▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
نظرت إلى هوانغ جي هاي.
“أريدك أن تتولّي منصب النائبة القائدة. هل يناسبك ذلك؟”
“نعم.”
“أما السيد هوانغ دوك-روك، فهل يمكنك أن تتولّى مسؤولية المقر الرئيسي؟”
اتسعت عينا هوانغ دوك-روك، الذي كان جالسًا بلا حراك، مندهشًا من طلبي المفاجئ، وأشار إلى نفسه، وكأنه لا يصدق أنني أُخاطبه.
“عفوا؟ أنا؟”
“نعم. أرجو أن تُنظّم الوثائق التي تُعِدّها كل إدارة شهريًّا، وتسلمها إلى هوانغ جي هاي ولي جونغ-أوك هنا.”
“لا… لا أظن أنني مناسب لهذا الدور…”
“ألم تكن قائد ملجأ الحاجز؟”
حكّ هوانغ دوك-روك حاجبه، وقد بدا عليه الانزعاج الشديد.
“قائد ملجأ الحاجز هو دو هان-سول.”
ابتسمت له بلطف.
“لكن من ما سمعته، فإن الناجين من ملجأ الحاجز يبدون أنهم يتبعونك أيضًا. كسب ثقة الناس في أوقاتٍ كهذه أمرٌ ليس سهلًا. أظن أنك مؤهل تمامًا.”
“هل هذا صحيح…”
حكّ هوانغ دوك-روك رأسه، غير عالمٍ كيف يرد، لكنه لم يلبث أن أومأ برأسه وقال إنه سيحاول.
ثم نظرت إلى المدير الجالس إلى اليسار.
“أرجو أن تستمر في العناية بالأطفال كما كنت تفعل. ستكون مسؤولًا عن أطفال ملجأ سايلنس وملجأ الحاجز أيضًا.”
“في هذه الحالة، سنحتاج إلى معلمين أكثر.”
“اختر من ترى أنهم مناسبون.”
“حسنًا.”
انحنى المدير قليلًا بعد أن أعطى جوابه. ثم حولت نظري إلى العجوز ذي الشعر الأبيض الجالس بجانبه.
“سيكون رائعًا إن استطعت زراعة بعض المحاصيل في جبل آتشاسان.”
“رأيت قطعة أرضٍ صالحة للزراعة في طريقنا إلى هنا. سأحتاج إلى بعض الشبان لمساعدتي في تسوية الأرض.”
“سأضع غدًا صباحًا استمارات التسجيل الرسمية لكل قسم في بهو الطابق الأول. وسنسمح للناجين باختيار القسم الذي يرغبون بالعمل فيه.”
أومأ جميع القادة بحماسة.
أخذت أفرك ذقني بهدوء، وأراجع ما ناقشناه لأتأكد أنني لم أنس شيئًا. وفجأة، تذكّرت أمرًا كدت أغفله.
“هناك شيء أخير. أود أن أسمع آراءكم بشأن الكلبين اللذين أخذناهما من المدرسة المتوسطة.”
“كلبين؟”
تفاجأ القادة وكرروا الكلمة بصوتٍ واحد وكأنهم تدربوا عليها مسبقًا. أومأت وأكملت كلامي.
“لا بد أنكم رأيتم المدرسة المتوسطة الواقعة عند حدود حي غوانغجانغ أثناء قدومكم.”
تجهمت وجوه القادة بانزعاج وهم يستعيدون صورة الفظائع التي شاهدوها هناك. فسّرت لهم بإيجاز ما حدث وكيف أنقذا الكلبان حياة الأطفال بحسب رواية دو هان-سول.
تبادل القادة نظراتٍ ملؤها القلق والحيرة. كنت أعلم أن هذه المسألة لن تُحل بسهولة، وستحتاج إلى وقت. الكل كان على نفس الموجة تقريبًا؛ طردهم أمرٌ غير مريح، خاصة بعد أن أنقذا الأطفال، لكن العيش تحت سقفٍ واحد معهم بدا غير ممكن.
ابتسمت برضا وأنا أراقب القادة يتأملون المسألة. كان في أعينهم ما يثبت أن إنسانيتهم لم تنطفئ بعد. وبينما هم يترددون في اتخاذ قرار، نظر لي جونغ-أوك إليهم وتكلم.
“دعونا نسمع ما لديهم أولًا.”
“أتفق معه.”
“وأنا كذلك.”
“فكرة جيدة.”
وافق الجميع على اقتراح لي جونغ-أوك. فأومأت برأسي واستدعيت كيم هيونغ-جون ودو هان-سول. كانا يتحدثان بهدوء في أحد الزوايا. طلبت منهما إحضار الرجلين. فأومأ دو هان-سول وطلب منا الانتظار قليلًا، ثم غادر الصالة.
