الأمل الزائف
لم يجب عيسى فوراً، بل بقي واقفاً أمام اللوح الإلكتروني بينما استقرت عشرات الأعين عليه تنتظر رده. في مكان كهذا، كان الصمت أحياناً أثقل من الكلام، وكأن الجميع يحاول فهم الرجل الذي يقف أمامهم قبل أن يسمعوا إجابته.
التفت إليه عيسى للمرة الأولى منذ بداية الاجتماع، ونظر إليه لعدة لحظات قبل أن يقول:
مرت عدة ثوانٍ طويلة، ثم تحرك عيسى ببطء نحو الطاولة والتقط الملف الأسود الموضوع فوقها. قلب إحدى صفحاته دون أن ينظر إليها فعلياً، وكأنه يمنح الحاضرين وقتاً للتفكير في السؤال نفسه قبل أن يمنحهم الإجابة.
قال عيسى بصوت هادئ:
رفع رأسه أخيراً وقال بهدوء:
نظر عيسى إلى الحاضرين واحداً تلو الآخر ثم أكمل:
لأنني لا أؤمن بالبشرية.
الجندي لا يموت لأنه يؤمن بالحرب، والطبيب لا يعالج لأنه يؤمن بالمرض، والأب لا يحمي ابنه لأنه يؤمن بالخطر. هناك أشياء يجب فعلها مهما كانت النتيجة.
ساد صمت مفاجئ داخل القاعة. حتى أولئك الذين اعتادوا إخفاء مشاعرهم تغيرت ملامحهم للحظة، أما صاحب الندبة فبقي يحدق به منتظراً بقية الجملة.
اشرح.
أكمل عيسى:
ثم أجاب:
لو كنت أؤمن بالبشرية لما وقفت هنا اليوم، ولو كنت أؤمن بأنها قادرة على إنقاذ نفسها لما احتجنا إلى هذا المشروع.
لم يجب عيسى فوراً، بل بقي واقفاً أمام اللوح الإلكتروني بينما استقرت عشرات الأعين عليه تنتظر رده. في مكان كهذا، كان الصمت أحياناً أثقل من الكلام، وكأن الجميع يحاول فهم الرجل الذي يقف أمامهم قبل أن يسمعوا إجابته.
تحركت بعض النظرات بين الجنرالات، بينما بقي الرجل الجالس في نهاية الطاولة صامتاً. لم يتحرك، ولم يعلق، لكن عينيه كانتا تتابعان عيسى باهتمام أكبر من السابق.
الجندي لا يموت لأنه يؤمن بالحرب، والطبيب لا يعالج لأنه يؤمن بالمرض، والأب لا يحمي ابنه لأنه يؤمن بالخطر. هناك أشياء يجب فعلها مهما كانت النتيجة.
قال عيسى بصوت هادئ:
في تلك اللحظة ظهر إشعار أحمر صغير على إحدى الشاشات الجانبية. كان صغيراً لدرجة أن معظم الموجودين لم يلاحظوه، لكن عيسى رآه.
البشرية قضت آلاف السنين وهي تكرر الأخطاء نفسها. تتغير الأسماء، وتتغير الرايات، ويتغير شكل المدن، لكن الأخطاء تبقى كما هي. الطمع، والخوف، والجشع، والرغبة في السيطرة.
انظروا إلى هذا العالم. كم مرة اعتقد الناس أنهم تعلموا من الماضي؟ وكم مرة عادوا إلى تدميره بأيديهم؟
ثم أشار إلى صورة الأرض المعروضة خلفه وتابع:
رفع رأسه أخيراً وقال بهدوء:
انظروا إلى هذا العالم. كم مرة اعتقد الناس أنهم تعلموا من الماضي؟ وكم مرة عادوا إلى تدميره بأيديهم؟
عند منتصف الطاولة، تحرك الرجل عريض الكتفين قليلاً، وخفض يديه عن وجهه للمرة الأولى. ظهرت ملامحه بوضوح أكبر، وجه حاد وعينان متعبتان، وهدوء يشبه هدوء الجنود الذين شاهدوا من الموت ما يكفي حتى توقفوا عن الخوف منه.
لم يجبه أحد، لأن الجميع كان يعرف الإجابة.
