ظاهرة
لم تكن ليان تحب الأسئلة التي لا تجد لها إجابات.
كان عيسى يترك آثاراً لأفعاله في كل مكان، لكنه لا يترك أثراً لشخصه.
خلال سنوات طويلة قضتها في عالم الاستخبارات تعلمت أن أكثر الأشياء خطورة ليست الأسرار، بل الفراغات. فالسر يمكن مطاردته، ويمكن تحليله، ويمكن في النهاية انتزاعه من صاحبه بطريقة أو بأخرى، أما الفراغ فهو أمر مختلف تماماً. إنه المكان الذي تنتهي عنده جميع الخيوط دفعة واحدة، ويقف العقل عاجزاً عن تحديد ما إذا كان أمام شيء مخفي بعناية أم أمام شيء لا ينبغي أن يكون موجوداً من الأساس.
ولا كجنرال.
ولهذا السبب بالتحديد عاد ملف عيسى ليستقر فوق مكتبها للمرة التي لا تعرف عددها.
حتى صادق.
كان المكتب غارقاً في هدوء الليل، بينما انعكست أضواء المدينة البعيدة عبر النوافذ الواسعة لتمنح الجدران ظلالاً طويلة وممتدة. أمامها تراكمت عشرات الملفات التي تخص قادة وجنرالات وعلماء من مختلف أنحاء العالم، وكل واحد منهم كان يحمل تاريخاً يمكن تتبعه وفهمه. طفولة. دراسة. صداقات. خصومات. نجاحات. إخفاقات. أما الملف الذي حمل اسم عيسى فكان مختلفاً بصورة تدعو للريبة.
ولهذا السبب بالتحديد عاد ملف عيسى ليستقر فوق مكتبها للمرة التي لا تعرف عددها.
كل شيء فيه صحيح.
شعرت أن تلك الحقيقة قد تكون أخطر مما تتوقع.
وهنا كانت المشكلة.
لم تكن ليان تحب الأسئلة التي لا تجد لها إجابات.
لم تجد كذبة واحدة.
في صباح اليوم التالي غادرت مقر الاستخبارات متجهة نحو المجمع البحثي. لم تعلن عن زيارتها مسبقاً، ولم تطلب استقبالاً رسمياً. كانت تريد أن ترى المكان كما هو، بعيداً عن الاستعدادات والمظاهر التي تسبق عادة زيارات الجنرالات.
ولم تجد أيضاً حقيقة واحدة تكفي لفهم صاحبه.
ولأول مرة أيضاً…
كان الأمر أشبه بالنظر إلى لوحة اكتملت جميع أجزائها، ثم اكتشاف أن الرسام نفسه غير موجود داخلها.
ولهذا السبب بالتحديد عاد ملف عيسى ليستقر فوق مكتبها للمرة التي لا تعرف عددها.
أغلقت الملف ببطء وأبعدته عنها، لكنها لم تستطع إبعاد الفكرة التي استقرت في ذهنها منذ أسابيع. ففي كل مرة كانت تحاول فيها تحليل عيسى تصل إلى النتيجة ذاتها. رجل يراه الجميع. يتحدث معه الجميع. يعمل معه الجميع. ومع ذلك لا يعرفه أحد.
امتدت المنشأة أمامها كمدينة مستقلة قائمة بذاتها. مبانٍ ضخمة متصلة بممرات طويلة، وحركة لا تتوقف بين المختبرات ومراكز الطاقة وغرف المراقبة. آلاف الأشخاص يعملون في مكان واحد، وكل واحد منهم يحمل جزءاً صغيراً من مشروع لا يعرف صورته الكاملة إلا عدد محدود جداً من البشر.
حتى صادق.
كان الأمر أشبه بالنظر إلى لوحة اكتملت جميع أجزائها، ثم اكتشاف أن الرسام نفسه غير موجود داخلها.
حركت أصابعها فوق سطح المكتب وهي تستعيد بعض المواقف التي جمعت الرجلين خلال الاجتماعات السابقة. لم يكن بينهما عداء ظاهر، ولم تكن بينهما مودة ظاهرة أيضاً، لكن شيئاً خفياً كان يقف دائماً بينهما. شيء لم تستطع تفسيره بعد. صادق كان ينظر إلى عيسى أكثر مما ينبغي، وعيسى كان يتجنب النظر إلى صادق أكثر مما ينبغي.
لكن ربما كانت تطرح السؤال الخطأ.
وفي عالمها كانت هذه التفاصيل الصغيرة أهم من الكلمات نفسها.
راقبته لدقائق طويلة.
نهضت من مقعدها واتجهت نحو النافذة. كانت السماء مغطاة بطبقات كثيفة من الغيوم، بينما بدت المدينة في الأسفل كبحر من الأضواء الصامتة. لم تكن تفكر بالمشروع في تلك اللحظة، بل بالرجل الذي يقف خلف المشروع.