بعد لحظات، دخل الرجلان الصالة.
نظر الرجلان حولهما بدهشة، وقد فغرت أفواههما من روعة المكان. بعد قليل، تحدث الرجل الأطول.
“لهذا لم يسمحوا لأحد بالدخول… أولئك الأوغاد.”
كان القائد والمؤمنون الاثنا عشر قد أمروا بقية الكلاب بالبقاء في الشقق المجاورة، بينما احتكروا الطعام لأنفسهم. كنت أعرف أكثر من أي شخص آخر كم يشعر هذان الرجلان بالغضب، الآن بعد أن أدركا حقيقة ما كان يحدث.
وقفا عند نهاية الطاولة الطويلة، يحدقان بنا بذهول.
كان الطويل واقفًا بتصلّب واضح. أما القصير، فبلع ريقه قبل أن يتكلم.
“هل… هل يُسمح لنا بالتواجد هنا أصلًا؟”
“سنفي بوعدنا،” قلت له.
“عفوًا؟”
شبّكت أصابعي معًا.
“قلت لك، سأعفو عنكما إذا تعاونتما.”
نظر الاثنان إلى بعضهما بدهشة. أسندت ذقني بهدوء إلى يدي.
“أمامكما خياران. إما أن تنالا الحرية التي كنتما تسعيان إليها، أو تعيشا معنا.”
“هل يمكننا التحدث على انفراد؟”
“بالطبع.”
توجها نحو ركن المشروبات، وبدآ بالهمس. وبعد لحظة، عادا وقد بدا الحزم في وجهيهما. بلل الرجل القصير شفتيه وبدأ بالكلام.
“بصراحة… لا نعتقد أننا نستحق البقاء هنا. لم يتخلَّ أحد منكم عن إنسانيته، أما نحن… فقد بعنا إنسانيتنا حين واجهنا واقعنا القاسي.”
“…”
ارتعشت حاجباي من كلماته.
يعرف كيف ينتقي كلماته…
ألقى نظرة متأنية على من حوله.
“ونعلم أيضًا أنه لو اخترنا الرحيل، فلن نصل إلى بوسان أحياء. لكن… إن بقينا هنا، فسنصطدم حتمًا مع الآخرين.”
“تلك معركة يجب أن تخوضوها. أهذا هو سبب رغبتكما في الرحيل؟ خوفًا من الصراع؟”
اتخذ صوتي نبرة أكثر جديّة. ابتسم القصير ابتسامة مريرة.
“لا أريد أن أكون مصدر إزعاج بعد الآن. أخشى العودة للعيش وسط الناس مجددًا. هذه… هي إجابتنا.”
“وكأنكما ترفضان الحياة. أم أنني أسأت الفهم؟”
“لا نية لدينا للتخلي عن حياتنا.”
“إذن، ستسيران فعلًا إلى بوسان؟”
“نعم.”
عقدت ذراعيّ واتكأت إلى الخلف على الكرسي. نظرت إلى وجوه القادة الآخرين، وقد غرقوا جميعًا في أفكارهم، لكن لم ينبس أحدهم ببنت شفة.
حين التقت عيناي بعيني لي جونغ-أوك، تنهد، ثم وضع يده على وجهه.
“أوه، أيها الشابان…”
“نعم؟”
“كفاكما هذا التمثيل السخيف.”
“عفوا؟”
قطب لي جونغ-أوك جبينه، فبدت المفاجأة على وجهي الرجلين. زفر منزعجًا، ثم تابع.
“لا تريدان التسبب بالمشاكل؟ وتخشيان العيش مع الناس؟ فتقرران الموت؟”
“…”
“أغمضا أعينكما، وقولا الحقيقة. قولا إنكما ترغبان في البقاء. لا تطلقا كلمات غبية ستندمان عليها لاحقًا.”
انحنى رأسي الرجلين معًا، وهما يصغيان لكلمات لي جونغ-أوك، وقد بدا عليهما الانهزام.
تابع كلامه بنبرة صارمة:
“أنتما ارتكبتما خطيئة، هذا لا شك فيه. لكن لا تتكلما وكأنكما شخصيتان عظيمتان. هل تظنان أننا قديسون مثلًا؟ هوانغ جي هاي هذه امرأة أول ما تفعله هو تصويب السلاح إلى الرؤوس.”
قطّبت هوانغ جي هاي حاجبيها وهي تشعر بالإهانة من كلماته، ونظرت إليه.
“ما ضرورة هذا التعبير؟ ومتى صوبت سلاحًا على رأس أحد أول ما التقيته؟”
قهقه هوانغ دوك-روك من خلفها وقال:
“هاها! سمعت أنك صوبت مسدسك نحو سو هيون في ملجأ سايلنس فورًا. عندها قررت أن أكون حذرًا حولك.”
“ماذا؟ هوانغ دوك-روك!”
زفرت هوانغ جي هاي غاضبة وحدّقت فيه، فرفع كتفيه وتجنب نظراتها. أشار لي جونغ-أوك بذقنه نحو الرجلين وأكمل.
“كل من هنا قتل شخصًا واحدًا على الأقل. هل تظنان أننا وصلنا إلى هذه المرحلة وأيدينا نظيفة؟ هاه؟”
“…”
ابتلع الرجلان ريقهما مع سقوط كلمات لي جونغ-أوك عليهما. ثم دسّ يديه في جيبيه.
“الجميع هنا يعلم أنكما كنتما تعيشان كالكلاب. لكنكما ما زلتما تستحقان فرصة. إما أن تعيشا هنا كإنسانَين… أو تموتا في الخارج. الخيار لكما.”
“وماذا لو لم ننسجم مع الآخرين…؟”
“استمرا بالمحاولة. استمرا حتى آخر يوم في حياتكما. استمرا في السعي للعيش كالبشر، والتآلف مع الآخرين. بدلًا من ارتكاب حماقةٍ كالموت في الخارج، عيشا كأن كل يوم هو الأخير.”
“وإن فشلنا رغم ذلك…؟”
“إن حصل ذلك، سأستخدم سلطتي لطردكما. وإن سببتما المشاكل، سأقتلكما بيدي.”
قطب لي جونغ-أوك حاجبيه ووجّه نظرة حادة إلى الرجلين. فاهتز تفاحتا آدم في حلقيهما بشدة. وبعد لحظة، بدأ الرجل الطويل، الذي ظل واقفًا بتصلب طوال الوقت، في البكاء.
بينما كنت أراقب دموعه تنهمر، تساءلتُ كم من الألم اضطرّا لتحمّله كي ينجوا وسط باقي “الكلاب”، متصنعين القسوة حتى لا ينظر إليهم الآخرون باحتقار.
كانت كلمات “لي جونغ-أوك” قاسية وصريحة، لكن بفضله تمكنا من الوصول إليهم، وفتحوا قلوبهم لنا.
ربّت الرجل الأقصر على ظهر رفيقه، يحاول تهدئته. أما الرجل الأطول، فلم يفعل سوى أن ازداد بكاءً. جلس القادة الآخرون حول الطاولة يشاهدونه وهو يجهش بالبكاء، وقد ارتسمت على وجوههم لمحات من الأسى.
نظرتُ إلى “دو هان-سول” وطلبتُ منه أن يرافق الرجلين إلى الخارج. ابتسم برضا وهو يهمّ بذلك.
وحين خرج الاثنان، بدأ “لي جونغ-أوك” بالتذمّر.
«أحدهم يبكي، وكلاهما لم يتفوها بما يريدان قوله حقًا…»
توقف عن الكلام وهو ينقر بلسانه متضايقًا. أملت رأسي نحوه وسألته:
«وإن كانا فعلاً يخفيان نية سيئة؟ ماذا كنت ستفعل؟»
نظر إليّ “لي جونغ-أوك” بدهشة.
«لا تظن حقًا أنهما أكلا لحمًا بشريًا، أليس كذلك؟ على الأرجح تظاهرا بذلك فقط ليظهرا كأنهما “كلاب”.»
«وكيف عرفت هذا؟»
«ألم تلحظ؟ نظراتهما، تعابير وجهيهما… لا يملكان تلك النظرات المجنونة التي رأيتها في عيون الكلاب الأخرى.»
«إذًا، فأنت لا تعرف على وجه اليقين، أليس كذلك؟»
ابتسمتُ ورفعتُ حاجبيّ بخفة. رأى “لي جونغ-أوك” ابتسامتي ونقر بلسانه مجددًا، وقد ازدادت ملامحه انزعاجًا.
«هلّا توقفت عن السخرية مني؟ أعلم جيدًا أنك خبير في هذه الأمور. أحقًا تظن أنني لم ألحظ كيف تراقب ردود أفعال الجميع منذ بداية الاجتماع تقريبًا؟»
«هاهاها!»
انفجرتُ ضاحكًا، فهزّ “لي جونغ-أوك” رأسه بيأس. أما الضباط فحدقوا بنا وقد ارتسمت على وجوههم الحيرة.
أخذتُ نفسًا عميقًا وقلت له:
«لم أكن متأكدًا. لكن بعدما سمعتهم يتحدثون، أصبحت واثقًا. واثقًا من أنهما لم يأكلا لحمًا بشريًا.»
«كنت أعلم ذلك. كنت تراقبهما وتختبرهما.»
«راودتني فكرة أنهما نحيفان جدًا مقارنة بالكلاب الآخرين… لكن كيف تمكنا من البقاء حتى الآن؟»
«ربما أكلوا أشياءً منكرة، أشياء تفوق التخيّل حتى.»
قالها “لي جونغ-أوك” وهو يضغط شفتيه ويصدر صوتًا بلسانه. عندها تحدثت “هوانغ جي-هي” التي كانت تتابع حديثنا بصمت:
«مهلًا، لحظة واحدة. إذًا، لماذا لم ينفيا أنهما أكلا لحمًا بشريًا؟ هذا يجعل الأمر أغرب.»
«هل كنت ستصدقينهما لو أنكِ سمعتِ هذا النفي؟ خاصة بعد أن علمنا أنهما من الكلاب؟»
أجبتها بهدوء، فسكتت “هوانغ جي-هي”.
كانت تعلم أن الجميع كانوا سيعبسون بوجوههم فقط، لو أصرا على نفي أكل لحم البشر.
ابتسمتُ بخفة لتليين الموقف.
«من البداية، كانا يريدان البقاء هنا. لكن طالما نظرنا إليهما ككلاب، فلم يكن بإمكانهما قول ذلك صراحة.»
«لكن مع ذلك…»
«بدلًا من إخفاء ماضيهما ككلاب، اختارا أن يكشفاه وأن ينضما إلينا. لقد سلّما حياتهما بين أيدينا. هذا يُظهر مدى يأسهما… وصدق مشاعرهما.»
كانت هذه قراءتي الباردة والصادقة للموقف. وضعت “هوانغ جي-هي” ذراعيها بتصلّب، وارتسم خط رفيع على شفتيها المضغوطتين. أما “لي جونغ-أوك”، الجالس بجانبها، فتابع قائلًا:
«لو كانا قد أكلا لحمًا بشريًا فعلًا، لابتعدا عن المجموعة منذ اللحظة التي غادرنا فيها الفندق. لم يكن هناك أي سبب يجعلهما يبقيان معنا حتى الآن.»
أومأت “هوانغ جي-هي” ببطء.
وبدا أن جميع القادة وافقوا “لي جونغ-أوك” الرأي. ثم تنهد الأخير وقال:
«هما عنيدان قليلًا… لكن طريقة كلامهما وتصرفاتهما، لا تختلف عن طلاب الجامعة العاديين.»
«أظنهما في العشرين من العمر؟ أو الواحدة والعشرين؟ هذا يبدو منطقيًا.» أضفتُ.
أومأ “لي جونغ-أوك” برأسه، وقد خفّت تعابير وجهه. بعد لحظة، قال “بارك جي-تشول”:
«تخيلوا فقط، ماذا كنا سنفعل لولا أنك القائد يا لي جونغ-أوك!»
ضحك الجميع على الفور، وظهر الارتباك على “لي جونغ-أوك” وهو يحكّ رأسه ويصدر صوتًا بلسانه، فيما أنا ابتسمتُ من أعماقي وأنا أنظر إليه.
أنا ممتن لوجودك بجانبي.
شخص يفهم ما أفكر فيه دون حاجة لكلمات كثيرة… شخص يسير على نفس الموجة معي.
ذلك الشخص بالنسبة لي، هو “لي جونغ-أوك”.
تنهدتُ ونهضت من مقعدي.
«شكرًا جزيلًا لكل من حضر الاجتماع الأول لمنظمة حماية الناجين. لقد تمكنت من الوصول إلى هذه المرحلة بفضلكم جميعًا.»
ومع وقوفي، وقف جميع الضباط بدورهم. كانت وجوههم تنبض بالحياة. وقد شعرتُ بالإصرار الصلب المتقد في أعينهم.
لقد وصلنا أخيرًا إلى موطننا الجديد.
ابتسمتُ ابتسامة رضا واطمئنان.
«نختتم اجتماع اليوم عند هذا الحد. أتطلع لقضاء المزيد من الوقت مع كل واحد منكم.»
«ونحن كذلك!»
صفق القادة جميعًا معًا، مُعلنين بداية جديدة.
لا يزال الطريق طويلًا أمامنا، لكن بوجود هؤلاء الناس، كنتُ واثقًا من أننا سنتمكن من تجاوز أي عقبة تعترض طريقنا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