توقف قليلاً ثم أضاف:
قال عيسى:
في تلك اللحظة ظهر إشعار أحمر صغير على إحدى الشاشات الجانبية. كان صغيراً لدرجة أن معظم الموجودين لم يلاحظوه، لكن عيسى رآه.
أنا لا أؤمن بالبشرية، لكنني أؤمن بالأمل. وهناك فرق كبير بين الاثنين.
جميل. كلام جميل. لكن الكلام الجميل لم يوقف حرباً قط.
ضاقت عينا صاحب الندبة، ثم قال بلهجة ساخرة:
اختفت الابتسامة الساخرة من وجه الرجل، بينما تابع عيسى:
جميل. كلام جميل. لكن الكلام الجميل لم يوقف حرباً قط.
لو كنت أؤمن بالبشرية لما وقفت هنا اليوم، ولو كنت أؤمن بأنها قادرة على إنقاذ نفسها لما احتجنا إلى هذا المشروع.
التفت إليه عيسى للمرة الأولى منذ بداية الاجتماع، ونظر إليه لعدة لحظات قبل أن يقول:
توقف قليلاً ثم أضاف:
ولا السلاح فعل.
استقرت القاعة في صمت جديد، لكنه لم يكن صمت اعتراض هذه المرة، بل صمت تفكير. حتى أكثر الحاضرين تشدداً بدوا وكأنهم يعيدون وزن كلماته من جديد.
اختفت الابتسامة الساخرة من وجه الرجل، بينما تابع عيسى:
لو كنت أؤمن بالبشرية لما وقفت هنا اليوم، ولو كنت أؤمن بأنها قادرة على إنقاذ نفسها لما احتجنا إلى هذا المشروع.
كم جيشاً قدت؟ كم مدينة استعدت؟ كم عدواً قتلت؟ وفي النهاية، ماذا تغير؟
التفتت الأنظار نحوه، أما عيسى فبقي ينظر إليه للحظات. كانت هذه المرة مختلفة، وكأن السؤال وصل إلى مكان لم يستطع أحد الوصول إليه.
ساد الصمت من جديد. كان السؤال موجهاً إلى شخص واحد، لكن الجميع شعر بأنه موجه إليهم أيضاً. انقبض فك صاحب الندبة ولم يجب، لأنه يعرف أن الإجابة لن تكون في صالحه.
أنا لا أؤمن بالبشرية، لكنني أؤمن بالأمل. وهناك فرق كبير بين الاثنين.
عند منتصف الطاولة، تحرك الرجل عريض الكتفين قليلاً، وخفض يديه عن وجهه للمرة الأولى. ظهرت ملامحه بوضوح أكبر، وجه حاد وعينان متعبتان، وهدوء يشبه هدوء الجنود الذين شاهدوا من الموت ما يكفي حتى توقفوا عن الخوف منه.
تحرك الرجل الجالس في نهاية الطاولة أخيراً، وأسند مرفقه إلى ذراع الكرسي وقال:
قال بصوت منخفض:
كم جيشاً قدت؟ كم مدينة استعدت؟ كم عدواً قتلت؟ وفي النهاية، ماذا تغير؟
إذا كنت لا تؤمن بالبشرية، فلماذا تحاول إنقاذها؟
مرت عدة ثوانٍ طويلة، ثم تحرك عيسى ببطء نحو الطاولة والتقط الملف الأسود الموضوع فوقها. قلب إحدى صفحاته دون أن ينظر إليها فعلياً، وكأنه يمنح الحاضرين وقتاً للتفكير في السؤال نفسه قبل أن يمنحهم الإجابة.
التفتت الأنظار نحوه، أما عيسى فبقي ينظر إليه للحظات. كانت هذه المرة مختلفة، وكأن السؤال وصل إلى مكان لم يستطع أحد الوصول إليه.
وعندها فقط ستدركون أن المشروع لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة.
ثم أجاب:
في تلك اللحظة ظهر إشعار أحمر صغير على إحدى الشاشات الجانبية. كان صغيراً لدرجة أن معظم الموجودين لم يلاحظوه، لكن عيسى رآه.
لأن الإنسان لا يحتاج إلى أن يؤمن بشيء حتى يحاول إنقاذه.
