحولين، راقب عيون الزومبي جيدًا. بعضهم لن يشيح بنظره عنك. أولئك هم القادرون على التحوّل.”
قادرون على أن يصبحوا متحولين؟ ماذا تقصد؟
“هم يبدأون بالإدراك.”
إدراك ماذا؟
“ألم تراودك أحلام قبل أن تتحول إلى زومبي؟”
أحلام؟ نعم. كان هناك حلم، شعرتُ فيه وكأن جدارًا زجاجيًا شفافًا يحجب طريقي.
“الزومبي العاديون هم أولئك الذين لم يتمكنوا من تحطيم ذلك الجدار الزجاجي. يمكنك اعتبارهم كأنهم لا يزالون داخل شرانقهم، يحلمون.”
أومأت برأسي، فقال متنهّدًا:
“أما أولئك القادرون على التحوّل… فهم الذين أدركوا أنهم كانوا يحلمون طوال الوقت.”
إذًا أنت تقول إنهم استفاقوا؟ كأنهم استعادوا وعيهم؟
“لا. ما الفائدة من أن تدرك أنك في حلم، إن لم تتمكن من تحطيم الجدار الزجاجي؟”
ماذا تعني؟ هل تقول إنهم يتحولون إلى كائنات سوداء؟
“فكر قبل أن تتفوه بأي شيء. كيف لمخلوق في شرنقته أن يتحول وهو لم يخرج منها بعد؟”
أزعجني توبيخه، عبستُ وسألته بنفاد صبر:
إذًا ما الذي يحصل؟
“لا شيء. إن لم يخرج الفرخ من قشرته بنفسه، سيموت داخلها. هم حرفيًا جثث تمشي.”
أليسوا كذلك منذ البداية؟
“هل سبق أن أمرتَ أحد زومبياتك بأن يقتل نفسه؟”
لم أستطع الردّ على سؤاله. لم يسبق لي أن أصدرت أمرًا بالانتحار لأيٍّ منهم.
أحيانًا اضطررت لقتلهم بسبب ظروفهم، لكني لم أطلب منهم أن ينهوا حياتهم بأيديهم.
حين سكتُّ، رفع حاجبًا وقال:
“أعلم أنك لست من النوع الذي يصدر مثل هذه الأوامر. ولو فعلت، لشكرك أغلبهم. الزومبي يمتلكون لحظة إدراك أخيرة قبل الموت. أما أولئك الذين يستحقون أن يصبحوا متحولين… فهم ينفذون الأوامر دون أن تتغير ملامحهم.”
أولئك الذين يستحقون؟ تقصد أولئك الذين فقدوا مشاعرهم تمامًا، ولا يملكون أي أمل؟
“بالضبط. لهذا لا يشيحون بنظرهم عنك. لم يعد فيهم حتى غريزة البقاء.”
رمقني بنظرة هادئة.
لم أكن أفهم تمامًا ما يقوله، لكنني بدأت ألتقط أطراف الخيوط. ابتسم بسخرية وقال:
“يبدو أن حديثي كان معقدًا قليلًا. دعني أبسطه لك. لا بد أنك تحب مسلسلًا أو فيلمًا تلفزيونيًا، أليس كذلك؟”
كنتُ أحب واحدًا.
“وماذا تفعل بعد انتهائه؟”
أبحث عن غيره لأشاهده؟
“تمامًا. هذا ما يريدونه. دراما جديدة. كل ما يفعلونه هو القتل وأكل البشر والزومبي كي يستمر الحلم.”
في تلك اللحظة، تذكرت المتحول الذي رأيته عند خط الدفاع الثاني في منطقة الصمت.
ذاك المتحول الذي التهم صبيًا كان يبحث بيأس عن والدته، ثم ابتسم بشكل بشع، وبدأ يقلد صوته.
عندها بدأت الأحجية تكتمل أمامي، قطعة بعد الأخرى.
أولئك المتحولون… كانوا يشبهون الكائنات السوداء، لكن تردداتهم مختلفة.
وربما… كانوا أكثر فسادًا من تلك الكائنات.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪
