165
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“آه… أ-لا أحد، سيدي.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“هاه؟ أنت… أنت…”
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“ما الذي يجمعهم هنا؟”
ارتطمت قبضتي بمؤخرة جمجمة الزومبي الذي أمامي، فانغرزت الجمجمة إلى الداخل، وتهاوى من خلفه الزومبيون كأحجار البولينغ حين تُضرب ضربةً قاضية.
“تومي.”
وما إن رأى الباقون سقوط رفاقهم، حتى ارتدّت أنظارهم نحوي. ومع أن نظراتهم كانت خاوية، خالية من الوعي، إلا أنني رأيت فيها ترددًا لحظة التقت بوميض عينيّ الزرقاوين المتّقدتين.
استدار الزومبيون نحوي ببطء، كأن أجسادهم تتحرّك وفق إيقاعٍ واحد. وما إن اقتربت، حتى رأيت وجوههم…
لكن الأمر لم يكن بحاجة إلى أن يأتوا إليّ… كنت على أتم الاستعداد للذهاب إليهم.
واتّسعت عيناي.
انهلت عليهم باللكمات كالسيل، ضربةً تلو الأخرى، بلا هوادة، حتى سقطوا فوق القضبان كما تتهاوى أوراق الخريف اليابسة. هشّمت عظامهم، دهست أطرافهم، وسحقت بقاياهم، واضعًا حدًّا لوجودهم الذي لا يستحق أن يُسمّى حياة.
“هاه؟ أنت… أنت…”
كان الناجون يتابعونني بذهول، تتنقل أعينهم بيني وبين حشود الموتى، تتملّكهم الحيرة… وما إن انقضى المشهد، حتى تنفّسوا الصعداء وأطلقوا صيحات النجاة. غير أن أحدهم، حين التقت عيناه بعينيّ، صرخ فزعًا:
أومأ لي بجدّية، وتقلّدت ملامحه صرامة مفاجئة. ورغم أنني كنت أرغب في ضمّهم، لم أكن لأرغمهم على شيء. ومع ذلك، ومن أجل هؤلاء الناجين، ومن أجل المبادئ التي تأسّس عليها تحالفنا، كنت مستعدًا لأن أمدّ لهم يد العون.
“زو… زومبي! ذلك الرجل زومبي أيضًا!”
ماذا لو هاجمنا إن تحركنا؟
وفي لحظة، تسلّل الرعب من جديد بين صفوفهم، ووجّه بعضهم فوهات أسلحتهم تجاهي. ومع ذلك، لم يجرؤ أحدهم على الضغط على الزناد.
أومأ لي بجدّية، وتقلّدت ملامحه صرامة مفاجئة. ورغم أنني كنت أرغب في ضمّهم، لم أكن لأرغمهم على شيء. ومع ذلك، ومن أجل هؤلاء الناجين، ومن أجل المبادئ التي تأسّس عليها تحالفنا، كنت مستعدًا لأن أمدّ لهم يد العون.
خوف… ارتباك… شكّ.
“وماذا تقترح علينا أن نفعل؟”
كنت أقرأ كل ذلك في وجوههم، كأنّها صفحة كتاب مفتوح. كانوا بلا شك يفكرون:
مختبر الحيوانات على اليسار.
ماذا لو هاجمنا إن تحركنا؟
ارتطمت قبضتي بمؤخرة جمجمة الزومبي الذي أمامي، فانغرزت الجمجمة إلى الداخل، وتهاوى من خلفه الزومبيون كأحجار البولينغ حين تُضرب ضربةً قاضية.
لم أرد أن أزيدهم رعبًا، فآثرت أن أواصل تطهير السكة الحديدية من الزومبي، والقلب في صدري ينوء بمرارة لا يراها أحد. كنت أعلم يقينًا أنّ أسلحتهم لا تستطيع إيذائي، حتى لو أفرغوا رصاصهم كله في جسدي. تمامًا كما هو حال الزومبي في الشوارع، لا تمثّل تلك البنادق أدنى تهديد لي.
استنشقت الهواء ببطء، أعَدْتُ الخريطة إلى جيبي، وتقدّمت وحدي نحو الساحة.
وحين انتهيت من تطهير المكان، بصقت على القضبان ومسحت الدم عن وجهي بثيابي، ثم استدرت نحوهم. كان هناك أربعة عشر شخصًا على كل جانب من السكة، يحدّقون بي كما لو أنني كائن من عالم آخر.
“هل هناك سبب واضح لهذا الهجوم؟” سألني بحذر.
“هاه؟ أنت… أنت…”
“هل يعني هذا… أنك أكلت دماغًا بشريًّا؟”
خرج صوت مألوف من بينهم، وحين نظرت إلى مصدره، رأيت “مين جونغ”.
ظل “يون جونغ-هو” صامتًا، يحدّق بالأرض، ثم رفع رأسه ببطء. دارت عيناي بين الوجوه المتعبة للناجين.
“الجرحى،” قلت بجدية.
كنت أعلم أن الخوف سيبدأ بالتسلل إليهم مع كل غروب شمس. لم يكن في مقدوري تخيّل أنهم سيتمكنون من الصمود طويلاً في هذا الظلام.
“عذرًا، سيدي؟”
ترجمة: Arisu san
“كم عدد المصابين؟”
رمقني بدهشة لم يُخفها، وقلت:
“آه… أ-لا أحد، سيدي.”
كانوا جميعًا واقفين، يواجهون المختبر بصمت قاتل، وكأنّ أحدًا أمرهم بذلك. لكن اللافت أنهم لم يحملوا العيون الحمراء… لم يكونوا تابعين لأحد.
جاء ردّها متوتّرًا، وقد لجأت فجأة إلى اللغة الرسمية، تتنقل بنظرها بيني وبين من يقف بجوارها، كأنها لا تدري إلى من يجب أن توجّه اهتمامها. وبعد لحظة، تجمّع بعض الناجين حولها، وبدأت الهمسات تدور:
كانوا جميعًا واقفين، يواجهون المختبر بصمت قاتل، وكأنّ أحدًا أمرهم بذلك. لكن اللافت أنهم لم يحملوا العيون الحمراء… لم يكونوا تابعين لأحد.
“هل تعرفينه؟”
كنت أقرأ كل ذلك في وجوههم، كأنّها صفحة كتاب مفتوح. كانوا بلا شك يفكرون:
“لا، رأيته أول مرة بالأمس.”
“هل قدم الزومبيون من جهة غاكسان؟”
“هل هو معنا؟”
تأملت أسلحة الناجين المتهالكة، فلم أجد ما يبعث على الاطمئنان. لم يكونوا أفضل حالًا من ملجأ “هاي-يونغ” في بداياته، حين كان الناس يغامرون بأرواحهم مسلحين برماح فولاذية بدائية. إن استمروا بهذا الضعف، فلن يصمدوا طويلاً.
“إن كنتَ تسأل إن كان عدوًا… فلا يبدو كذلك.”
“إن كنتَ تسأل إن كان عدوًا… فلا يبدو كذلك.”
لم أكن أسترق السمع، لكن همساتهم كانت عالية بما يكفي لتصل إليّ. تنهدت، ومررت يدي الملطّخة بالدماء على وجهي.
وحين انتهيت من تطهير المكان، بصقت على القضبان ومسحت الدم عن وجهي بثيابي، ثم استدرت نحوهم. كان هناك أربعة عشر شخصًا على كل جانب من السكة، يحدّقون بي كما لو أنني كائن من عالم آخر.
“مين جونغ! كيم مين جونغ!”
كيااااه!!
التفتُّ فرأيت “يون جونغ-هو” يركض على امتداد السكة باتجاهنا، متأخرًا بعض الشيء. وما إن بلغ محطة “آنسيم”، حتى راح يبحث عنها بعينيه القلقتين. نزلت “مين جونغ” من على الرصيف، وارتمت في حضنه، وعيناهما تبرقان بالدموع.
“معهد أبحاث الدماغ الكوري”
مسحت الدماء العالقة على يديّ بثيابي، ورفعت بصري نحو الأعلى. الزومبيون على السكة قد أُبيدوا، لكن السؤال الأهم لم يُجَب بعد:
لم أرد أن أزيدهم رعبًا، فآثرت أن أواصل تطهير السكة الحديدية من الزومبي، والقلب في صدري ينوء بمرارة لا يراها أحد. كنت أعلم يقينًا أنّ أسلحتهم لا تستطيع إيذائي، حتى لو أفرغوا رصاصهم كله في جسدي. تمامًا كما هو حال الزومبي في الشوارع، لا تمثّل تلك البنادق أدنى تهديد لي.
