رهان البشرية
لم يغادر الصمت القاعة بعد كلمات عيسى الأخيرة. بقيت الخرائط معلقة خلفه فوق الجدار العملاق، بينما انشغل كل واحد من الحاضرين بأفكاره الخاصة. بعضهم كان يحاول العثور على ثغرة في المشروع، وبعضهم كان يفكر في العالم الذي سيتركه خلفه، أما الرجل صاحب الندبة فبدا وكأنه يحارب غضباً قديماً لا علاقة له بالاجتماع نفسه. كان يكره المجهول، والمشروع بأكمله لم يكن سوى مجهولٍ ضخم يرتدي اسماً مختلفاً.
لم يغادر الصمت القاعة بعد كلمات عيسى الأخيرة. بقيت الخرائط معلقة خلفه فوق الجدار العملاق، بينما انشغل كل واحد من الحاضرين بأفكاره الخاصة. بعضهم كان يحاول العثور على ثغرة في المشروع، وبعضهم كان يفكر في العالم الذي سيتركه خلفه، أما الرجل صاحب الندبة فبدا وكأنه يحارب غضباً قديماً لا علاقة له بالاجتماع نفسه. كان يكره المجهول، والمشروع بأكمله لم يكن سوى مجهولٍ ضخم يرتدي اسماً مختلفاً.
مرّت لحظات طويلة قبل أن يتقدم أحد الجنرالات إلى الأمام قليلاً. كان رجلاً تجاوز منتصف العمر، تتخلل لحيته خيوط رمادية متفرقة، وتستقر في عينيه نظرة هادئة لا يملكها إلا من رأى الكثير وخسر الكثير. ظل يراقب الخرائط للحظات قبل أن يسأل بصوت متزن:
توقف قليلاً قبل أن يضيف:
إذا نجح المشروع… فما الذي سيبقى من عالمنا الحالي؟
إذاً انتهى الاجتماع.
رفع عيسى رأسه إليه وأجاب دون تردد:
يبدأ أكبر رهان في تاريخ البشرية.
الذكريات.
الحضارات لا تُبنى بالحجارة. الحضارات تُبنى بالأفكار. ولهذا فإن أعظم ما سينتقل معنا ليس البشر… بل ما يسكن داخل عقولهم.
لم تكن الإجابة طويلة، لكنها كانت كافية لإعادة الصمت إلى القاعة. تابع عيسى حديثه وهو ينظر إلى صورة الأرض المعلقة خلفه:
ثم مد يده وأطفأ الشاشة.
كل ما بنيناه سيختفي. المدن، الحدود، الطرق، الأبراج، وحتى المؤسسات التي حكمت حياة البشر لقرون. لكن الناس سيبقون، وستبقى معهم ذكرياتهم. والحقيقة أنني أخشى ما سيحمله البشر معهم أكثر مما أخشى ما سيتركونه خلفهم.
أكمل:
تبادلت بعض الأنظار نظرات صامتة. لم تكن الفكرة مريحة لأحد. فالمدن يمكن بناؤها من جديد، أما الأفكار القديمة فتستطيع أن تعيد إنتاج الكوارث نفسها مهما تغير الزمان والمكان.
هذا كل ما تبقى.
أكمل عيسى بهدوء:
يبدأ أكبر رهان في تاريخ البشرية.
الحضارات لا تُبنى بالحجارة. الحضارات تُبنى بالأفكار. ولهذا فإن أعظم ما سينتقل معنا ليس البشر… بل ما يسكن داخل عقولهم.
لم يقاطعه أحد.
لأول مرة منذ بداية الاجتماع ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه علي. لم تدم أكثر من لحظة، لكنها كانت كافية لتدل على أنه وجد في كلمات عيسى شيئاً يستحق التفكير.
أما عيسى فبقي في مكانه.
استمر النقاش بعد ذلك لبعض الوقت. أسئلة تتعلق بالاستعدادات، وأخرى تتعلق بالإمدادات، وثالثة تتعلق بما سيحدث بعد الانتقال. ومع مرور الدقائق بدأت حقيقة واحدة تتضح للجميع شيئاً فشيئاً؛ لم يعد السؤال هو ما إذا كان المشروع سيُنفذ أم لا. ذلك القرار اتُّخذ منذ سنوات طويلة. ما بقي الآن هو الاستعداد للحظة التي سيصبح فيها كل شيء خارج سيطرة البشر.
ثلاثون يوماً فقط…
أخيراً أطفأ علي سيجاره ونهض من مقعده.
بدأ الجنرالات بمغادرة القاعة تباعاً. تحركت المقاعد، وتعالت أصوات الخطوات فوق الأرضية المعدنية، بينما أخذت القاعة تفرغ تدريجياً من أصحاب القرار الذين اجتمعوا فيها. بعضهم خرج وهو غارق في التفكير، وبعضهم خرج وكأنه يحاول إقناع نفسه بأن ما سمعه اليوم كان القرار الصحيح.
وفي اللحظة التي وقف فيها خيّم الصمت على القاعة من جديد. لم يكن بحاجة إلى رفع صوته أو طرق الطاولة. مجرد وقوفه كان كافياً ليلتفت الجميع إليه.
أكمل:
مرّ بصره على الحاضرين واحداً تلو الآخر. رجال ونساء حملوا فوق أكتافهم أعباء قارات كاملة، وقادوا حروباً لم يكن معظم البشر قادراً حتى على تخيلها. ثم قال بصوت هادئ:
ثم مد يده وأطفأ الشاشة.
بعد ثلاثين يوماً سيدخل المشروع مرحلته الأخيرة.
