كل شيء كُتب بدقة
لم تغادر ليان المختبر مباشرة.
شعرت ليان أنها ألقت حجراً في مياه راكدة.
بقيت واقفة خلف الجدار الزجاجي لعدة دقائق أخرى، تراقب الحركة المنظمة داخل القاعة الواسعة. كان الباحثون يتنقلون بين الأجهزة والشاشات في انسجام يكاد يكون آلياً، بينما تتعالى الأصوات وتنخفض وفق الحاجة دون أن يتحول المكان إلى فوضى. وسط كل ذلك بقي عيسى جالساً في مكانه، منحنياً فوق مجموعة من الأوراق والبيانات، وكأن العالم بأسره انكمش أمامه حتى أصبح لا يتجاوز حدود الطاولة التي يعمل عليها.
بقيت واقفة خلف الجدار الزجاجي لعدة دقائق أخرى، تراقب الحركة المنظمة داخل القاعة الواسعة. كان الباحثون يتنقلون بين الأجهزة والشاشات في انسجام يكاد يكون آلياً، بينما تتعالى الأصوات وتنخفض وفق الحاجة دون أن يتحول المكان إلى فوضى. وسط كل ذلك بقي عيسى جالساً في مكانه، منحنياً فوق مجموعة من الأوراق والبيانات، وكأن العالم بأسره انكمش أمامه حتى أصبح لا يتجاوز حدود الطاولة التي يعمل عليها.
لم يكن منظراً استثنائياً.
وبعدها مرة ثالثة.
لكن شيئاً فيه أثار انتباهها.
لاشتكوا أقل.
خلال حياتها رأت كثيراً من العباقرة. بعضهم كان مغروراً إلى درجة لا تطاق، وبعضهم كان مهووساً بنفسه أكثر من هوسه بعمله، أما عيسى فبدا مختلفاً. لم يكن يسعى إلى لفت الأنظار، ولم يكن يتصرف كرجل يدرك أن مصير البشرية قد يرتبط باسمه يوماً ما. بل بدا أقرب إلى شخص يطارد فكرة ما، فكرة أكبر منه بكثير، حتى إنه نسي نفسه أثناء مطاردتها.
خلال حياتها رأت كثيراً من العباقرة. بعضهم كان مغروراً إلى درجة لا تطاق، وبعضهم كان مهووساً بنفسه أكثر من هوسه بعمله، أما عيسى فبدا مختلفاً. لم يكن يسعى إلى لفت الأنظار، ولم يكن يتصرف كرجل يدرك أن مصير البشرية قد يرتبط باسمه يوماً ما. بل بدا أقرب إلى شخص يطارد فكرة ما، فكرة أكبر منه بكثير، حتى إنه نسي نفسه أثناء مطاردتها.
استدارت أخيراً وغادرت المكان.
قال الرجل:
لكنها لم تغادر المجمع.
أومأت ليان بهدوء.
كان هناك أمر آخر أرادت التأكد منه.
لم تعرف لماذا شعرت أن الجملة تحمل معنى آخر غير ظاهرها.
في الطابق السفلي من المنشأة، خلف عدة أبواب أمنية متتالية، استقبلها أحد كبار المشرفين على المشروع. كان رجلاً تجاوز الخمسين بقليل، يحمل ملامح مرهقة وعينين اعتادتا السهر الطويل.
كانا وحدهما.
قادها عبر ممر ضيق حتى وصلا إلى غرفة صغيرة تملؤها الشاشات.
كان هناك أمر آخر أرادت التأكد منه.
قال الرجل:
كانا وحدهما.
هنا تُجمع معظم التقارير اليومية قبل إرسالها للإدارة العليا.
لأنها لم تكن إجابة.
أومأت ليان بهدوء.
لقد توقعت أن يخفي عيسى أسراراً.
ثم بدأت تتصفح بعض الملفات بنفسها.
مرت الدقائق ببطء بينما كانت تقرأ عشرات التقارير الفنية والأمنية. أغلبها لم يحمل شيئاً مهماً. أرقام. جداول. نتائج اختبارات. أعطال بسيطة تم إصلاحها. أمور معتادة داخل مشروع بهذا الحجم.
مرت الدقائق ببطء بينما كانت تقرأ عشرات التقارير الفنية والأمنية. أغلبها لم يحمل شيئاً مهماً. أرقام. جداول. نتائج اختبارات. أعطال بسيطة تم إصلاحها. أمور معتادة داخل مشروع بهذا الحجم.
ثم أجاب بصوت خافت:
لكن شيئاً واحداً شد انتباهها.
مرت الدقائق ببطء بينما كانت تقرأ عشرات التقارير الفنية والأمنية. أغلبها لم يحمل شيئاً مهماً. أرقام. جداول. نتائج اختبارات. أعطال بسيطة تم إصلاحها. أمور معتادة داخل مشروع بهذا الحجم.
التقرير المتعلق بالنشاط المجهول الذي ظهر قبل أيام.
بعد نصف ساعة كانت تسير وحدها في أحد الممرات الطويلة للمجمع.
رفعت رأسها قليلاً.
توقفت خطواته عندما رآها.
ثم أعادت قراءة الصفحة مرة أخرى.
ثم بدأت تتصفح بعض الملفات بنفسها.
وبعدها مرة ثالثة.
لم تبتسم.
كل شيء كُتب بدقة.
قبل أن تقول:
كل شيء وُثق.
لكنها كانت كافية.
لكن شيئاً ما كان ناقصاً.
لكن هذه المرة كان مختلفاً.
قالت فجأة:
بل كانت اعترافاً بشيء أكبر بكثير.
أين التقرير الأصلي؟
بل كانت واثقة من ذلك.
تجمد المشرف للحظة.
بل استمرت تنظر إليه مباشرة.
لحظة قصيرة جداً.
كل شيء كُتب بدقة.
لكنها كانت كافية.
لم ترد مباشرة.
رفعت ليان عينيها نحوه.
بعد نصف ساعة كانت تسير وحدها في أحد الممرات الطويلة للمجمع.
ولأول مرة منذ بداية اللقاء بدا الرجل متوتراً.
أما عيسى فقد ظل يحدق فيها للحظات طويلة.
أجاب:
أوامر ممن؟
أي تقرير؟
ثم قال:
لم ترد مباشرة.
لما قامت حضارة واحدة في التاريخ.
بل استمرت تنظر إليه بصمت حتى بدأ يتجنب النظر إليها.
كسر عيسى الصمت أولاً.
ثم قالت:
وهذا النوع من القرارات لا يتخذه إلا شخص يعرف أكثر مما يقول.
أنا لا أسأل عن النسخة المرسلة للإدارة.
بعد نصف ساعة كانت تسير وحدها في أحد الممرات الطويلة للمجمع.
أسأل عن التقرير الأصلي.
لكن عقلها كان يعمل بسرعة كبيرة.
ساد الصمت داخل الغرفة.
هل سيبقون مؤيدين للمشروع؟
وفي عالم الاستخبارات كان الصمت أحياناً اعترافاً كاملاً.
مرت الدقائق ببطء بينما كانت تقرأ عشرات التقارير الفنية والأمنية. أغلبها لم يحمل شيئاً مهماً. أرقام. جداول. نتائج اختبارات. أعطال بسيطة تم إصلاحها. أمور معتادة داخل مشروع بهذا الحجم.
أخفض الرجل رأسه أخيراً.
لكن حذف تقرير كامل من السجلات الرسمية كان أمراً مختلفاً.
وقال:
توقفت خطواته عندما رآها.
وصلت أوامر بحذفه.
أي تقرير؟
ضيقت ليان عينيها.
استدارت أخيراً وغادرت المكان.
أوامر ممن؟
لم يظهر على وجهها أي انفعال.
تردد الرجل.
أنا لا أسأل عن النسخة المرسلة للإدارة.
ثم أجاب بصوت خافت:
وبعدها مرة ثالثة.
من عيسى.
بل استمرت تنظر إليه مباشرة.
بعد نصف ساعة كانت تسير وحدها في أحد الممرات الطويلة للمجمع.
قال الرجل:
لم يظهر على وجهها أي انفعال.
لم تغادر ليان المختبر مباشرة.
لكن عقلها كان يعمل بسرعة كبيرة.
توقفت أمام نافذة تطل على ساحة داخلية فارغة.
لقد توقعت أن يخفي عيسى أسراراً.
ورأت أول تموجاته.
بل كانت واثقة من ذلك.
لم ترد مباشرة.
لكن حذف تقرير كامل من السجلات الرسمية كان أمراً مختلفاً.
رفعت رأسها قليلاً.
الأمر لم يكن متعلقاً بإخفاء معلومة.
بقيت واقفة خلف الجدار الزجاجي لعدة دقائق أخرى، تراقب الحركة المنظمة داخل القاعة الواسعة. كان الباحثون يتنقلون بين الأجهزة والشاشات في انسجام يكاد يكون آلياً، بينما تتعالى الأصوات وتنخفض وفق الحاجة دون أن يتحول المكان إلى فوضى. وسط كل ذلك بقي عيسى جالساً في مكانه، منحنياً فوق مجموعة من الأوراق والبيانات، وكأن العالم بأسره انكمش أمامه حتى أصبح لا يتجاوز حدود الطاولة التي يعمل عليها.
بل بالتحكم في من يملك حق معرفتها.
تتابع ابتعاده.
وهذا النوع من القرارات لا يتخذه إلا شخص يعرف أكثر مما يقول.
توقفت خطواته عندما رآها.
توقفت أمام نافذة تطل على ساحة داخلية فارغة.
أخفض الرجل رأسه أخيراً.
كان الغروب يقترب ببطء، بينما بدأت الظلال تتمدد فوق الأرض الإسمنتية.
توقفت خطواته عندما رآها.
ظلت تحدق في الخارج لبعض الوقت قبل أن يقطع أفكارها صوت خطوات قادمة من خلفها.