من أين جاءوا؟
انهلت عليهم باللكمات كالسيل، ضربةً تلو الأخرى، بلا هوادة، حتى سقطوا فوق القضبان كما تتهاوى أوراق الخريف اليابسة. هشّمت عظامهم، دهست أطرافهم، وسحقت بقاياهم، واضعًا حدًّا لوجودهم الذي لا يستحق أن يُسمّى حياة.
نظرت إلى من تبقّى من الناجين فوق الرصيف، وسألت:
“السيد لي هيون-دوك؟”
“هل قدم الزومبيون من جهة غاكسان؟”
استخرجت الخريطة من جيبي، وحدّدت الموقع. ثم رفعت صوتي:
“هاه؟ أ… أكنتَ تخاطبني؟”
“أيًّا يكن، أجبني.”
كنت أقرأ كل ذلك في وجوههم، كأنّها صفحة كتاب مفتوح. كانوا بلا شك يفكرون:
“نعم، ظهروا فجأة قبل نحو ثلاثين دقيقة.”
ثلاثون دقيقة؟ هذا يعني أنهم خرجوا فجرًا. ما لم يكونوا تابعين لأحد الزومبي القادرين على التحكم بجحافل من أمثالهم، فلا شيء يبرّر تحركهم في وقت كهذا. وبما أنهم مجرد زومبيي شوارع… فهذا مستحيل.
ثلاثون دقيقة؟ هذا يعني أنهم خرجوا فجرًا. ما لم يكونوا تابعين لأحد الزومبي القادرين على التحكم بجحافل من أمثالهم، فلا شيء يبرّر تحركهم في وقت كهذا. وبما أنهم مجرد زومبيي شوارع… فهذا مستحيل.
عروقهم كانت متضخّمة، نابضة، كأنها توشك على الانفجار. أجسادهم مشدودة بتشنّج مخيف، ووجوههم مشوّهة بألمٍ غير مرئي. لعابهم يسيل بكثافة، وكان كل واحد منهم يرمقني بنظرة متّقدة، مليئة بالجوع والجنون.
إذاً، لا بد أنهم نزلوا تحت الأرض هربًا من أشعة الشمس. ومع ما سمعته عن سقوط “ديغو” بيد الزومبي منذ أسبوع فقط، يبدو أن هؤلاء الموتى بدأوا يدركون وجود عالمٍ تحت الأرض، فانسلّوا إليه، بحثًا عن الظلمة الأبدية التي تقيهم لعنَة الضوء.
“وماذا تقترح علينا أن نفعل؟”
تأملت أسلحة الناجين المتهالكة، فلم أجد ما يبعث على الاطمئنان. لم يكونوا أفضل حالًا من ملجأ “هاي-يونغ” في بداياته، حين كان الناس يغامرون بأرواحهم مسلحين برماح فولاذية بدائية. إن استمروا بهذا الضعف، فلن يصمدوا طويلاً.
وقفتُ غارقًا في أفكاري، وملامحي يطغى عليها التردد. عندها اقترب مني “جونغ جين-يونغ”، وقد ظل يراقبني بصمت لفترة.
الهجوم الذي رأيناه لم يتجاوز ثلاثمئة زومبي، ومع الوقت، ستتضاعف الأعداد بلا شك. تمامًا كما حدث في “غوانغجانغ” في سيول، حين اجتاحت موجة من عشرات الآلاف كل ما اعترض طريقها، سيبدأ زومبيو ديغو بالحشد والزحف معًا، مدفوعين بغريزة الجوع.
المبنى (B) على اليمين.
كنت أجهل ما إذا كان يجب عليّ التدخل. قادة هذا الملجأ، “جونغ جين-يونغ” و”يون جونغ-هو”، سبق أن عبّرا عن عدم رغبتهما في الانضمام إلينا.
“نعم، ظهروا فجأة قبل نحو ثلاثين دقيقة.”
وقفتُ غارقًا في أفكاري، وملامحي يطغى عليها التردد. عندها اقترب مني “جونغ جين-يونغ”، وقد ظل يراقبني بصمت لفترة.
“ما الذي يجمعهم هنا؟”
“هل هناك سبب واضح لهذا الهجوم؟” سألني بحذر.
“وماذا تقترح علينا أن نفعل؟”
أدركت حينها أنه أذكى مما ظننت، إذ استنتج شيئًا من خلال سؤال بسيط. أومأت برأسي، وشرحت له استنتاجاتي بهدوء. استمع بانتباه، ثم قال:
جاء ردّها متوتّرًا، وقد لجأت فجأة إلى اللغة الرسمية، تتنقل بنظرها بيني وبين من يقف بجوارها، كأنها لا تدري إلى من يجب أن توجّه اهتمامها. وبعد لحظة، تجمّع بعض الناجين حولها، وبدأت الهمسات تدور:
“وماذا تقترح علينا أن نفعل؟”
“زو… زومبي! ذلك الرجل زومبي أيضًا!”
“الأمر عائد لكم أنتم.”
لم أكن أسترق السمع، لكن همساتهم كانت عالية بما يكفي لتصل إليّ. تنهدت، ومررت يدي الملطّخة بالدماء على وجهي.
نظر إليّ لحظةً بصمت، بدت على وجهه دهشة خفيفة من ردّي. انخفض رأسه قليلًا، كأنّ عبئًا ثقيلًا استقرّ على صدره. وبدت على ملامحه علامات الصراع.
“كم عدد المصابين؟”
كنت أعلم أن الخوف سيبدأ بالتسلل إليهم مع كل غروب شمس. لم يكن في مقدوري تخيّل أنهم سيتمكنون من الصمود طويلاً في هذا الظلام.
“أنا من لا يطمئن.”
وحين رفع “جونغ جين-يونغ” رأسه مجددًا، نظرت إليه بثبات.
ها أنا ذا، في قلب الهدف الذي طالما تحدّث عنه العلماء الروس منذ وطئت أقدامهم أرض كوريا. بجوار التمثال، كانت هناك خريطة طبوغرافية للمنطقة.
“أصغِ إليّ جيدًا.”
أطلق الزومبي الأقرب إليّ زئيرًا مدوّيًا، وتلاه الآخرون، في جوقة موتٍ رهيبة.
“نعم؟”
مختبر الحيوانات على اليسار.
“سأحدثك عن كل ما أعلمه عن الزومبي ذوي العيون الحمراء.”
“إذا ذهبت وحدك، فستضطر إلى ملاحقتهم واحدًا تلو الآخر… قد يُهدر ذلك وقتًا لا نملكه.”
أومأ لي بجدّية، وتقلّدت ملامحه صرامة مفاجئة. ورغم أنني كنت أرغب في ضمّهم، لم أكن لأرغمهم على شيء. ومع ذلك، ومن أجل هؤلاء الناجين، ومن أجل المبادئ التي تأسّس عليها تحالفنا، كنت مستعدًا لأن أمدّ لهم يد العون.
كنت أقرأ كل ذلك في وجوههم، كأنّها صفحة كتاب مفتوح. كانوا بلا شك يفكرون:
جلست معه، وأخذت أسرد عليه خصائص الزومبي أصحاب العيون الحمراء، واحدًا تلو الآخر. ذُهل مما سمع، وراح يردّد همهمات التعجّب. لكن أكثر ما أدهشه، وأرعبه في آن، هو ما أخبرته به عن قدرتهم على السيطرة على الزومبي وجعلهم أتباعًا لهم… بل وإمكانية التحدث بمنطق ووعي، إن هم التهموا دماغ إنسان.
“ما الذي يجمعهم هنا؟”
“هل يعني هذا… أنك أكلت دماغًا بشريًّا؟”
استدار الزومبيون نحوي ببطء، كأن أجسادهم تتحرّك وفق إيقاعٍ واحد. وما إن اقتربت، حتى رأيت وجوههم…
“حين تعيش كزومبي، ستجد نفسك أمام طرق متشعّبة، وأسئلة مربكة، وخيارات لا ترحم. وكل مرة، فكّر بالناجين أولًا. إن تركت مشاعرك تتحكم بك، فستعرّض كل من وثق بك للخطر.”
“معهد أبحاث الدماغ الكوري”
“سآخذ ذلك على محمل الجد…”
“أعلم أنني تأخرت… لكن، أردت أن أشكرك. من أعماق قلبي، شكرًا.”
هزّ “جونغ جين-يونغ” رأسه بقوة، وعيناه تلمعان بعزمٍ جديد. وفي تلك اللحظة، اقترب “يون جونغ-هو” منا.
وفي لحظة، تسلّل الرعب من جديد بين صفوفهم، ووجّه بعضهم فوهات أسلحتهم تجاهي. ومع ذلك، لم يجرؤ أحدهم على الضغط على الزناد.
“السيد لي هيون-دوك؟”
“الجرحى،” قلت بجدية.
“نعم؟”
“لا بأس… ارفع رأسك، رجاءً.”
“أعلم أنني تأخرت… لكن، أردت أن أشكرك. من أعماق قلبي، شكرًا.”
