الوليمة (2)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“كفى.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“أتساءل، ما رأي الأصغر في كل هذا…”
ترجمة: Arisu san
“بمجرد تصفح تلك الوثائق، يستطيع المرء اكتشاف أسلحة لا تُعد ولا تُحصى، لا سيوفًا فقط، بل أدوات ضغط لا تقدر بثمن. وأتصور أن المستندات المصنفة التي لا يطّلع عليها سوى والديّ، تحتوي على أسلحة أقوى وأكثر.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أتساءل، ما رأي الأصغر في كل هذا…”
منذ لحظة وصول سيّد العشيرة، بدأ الضيوف في دخول حديقة السيوف.
“يالها من حسرة… لو أنه وُلد أبكر… إنه كما لو أن موهبة لونا، وجنون ماري، وروح المنافسة لدى ديبوس… قد اجتمعت كلها في جسد واحد.”
كان من بينهم وفود من جميع الأمم، بما في ذلك إمبراطورية فيرمونت، والحرس الإمبراطوري، والقوات الخاصة، وفرسان ملك التنانين، وعشيرة يفليانو، وعشيرة توكو، وعشيرة كين، ومرتزقة الملك الأسود، ومرتزقة الأشباح، وغيرهم كثير.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
جميعهم شخصيات مرموقة تنتمي إلى عشائر أو منظمات ذات نفوذ بالغ. ومع دخولهم حديقة السيوف واحدًا تلو الآخر، بدا كما لو أن قصر الحديقة يعلوهم بكبرياء، كأنه ملك جالس على عرشه.
ضحك سايرون وقال:
كان المشهد يوحي بأن المبنى نفسه يأمر الضيوف بإظهار أدنى قدر من الأدب والاحترام في حضرته.
“ستكون الأيام الثلاثة القادمة طويلة كالدهر… لا أطيق الانتظار للانطلاق.”
وفوق ذلك، كانت آلاف السيوف مغروسة في الأرض حول الحديقة، يمر بين غاباتها المعدنية الزوّار رفيعو الشأن.
جميعهم شخصيات مرموقة تنتمي إلى عشائر أو منظمات ذات نفوذ بالغ. ومع دخولهم حديقة السيوف واحدًا تلو الآخر، بدا كما لو أن قصر الحديقة يعلوهم بكبرياء، كأنه ملك جالس على عرشه.
كان مشهدًا مهيبًا بكل معنى الكلمة. في الحقيقة، حتى مراسم تتويج إمبراطور فيرمونت لم تكن بهذه الفخامة أو الإشراق. فألف ضيف قدِموا اليوم إلى العشيرة كانوا تجسيدًا لهيبة وقوة ونفوذ عائلة رونكاندل.
تنفّس جين بعمق، وأكمل:
غاص فرسان الحراسة وخدم العشيرة في نشوة هذا الشعور بالتميّز، ووقفوا بتعابير وجوه صارمة تنضح بالفخر. كان عليهم أن يُثبتوا أن فرسان وخدم رونكاندل ليسوا عاديين، بل يشاطرون العشيرة عظمتها.
“تقديري التقريبي… ألف ضيف، يا أبي.”
باستثناء عشيرة زيفل، لم تكن هناك أي عشيرة أخرى تجرؤ على مجاراة رونكاندل. وبما أن الزيفل لم يرسلوا طلبًا رسميًّا لحضور الوليمة، فقد وقف أبناء رونكاندل مرفوعي الرأس، بلا خوف.
ضحك سايرون وقال:
وفي تلك الأثناء، كان جين يشاهد هذا المشهد المذهل إلى جانب سايرون. كانا واقفَين على الشرفة المطلة على الفناء، يُلقي سايرون التحية على الضيوف بين الحين والآخر، بينما يُنزل جين رأسه باحترام.
تقدير سايرون لحماية موقعه كزعيم للعشيرة يتراوح بين عشرة إلى خمسة عشر عامًا.
“لابد أن هذه أول وليمة تحضرها.”
“نعم، يا أبي.”
“نعم، يا أبي.”
“أتساءل، ما رأي الأصغر في كل هذا…”
في الحقيقة، سبق لجين أن حضر بعض الولائم في حياته السابقة بفضل أستاذه في السحر، لكنّها كانت المرة الأولى التي يحضر فيها وليمة تستضيفها عشيرة رونكاندل، حتى وإن احتُسبت حياته السابقة.
بل إن بعضهم كان يصرّح بغباء بأنهم سيصبحون فرسان الأصل التاليين.
ففي الماضي، حين كانت العشيرة تُقيم وليمة، لم يكن يُسمح له بالحضور، بل كان يُجبر على البقاء في الظل كما لو كان مجرمًا. فأن يظل أحد أنقى دماء رونكاندل فارس [نجمة واحدة] في عمر الخامسة والعشرين كان عارًا على العشيرة.
سواء أجروا تجارب سرّية بالسحر المحرّم في أنقاض كولون، أو عثروا على نافورة المانا وبدأوا في إنتاج سحرة من الدرجة السابعة كما لو أنهم يصنعونهم في مصنع… إلا أن الزيفل ظلّوا في نظر العامة رمزًا للعدالة والخير.
“لكن الآن… أقف بجوار والدي خلال الوليمة، بصفتي أحد نجوم هذا الحدث. من كان يظن أنني سأبلغ هذا المقام بعد أن متّ مرة؟”
لطالما طرح سايرون هذا السؤال على جميع أبنائه.
شعر جين بالفخر، لكن في الوقت ذاته كان مرارةٌ تتآكل قلبه. بل إن المرارة فاقت الفخر والفرح في أعماقه.
انحنى جين بصمت، رغم أنه شعر بخيبة أمل طفيفة من تقييم والده الصارم.
ورغم ذلك، لم يُظهر شيئًا، وانتظر كلمات والده التالية بصمت.
وفي النهاية، سيتجه العالم نحو نظام تحكمه عشيرة زيڤل وحدها. أما إمبراطورية فيرمونت — التي تلعب اليوم دور الوسيط بين العشيرتين — فستقف حتمًا إلى جانب عشيرة السحرة إن وصلت الأمور إلى هذا الحد.
“كما تعلم، عشيرتنا لا تُقيم الولائم كثيرًا.”
بل إن بعضهم كان يصرّح بغباء بأنهم سيصبحون فرسان الأصل التاليين.
“أجل.”
“أنت محق. لكننا لسنا الوحيدين الذين يملكون نقاط ضعف عن الآخرين، يا بُني. الزيفل كذلك لديهم ما يكفي من الملفات ضدهم.”
“نُقيمها فقط حين يكون هناك أمر يستحق الاحتفال بحق. بعبارة أخرى، إن إنجازاتك حتى الآن رائعة إلى هذا الحد.”
“كفى.”
“شكرًا جزيلًا لك، يا أبي.”
“أما السيدة شارلوت هيرالد، فقد باعت إرث عائلتها بسبب إدمانها المَرَضي على القمار، ثم توسّلت إلينا لاستعادته، ولا تزال عشيرتها تدين لنا حتى اليوم.”
مرّر سايرون يده على رأس جين بلطف. ارتعد قلب جين من الرعب في البداية، لكنه تمالك نفسه وأخفى ارتباكه.
مرّر سايرون يده على رأس جين بلطف. ارتعد قلب جين من الرعب في البداية، لكنه تمالك نفسه وأخفى ارتباكه.
“كم ضيفًا تعتقد حضر اليوم؟”
“سأغادر العشيرة.”
“تقديري التقريبي… ألف ضيف، يا أبي.”
“أبي.”