لكنها لم تغادر المجمع.
لم تكن خطوات مترددة.
كان يحمل عدة ملفات تحت ذراعه، وعلامات الإرهاق واضحة على وجهه أكثر من المعتاد.
ولا مستعجلة.
ثم قال:
بل خطوات رجل يعرف إلى أين يذهب.
وتفكر في الجملة الأخيرة.
استدارت.
كانا وحدهما.
فرأت عيسى.
بل خطوات رجل يعرف إلى أين يذهب.
كان يحمل عدة ملفات تحت ذراعه، وعلامات الإرهاق واضحة على وجهه أكثر من المعتاد.
قادها عبر ممر ضيق حتى وصلا إلى غرفة صغيرة تملؤها الشاشات.
لكن عينيه بقيتا ثابتتين كما هما.
لم تبتسم.
توقفت خطواته عندما رآها.
أخفض الرجل رأسه أخيراً.
أما هي فلم تقل شيئاً.
لكنها تجاهلت ذلك.
لثوانٍ طويلة وقف الاثنان يتبادلان النظرات وسط الممر الخالي.
في الطابق السفلي من المنشأة، خلف عدة أبواب أمنية متتالية، استقبلها أحد كبار المشرفين على المشروع. كان رجلاً تجاوز الخمسين بقليل، يحمل ملامح مرهقة وعينين اعتادتا السهر الطويل.
ولأول مرة منذ بدأت تهتم بأمره لم يكن بينهما زجاج أو مسافة أو اجتماع رسمي.
أين التقرير الأصلي؟
كانا وحدهما.
أي تقرير؟
تماماً.
ابتسامة بالكاد وُلدت قبل أن تختفي.
كسر عيسى الصمت أولاً.
أين التقرير الأصلي؟
وقال بصوت هادئ:
ثم بدأت تتصفح بعض الملفات بنفسها.
يبدو أن زيارتك أطول مما توقعت.
بل خطوات رجل يعرف إلى أين يذهب.
لم تعرف لماذا شعرت أن الجملة تحمل معنى آخر غير ظاهرها.
لكن شيئاً ما كان ناقصاً.
لكنها تجاهلت ذلك.
كسر عيسى الصمت أولاً.
وقالت:
لم تعرف لماذا شعرت أن الجملة تحمل معنى آخر غير ظاهرها.
وأنت تبدو مشغولاً أكثر مما تظهره للناس.
ثم قال بهدوء:
ظهرت ابتسامة خفيفة جداً على طرف فمه.
يبدو أن زيارتك أطول مما توقعت.
ابتسامة بالكاد وُلدت قبل أن تختفي.
ثم أعادت قراءة الصفحة مرة أخرى.
ثم قال:
لاشتكوا أقل.
لو عرف الناس حجم العمل هنا…
كان الغروب يقترب ببطء، بينما بدأت الظلال تتمدد فوق الأرض الإسمنتية.
لاشتكوا أقل.
تردد الرجل.
لم تبتسم.
كل شيء وُثق.
بل استمرت تنظر إليه مباشرة.
لو عرف الناس كل شيء…
قبل أن تقول:
وأنت تبدو مشغولاً أكثر مما تظهره للناس.
ولو عرفوا كل شيء…
ثم قال بهدوء:
هل سيبقون مؤيدين للمشروع؟
هل سيبقون مؤيدين للمشروع؟
اختفت الابتسامة تماماً.
وصلت أوامر بحذفه.
ساد الصمت من جديد.
أما هي فلم تقل شيئاً.
لكن هذه المرة كان مختلفاً.
أوامر ممن؟
شعرت ليان أنها ألقت حجراً في مياه راكدة.
ولو عرفوا كل شيء…
ورأت أول تموجاته.
ولو عرفوا كل شيء…
أما عيسى فقد ظل يحدق فيها للحظات طويلة.
أومأت ليان بهدوء.
ثم قال بهدوء:
لكن شيئاً واحداً شد انتباهها.
لو عرف الناس كل شيء…
وفي عالم الاستخبارات كان الصمت أحياناً اعترافاً كاملاً.
لما قامت حضارة واحدة في التاريخ.
توقفت أمام نافذة تطل على ساحة داخلية فارغة.
ومر بجانبها بعدها دون أن يضيف كلمة أخرى.
التقرير المتعلق بالنشاط المجهول الذي ظهر قبل أيام.
بينما بقيت هي واقفة في مكانها.
لكن شيئاً فيه أثار انتباهها.
تتابع ابتعاده.
لم تغادر ليان المختبر مباشرة.
وتفكر في الجملة الأخيرة.
أومأت ليان بهدوء.
لأنها لم تكن إجابة.
كان الغروب يقترب ببطء، بينما بدأت الظلال تتمدد فوق الأرض الإسمنتية.
بل كانت اعترافاً بشيء أكبر بكثير.
تجمد المشرف للحظة.
لكن شيئاً ما كان ناقصاً.