“إذا ذهبت وحدك، فستضطر إلى ملاحقتهم واحدًا تلو الآخر… قد يُهدر ذلك وقتًا لا نملكه.”
انحنى انحناءة عميقة، بكل احترام، وظل على حاله دون أن يرفع رأسه. نظرت إليه، وابتسمت بخفوت.
اتّسع الشك في قلبي، ولم يكن معي بشر لأرسلهم، لذا عقدت العزم على أن أتحرّك بنفسي. التفتُّ إلى متحوّلي المرحلة الأولى، فرأيت بعضهم يلعق دماء الزومبي التي لطّخت أفواههم. كنا قد فتَكنا بما لا يقل عن خمسمئة زومبي في الطريق… وبدا عليهم الاكتفاء.
“لا بأس… ارفع رأسك، رجاءً.”
التفتُّ فرأيت “يون جونغ-هو” يركض على امتداد السكة باتجاهنا، متأخرًا بعض الشيء. وما إن بلغ محطة “آنسيم”، حتى راح يبحث عنها بعينيه القلقتين. نزلت “مين جونغ” من على الرصيف، وارتمت في حضنه، وعيناهما تبرقان بالدموع.
“أنا… لقد كنت أشكّ فيك طيلة هذا الوقت…
شوارع مدينة الابتكار كانت مرسومة كشبكة هندسية واسعة، كما هي معظم المدن الحديثة في كوريا، مما جعل تعقّب الزومبي أمرًا يسيرًا.
“من الطبيعي أن يُقابَل اللقاء الأول بالحذر،” قلت بهدوء، “وأعتذر إن بدا تصرّفي قاسيًا أو عنيفًا.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ظل “يون جونغ-هو” صامتًا، يحدّق بالأرض، ثم رفع رأسه ببطء. دارت عيناي بين الوجوه المتعبة للناجين.
المبنى (B) على اليمين.
“كم عدد من تبقّى هنا؟”
“نعم… كل من في المحطة من العجزة والصغار، عدا أولئك المكلّفين بحراسة السكك الحديدية.”
“ثمانية وثلاثون، جميعنا.”
“الأمر عائد لكم أنتم.”
“وهل بينكم أطفال أو شيوخ؟”
“وهل بينكم أطفال أو شيوخ؟”
“نعم… كل من في المحطة من العجزة والصغار، عدا أولئك المكلّفين بحراسة السكك الحديدية.”
من أين جاءوا؟
حينها، ارتفعت في أنفي رائحة الخطر، رائحة لا تخطئها حواسّ من اعتاد النجاة في عالمٍ التهمته الكوارث. حككت ذقني ببطء، وقلبي يثقُل بشعور، نذيرٌ لا يُخطئ
إذاً، لا بد أنهم نزلوا تحت الأرض هربًا من أشعة الشمس. ومع ما سمعته عن سقوط “ديغو” بيد الزومبي منذ أسبوع فقط، يبدو أن هؤلاء الموتى بدأوا يدركون وجود عالمٍ تحت الأرض، فانسلّوا إليه، بحثًا عن الظلمة الأبدية التي تقيهم لعنَة الضوء.
لم تكن أعداد الزومبي في هذه المنطقة مقلقة، خاصة وقد طهّرت غاكسان من بقاياهم، ولن تُصبح ديغو مهدّدة ما لم تظهر موجة جديدة. لكن ما لم يُحسَم بعد هو ما ينتظرنا في مدينة الابتكار، المدينة الفاصلة بين غيونغسان وديغو… هناك حيث يتربّع معهد أبحاث الدماغ الكوري.
“الجرحى،” قلت بجدية.
استدرت إلى الخلف، وناديت:
غرررر… كااااه… كرووو…
“تومي.”
“أعلم أنني تأخرت… لكن، أردت أن أشكرك. من أعماق قلبي، شكرًا.”
“هاه؟ نعم؟”
ومع أنني أعلم أن الجنود الروس مسلّحون بما يكفي لصدّ هجوم متوسط، فإن احتمال المفاجأة لا يُستهان به.
“ستبقى هنا.”
“هل يعني هذا… أنك أكلت دماغًا بشريًّا؟”
رمقني بدهشة لم يُخفها، وقلت:
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“سأتوجّه إلى مدينة الابتكار بنفسي. سأتولى أمر الزومبي هناك، وأعود فور انتهائي. وحتى ذلك الحين… الزموا مكانكم.”
