▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أخيرًا استطاع الناجون أن يخلدوا للنوم في وقت متأخر من الليل، بعد أن تخلصنا من موجة الزومبي.
وبينما كان الجميع نيامًا، حضر ″كيم هيونغ-جون″، و″دو هان-سول″، وأنا لتعزيز نقاط المراقبة، واجتمعنا أمام النار المشتعلة.
نظر ″كيم هيونغ-جون″ إلى الشرر الخافت المتطاير من حطب النار، ثم تكلم أولًا:
– أيا عم، ذلك المتحوّل الصغير الذي رأيناه…
– نعم.
– ماذا تعتقد أنه كان؟
ظللت أنظر إلى اللهب بلا تعابير، وأجبته:
– على ما يبدو، إنه متحوّل من المرحلة الثانية.
تنهد ″كيم هيونغ-جون″ نحو السماء المظلمة ونقر شفتيه بمرارة.
– هل تعتقد حقًا أنه كان طفلًا؟ بدا وكأنه يردد “دوري” كما لو كان يشاركنا في لعبة الغمّيضة.
– هذا ممكن، إذا كانت رغبته هي لعب الغميضة.
لم ينبس أحدٌ منا بكلمة لبرهة. فذلك الكائن الوحشي، رغم حقيقة كونه طفلًا في جوهره، جعلني أتساءل عن كيف ينبغي أن أشعر تجاهه.
ألقى ″دو هان-سول″ مزيدًا من الحطب في النار وتمتم:
– دخل مزدوج الدخل…
– دخل مزدوج الدخل؟
رفعت حاجبًا، متردّدًا في فهمه.
– كان كثير من الأطفال في دار الحضانة التي كنت أتطوّع فيها ينتمون لأسر يعمِل فيها الوالدان معًا، فيُتركون وحدهم معنا بعدما يرحل رفاقهم إلى بيوتهم. لاحظت أنهم يميلون للعب الغميضة كثيرًا، لأنهم يريدون من يبحث عنهم.
– أفهم…
– كانوا يأتون فجأة وينقرون ذراعي، ثم يصرخون “ابحث عني!” قبل أن يختفوا للاختباء. كان قلبه يتألم لذلك.
استمعت وأنا أشعر بثقب هائل في صدري، مملوء بالمرارة وإحساس بعدم جدوى الحياة. شعرت بالاختناق والإحباط، كأنني محاصر في زحام مروري.
لقد غدا هؤلاء الأطفال بؤساء من طول الانتظار، واضطروا للتنفيس عبر لعب الغميضة.
هم… أرادوا من يجدهم.
هم… أرادوا من يلاعبهم، وإن لم يكن صديقهم.
جالت في ذهني مشاهدُ حزنهم، وما عاشوه من وحدة.
ملّت رأسي من الحزن، ونقر ″كيم هيونغ-جون″ لسانه غاضبًا.
– لا أريد التفكير في ذلك كثيرًا. مهما كان ما كان، فقد تحوّل في النهاية إلى متحوّل. لو كان مرحلة أولى لما كان الأمر بالمأساة، لكن كونه من المرحلة الثانية… يجب أن نكون أكثر يقظة. حين تنبثق رغبة الإنسان في شكل متحوّل المرحلة الثانية، ترى مدى رعبها.
سألته:
– ماذا تعني؟
هزّ رأسه قبل أن يواصل:
– لا تدري ما قد يحدث إذا بلغت الرغبة ذروتها. قد يصاب المتحوّلون بالجنون. ″مود-سوينغر″ مهووس بعضلاته وممارسة الرياضة… لكن ذلك الولد الصغير، مثله قد يكتسب قدرات عظيمة.
لم أجد رداً. التفتُّ إلى ″مود-سوينغر″ البعيد، الذي كان يستمع لصوت الطيور الآتي من الغابة. بسطتُ نظرة تجاه ظهره وتغيّرت ملامحي.
لو اضطررت لمواجهته قبل أن ألتهم دماغ الضابط السابع، لما كنت جالسًا أمام هذه النار الآن. ربما كنت قد فقدت عائلتي.