ولأول مرة منذ بدأت البحث عنه، شعرت أنها اقتربت خطوة واحدة من الحقيقة.
منذ أشهر طويلة كانت من أشد المعارضين للفكرة. لقد بدت لها مجنونة ومتهورة وقادرة على جر البشرية نحو كارثة لا يمكن إصلاحها. لكن ذلك بدأ يتغير تدريجياً منذ أول اجتماع حضرته مع عيسى. لم يكن السبب كلماته وحدها، ولا عبقريته التي تحدث عنها الجميع، بل ذلك الإيمان الغريب الذي كان يحمله في عينيه كلما تحدث عن مشروعه.
بل كظاهرة.
كان يتحدث كما لو أنه يرى شيئاً لا يراه الآخرون.
كان عيسى يترك آثاراً لأفعاله في كل مكان، لكنه لا يترك أثراً لشخصه.
وكأن المسافة بينه وبين هدفه أقصر بكثير مما يتخيل الجميع.
حركت أصابعها فوق سطح المكتب وهي تستعيد بعض المواقف التي جمعت الرجلين خلال الاجتماعات السابقة. لم يكن بينهما عداء ظاهر، ولم تكن بينهما مودة ظاهرة أيضاً، لكن شيئاً خفياً كان يقف دائماً بينهما. شيء لم تستطع تفسيره بعد. صادق كان ينظر إلى عيسى أكثر مما ينبغي، وعيسى كان يتجنب النظر إلى صادق أكثر مما ينبغي.
وهذا ما أثار فضولها.
ولأول مرة أيضاً…
والفضول كان دائماً بداية المشكلات.
حتى صادق.
في صباح اليوم التالي غادرت مقر الاستخبارات متجهة نحو المجمع البحثي. لم تعلن عن زيارتها مسبقاً، ولم تطلب استقبالاً رسمياً. كانت تريد أن ترى المكان كما هو، بعيداً عن الاستعدادات والمظاهر التي تسبق عادة زيارات الجنرالات.
ومع مرور الوقت بدأت ليان تدرك أن المشكلة لم تكن في نقص المعلومات.
امتدت المنشأة أمامها كمدينة مستقلة قائمة بذاتها. مبانٍ ضخمة متصلة بممرات طويلة، وحركة لا تتوقف بين المختبرات ومراكز الطاقة وغرف المراقبة. آلاف الأشخاص يعملون في مكان واحد، وكل واحد منهم يحمل جزءاً صغيراً من مشروع لا يعرف صورته الكاملة إلا عدد محدود جداً من البشر.
لا أحد منهم كان يعرفه فعلاً.
وأثناء تجولها بين الأقسام المختلفة بدأت تلاحظ شيئاً مثيراً للاهتمام.
لم تجد كذبة واحدة.
اسم عيسى كان يتكرر في كل مكان.
ولم تجد أيضاً حقيقة واحدة تكفي لفهم صاحبه.
ليس كقائد.
ومع مرور الوقت بدأت ليان تدرك أن المشكلة لم تكن في نقص المعلومات.
ولا كجنرال.
أغلقت الملف ببطء وأبعدته عنها، لكنها لم تستطع إبعاد الفكرة التي استقرت في ذهنها منذ أسابيع. ففي كل مرة كانت تحاول فيها تحليل عيسى تصل إلى النتيجة ذاتها. رجل يراه الجميع. يتحدث معه الجميع. يعمل معه الجميع. ومع ذلك لا يعرفه أحد.
ولا حتى كعالم.
وأثناء تجولها بين الأقسام المختلفة بدأت تلاحظ شيئاً مثيراً للاهتمام.
بل كظاهرة.
منذ أشهر طويلة كانت من أشد المعارضين للفكرة. لقد بدت لها مجنونة ومتهورة وقادرة على جر البشرية نحو كارثة لا يمكن إصلاحها. لكن ذلك بدأ يتغير تدريجياً منذ أول اجتماع حضرته مع عيسى. لم يكن السبب كلماته وحدها، ولا عبقريته التي تحدث عنها الجميع، بل ذلك الإيمان الغريب الذي كان يحمله في عينيه كلما تحدث عن مشروعه.
كل باحث تحدثت إليه كان يملك قصة مختلفة عنه. أحدهم وصفه بالرجل الذي لا ينام. وآخر قال إنه حفظ تفاصيل مشروع يفوق حجمه قدرة أي إنسان على الاستيعاب. وثالث أقسم أنه رآه يعمل ثلاثة أيام متواصلة دون أن يغادر المختبر إلا لدقائق معدودة.
وعندما وصلت أخيراً إلى المختبر المركزي توقفت خلف الجدار الزجاجي المطل على الداخل. لم تدخل مباشرة. اكتفت بالمراقبة.
كانت القصص مختلفة.
بل كظاهرة.
لكنها تشترك في أمر واحد.
ثم أدركت شيئاً لم يخطر ببالها من قبل.
لا أحد منهم كان يعرفه فعلاً.
كان عشرات الباحثين يتحركون بين الأجهزة والشاشات، بينما امتلأ المكان بأصوات النقاش والعمل المتواصل. وسط كل تلك الحركة جلس عيسى أمام طاولة واسعة غطتها الخرائط والأوراق والبيانات، منشغلاً بعمله إلى درجة جعلت العالم من حوله يبدو غير موجود.
ومع مرور الوقت بدأت ليان تدرك أن المشكلة لم تكن في نقص المعلومات.
لم تكن ليان تحب الأسئلة التي لا تجد لها إجابات.
بل في طبيعة الرجل نفسه.
ولا حتى كعالم.
كان عيسى يترك آثاراً لأفعاله في كل مكان، لكنه لا يترك أثراً لشخصه.
وعندما وصلت أخيراً إلى المختبر المركزي توقفت خلف الجدار الزجاجي المطل على الداخل. لم تدخل مباشرة. اكتفت بالمراقبة.
ومع مرور الوقت بدأت ليان تدرك أن المشكلة لم تكن في نقص المعلومات.
كان عشرات الباحثين يتحركون بين الأجهزة والشاشات، بينما امتلأ المكان بأصوات النقاش والعمل المتواصل. وسط كل تلك الحركة جلس عيسى أمام طاولة واسعة غطتها الخرائط والأوراق والبيانات، منشغلاً بعمله إلى درجة جعلت العالم من حوله يبدو غير موجود.
ولم تجد أيضاً حقيقة واحدة تكفي لفهم صاحبه.
راقبته لدقائق طويلة.
كان الأمر أشبه بالنظر إلى لوحة اكتملت جميع أجزائها، ثم اكتشاف أن الرسام نفسه غير موجود داخلها.
ثم أدركت شيئاً لم يخطر ببالها من قبل.
نهضت من مقعدها واتجهت نحو النافذة. كانت السماء مغطاة بطبقات كثيفة من الغيوم، بينما بدت المدينة في الأسفل كبحر من الأضواء الصامتة. لم تكن تفكر بالمشروع في تلك اللحظة، بل بالرجل الذي يقف خلف المشروع.
طوال الأشهر الماضية كانت تحاول معرفة ما الذي يخفيه ذلك الرجل.
وفي عالمها كانت هذه التفاصيل الصغيرة أهم من الكلمات نفسها.
لكن ربما كانت تطرح السؤال الخطأ.
كان عشرات الباحثين يتحركون بين الأجهزة والشاشات، بينما امتلأ المكان بأصوات النقاش والعمل المتواصل. وسط كل تلك الحركة جلس عيسى أمام طاولة واسعة غطتها الخرائط والأوراق والبيانات، منشغلاً بعمله إلى درجة جعلت العالم من حوله يبدو غير موجود.
ربما لم يكن السؤال:
نهضت من مقعدها واتجهت نحو النافذة. كانت السماء مغطاة بطبقات كثيفة من الغيوم، بينما بدت المدينة في الأسفل كبحر من الأضواء الصامتة. لم تكن تفكر بالمشروع في تلك اللحظة، بل بالرجل الذي يقف خلف المشروع.
ماذا يخفي عيسى؟
حتى صادق.
بل:
بل:
“ما الذي يدفع رجلاً مثله إلى حمل هذا العبء وحده؟”
كل باحث تحدثت إليه كان يملك قصة مختلفة عنه. أحدهم وصفه بالرجل الذي لا ينام. وآخر قال إنه حفظ تفاصيل مشروع يفوق حجمه قدرة أي إنسان على الاستيعاب. وثالث أقسم أنه رآه يعمل ثلاثة أيام متواصلة دون أن يغادر المختبر إلا لدقائق معدودة.
ولأول مرة منذ بدأت البحث عنه، شعرت أنها اقتربت خطوة واحدة من الحقيقة.
لا أحد منهم كان يعرفه فعلاً.
ولأول مرة أيضاً…
حركت أصابعها فوق سطح المكتب وهي تستعيد بعض المواقف التي جمعت الرجلين خلال الاجتماعات السابقة. لم يكن بينهما عداء ظاهر، ولم تكن بينهما مودة ظاهرة أيضاً، لكن شيئاً خفياً كان يقف دائماً بينهما. شيء لم تستطع تفسيره بعد. صادق كان ينظر إلى عيسى أكثر مما ينبغي، وعيسى كان يتجنب النظر إلى صادق أكثر مما ينبغي.
شعرت أن تلك الحقيقة قد تكون أخطر مما تتوقع.
وهنا كانت المشكلة.
في صباح اليوم التالي غادرت مقر الاستخبارات متجهة نحو المجمع البحثي. لم تعلن عن زيارتها مسبقاً، ولم تطلب استقبالاً رسمياً. كانت تريد أن ترى المكان كما هو، بعيداً عن الاستعدادات والمظاهر التي تسبق عادة زيارات الجنرالات.