انهلت عليهم باللكمات كالسيل، ضربةً تلو الأخرى، بلا هوادة، حتى سقطوا فوق القضبان كما تتهاوى أوراق الخريف اليابسة. هشّمت عظامهم، دهست أطرافهم، وسحقت بقاياهم، واضعًا حدًّا لوجودهم الذي لا يستحق أن يُسمّى حياة.
“ألن يكون من الأفضل أن نذهب معك؟ وجودنا سيجذبهم إليك، فنسحقهم دفعةً واحدة.”
“نعم؟”
أمال تومي رأسه قليلًا، وابتسم ابتسامة خجولة سرعان ما تلاشت:
“تومي.”
“إذا ذهبت وحدك، فستضطر إلى ملاحقتهم واحدًا تلو الآخر… قد يُهدر ذلك وقتًا لا نملكه.”
وقفتُ غارقًا في أفكاري، وملامحي يطغى عليها التردد. عندها اقترب مني “جونغ جين-يونغ”، وقد ظل يراقبني بصمت لفترة.
أومأت له بتفهّم، لكنّ ما دفعني لرفض اقتراحه لم يكن الوقت، بل احتمال أن تندفع موجة زومبيين جديدة نحو المترو هربًا من الشمس. لا يزال هذا خطرًا واردًا.
حينها، ارتفعت في أنفي رائحة الخطر، رائحة لا تخطئها حواسّ من اعتاد النجاة في عالمٍ التهمته الكوارث. حككت ذقني ببطء، وقلبي يثقُل بشعور، نذيرٌ لا يُخطئ
ومع أنني أعلم أن الجنود الروس مسلّحون بما يكفي لصدّ هجوم متوسط، فإن احتمال المفاجأة لا يُستهان به.
لم أرد أن أزيدهم رعبًا، فآثرت أن أواصل تطهير السكة الحديدية من الزومبي، والقلب في صدري ينوء بمرارة لا يراها أحد. كنت أعلم يقينًا أنّ أسلحتهم لا تستطيع إيذائي، حتى لو أفرغوا رصاصهم كله في جسدي. تمامًا كما هو حال الزومبي في الشوارع، لا تمثّل تلك البنادق أدنى تهديد لي.
ضحكتُ بخفة، كأنني أزيح عن نفسي سُحب القلق:
أمال تومي رأسه قليلًا، وابتسم ابتسامة خجولة سرعان ما تلاشت:
“سأعود ما إن أفتح الطريق نحو المعهد. افعلوا ما أقوله… من أجل سلامتكم.”
كيااااه!!
“إن كنت تصرّ…”
“ألن يكون من الأفضل أن نذهب معك؟ وجودنا سيجذبهم إليك، فنسحقهم دفعةً واحدة.”
“أنا من لا يطمئن.”
المبنى (A) في المقدّمة.
رضخ تومي صامتًا، ثم أصدرت أوامري إلى “جي-أون” بحماية الناجين، وغادرت المحطة برفقة متحوّلي المرحلة الأولى. كانت المدينة، التي غمرها الظلام ذات يوم، تُشرق تحت شمس متوهّجة في كبد السماء.
“سأعود ما إن أفتح الطريق نحو المعهد. افعلوا ما أقوله… من أجل سلامتكم.”
استخرجت الخريطة من جيبي، وحدّدت الموقع. ثم رفعت صوتي:
نظرت إلى من تبقّى من الناجين فوق الرصيف، وسألت:
“توزّعوا على الجانبين، واقضوا على كل زومبي تصادفونه. سواء أكلتموهم أو حطمتموهم، تأكّدوا فقط أنهم لا يعودون للوقوف أبدًا.”
كل حيّ في المدينة كان يحتوي على حديقة صغيرة، والمباني متباعدة بما يكفي لجعل الرؤية واضحة من مسافات بعيدة، دون الحاجة للاعتماد على الشم أو السمع. بدا أن المدينة لم تمسّها الفوضى كثيرًا، تمامًا كما وصف “جونغ جين-يونغ”. بدا واضحًا أن معظم الزومبي جاؤوا من غيونغسان.
كيااااه!!
لم أكن أسترق السمع، لكن همساتهم كانت عالية بما يكفي لتصل إليّ. تنهدت، ومررت يدي الملطّخة بالدماء على وجهي.
أطلق المتحوّلون زئيرًا وحشيًّا، وانطلقوا كضباع أُطلق سراحها في أرض صيد.