بدأ الجنرالات بمغادرة القاعة تباعاً. تحركت المقاعد، وتعالت أصوات الخطوات فوق الأرضية المعدنية، بينما أخذت القاعة تفرغ تدريجياً من أصحاب القرار الذين اجتمعوا فيها. بعضهم خرج وهو غارق في التفكير، وبعضهم خرج وكأنه يحاول إقناع نفسه بأن ما سمعه اليوم كان القرار الصحيح.
لم يقاطعه أحد.
إذاً انتهى الاجتماع.
أكمل:
مرّت لحظات طويلة قبل أن يتقدم أحد الجنرالات إلى الأمام قليلاً. كان رجلاً تجاوز منتصف العمر، تتخلل لحيته خيوط رمادية متفرقة، وتستقر في عينيه نظرة هادئة لا يملكها إلا من رأى الكثير وخسر الكثير. ظل يراقب الخرائط للحظات قبل أن يسأل بصوت متزن:
اعتباراً من هذه اللحظة، تُمنح جميع الصلاحيات المطلوبة لفريق المشروع. تُنقل الموارد اللازمة فوراً، وتُرفع الأولوية القصوى لكل ما يطلبه عيسى أو فريقه. لم يعد لدينا متسع من الوقت لإضاعة المزيد منه.
ثلاثون يوماً فقط…
توقف قليلاً قبل أن يضيف:
لم يغادر الصمت القاعة بعد كلمات عيسى الأخيرة. بقيت الخرائط معلقة خلفه فوق الجدار العملاق، بينما انشغل كل واحد من الحاضرين بأفكاره الخاصة. بعضهم كان يحاول العثور على ثغرة في المشروع، وبعضهم كان يفكر في العالم الذي سيتركه خلفه، أما الرجل صاحب الندبة فبدا وكأنه يحارب غضباً قديماً لا علاقة له بالاجتماع نفسه. كان يكره المجهول، والمشروع بأكمله لم يكن سوى مجهولٍ ضخم يرتدي اسماً مختلفاً.
من لديه اعتراض حقيقي… فليتحدث الآن.
ظل يحدق فيها لعدة ثوانٍ.
مرت ثوانٍ طويلة.
توقف قليلاً قبل أن يضيف:
لم يرتفع صوت واحد.
ثلاثون يوماً فقط…
حتى الرجل صاحب الندبة بقي صامتاً هذه المرة. كان لا يزال يشك، ولا يزال غير مرتاح للمشروع، لكنه أدرك أن العجلة بدأت بالدوران منذ زمن بعيد، وأنها أصبحت أكبر من أن يوقفها اعتراض فرد واحد.
كل ما بنيناه سيختفي. المدن، الحدود، الطرق، الأبراج، وحتى المؤسسات التي حكمت حياة البشر لقرون. لكن الناس سيبقون، وستبقى معهم ذكرياتهم. والحقيقة أنني أخشى ما سيحمله البشر معهم أكثر مما أخشى ما سيتركونه خلفهم.
هز علي رأسه ببطء ثم قال:
الذكريات.
إذاً انتهى الاجتماع.
أخيراً أطفأ علي سيجاره ونهض من مقعده.
بدأ الجنرالات بمغادرة القاعة تباعاً. تحركت المقاعد، وتعالت أصوات الخطوات فوق الأرضية المعدنية، بينما أخذت القاعة تفرغ تدريجياً من أصحاب القرار الذين اجتمعوا فيها. بعضهم خرج وهو غارق في التفكير، وبعضهم خرج وكأنه يحاول إقناع نفسه بأن ما سمعه اليوم كان القرار الصحيح.
ثلاثون يوماً فقط…
أما عيسى فبقي في مكانه.
الذكريات.
وقف أمام الشاشة العملاقة بعد أن غادر معظم الحاضرين، ونظر إلى صورة الأرض التي كانت تدور ببطء فوق الجدار. بدت صغيرة على نحو يثير السخرية. كل تلك الحروب، وكل تلك الدماء، وكل تلك القرارات التي غيّرت مصير مليارات البشر… انتهت إلى كرة زرقاء هادئة تدور في صمت.
بعد ثلاثين يوماً سيدخل المشروع مرحلته الأخيرة.
ظل يحدق فيها لعدة ثوانٍ.
أكمل:
ثم مد يده وأطفأ الشاشة.
مرت ثوانٍ طويلة.
اختفت الأرض.
تبادلت بعض الأنظار نظرات صامتة. لم تكن الفكرة مريحة لأحد. فالمدن يمكن بناؤها من جديد، أما الأفكار القديمة فتستطيع أن تعيد إنتاج الكوارث نفسها مهما تغير الزمان والمكان.
وغرق الجدار كله في الظلام.
من لديه اعتراض حقيقي… فليتحدث الآن.
ثلاثون يوماً.
لم يغادر الصمت القاعة بعد كلمات عيسى الأخيرة. بقيت الخرائط معلقة خلفه فوق الجدار العملاق، بينما انشغل كل واحد من الحاضرين بأفكاره الخاصة. بعضهم كان يحاول العثور على ثغرة في المشروع، وبعضهم كان يفكر في العالم الذي سيتركه خلفه، أما الرجل صاحب الندبة فبدا وكأنه يحارب غضباً قديماً لا علاقة له بالاجتماع نفسه. كان يكره المجهول، والمشروع بأكمله لم يكن سوى مجهولٍ ضخم يرتدي اسماً مختلفاً.
هذا كل ما تبقى.
إذا نجح المشروع… فما الذي سيبقى من عالمنا الحالي؟
ثلاثون يوماً فقط…
إذا نجح المشروع… فما الذي سيبقى من عالمنا الحالي؟
يبدأ أكبر رهان في تاريخ البشرية.
أكمل:
لم يقاطعه أحد.