ضغطت صدغي وتنهدت. سألني ″دو هان-سول″:
– عم تفكر؟
– لا شيء… كنت أتخيل لو هاجم ″مود-سوينغر″ الناجين هنا.
سألني ″كيم هيونغ-جون″:
– هل تندم على اختيارنا لهذا الموقع للتخييم؟
هززت كتفي:
– كنت أفكر فقط كيف لو تقاتلنا بين بعضنا.
لم أسترسل، وغاص الثلاثة في تأمل أمام اللهب، لا يدري أحد ما يقول.
فجأة، شعرت بحضورٍ جانبيّ. استدرت إلى اليمين، فوجدت لي جونغ-أوك، الذي ظننته نائمًا، قد جلس بجانبي.
سألته:
– ما الأمر مع تلك العيون؟
– متى استيقظت؟
– لتوي.
ما إن جلس حتى قذَف بعض الحطب في النار.
– لم أقصد أن أتجسّس عليكم، لكني فعلت.
سكت الجميع.
ثم نظر إليّ بجدّيّة:
– والد سويون… لو اتخذنا الملاذ في الجامعة المجاورة، لخسرنا الكثير من البشر الليلة.
قلت:
– لا يمكنك الجزم بذلك.
– هل نسيت ما حدث في حديقة داي هيون سان؟
– …؟
لم أتذكر أي إصابات هناك. كل ما أذكره هو أنني اكتشفت وجود المتحوّلين للمرة الأولى في ذلك المكان. بدا الحيرة علىّ، فقهقه لي جونغ-أوك:
– ألا تتذكر ما جرى حين كنا محاصرين في الصالة الرياضية؟ ذلك المتحوّل ألقى بذراعه عبر النافذة!
تذكرت حينها المشهد، وأومأت.
أكمل لي جونغ-أوك:
– تذكّر كم كان صعبًا التعامل مع متحوّل واحد. فكيف لو حاولنا حماية ثلاثمئة ناج من العشرات؟ حتمًا كان سيكون هناك اختراق هنا أو هناك.
لم يصدُر صوت.
– كما قلتَ أنت، جعل المخيم في الخارج كان القرار الصائب. صحيح أن الناس شعرت بعدم الأمان في العراء… لكنك قلت إنه الخيار الأكثر أمانًا.
خجلتُ من كلماته. نادرًا ما يلقاني أحد بمديح كهذا.
ثم تنحنح لي جونغ-أوك وقال باحتشام:
– وأردت أن أعتذر… لأنني لم أعتنِ بكل الأطفال.
ابتسمتُ وربتتُ على كتفه:
– كان الوضع فوضوي، والزومبي لم يخطر ببالهم أن يعلنوا عن موعد وصولهم.
تردد لي جونغ-أوك وهو يغور في اللهب:
– مع ذلك، كان من واجبي الاطمئنان عليهم.
ربتُّ على ظهره:
– اعتبره درسًا. ولا تلُم نفسك كثيرًا.
صاح ″كيم هيونغ-جون″:
– آن الأوان للاستعداد.
نهض الجميع، وتوجه ″كيم هيونغ-جون″ نحو ″مود-سوينغر″، و″دو هان-سول″ إلى المدخل الأمامي، وأنا نحو عمق الغابة المظلم.
من خلفي، ناداني لي جونغ-أوك:
– عن حفل الزفاف…
قلتُ مبتسمًا:
– نفكّر به عند وصولنا للفندق.
ابتسم وقال:
– رُبّما يكون من اللطيف أن أخبر بعض الناس الآن.
– أه… حسنًا.
لا تقلق كثيرًا بشأن ذلك. سأتولى الأمر. فقط شعرت بالأسف بعدما رأيتك تجلب فستان الزفاف في وقت سابق اليوم…
حدّقت في لي جونغ-أوك بلا حول ولا قوة. ابتسم لي ابتسامة متفهمة.
قال: “أدركت للتو أنني طلبت معروفًا من شخص ليس لديه وقت كافٍ أساسًا ليقدم لي يد العون.”