واصلت السير شمالًا، أنثر الموت على الزومبي في طريقي كظلّ يبتلع الفجر، حتى وصلت إلى ساحة واسعة تحيط بمجموعة مبانٍ حكومية. وفي قلب الساحة، انتصب تمثال كبير على هيئة دماغ بشري، وقد كُتِب عند قاعدته:
وسرت خلفهم، أراقب الخريطة بعينٍ لا تغفل.
أطلق المتحوّلون زئيرًا وحشيًّا، وانطلقوا كضباع أُطلق سراحها في أرض صيد.
❃ ◈ ❃
الزجاج لم يُكسر، والنباتات ما زالت خضراء، والطرقات نظيفة نسبيًا. لم تكن هناك آثار معارك أو اجتياح دموي.
شوارع مدينة الابتكار كانت مرسومة كشبكة هندسية واسعة، كما هي معظم المدن الحديثة في كوريا، مما جعل تعقّب الزومبي أمرًا يسيرًا.
وحين انتهيت من تطهير المكان، بصقت على القضبان ومسحت الدم عن وجهي بثيابي، ثم استدرت نحوهم. كان هناك أربعة عشر شخصًا على كل جانب من السكة، يحدّقون بي كما لو أنني كائن من عالم آخر.
كل حيّ في المدينة كان يحتوي على حديقة صغيرة، والمباني متباعدة بما يكفي لجعل الرؤية واضحة من مسافات بعيدة، دون الحاجة للاعتماد على الشم أو السمع. بدا أن المدينة لم تمسّها الفوضى كثيرًا، تمامًا كما وصف “جونغ جين-يونغ”. بدا واضحًا أن معظم الزومبي جاؤوا من غيونغسان.
“ألن يكون من الأفضل أن نذهب معك؟ وجودنا سيجذبهم إليك، فنسحقهم دفعةً واحدة.”
الزجاج لم يُكسر، والنباتات ما زالت خضراء، والطرقات نظيفة نسبيًا. لم تكن هناك آثار معارك أو اجتياح دموي.
ظل “يون جونغ-هو” صامتًا، يحدّق بالأرض، ثم رفع رأسه ببطء. دارت عيناي بين الوجوه المتعبة للناجين.
واصلت السير شمالًا، أنثر الموت على الزومبي في طريقي كظلّ يبتلع الفجر، حتى وصلت إلى ساحة واسعة تحيط بمجموعة مبانٍ حكومية. وفي قلب الساحة، انتصب تمثال كبير على هيئة دماغ بشري، وقد كُتِب عند قاعدته:
ثلاثون دقيقة؟ هذا يعني أنهم خرجوا فجرًا. ما لم يكونوا تابعين لأحد الزومبي القادرين على التحكم بجحافل من أمثالهم، فلا شيء يبرّر تحركهم في وقت كهذا. وبما أنهم مجرد زومبيي شوارع… فهذا مستحيل.
“معهد أبحاث الدماغ الكوري”
“هل هناك سبب واضح لهذا الهجوم؟” سألني بحذر.
ها أنا ذا، في قلب الهدف الذي طالما تحدّث عنه العلماء الروس منذ وطئت أقدامهم أرض كوريا. بجوار التمثال، كانت هناك خريطة طبوغرافية للمنطقة.
“السيد لي هيون-دوك؟”
ثلاثة مبانٍ رئيسية:
نظرت إلى من تبقّى من الناجين فوق الرصيف، وسألت:
المبنى (A) في المقدّمة.
نظر إليّ لحظةً بصمت، بدت على وجهه دهشة خفيفة من ردّي. انخفض رأسه قليلًا، كأنّ عبئًا ثقيلًا استقرّ على صدره. وبدت على ملامحه علامات الصراع.
المبنى (B) على اليمين.
ومع أنني أعلم أن الجنود الروس مسلّحون بما يكفي لصدّ هجوم متوسط، فإن احتمال المفاجأة لا يُستهان به.
مختبر الحيوانات على اليسار.
المبنى (B) على اليمين.
ولكن قبل أن أتمكّن من التقدّم، دوّى صوت زمجرة غريبة قادمة من جهة المختبر. رفعت رأسي بتوجّس، وإذا بي أرى المئات… لا، الآلاف من الزومبيين يصطفّون في الساحة أمام المبنى (A)، صفوفًا كثيفة حدّ أنني ظننتهم جدارًا من اللحم والعظم.
أطلق الزومبي الأقرب إليّ زئيرًا مدوّيًا، وتلاه الآخرون، في جوقة موتٍ رهيبة.