نظر عيسى إلى الحاضرين واحداً تلو الآخر ثم أكمل:
تحرك الرجل الجالس في نهاية الطاولة أخيراً، وأسند مرفقه إلى ذراع الكرسي وقال:
المشكلة كانت في الرجل الذي يقف أمامهم، وفي الأسرار التي أصبح مستعداً للمراهنة بالبشرية كلها من أجل إبقائها مدفونة.
اشرح.
لم يجبه أحد، لأن الجميع كان يعرف الإجابة.
أجاب عيسى:
إذا كنت لا تؤمن بالبشرية، فلماذا تحاول إنقاذها؟
الجندي لا يموت لأنه يؤمن بالحرب، والطبيب لا يعالج لأنه يؤمن بالمرض، والأب لا يحمي ابنه لأنه يؤمن بالخطر. هناك أشياء يجب فعلها مهما كانت النتيجة.
ولا السلاح فعل.
نظر عيسى إلى الحاضرين واحداً تلو الآخر ثم أكمل:
أكمل عيسى:
وهذا المشروع هو أحد تلك الأشياء.
البشرية قضت آلاف السنين وهي تكرر الأخطاء نفسها. تتغير الأسماء، وتتغير الرايات، ويتغير شكل المدن، لكن الأخطاء تبقى كما هي. الطمع، والخوف، والجشع، والرغبة في السيطرة.
استقرت القاعة في صمت جديد، لكنه لم يكن صمت اعتراض هذه المرة، بل صمت تفكير. حتى أكثر الحاضرين تشدداً بدوا وكأنهم يعيدون وزن كلماته من جديد.
ثم أشار إلى صورة الأرض المعروضة خلفه وتابع:
في تلك اللحظة ظهر إشعار أحمر صغير على إحدى الشاشات الجانبية. كان صغيراً لدرجة أن معظم الموجودين لم يلاحظوه، لكن عيسى رآه.
وعندها فقط ستدركون أن المشروع لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة.
تغيرت نظراته للحظة قصيرة جداً، لحظة واحدة فقط، ثم عاد إلى هدوئه المعتاد.
أجاب عيسى:
لكن الرجل الجالس في نهاية الطاولة لاحظ ذلك، كما لاحظه الرجل عريض الكتفين. أما بقية الحاضرين فلم ينتبهوا إلى أي شيء.
جميل. كلام جميل. لكن الكلام الجميل لم يوقف حرباً قط.
عاد عيسى إلى الشاشة وأغلق الإشعار بحركة سريعة، ثم قال:
أنا لا أؤمن بالبشرية، لكنني أؤمن بالأمل. وهناك فرق كبير بين الاثنين.
لن أطلب منكم الثقة، ولن أطلب منكم الإيمان. كل ما أطلبه أن تنظروا إلى العالم كما هو، لا كما تتمنون أن يكون.
قال عيسى:
توقف قليلاً ثم أضاف:
تغيرت نظراته للحظة قصيرة جداً، لحظة واحدة فقط، ثم عاد إلى هدوئه المعتاد.
وعندها فقط ستدركون أن المشروع لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة.
عند منتصف الطاولة، تحرك الرجل عريض الكتفين قليلاً، وخفض يديه عن وجهه للمرة الأولى. ظهرت ملامحه بوضوح أكبر، وجه حاد وعينان متعبتان، وهدوء يشبه هدوء الجنود الذين شاهدوا من الموت ما يكفي حتى توقفوا عن الخوف منه.
عند نهاية الطاولة، ظل الرجل صاحب السيجار صامتاً. لم تغادر عيناه عيسى حتى بعد انتهاء حديثه، فقد أدرك أن المشكلة لم تكن في المشروع، ولا في احتمالات نجاحه أو فشله.
أنا لا أؤمن بالبشرية، لكنني أؤمن بالأمل. وهناك فرق كبير بين الاثنين.
المشكلة كانت في الرجل الذي يقف أمامهم، وفي الأسرار التي أصبح مستعداً للمراهنة بالبشرية كلها من أجل إبقائها مدفونة.
استقرت القاعة في صمت جديد، لكنه لم يكن صمت اعتراض هذه المرة، بل صمت تفكير. حتى أكثر الحاضرين تشدداً بدوا وكأنهم يعيدون وزن كلماته من جديد.
المشكلة كانت في الرجل الذي يقف أمامهم، وفي الأسرار التي أصبح مستعداً للمراهنة بالبشرية كلها من أجل إبقائها مدفونة.