“صحيح. وصلني تقرير أن العدد يقارب الألف. هناك حوالي مئتي ضيف إضافي مقارنة بالوليمة التي أقمناها قبل سبع سنوات. هل تفهم ما يعنيه ذلك؟”
“تابع كلامك.”
لم يحتج جين إلى وقت للتفكير.
جميعهم شخصيات مرموقة تنتمي إلى عشائر أو منظمات ذات نفوذ بالغ. ومع دخولهم حديقة السيوف واحدًا تلو الآخر، بدا كما لو أن قصر الحديقة يعلوهم بكبرياء، كأنه ملك جالس على عرشه.
“يعني أن نفوذ العشيرة وهيبتها قد ازدادا خلال السنوات السبع الماضية.”
“أتساءل، ما رأي الأصغر في كل هذا…”
ابتسم سايرون برضا.
اترك تعليقاً لدعمي🔪
“بالضبط. من السهل أن تجمع أي عشيرة ألف ضيف في ولائمها… لكن كل من جاء اليوم شخصية بارزة ومُميّزة. نحن لا نسمح للدخلاء أو التافهين بحضور ولائمنا.”
“يا سيّد العشيرة! هناك ضيوف وصلوا دون إرسال طلب رسمي للحضور. ما العمل؟”
أومأ جين موافقًا.
أومأ جين موافقًا.
وكما قال سايرون، فإن الألف ضيف الحاضرين اليوم كانوا جميعًا نخبة النخبة. قادة يُمسكون بدفّة هذا العالم، يحكمون بلايين الناس المنتشرين على القارة.
“ستكون الأيام الثلاثة القادمة طويلة كالدهر… لا أطيق الانتظار للانطلاق.”
لكن حتى بين كل هؤلاء الحكّام، من يقف في القمّة كان سايرون رونكاندل.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“كل ما فعلته في السنوات السبع الماضية هو قتل الوحوش في البحر الأسود، والتدرّب في العزلة. ومع ذلك، ازدادت هيبة العشيرة. والسبب الوحيد في ذلك هو أنني [فارس الأصل] الوحيد في هذا العصر.”
“نعم. إن سقطت عشيرة رونكاندل لمجرد غيابك، يا أبي، فسيكون السبب هو عجز وريث العرش عن القيادة. ولن أموت ميتة الكلاب تحت راية زعيم عاجز.”
ظلّ جين يُنصت في وقار، منتظرًا ما سيقوله والده.
“ولماذا برأيك؟”
“بمعنى آخر… حين أختفي، قد يُدير معظم من اجتمعوا هنا ظهورهم لعشيرة رونكاندل.”
“كل ما فعلته في السنوات السبع الماضية هو قتل الوحوش في البحر الأسود، والتدرّب في العزلة. ومع ذلك، ازدادت هيبة العشيرة. والسبب الوحيد في ذلك هو أنني [فارس الأصل] الوحيد في هذا العصر.”
كان جين أكثر من يُدرك هذه الحقيقة.
بل وسيتمكن من الاستفادة من ذاكرته السابقة، فيسعى خلف الفرص والكنوز والأسلحة المقدسة.
فمن دون والده، لم تكن العشيرة لتحقق هذا الكمّ من القوة والنفوذ. كانت عشيرة رونكاندل إحدى قوتي القارة العُظمَيين، إلى جانب عشيرة زيڤل. لكن لو أزلنا سايرون من المعادلة، فإن الفجوة بين العشيرتين من حيث القوة والسطوة العسكرية ستتسع بسرعة.
“ستكون الأيام الثلاثة القادمة طويلة كالدهر… لا أطيق الانتظار للانطلاق.”
وفي النهاية، سيتجه العالم نحو نظام تحكمه عشيرة زيڤل وحدها. أما إمبراطورية فيرمونت — التي تلعب اليوم دور الوسيط بين العشيرتين — فستقف حتمًا إلى جانب عشيرة السحرة إن وصلت الأمور إلى هذا الحد.
“تقديري التقريبي… ألف ضيف، يا أبي.”
“أتساءل، ما رأي الأصغر في كل هذا…”
جميعهم شخصيات مرموقة تنتمي إلى عشائر أو منظمات ذات نفوذ بالغ. ومع دخولهم حديقة السيوف واحدًا تلو الآخر، بدا كما لو أن قصر الحديقة يعلوهم بكبرياء، كأنه ملك جالس على عرشه.
لطالما طرح سايرون هذا السؤال على جميع أبنائه.
توقّف جين لحظةً، ثم نظر في عيني والده.
فقد سألهم جميعًا:
فمن دون والده، لم تكن العشيرة لتحقق هذا الكمّ من القوة والنفوذ. كانت عشيرة رونكاندل إحدى قوتي القارة العُظمَيين، إلى جانب عشيرة زيڤل. لكن لو أزلنا سايرون من المعادلة، فإن الفجوة بين العشيرتين من حيث القوة والسطوة العسكرية ستتسع بسرعة.
“لو اختفيت، سيُدير الناس ظهورهم لعشيرة رونكاندل… ما رأيك في هذا؟”
ترقية جين إلى حامل راية مؤقّت!
كان أغلب أبناء سايرون يجيبون بنفس الطريقة كلما طرح عليهم ذلك السؤال:
“نُقيمها فقط حين يكون هناك أمر يستحق الاحتفال بحق. بعبارة أخرى، إن إنجازاتك حتى الآن رائعة إلى هذا الحد.”
“ذلك لن يحدث أبدًا، يا أبي!”
“تابع كلامك.”
“لماذا قد تختفي أصلًا، يا أبي!”
“يا سيّد العشيرة! هناك ضيوف وصلوا دون إرسال طلب رسمي للحضور. ما العمل؟”
بل إن بعضهم كان يصرّح بغباء بأنهم سيصبحون فرسان الأصل التاليين.
تقدير سايرون لحماية موقعه كزعيم للعشيرة يتراوح بين عشرة إلى خمسة عشر عامًا.
لكن…
باستثناء عشيرة زيفل، لم تكن هناك أي عشيرة أخرى تجرؤ على مجاراة رونكاندل. وبما أن الزيفل لم يرسلوا طلبًا رسميًّا لحضور الوليمة، فقد وقف أبناء رونكاندل مرفوعي الرأس، بلا خوف.
“أبي.”
ففي الماضي، حين كانت العشيرة تُقيم وليمة، لم يكن يُسمح له بالحضور، بل كان يُجبر على البقاء في الظل كما لو كان مجرمًا. فأن يظل أحد أنقى دماء رونكاندل فارس [نجمة واحدة] في عمر الخامسة والعشرين كان عارًا على العشيرة.
ناداه جين بعد صمت طويل.
كان لزامًا على كل من يريد أن يصبح حامل راية حقيقي أن يُثبت شرفه ومجده.
“تحدث بحرية، يا بُني.”
“أجل.”
“لو اختفيتَ يومًا ما، وحقًا أدارت كل هذه الوفود ظهورها لعشيرة رونكاندل… ولو أن الزيفل استغلوا تلك اللحظة وحشدوا قواهم لإسقاطنا، حتى وصلنا إلى نقطة اللاعودة…”
كان جين أكثر من يُدرك هذه الحقيقة.
توقّف جين لحظةً، ثم نظر في عيني والده.
“وذاك الرجل الذي هناك في الزاوية…”
“سأغادر العشيرة.”
“كما تشاء، يا أبي.”
جحظت عينا سايرون وقد احمرّتا.
“الضيوف اقتربوا من القصر. لنعد إلى الداخل.”
“ماذا؟ هل قلت إنك ستُغادر العشيرة؟”
“يعني أن نفوذ العشيرة وهيبتها قد ازدادا خلال السنوات السبع الماضية.”
“نعم. إن سقطت عشيرة رونكاندل لمجرد غيابك، يا أبي، فسيكون السبب هو عجز وريث العرش عن القيادة. ولن أموت ميتة الكلاب تحت راية زعيم عاجز.”
ضحك سايرون وقال:
كانت إجابته صادمة، بل وقحة حتى في ظاهرها. اشتعل الغضب في عيني سايرون للحظة، لكنه ما لبث أن انطفأ، وحلّ محله الفضول الشديد.
غاص فرسان الحراسة وخدم العشيرة في نشوة هذا الشعور بالتميّز، ووقفوا بتعابير وجوه صارمة تنضح بالفخر. كان عليهم أن يُثبتوا أن فرسان وخدم رونكاندل ليسوا عاديين، بل يشاطرون العشيرة عظمتها.
“تابع كلامك.”
أشار سايرون بيده برفق، مقاطعًا.
تنفّس جين بعمق، وأكمل:
لم يحتج جين إلى وقت للتفكير.
“كم نقطة ضعف نملكها عن هؤلاء الضيوف، بصفتنا عشيرة؟”
ابتسم سايرون برضا.
“نقاط ضعف؟”
ضحك سايرون وقال:
“نعم. دعني أضرب مثلًا بـالدوق بيرن هناك. رئيس عشيرته خدع الإمبراطور وسرق من خزائن الإمبراطورية. ومع ذلك، ها هو يحضر الوليمة بكل وقاحة بفضل حمايتنا ودَينه لنا.”
وفوق ذلك، كانت آلاف السيوف مغروسة في الأرض حول الحديقة، يمر بين غاباتها المعدنية الزوّار رفيعو الشأن.
“وذلك الرجل الذي يدخّن هناك على اليسار… أليس هو لانس كليفر؟ من عشيرة كليفر؟ طلب منا سابقًا قتل ثلاثة سحرة من الزيفل.”
“وبعد انتهاء الوليمة، أودّ الحديث معك. ابقَ في القصر إلى أن أستدعيك.”
“أما السيدة شارلوت هيرالد، فقد باعت إرث عائلتها بسبب إدمانها المَرَضي على القمار، ثم توسّلت إلينا لاستعادته، ولا تزال عشيرتها تدين لنا حتى اليوم.”
كان هذا ما يقصده سايرون. ورغم أن جين سمع به مسبقًا من عمه، فإن سماعه مباشرة من والده أثار في نفسه مشاعر مختلفة تمامًا.
“أما المرأة خلفها، فهي عشيقة اللورد بيلارد. كانت سابقًا ابنة غير شرعية من العائلة الإمبراطورية الفيرمونتية، لكنها نُبذت بسبب موهبتها في السحر وقُدِّمت لنا لنحميها منذ سنوات.”
شعر جين بالفخر، لكن في الوقت ذاته كان مرارةٌ تتآكل قلبه. بل إن المرارة فاقت الفخر والفرح في أعماقه.
“وذاك الرجل الذي هناك في الزاوية…”
مرّر سايرون يده على رأس جين بلطف. ارتعد قلب جين من الرعب في البداية، لكنه تمالك نفسه وأخفى ارتباكه.
“كفى.”
“كما تشاء، يا أبي.”
أشار سايرون بيده برفق، مقاطعًا.
“تحدث بحرية، يا بُني.”
“يبدو أنك قرأت عقود المهمات السرية للعشيرة. لكن تلك الوثائق مخصصة فقط لحملة الرايات. هل أطلعتك لونا عليها؟ لا تقلق، لن أعاقبك. أخبرني بصراحة.”
لم يكن مغرورًا ولا متعجرفًا. بل كان متّزنًا بدم بارد. وكانت تلك البرودة في تفكيره ما أرضت سايرون أكثر من أي شيء آخر.
“لا. طلبت من أخي الأكبر فيغو أن يريني إياها مقابل أن أُعيد له سيفه. لم أكن أحتاج إلى ذلك السلاح على أية حال.”
بل وسيتمكن من الاستفادة من ذاكرته السابقة، فيسعى خلف الفرص والكنوز والأسلحة المقدسة.
“كُههاها! أنت مذهل حقًّا.”
“أتساءل، ما رأي الأصغر في كل هذا…”
“بمجرد تصفح تلك الوثائق، يستطيع المرء اكتشاف أسلحة لا تُعد ولا تُحصى، لا سيوفًا فقط، بل أدوات ضغط لا تقدر بثمن. وأتصور أن المستندات المصنفة التي لا يطّلع عليها سوى والديّ، تحتوي على أسلحة أقوى وأكثر.”
وفي تلك الأثناء، كان جين يشاهد هذا المشهد المذهل إلى جانب سايرون. كانا واقفَين على الشرفة المطلة على الفناء، يُلقي سايرون التحية على الضيوف بين الحين والآخر، بينما يُنزل جين رأسه باحترام.
“إذن، تقصد أنه يمكن استخدام هذه الأسلحة لحماية العشيرة بعد غيابي؟”
كان من بينهم وفود من جميع الأمم، بما في ذلك إمبراطورية فيرمونت، والحرس الإمبراطوري، والقوات الخاصة، وفرسان ملك التنانين، وعشيرة يفليانو، وعشيرة توكو، وعشيرة كين، ومرتزقة الملك الأسود، ومرتزقة الأشباح، وغيرهم كثير.
“الأمر كله يتوقف على مهارات التفاوض لدى القائد الجديد. أنت، يا أبي، لست بحاجة إلى مهارات تفاوض، لأنك ببساطة أقوى فارس على قيد الحياة. لكن الأمر مختلف بالنسبة لأي خليفة لا يحمل لقب فارس الأصل.”
“نعم. إن سقطت عشيرة رونكاندل لمجرد غيابك، يا أبي، فسيكون السبب هو عجز وريث العرش عن القيادة. ولن أموت ميتة الكلاب تحت راية زعيم عاجز.”
ابتسم سايرون بهدوء، وهز رأسه:
لم يحتج جين إلى وقت للتفكير.
“أنت محق. لكننا لسنا الوحيدين الذين يملكون نقاط ضعف عن الآخرين، يا بُني. الزيفل كذلك لديهم ما يكفي من الملفات ضدهم.”
“كفى.”
“أتفق. لكن الزيفل لا يملكون المبرر الكافي لاستخدامها كما نشاء.”
“لابد أن هذه أول وليمة تحضرها.”
“ولماذا برأيك؟”
جحظت عينا سايرون وقد احمرّتا.
“لأن دور الشرير هو من نصيبنا نحن، عشيرة رونكاندل. ولهذا، إن عجز القائد القادم عن حماية العشيرة رغم كل هذه الأسلحة، فسأغادر دون لحظة تردّد. سأرحل وأُعِدّ انتقامي ممّن قادونا إلى الهلاك.”
كانت إجابته صادمة، بل وقحة حتى في ظاهرها. اشتعل الغضب في عيني سايرون للحظة، لكنه ما لبث أن انطفأ، وحلّ محله الفضول الشديد.
كان واضحًا أن جين يتحدث عن الزيفل.
في الحقيقة، سبق لجين أن حضر بعض الولائم في حياته السابقة بفضل أستاذه في السحر، لكنّها كانت المرة الأولى التي يحضر فيها وليمة تستضيفها عشيرة رونكاندل، حتى وإن احتُسبت حياته السابقة.
سواء أجروا تجارب سرّية بالسحر المحرّم في أنقاض كولون، أو عثروا على نافورة المانا وبدأوا في إنتاج سحرة من الدرجة السابعة كما لو أنهم يصنعونهم في مصنع… إلا أن الزيفل ظلّوا في نظر العامة رمزًا للعدالة والخير.
لم يكن مغرورًا ولا متعجرفًا. بل كان متّزنًا بدم بارد. وكانت تلك البرودة في تفكيره ما أرضت سايرون أكثر من أي شيء آخر.
ولذا، لم يكن بإمكانهم ارتكاب الشر علنًا كما تفعل عشيرة رونكاندل.
“كل ما فعلته في السنوات السبع الماضية هو قتل الوحوش في البحر الأسود، والتدرّب في العزلة. ومع ذلك، ازدادت هيبة العشيرة. والسبب الوحيد في ذلك هو أنني [فارس الأصل] الوحيد في هذا العصر.”
ضحك سايرون وقال:
“ماذا؟ هل قلت إنك ستُغادر العشيرة؟”
“انتقام، إذًا؟ هاها… أجل، لا ينتقم إلا من بقي حيًّا. فهمت ما تقصده. ردّك ليس سيئًا.”
ناداه جين بعد صمت طويل.
انحنى جين بصمت، رغم أنه شعر بخيبة أمل طفيفة من تقييم والده الصارم.
جحظت عينا سايرون وقد احمرّتا.
“حسنًا… يبدو أنني دافعت عن نفسي جيدًا على الأقل. فوالدي عادةً أكثر صرامة من هذا بكثير.”
وفي النهاية، سيتجه العالم نحو نظام تحكمه عشيرة زيڤل وحدها. أما إمبراطورية فيرمونت — التي تلعب اليوم دور الوسيط بين العشيرتين — فستقف حتمًا إلى جانب عشيرة السحرة إن وصلت الأمور إلى هذا الحد.
ورغم أنه قال “ليس سيئًا”، إلا أن سايرون أُعجِب حقًّا بإجابة جين.
“تقديري التقريبي… ألف ضيف، يا أبي.”
فهو وجد هذا الابن واقعيًّا بما يكفي، وذو خطة متقنة.
ضحك سايرون وقال:
ليس أن إخوته لم يفكروا في أفكار مشابهة من قبل، لكن المشكلة أنهم لم يجرؤوا على افتراض انهيار عشيرة رونكاندل، ناهيك عن قول ذلك صراحة أمام والدهم.
كان هذا ما يقصده سايرون. ورغم أن جين سمع به مسبقًا من عمه، فإن سماعه مباشرة من والده أثار في نفسه مشاعر مختلفة تمامًا.
أما جين، فقد قالها بصدق وثقة، وهو ما اعتبره سايرون نَفَسًا جديدًا.
“يا سيّد العشيرة! هناك ضيوف وصلوا دون إرسال طلب رسمي للحضور. ما العمل؟”
لم يكن مغرورًا ولا متعجرفًا. بل كان متّزنًا بدم بارد. وكانت تلك البرودة في تفكيره ما أرضت سايرون أكثر من أي شيء آخر.
كان أغلب أبناء سايرون يجيبون بنفس الطريقة كلما طرح عليهم ذلك السؤال:
“يالها من حسرة… لو أنه وُلد أبكر… إنه كما لو أن موهبة لونا، وجنون ماري، وروح المنافسة لدى ديبوس… قد اجتمعت كلها في جسد واحد.”
“سأغادر العشيرة.”
تقدير سايرون لحماية موقعه كزعيم للعشيرة يتراوح بين عشرة إلى خمسة عشر عامًا.
“وذاك الرجل الذي هناك في الزاوية…”
وكان الآن يتساءل: هل سيتمكن هذا الابن الأصغر من قلب سلّم الورثة خلال تلك المدة؟
أومأ جين موافقًا.
“الضيوف اقتربوا من القصر. لنعد إلى الداخل.”
لكن…
تحت سماء الليل المظلمة، كانت الأنوار المتلألئة تغمر السهول الممتدة أمام بوابة حديقة السيوف. كانت تلك الأضواء من المعسكرات المؤقتة التي أقيمت خارج مقر عشيرة رونكاندل، حيث سيبقى مرافقي الضيوف لثلاثة أيام حتى تنتهي الوليمة.
ولذا، لم يكن بإمكانهم ارتكاب الشر علنًا كما تفعل عشيرة رونكاندل.
“كما تشاء، يا أبي.”
“كفى.”
“وبعد انتهاء الوليمة، أودّ الحديث معك. ابقَ في القصر إلى أن أستدعيك.”
ورغم أنه قال “ليس سيئًا”، إلا أن سايرون أُعجِب حقًّا بإجابة جين.
ترقية جين إلى حامل راية مؤقّت!
“لو اختفيت، سيُدير الناس ظهورهم لعشيرة رونكاندل… ما رأيك في هذا؟”
كان هذا ما يقصده سايرون. ورغم أن جين سمع به مسبقًا من عمه، فإن سماعه مباشرة من والده أثار في نفسه مشاعر مختلفة تمامًا.
كان أغلب أبناء سايرون يجيبون بنفس الطريقة كلما طرح عليهم ذلك السؤال:
“بعد انتهاء الوليمة، سأبدأ رحلتي الطويلة، إذًا…”
“لماذا قد تختفي أصلًا، يا أبي!”
كان لزامًا على كل من يريد أن يصبح حامل راية حقيقي أن يُثبت شرفه ومجده.
كان المشهد يوحي بأن المبنى نفسه يأمر الضيوف بإظهار أدنى قدر من الأدب والاحترام في حضرته.
عليه أن يجوب العالم، ليصنع اسمه بجهده. وخلال تلك الفترة، لن يُقيد بأي من قوانين العشيرة، وسيتمكن أخيرًا من استخدام سحره وقوته الروحية إلى جانب مهاراته في المبارزة.
بل وسيتمكن من الاستفادة من ذاكرته السابقة، فيسعى خلف الفرص والكنوز والأسلحة المقدسة.
أشار سايرون بيده برفق، مقاطعًا.
“ستكون الأيام الثلاثة القادمة طويلة كالدهر… لا أطيق الانتظار للانطلاق.”
“نعم. إن سقطت عشيرة رونكاندل لمجرد غيابك، يا أبي، فسيكون السبب هو عجز وريث العرش عن القيادة. ولن أموت ميتة الكلاب تحت راية زعيم عاجز.”
دخل سايرون وجين إلى القاعة الكبرى، تتلألأ فوق رأسيهما ثريا عملاقة علّقت في السقف.
“يا سيّد العشيرة! هناك ضيوف وصلوا دون إرسال طلب رسمي للحضور. ما العمل؟”
صعد الاثنان إلى الطابق الثاني، منتظرَين وصول الضيوف لتحيتهم… حينها اندفع ثلاثة خدم بسرعة نحو سايرون.
“كفى.”
“يا سيّد العشيرة! هناك ضيوف وصلوا دون إرسال طلب رسمي للحضور. ما العمل؟”
“يا سيّد العشيرة! هناك ضيوف وصلوا دون إرسال طلب رسمي للحضور. ما العمل؟”
ضيوف دون دعوة رسمية…
“لأن دور الشرير هو من نصيبنا نحن، عشيرة رونكاندل. ولهذا، إن عجز القائد القادم عن حماية العشيرة رغم كل هذه الأسلحة، فسأغادر دون لحظة تردّد. سأرحل وأُعِدّ انتقامي ممّن قادونا إلى الهلاك.”
لقد وصل الزيفل.
“كل ما فعلته في السنوات السبع الماضية هو قتل الوحوش في البحر الأسود، والتدرّب في العزلة. ومع ذلك، ازدادت هيبة العشيرة. والسبب الوحيد في ذلك هو أنني [فارس الأصل] الوحيد في هذا العصر.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
بل وسيتمكن من الاستفادة من ذاكرته السابقة، فيسعى خلف الفرص والكنوز والأسلحة المقدسة.
اترك تعليقاً لدعمي🔪
ضحك سايرون وقال:
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