كانوا جميعًا واقفين، يواجهون المختبر بصمت قاتل، وكأنّ أحدًا أمرهم بذلك. لكن اللافت أنهم لم يحملوا العيون الحمراء… لم يكونوا تابعين لأحد.
“وماذا تقترح علينا أن نفعل؟”
“ما الذي يجمعهم هنا؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اتّسع الشك في قلبي، ولم يكن معي بشر لأرسلهم، لذا عقدت العزم على أن أتحرّك بنفسي. التفتُّ إلى متحوّلي المرحلة الأولى، فرأيت بعضهم يلعق دماء الزومبي التي لطّخت أفواههم. كنا قد فتَكنا بما لا يقل عن خمسمئة زومبي في الطريق… وبدا عليهم الاكتفاء.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“ابقوا هنا. إن ناديتكم، تعالوا فورًا.”
ارتطمت قبضتي بمؤخرة جمجمة الزومبي الذي أمامي، فانغرزت الجمجمة إلى الداخل، وتهاوى من خلفه الزومبيون كأحجار البولينغ حين تُضرب ضربةً قاضية.
كيااااه!!
“إن كنت تصرّ…”
كان هديرهم كالرعد، لكن فجأة… تغيّرت ملامحهم. بدا أنهم شمّوا شيئًا ما.
وفي لحظة، تسلّل الرعب من جديد بين صفوفهم، ووجّه بعضهم فوهات أسلحتهم تجاهي. ومع ذلك، لم يجرؤ أحدهم على الضغط على الزناد.
استنشقت الهواء ببطء، أعَدْتُ الخريطة إلى جيبي، وتقدّمت وحدي نحو الساحة.
نظر إليّ لحظةً بصمت، بدت على وجهه دهشة خفيفة من ردّي. انخفض رأسه قليلًا، كأنّ عبئًا ثقيلًا استقرّ على صدره. وبدت على ملامحه علامات الصراع.
غرررر… كااااه… كرووو…
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
استدار الزومبيون نحوي ببطء، كأن أجسادهم تتحرّك وفق إيقاعٍ واحد. وما إن اقتربت، حتى رأيت وجوههم…
“هل هناك سبب واضح لهذا الهجوم؟” سألني بحذر.
واتّسعت عيناي.
تأملت أسلحة الناجين المتهالكة، فلم أجد ما يبعث على الاطمئنان. لم يكونوا أفضل حالًا من ملجأ “هاي-يونغ” في بداياته، حين كان الناس يغامرون بأرواحهم مسلحين برماح فولاذية بدائية. إن استمروا بهذا الضعف، فلن يصمدوا طويلاً.
عروقهم كانت متضخّمة، نابضة، كأنها توشك على الانفجار. أجسادهم مشدودة بتشنّج مخيف، ووجوههم مشوّهة بألمٍ غير مرئي. لعابهم يسيل بكثافة، وكان كل واحد منهم يرمقني بنظرة متّقدة، مليئة بالجوع والجنون.
ترجمة: Arisu san
غروووووو!!
انهلت عليهم باللكمات كالسيل، ضربةً تلو الأخرى، بلا هوادة، حتى سقطوا فوق القضبان كما تتهاوى أوراق الخريف اليابسة. هشّمت عظامهم، دهست أطرافهم، وسحقت بقاياهم، واضعًا حدًّا لوجودهم الذي لا يستحق أن يُسمّى حياة.
أطلق الزومبي الأقرب إليّ زئيرًا مدوّيًا، وتلاه الآخرون، في جوقة موتٍ رهيبة.
“هل هو معنا؟”
ثم، وكأن بوّابة الجحيم قد فُتِحت، اندفعوا نحوي دفعةً واحدة…
غرررر… كااااه… كرووو…
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“إذا ذهبت وحدك، فستضطر إلى ملاحقتهم واحدًا تلو الآخر… قد يُهدر ذلك وقتًا لا نملكه.”
اترك تعليقاً لدعمي🔪
جاء ردّها متوتّرًا، وقد لجأت فجأة إلى اللغة الرسمية، تتنقل بنظرها بيني وبين من يقف بجوارها، كأنها لا تدري إلى من يجب أن توجّه اهتمامها. وبعد لحظة، تجمّع بعض الناجين حولها، وبدأت الهمسات تدور:
أمال تومي رأسه قليلًا، وابتسم ابتسامة خجولة سرعان ما تلاشت:
