كل شيء كُتب بدقة
لم تغادر ليان المختبر مباشرة.
ثم أعادت قراءة الصفحة مرة أخرى.
بقيت واقفة خلف الجدار الزجاجي لعدة دقائق أخرى، تراقب الحركة المنظمة داخل القاعة الواسعة. كان الباحثون يتنقلون بين الأجهزة والشاشات في انسجام يكاد يكون آلياً، بينما تتعالى الأصوات وتنخفض وفق الحاجة دون أن يتحول المكان إلى فوضى. وسط كل ذلك بقي عيسى جالساً في مكانه، منحنياً فوق مجموعة من الأوراق والبيانات، وكأن العالم بأسره انكمش أمامه حتى أصبح لا يتجاوز حدود الطاولة التي يعمل عليها.
وهذا النوع من القرارات لا يتخذه إلا شخص يعرف أكثر مما يقول.
لم يكن منظراً استثنائياً.
لم تكن خطوات مترددة.
لكن شيئاً فيه أثار انتباهها.
ظهرت ابتسامة خفيفة جداً على طرف فمه.
خلال حياتها رأت كثيراً من العباقرة. بعضهم كان مغروراً إلى درجة لا تطاق، وبعضهم كان مهووساً بنفسه أكثر من هوسه بعمله، أما عيسى فبدا مختلفاً. لم يكن يسعى إلى لفت الأنظار، ولم يكن يتصرف كرجل يدرك أن مصير البشرية قد يرتبط باسمه يوماً ما. بل بدا أقرب إلى شخص يطارد فكرة ما، فكرة أكبر منه بكثير، حتى إنه نسي نفسه أثناء مطاردتها.
تجمد المشرف للحظة.
استدارت أخيراً وغادرت المكان.
ولأول مرة منذ بداية اللقاء بدا الرجل متوتراً.
لكنها لم تغادر المجمع.
استدارت.
كان هناك أمر آخر أرادت التأكد منه.
وفي عالم الاستخبارات كان الصمت أحياناً اعترافاً كاملاً.
في الطابق السفلي من المنشأة، خلف عدة أبواب أمنية متتالية، استقبلها أحد كبار المشرفين على المشروع. كان رجلاً تجاوز الخمسين بقليل، يحمل ملامح مرهقة وعينين اعتادتا السهر الطويل.
ولأول مرة منذ بدأت تهتم بأمره لم يكن بينهما زجاج أو مسافة أو اجتماع رسمي.
قادها عبر ممر ضيق حتى وصلا إلى غرفة صغيرة تملؤها الشاشات.
استدارت.
قال الرجل:
ثم قال بهدوء:
هنا تُجمع معظم التقارير اليومية قبل إرسالها للإدارة العليا.
لكن شيئاً ما كان ناقصاً.
أومأت ليان بهدوء.
وقالت:
ثم بدأت تتصفح بعض الملفات بنفسها.
لو عرف الناس حجم العمل هنا…
مرت الدقائق ببطء بينما كانت تقرأ عشرات التقارير الفنية والأمنية. أغلبها لم يحمل شيئاً مهماً. أرقام. جداول. نتائج اختبارات. أعطال بسيطة تم إصلاحها. أمور معتادة داخل مشروع بهذا الحجم.
قادها عبر ممر ضيق حتى وصلا إلى غرفة صغيرة تملؤها الشاشات.
لكن شيئاً واحداً شد انتباهها.
وتفكر في الجملة الأخيرة.
التقرير المتعلق بالنشاط المجهول الذي ظهر قبل أيام.
بينما بقيت هي واقفة في مكانها.
رفعت رأسها قليلاً.
تتابع ابتعاده.
ثم أعادت قراءة الصفحة مرة أخرى.
توقفت خطواته عندما رآها.
وبعدها مرة ثالثة.
لحظة قصيرة جداً.
كل شيء كُتب بدقة.
أجاب:
كل شيء وُثق.
لم تبتسم.
لكن شيئاً ما كان ناقصاً.
هل سيبقون مؤيدين للمشروع؟
قالت فجأة:
ثم أجاب بصوت خافت:
أين التقرير الأصلي؟
تجمد المشرف للحظة.
تجمد المشرف للحظة.
بعد نصف ساعة كانت تسير وحدها في أحد الممرات الطويلة للمجمع.
لحظة قصيرة جداً.
ثم أعادت قراءة الصفحة مرة أخرى.
لكنها كانت كافية.
هنا تُجمع معظم التقارير اليومية قبل إرسالها للإدارة العليا.
رفعت ليان عينيها نحوه.
كان هناك أمر آخر أرادت التأكد منه.
ولأول مرة منذ بداية اللقاء بدا الرجل متوتراً.
وفي عالم الاستخبارات كان الصمت أحياناً اعترافاً كاملاً.
أجاب:
لكن شيئاً فيه أثار انتباهها.
أي تقرير؟
تردد الرجل.
لم ترد مباشرة.
بعد نصف ساعة كانت تسير وحدها في أحد الممرات الطويلة للمجمع.
بل استمرت تنظر إليه بصمت حتى بدأ يتجنب النظر إليها.
لكن شيئاً فيه أثار انتباهها.
ثم قالت:
لكن شيئاً ما كان ناقصاً.
أنا لا أسأل عن النسخة المرسلة للإدارة.
اختفت الابتسامة تماماً.
أسأل عن التقرير الأصلي.
ثم أجاب بصوت خافت:
ساد الصمت داخل الغرفة.
بل كانت واثقة من ذلك.
وفي عالم الاستخبارات كان الصمت أحياناً اعترافاً كاملاً.
وتفكر في الجملة الأخيرة.
أخفض الرجل رأسه أخيراً.
ثم قال بهدوء:
وقال:
التقرير المتعلق بالنشاط المجهول الذي ظهر قبل أيام.
وصلت أوامر بحذفه.
ثم بدأت تتصفح بعض الملفات بنفسها.
ضيقت ليان عينيها.
بل كانت واثقة من ذلك.
أوامر ممن؟
ضيقت ليان عينيها.
تردد الرجل.
ولأول مرة منذ بداية اللقاء بدا الرجل متوتراً.
ثم أجاب بصوت خافت:
بل خطوات رجل يعرف إلى أين يذهب.
من عيسى.
لكنها تجاهلت ذلك.
بعد نصف ساعة كانت تسير وحدها في أحد الممرات الطويلة للمجمع.
وتفكر في الجملة الأخيرة.
لم يظهر على وجهها أي انفعال.
كانا وحدهما.
لكن عقلها كان يعمل بسرعة كبيرة.
من عيسى.
لقد توقعت أن يخفي عيسى أسراراً.
ولأول مرة منذ بدأت تهتم بأمره لم يكن بينهما زجاج أو مسافة أو اجتماع رسمي.
بل كانت واثقة من ذلك.
أجاب:
لكن حذف تقرير كامل من السجلات الرسمية كان أمراً مختلفاً.
كانا وحدهما.
الأمر لم يكن متعلقاً بإخفاء معلومة.
لما قامت حضارة واحدة في التاريخ.
بل بالتحكم في من يملك حق معرفتها.
قال الرجل:
وهذا النوع من القرارات لا يتخذه إلا شخص يعرف أكثر مما يقول.
كان هناك أمر آخر أرادت التأكد منه.
توقفت أمام نافذة تطل على ساحة داخلية فارغة.
ضيقت ليان عينيها.
كان الغروب يقترب ببطء، بينما بدأت الظلال تتمدد فوق الأرض الإسمنتية.
بل بالتحكم في من يملك حق معرفتها.
ظلت تحدق في الخارج لبعض الوقت قبل أن يقطع أفكارها صوت خطوات قادمة من خلفها.
ثم قالت:
لم تكن خطوات مترددة.
بل كانت اعترافاً بشيء أكبر بكثير.
ولا مستعجلة.
رفعت ليان عينيها نحوه.
بل خطوات رجل يعرف إلى أين يذهب.
من عيسى.
استدارت.
ساد الصمت داخل الغرفة.
فرأت عيسى.
ولا مستعجلة.
كان يحمل عدة ملفات تحت ذراعه، وعلامات الإرهاق واضحة على وجهه أكثر من المعتاد.
ابتسامة بالكاد وُلدت قبل أن تختفي.
لكن عينيه بقيتا ثابتتين كما هما.
وقال بصوت هادئ:
توقفت خطواته عندما رآها.
فرأت عيسى.
أما هي فلم تقل شيئاً.
استدارت أخيراً وغادرت المكان.
لثوانٍ طويلة وقف الاثنان يتبادلان النظرات وسط الممر الخالي.
مرت الدقائق ببطء بينما كانت تقرأ عشرات التقارير الفنية والأمنية. أغلبها لم يحمل شيئاً مهماً. أرقام. جداول. نتائج اختبارات. أعطال بسيطة تم إصلاحها. أمور معتادة داخل مشروع بهذا الحجم.
ولأول مرة منذ بدأت تهتم بأمره لم يكن بينهما زجاج أو مسافة أو اجتماع رسمي.
ثم قالت:
كانا وحدهما.
وهذا النوع من القرارات لا يتخذه إلا شخص يعرف أكثر مما يقول.
تماماً.
الأمر لم يكن متعلقاً بإخفاء معلومة.
كسر عيسى الصمت أولاً.
لثوانٍ طويلة وقف الاثنان يتبادلان النظرات وسط الممر الخالي.
وقال بصوت هادئ:
رفعت ليان عينيها نحوه.
يبدو أن زيارتك أطول مما توقعت.
شعرت ليان أنها ألقت حجراً في مياه راكدة.
لم تعرف لماذا شعرت أن الجملة تحمل معنى آخر غير ظاهرها.
كل شيء وُثق.
لكنها تجاهلت ذلك.
رفعت ليان عينيها نحوه.
وقالت:
ثم أعادت قراءة الصفحة مرة أخرى.
وأنت تبدو مشغولاً أكثر مما تظهره للناس.
قال الرجل:
ظهرت ابتسامة خفيفة جداً على طرف فمه.
قالت فجأة:
ابتسامة بالكاد وُلدت قبل أن تختفي.
وفي عالم الاستخبارات كان الصمت أحياناً اعترافاً كاملاً.
ثم قال:
لو عرف الناس كل شيء…
لو عرف الناس حجم العمل هنا…
كان يحمل عدة ملفات تحت ذراعه، وعلامات الإرهاق واضحة على وجهه أكثر من المعتاد.
لاشتكوا أقل.
وفي عالم الاستخبارات كان الصمت أحياناً اعترافاً كاملاً.
لم تبتسم.
ظهرت ابتسامة خفيفة جداً على طرف فمه.
بل استمرت تنظر إليه مباشرة.
هنا تُجمع معظم التقارير اليومية قبل إرسالها للإدارة العليا.
قبل أن تقول:
لكنها تجاهلت ذلك.
ولو عرفوا كل شيء…
لثوانٍ طويلة وقف الاثنان يتبادلان النظرات وسط الممر الخالي.
هل سيبقون مؤيدين للمشروع؟
لحظة قصيرة جداً.
اختفت الابتسامة تماماً.
قال الرجل:
ساد الصمت من جديد.
لكنها كانت كافية.
لكن هذه المرة كان مختلفاً.
قال الرجل:
شعرت ليان أنها ألقت حجراً في مياه راكدة.
وقال بصوت هادئ:
ورأت أول تموجاته.
أي تقرير؟
أما عيسى فقد ظل يحدق فيها للحظات طويلة.
كانا وحدهما.
ثم قال بهدوء:
ورأت أول تموجاته.
لو عرف الناس كل شيء…
أنا لا أسأل عن النسخة المرسلة للإدارة.
لما قامت حضارة واحدة في التاريخ.
لأنها لم تكن إجابة.
ومر بجانبها بعدها دون أن يضيف كلمة أخرى.
ثم أعادت قراءة الصفحة مرة أخرى.
بينما بقيت هي واقفة في مكانها.
ضيقت ليان عينيها.
تتابع ابتعاده.
لم تبتسم.
وتفكر في الجملة الأخيرة.
قال الرجل:
لأنها لم تكن إجابة.
وأنت تبدو مشغولاً أكثر مما تظهره للناس.
بل كانت اعترافاً بشيء أكبر بكثير.
قال الرجل:
من عيسى.