قلت: “لا بأس.”
أردف: “ها أنت تفعل ذلك مجددًا. على الإنسان أن يعرف متى يرفض حين يشعر بالتعب. القبول الدائم يجعل الآخرين يعتمدون عليك كثيرًا.”
ضغطت شفتيّ في ابتسامة رقيقة. كان محقًا. كلما زادت الأعمال التي أتحملها، زادت صعوبة تنظيم أفكاري المبعثرة والمعقدة. الشخص الوحيد الذي كان يعرف ما أشعر به دون أن أخبره هو لي جونغ-أوك.
حككت رأسي.
قلت: “آسف لأنني لم أستطع أن أكون أكثر عونًا.”
ردّ: “أنت تساعد بما فيه الكفاية، ولهذا أقول لك أن ترتاح قليلًا. علاوة على ذلك، المفروض أنني أنا من يشعر بالأسف. فأنا الذي يطلب المعاونة.”
ضحكت وربت على ظهر لي جونغ-أوك، فردّها هو لي. قلت: “سأتولى أمر الأشياء الأخرى، كالخاتم وما شابه. فقط ركز على إيصالنا إلى الفندق.”
قال: “شكرًا.”
قلت: “لا، الشكر لك.”
عاد لي جونغ-أوك ماشياً نحو النافورة حيث تجمع الناجون، يرتسم على شفتيه ابتسامة عريضة. وأنا أراقبه يبتعد، عزمت على أن اصنع عالمًا يمكن فيه لأمثاله أن يعيشوا مبتسمين.
❃ ◈ ❃
مع بزوغ الفجر في السماء، جمع الناجون الأغطية بعناية واستعدوا للشروع في الطريق من جديد.
أطفأوا نار المخيم، ثم وضعوا الأغطية والطعام على العربات التي أحضروها، واستعدوا للانطلاق. كنت أعلم أنهم لابد أنهم مرهقون بعد أحداث الليلة الماضية، لكن وجوه كثير منهم كانت تعكس عزمًا لا يلين.
بينما كنت أراقبهم، اقتربت مني هوانغ جي-هي وهمست في أذني:
“الجميع يثق بك، سيد لي هيون-دوك.”
“شعب ملجأ سايلنس قد قبلوك أيضًا.”
لم أعرف ماذا أقول لها، فبدلًا من الكلام حككت رأسي وابتسمت لها. بعد لحظة، جاء لي جونغ-أوك نحوي.
قال: “والد سو-يون، نحن جاهزون للانطلاق.”
قلت: “فهمت.”
تقدمت نحو الناجين.
قلت: “لم يبقَ لنا سوى القليل حتى نصل إلى حي غوانغجانغ. أطلب منكم أن تبذلوا جهدكم حتى نبلغ مقصدنا!”
ردوا بحماس: “سنفعل!”
كنت أعلم أنهم أكثر تعبًا من الأمس، لكن عيونهم، رغم أجسادهم المنهكة، كانت تفيض بالأمل.
أومأت بحزم وصرخت: “فلننطلق!”
وفي الخطوة الأولى لي تبعني أكثر من خمسة آلاف شخص وزومبي. كان العبء على كتفيّ كبيرًا، لكني شعرت أفضل من أي وقت مضى.
لقد انفتح الناس لي، وثق بي عدد متزايد منهم وساروا خلفي.
الماضي الذي كنت فيه محاصرًا في شقتي أنتظر فريق الإنقاذ… لم يعد موجودًا. صار لدي من يحمون عائلتي، ويخطون إلى الأمام بجانبي.
تاريخنا كان على وشك أن يبدأ.
فتح ″كيم هيونغ-جون″ خريطة سيول واقترب مني. وضع إصبعه على الخريطة وتابع المسار الذي سنسلكه.
قال: “إذا خرجنا من الباب الخلفي، سنصل إلى محطة آتشاسان. من هناك، يمكننا المرور من شارع تشونهوداي.”
سألته: “كم تعتقد أننا سنستغرق للوصول إلى غوانغجانغ؟”
أجاب: “على سرعتنا الحالية… يجب أن نصل قبل الغروب.”
سألته: “هل تمكنت من التحقق إذا كان هناك أي زومبي لا يزال يتجول؟”
قال: “لم يكن هناك ما يدعو للقلق بعد موجة الزومبي.”
طلبت: “هل يمكنك أنت وهان-سول إعادة تفقد مسارنا بحثًا عن الزومبي؟ للوقاية.”
أومأ ″كيم هيونغ-جون″ ونادى على ″دو هان-سول″ الذي كان على اليسار. ركضا أمامنا نحو الباب الخلفي.
قال ″دو هان-سول″ إنه تخلص من جميع الزومبي في حي نيونغ. ومع ذلك، اضطررنا لمواجهة موجة زومبي ضخمة الليلة الماضية. لا توجد منطقة آمنة لنا ونحن نتحرك بهذا العدد من الناجين.
كل طريق نسلكه يحمل خطرًا محتملاً. حيات الجميع تعتمد عليّ، وعلى ″كيم هيونغ-جون″، وعلى ″دو هان-سول″. من الطبيعي أن نبقى متيقظين طوال الطريق، ومستعدين لكل ما هو غير متوقع.
تألقت عيناي الزرقاوان بينما كثفت حاستي السمع والشم والبصر. لن أسمح لأي شيء، حتى أصغر نملة، بأن تقترب منا دون أن ألاحظ.
❃ ◈ ❃
تساءلت كم قطعنا من الطريق. على عكس اليوم السابق، لم يحدث لنا شيء بعد. كانت الرحلة هادئة وخالية من الأحداث.
لم نتعرض لهجوم من الزومبي، ولم يظهر الكثير منهم. ربما لأن ″كيم هيونغ-جون″ و″دو هان-سول″ نظفا الطريق مسبقًا.
الغريب أنه لم يلحظ أي زومبي رائحة الناجين ليهاجموا من الجانبين. لم نسمع أصوات الزومبي المخيفة، ولم يلاحقنا أحد منهم.
كان الأمر يشبه هدوء ما قبل العاصفة. كان الجو هادئًا لدرجة شككت في الأمر.
عندما مررنا عبر حي جووي ودخلنا ببطء غوانغجانغ، رأيت ″كيم هيونغ-جون″ و″دو هان-سول″ يهرعان عائدين. أشار ″كيم هيونغ-جون″ بأصبعه في اتجاه تقدمنا وتلعثم: “هناك… هناك… هناك…”
تساءلت ما الذي يدفعه للتصرف هكذا.
رغم صوت اليأس في نبرته، لم يرفع صوته. عبست.
قلت: “اهدأ وتكلم ببطء. ماذا رأيت؟”
قال: “هناك… هناك بعض المجانين يعيشون هناك.”
قلت: “ماذا؟”
أجاب: “لا أستطيع وصفه بالكلام. عليك أن ترى بنفسك، أيها العم.”
حككت شفتيّ ونظرت إلى ″دو هان-سول″ بجانب ″كيم هيونغ-جون″. كان بلا تعبير، كأن روحه فارقت جسده.
كنت أعلم أن هذين الاثنين لا يتأثران برؤية أجزاء أجسام الزومبي المقطعة، ورد فعلهما تجاه ما رأياه كان مريبًا لي.
تنفست بعمق.
قلت: “هان-سول، اتبعني. هيونغ-جون، ابق هنا واحمِ الجميع.”
دخلت غوانغجانغ مع ″دو هان-سول″.
بعد أن مررنا بمنتزه بايسوجي الرياضي، رأيت مدرسة إعدادية في الأفق. نقر ″دو هان-سول″ على كتفي وأشار إلى سطح المدرسة. ركزت بصري على السطح ورأيت عدة هياكل غامضة منتشرة هناك. كان هناك العشرات من الهياكل الطويلة الشبيهة بالهوائيات منصوبة فوق السطح. وكانت مئات الذباب تحوم حولها.
حين حدقت أكثر، رأيت مخلوقات لا حصر لها مثبتة على الأعمدة.
كنت أشاهد مجزرة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪
