ساحة كوزموس (9)
⟦⚔⟧═══✧═══⟦⚔⟧
كم من الجهد بذله هذا الفتى النحيل، المولود بجسدٍ دون المتوسط؟ كم مرة ركع في يأس قبل أن يتجاوز علّته القاتلة؟
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“جسد دانتي… ينهار؟”
ترجمة: Arisu san
بينما كان يضغط بقوة على مقبض سيفه، أحس دانتي بتشققات تمتد في عظام يديه. الألم كان لا يُحتمل، ومع ذلك لم يتراجع.
⟦⚔⟧═══✧═══⟦⚔⟧
ولم يحتج إلى وقتٍ طويل.
رغم أن الاثنين قد توقّفا عن الحركة، ظلّت الجماهير تصرخ وتهتف بجنون. ومع أن مجرى القتال قد انقلب، فإن أملهم المعلّق في رهاناتهم جعلهم يواصلون الضجيج.
كان مخطئًا.
لكن كلمات جين غابت وسط هدير الأصوات، ولم يبقَ إلا نظرات متبادلة، ثابتة، بينه وبين دانتي.
المشكلة لم تكن في ما إن كان سيستخدم تقنيته السرية.
* لا تُبْدِ أي رحمة.
لأنه ببساطة… كان متّحدًا مع سيفه.
حين سمع تلك الكلمات، شعر دانتي بالخجل.
كراكل.
“أجل… قد يبدو الأمر كذلك. قد يبدو أني أرحمك.”
ثم أخرج شيئًا من عباءته..
في أي ظرفٍ كان، فإن التردد في إيذاء الخصم يُعدّ فشلًا للمحارب، لا بل عارًا في وجه العدو، وإهانة في وجه خصمٍ جدير بالاحترام.
لأنه ببساطة… كان متّحدًا مع سيفه.
“هل هناك ما هو أكثر إحراجًا من أن تُبدي الرحمة لمن تُقدّره؟”
المشكلة لم تكن في ما إن كان سيستخدم تقنيته السرية.
اهتز، ارتعش…
بل في ما إن كان سيبذل كل ما لديه دون تردد.
تبعه الحراس إلى الحلبة.
ولو أنهى المعركة دون أن يعطي كل ما في جعبته، لما كان للانتصار أو الهزيمة أي معنى.
هووو…
“أعتذرُ على هذا المشهد المخزي. لنبدأ من جديد.”
ثلاث تعويذات شفاء متتالية، استعرض بها موهبته السحرية الخارقة. لكن جين في تلك اللحظة، لم يكن يهمه إلا دانتي.
أشار دانتي بسيفه إلى جين، يريد أن يلمس سيفيهما تعبيرًا عن الاحترام المتبادل. فاستجاب جين بالمثل، مصدرًا صوتًا معدنيًا خافتًا حين التقت نصلُ سيفَيهما.
كان شعور دانتي بالسيف هبةً، لكن قوته وتحمله كانا في مستوى البشر العاديين… أو أقل.
وفي تلك اللحظة، انتابهما شعور غريب.
دوم!
تلاشى صخب الجماهير حتى غدا كصدى يتردد في وادٍ عميق، وتشوش محيطهما شيئًا فشيئًا، وغمره الظلام. لقد صار العالم من حولهما فارغًا… ولم يبقَ فيه سواهما، واقفَين وجهًا لوجه.
“هل أضربه؟ أم لا؟”
ثقة متبادلة بأن كلاهما سيقدّم معركة تخلّدها الذاكرة. ولم يحتاجا للكلام لتبادل هذا الشعور. بل كانت هلوسةً مشتركة، كثيرًا ما تصيب المبارزين حين يواجهون خصمًا مكافئًا لهم.
كان وجه بيرادين شاحبًا وهو يردد تعويذته. لم تمضِ عشر ثوانٍ، وقد غطى العرق جسده. وبدأ جين يتساءل عن كمية المانا التي استهلكها.
“فلنبدأ إذن.”
هووو…
هووو…
بل ابتسم.
هااا…
اندفعا—
استنشقا النفس في اللحظة نفسها.
“جين رونكاندل. الابن الثالث عشر لعشيرة رونكاندل…”
ثم اشتبك سيفاهما بضربة يصعب تحديد من بادر بها. خلافًا للطرق المهذّبة في البداية، تسببت الصدمة بانفجار شرارات أضاءت المكان.
تبعه الحراس إلى الحلبة.
صوتُ انفجار، وصليلُ احتكاكٍ معدني، وصدىُ ريح، وهالات تتراقص في الأرجاء.
سال الدم من شفة جين. لم يلاحظ أنه يعض عليها، فقد كان منشغلًا تمامًا بصد هجمات دانتي.
وكأنّ الإنهاك كان كذبة، اندفع دانتي بسيفه بطاقة تفوق كل ما سبق، وجين كذلك، صرخ وهو يصب ما تبقى من طاقته في ضرباته.
اهتز، ارتعش…
اندفعا—
وفي تلك اللحظة، حبست الجماهير أنفاسها.
وتطاير الدم والرمال في أرجاء الساحة مع كل اصطدام.
الآن، صار على جين أن يقرر.
وفي لحظةٍ كان ينبغي فيها التشجيع، خيّم الصمت على المدرجات من شدّة الذهول. إذ بدَوا أمام أعين الجماهير كعمالقة يتصارعون، فلم يجرؤ أحد على رمش عينه خشية أن تفوته لحظة.
بل ابتسم.
مرّت عشر سنوات على افتتاح الساحة، ولم يشهدوا يومًا كهذا. من جاؤوا يتوقعون مجزرة وحشية، شهدوا بدلاً من ذلك مبارزة نادرة بين فارسَين موهوبَين.
رغم أن الاثنين قد توقّفا عن الحركة، ظلّت الجماهير تصرخ وتهتف بجنون. ومع أن مجرى القتال قد انقلب، فإن أملهم المعلّق في رهاناتهم جعلهم يواصلون الضجيج.
في هذه اللحظة، لم يعد القمار يعني شيئًا. نعم، حين تنتهي المعركة، سيضحك البعض وسيبكي آخرون…
اهتز، ارتعش…
لكن الجميع، الآن، كان منبهرًا.
تلاشى صخب الجماهير حتى غدا كصدى يتردد في وادٍ عميق، وتشوش محيطهما شيئًا فشيئًا، وغمره الظلام. لقد صار العالم من حولهما فارغًا… ولم يبقَ فيه سواهما، واقفَين وجهًا لوجه.
“ربما قلّلت من شأن دانتي… كنت واثقًا أنه أنهك، فمن أين له بهذه القوة؟!”
سقط دانتي على الأرض.
سال الدم من شفة جين. لم يلاحظ أنه يعض عليها، فقد كان منشغلًا تمامًا بصد هجمات دانتي.
بينما أحس جين بالسيف أقرب من جلده، بدأ يشعر بإرهاق دانتي مع كل تصادمٍ بين سيفيهما.
كان شعور دانتي بالسيف هبةً، لكن قوته وتحمله كانا في مستوى البشر العاديين… أو أقل.
تمامًا كحياته السابقة.
كم من الجهد بذله هذا الفتى النحيل، المولود بجسدٍ دون المتوسط؟ كم مرة ركع في يأس قبل أن يتجاوز علّته القاتلة؟
رغم أن وقفته بدأت تنهار، لم يكن يكره جسده الضعيف.
من اعتاد التدريب حتى الموت، يدرك حجم الجهد في الآخرين. وجين، في حياته الماضية، ما يزال يذكر ذلك الجحيم اللامتناهي حين ظل عالقًا في رتبة النجمة الواحدة، رغم أنه يحمل جسد آل رونكاندل المبارك.
كان صوت دانتي الأجش نتيجة كل صرخة أطلقها وهو يواجه محنه.
لذا، كان بمقدوره تخيّل ماضي دانتي.
“لقد سنحت لك الفرصة. وما زلت لا تتردد في إصابتي، فلماذا…؟”
طفل صغير، يتكوّر في غرفة تدريب مظلمة، يحدّق في جسده الضئيل والضعيف في المرآة بغمٍّ عميق، يجلد نفسه بالتدريب حتى مشارف الموت والإرهاق…
رمش جين بعينيه بسرعة، يلهث بينما ينظر إليه.
ومع ذلك، لم يتخلَّ عن سيفه.
بل ابتسم.
تمامًا كحياته السابقة.
ثقة متبادلة بأن كلاهما سيقدّم معركة تخلّدها الذاكرة. ولم يحتاجا للكلام لتبادل هذا الشعور. بل كانت هلوسةً مشتركة، كثيرًا ما تصيب المبارزين حين يواجهون خصمًا مكافئًا لهم.
لكن… على خلاف جين الماضي، دانتي صمد أمام كل ذلك.
“أيها الوغد! لماذا؟!”
“يُكاد يُبكيني.”
“إذًا، لماذا أشعر بيأسٍ يقطر من سيفك؟! رغم أنك وُلدت في نعيمٍ لا يُضاهى، تبدو وكأنك تطلّ على هذا النعيم من وراء زجاج.
كان صوت دانتي الأجش نتيجة كل صرخة أطلقها وهو يواجه محنه.
اندفعا—
اهتز، ارتعش…
وفي لحظةٍ كان ينبغي فيها التشجيع، خيّم الصمت على المدرجات من شدّة الذهول. إذ بدَوا أمام أعين الجماهير كعمالقة يتصارعون، فلم يجرؤ أحد على رمش عينه خشية أن تفوته لحظة.
فمن مسيرةٍ يائسة، صار وريثًا محتملًا لعشيرة هايران، تدفعه الرغبة ليصبح أقوى في كل يومٍ مرهق…
مرّت عشر سنوات على افتتاح الساحة، ولم يشهدوا يومًا كهذا. من جاؤوا يتوقعون مجزرة وحشية، شهدوا بدلاً من ذلك مبارزة نادرة بين فارسَين موهوبَين.
لأنه ببساطة… كان متّحدًا مع سيفه.
لكن الجميع، الآن، كان منبهرًا.
ولولا ذلك، لكان حتى نبلُ الإمبراطورية مجرّد مسرحيةٍ مملة.
في هذه اللحظة، لم يعد القمار يعني شيئًا. نعم، حين تنتهي المعركة، سيضحك البعض وسيبكي آخرون…
هكذا كان دانتي.
صوتُ انفجار، وصليلُ احتكاكٍ معدني، وصدىُ ريح، وهالات تتراقص في الأرجاء.
“جين رونكاندل. الابن الثالث عشر لعشيرة رونكاندل…”
ثلاث تعويذات شفاء متتالية، استعرض بها موهبته السحرية الخارقة. لكن جين في تلك اللحظة، لم يكن يهمه إلا دانتي.
مع كل اهتزازٍ يمر بجسده مع كل ضربة، كان دانتي يفكر في جين.
ورغم أنه استخدم تعويذةً يمكنها إنقاذ المصابين بجروح قاتلة، لم تفتح عينا دانتي.
“لقد وُلدتَ تملك كل شيء.”
“لقد وُلدتَ تملك كل شيء.”
سلالةٌ هي حلم كل فارس. جسدٌ متين من نسلٍ مبارك. جين، الذي بلغ النجوم الخمس في الخامسة عشرة، ويواجهه الآن وهو في السادسة عشرة.
كان كل ما في داخل دانتي محطمًا.
أكثر الموهوبين موهبة.
لا عظمًا سليمًا بقي، وجسده المشروخ لا يزال يحترق بالهالة. حتى الملك المقدس ميكيلان نفسه لن يتمكن من إعادته للحياة.
“إذًا، لماذا أشعر بيأسٍ يقطر من سيفك؟! رغم أنك وُلدت في نعيمٍ لا يُضاهى، تبدو وكأنك تطلّ على هذا النعيم من وراء زجاج.
سلالةٌ هي حلم كل فارس. جسدٌ متين من نسلٍ مبارك. جين، الذي بلغ النجوم الخمس في الخامسة عشرة، ويواجهه الآن وهو في السادسة عشرة.
لمَ كل هذا الإصرار؟ رغم أنك تملك كل شيء، لما يبدو سيفك مشبعًا بألمٍ لا يُحتمل؟ أهو لأنك الابن الأصغر ولا فرصة لك في خلافة العرش؟ لا… لستَ ممن يشغلهم هرم السلطة…
سلالةٌ هي حلم كل فارس. جسدٌ متين من نسلٍ مبارك. جين، الذي بلغ النجوم الخمس في الخامسة عشرة، ويواجهه الآن وهو في السادسة عشرة.
أم أنك تسعى لتصبح الأقوى في العالم؟ أو لعلّك عشت أيامًا بلا أمل أكثر مني؟ هل مررتَ بعذاب أكثر منّي؟
سقط دانتي على الأرض.
من تكون يا جين رونكاندل؟ … لا، لا يهم من تكون. اليوم… هو اليوم الذي أثبت فيه أن جهدي لم يكن عبثًا.”
* لا تُبْدِ أي رحمة.
كراكل.
ولم يحتج إلى وقتٍ طويل.
بينما كان يضغط بقوة على مقبض سيفه، أحس دانتي بتشققات تمتد في عظام يديه. الألم كان لا يُحتمل، ومع ذلك لم يتراجع.
“أيها الوغد! لماذا؟!”
بل ابتسم.
ولم يحتج إلى وقتٍ طويل.
كررررااااك…
مرّت عشر سنوات على افتتاح الساحة، ولم يشهدوا يومًا كهذا. من جاؤوا يتوقعون مجزرة وحشية، شهدوا بدلاً من ذلك مبارزة نادرة بين فارسَين موهوبَين.
مع كل ضربة، كان العظم يزداد تشققًا، لكن حركته لم تتغير قط—لا في كتفيه، ولا صدره، ولا وركه، ولا قدميه.
“فلنبدأ إذن.”
رغم أن وقفته بدأت تنهار، لم يكن يكره جسده الضعيف.
ثم اشتبك سيفاهما بضربة يصعب تحديد من بادر بها. خلافًا للطرق المهذّبة في البداية، تسببت الصدمة بانفجار شرارات أضاءت المكان.
“أنا أقاتل… فقط لأنني أحب ذلك.”
كلااانغ~!
ابتسم دانتي، حتى وهو ينهار تحت سيطرة جين على القتال. كان يعلم أنه لا يستطيع تغيير النتيجة.
* لا تُبْدِ أي رحمة.
“جسد دانتي… ينهار؟”
⟦⚔⟧═══✧═══⟦⚔⟧
بينما أحس جين بالسيف أقرب من جلده، بدأ يشعر بإرهاق دانتي مع كل تصادمٍ بين سيفيهما.
بدا وكأنه تعمّد التصويب. لكن قبل أن يتمكن من الطعن… فقد السيطرة على جسده تمامًا.
وحين شعر أن النصر بات قريبًا… لم يشعر بفرح، بل بغضب.
“أجل… قد يبدو الأمر كذلك. قد يبدو أني أرحمك.”
“لمَ لا تستخدم تقنيتكم القاتلة السرية؟! هل تخفي مهارةً أخرى لا أعرفها؟”
طفل صغير، يتكوّر في غرفة تدريب مظلمة، يحدّق في جسده الضئيل والضعيف في المرآة بغمٍّ عميق، يجلد نفسه بالتدريب حتى مشارف الموت والإرهاق…
كان مخطئًا.
ولم يحتج إلى وقتٍ طويل.
ترنّح دانتي إلى الوراء، أشبه بوحشٍ فرغت طاقته. وعيناه، وإن ظلت متقدة بروح القتال، فقد كان على وشك الإغماء.
وكانت يد بيرادين زيفل تتوهج بضوء أخضر دافئ وهو يركض فوق الرمال. كان قد بدأ بتحضير تعويذة شفاء منذ منتصف المعركة، قلقًا من فقدان أحد صديقيه.
“لقد سنحت لك الفرصة. وما زلت لا تتردد في إصابتي، فلماذا…؟”
رمش جين بعينيه بسرعة، يلهث بينما ينظر إليه.
الآن، صار على جين أن يقرر.
* لا تُبْدِ أي رحمة.
“هل أضربه؟ أم لا؟”
ومع ذلك، لم يتخلَّ عن سيفه.
ولم يحتج إلى وقتٍ طويل.
أشار دانتي بسيفه إلى جين، يريد أن يلمس سيفيهما تعبيرًا عن الاحترام المتبادل. فاستجاب جين بالمثل، مصدرًا صوتًا معدنيًا خافتًا حين التقت نصلُ سيفَيهما.
“إغضاء الطرف يعني إهانة لك.”
دون وعي، جلس على الأرض إلى جواره، وتفقد نبضه. لكنه لم يشعر بشيء، إذ كان دمُه يضخ في أصابعه.
كلااانغ~!
“تبًّا. هذا ليس شيئًا يمكن شفاؤه بالسحر…!”
أطلق جين ضربةً أفقية. صدها دانتي، لكن جسده اهتز. بالكاد حافظ على توازنه، وشعر بعظامه تتكسر أكثر. قبل أن يتمكن من تتبّع حركة جين التالية، كان برادامانتي قد أنهى الضربة الثانية.
“يُكاد يُبكيني.”
لكن، لحسن الحظ، كان هناك تردد في تلك الضربة.
المشكلة لم تكن في ما إن كان سيستخدم تقنيته السرية.
“أيها الوغد! لماذا؟!”
كان مخطئًا.
عضّ جين على أسنانه، وغيّر مسار ضربة كانت ستشطر صدر دانتي.
سلالةٌ هي حلم كل فارس. جسدٌ متين من نسلٍ مبارك. جين، الذي بلغ النجوم الخمس في الخامسة عشرة، ويواجهه الآن وهو في السادسة عشرة.
وبسبب إجبار يده على تلك الحركة غير الطبيعية، تشنجت أصابعه، وطار برادامانتي من قبضته، فيما وجّه دانتي سيفه نحو حنجرة جين.
“…جين.”
بدا وكأنه تعمّد التصويب. لكن قبل أن يتمكن من الطعن… فقد السيطرة على جسده تمامًا.
كان كل ما في داخل دانتي محطمًا.
في الحقيقة، كان دانتي قد فقد وعيه قبل حتى الضربة الثانية من جين.
وتطاير الدم والرمال في أرجاء الساحة مع كل اصطدام.
دوم!
حين سمع تلك الكلمات، شعر دانتي بالخجل.
سقط دانتي على الأرض.
وحين شعر أن النصر بات قريبًا… لم يشعر بفرح، بل بغضب.
رمش جين بعينيه بسرعة، يلهث بينما ينظر إليه.
كم من الجهد بذله هذا الفتى النحيل، المولود بجسدٍ دون المتوسط؟ كم مرة ركع في يأس قبل أن يتجاوز علّته القاتلة؟
وكأن الزمن قد توقّف وسط هذا الصمت.
لأنه ببساطة… كان متّحدًا مع سيفه.
وفي تلك اللحظة، حبست الجماهير أنفاسها.
سال الدم من شفة جين. لم يلاحظ أنه يعض عليها، فقد كان منشغلًا تمامًا بصد هجمات دانتي.
أما جين، فقد اختلطت مشاعره. فبعيدًا عن النصر، كانت ملايين الأحاسيس المعقدة تغلي في صدره. صلى في قلبه ألا يكون دانتي قد مات. لكنه شعر أنه مات، وخشي أن يتحقق من الأمر.
كان كل ما في داخل دانتي محطمًا.
دون وعي، جلس على الأرض إلى جواره، وتفقد نبضه. لكنه لم يشعر بشيء، إذ كان دمُه يضخ في أصابعه.
في هذه اللحظة، لم يعد القمار يعني شيئًا. نعم، حين تنتهي المعركة، سيضحك البعض وسيبكي آخرون…
“علينا أن ننادي طبيبًا…!”
من اعتاد التدريب حتى الموت، يدرك حجم الجهد في الآخرين. وجين، في حياته الماضية، ما يزال يذكر ذلك الجحيم اللامتناهي حين ظل عالقًا في رتبة النجمة الواحدة، رغم أنه يحمل جسد آل رونكاندل المبارك.
وقبل أن يصيح، قفز أحد الحاضرين من المدرجات إلى أرض الساحة.
مع كل اهتزازٍ يمر بجسده مع كل ضربة، كان دانتي يفكر في جين.
“سيدي الشاب!”
بدا وكأنه تعمّد التصويب. لكن قبل أن يتمكن من الطعن… فقد السيطرة على جسده تمامًا.
تبعه الحراس إلى الحلبة.
ابتسم دانتي، حتى وهو ينهار تحت سيطرة جين على القتال. كان يعلم أنه لا يستطيع تغيير النتيجة.
وكانت يد بيرادين زيفل تتوهج بضوء أخضر دافئ وهو يركض فوق الرمال. كان قد بدأ بتحضير تعويذة شفاء منذ منتصف المعركة، قلقًا من فقدان أحد صديقيه.
لكن، لحسن الحظ، كان هناك تردد في تلك الضربة.
“بيرادين…!”
ثلاث تعويذات شفاء متتالية، استعرض بها موهبته السحرية الخارقة. لكن جين في تلك اللحظة، لم يكن يهمه إلا دانتي.
“لا تقلق، سأنقذه!”
كان مخطئًا.
ركع بيرادين بجوار دانتي، وردد تعويذة.
أطلق جين ضربةً أفقية. صدها دانتي، لكن جسده اهتز. بالكاد حافظ على توازنه، وشعر بعظامه تتكسر أكثر. قبل أن يتمكن من تتبّع حركة جين التالية، كان برادامانتي قد أنهى الضربة الثانية.
ثم أتبعها بأخرى.
طفل صغير، يتكوّر في غرفة تدريب مظلمة، يحدّق في جسده الضئيل والضعيف في المرآة بغمٍّ عميق، يجلد نفسه بالتدريب حتى مشارف الموت والإرهاق…
ثم ثالثة.
ولو أنهى المعركة دون أن يعطي كل ما في جعبته، لما كان للانتصار أو الهزيمة أي معنى.
ثلاث تعويذات شفاء متتالية، استعرض بها موهبته السحرية الخارقة. لكن جين في تلك اللحظة، لم يكن يهمه إلا دانتي.
وبينما كان قلبا جين وبيرادين ينزفان، خفّض الشاب الزيفلي يديه وهز رأسه.
كان وجه بيرادين شاحبًا وهو يردد تعويذته. لم تمضِ عشر ثوانٍ، وقد غطى العرق جسده. وبدأ جين يتساءل عن كمية المانا التي استهلكها.
وكأنّ الإنهاك كان كذبة، اندفع دانتي بسيفه بطاقة تفوق كل ما سبق، وجين كذلك، صرخ وهو يصب ما تبقى من طاقته في ضرباته.
ورغم أنه استخدم تعويذةً يمكنها إنقاذ المصابين بجروح قاتلة، لم تفتح عينا دانتي.
كان مخطئًا.
وبينما كان قلبا جين وبيرادين ينزفان، خفّض الشاب الزيفلي يديه وهز رأسه.
“هل هناك ما هو أكثر إحراجًا من أن تُبدي الرحمة لمن تُقدّره؟”
“تبًّا. هذا ليس شيئًا يمكن شفاؤه بالسحر…!”
لذا، كان بمقدوره تخيّل ماضي دانتي.
كان كل ما في داخل دانتي محطمًا.
“هل أضربه؟ أم لا؟”
لا عظمًا سليمًا بقي، وجسده المشروخ لا يزال يحترق بالهالة. حتى الملك المقدس ميكيلان نفسه لن يتمكن من إعادته للحياة.
مع كل ضربة، كان العظم يزداد تشققًا، لكن حركته لم تتغير قط—لا في كتفيه، ولا صدره، ولا وركه، ولا قدميه.
“…جين.”
“أجل… قد يبدو الأمر كذلك. قد يبدو أني أرحمك.”
همس بيرادين باسم جين.
“أنا أقاتل… فقط لأنني أحب ذلك.”
“بيرادين، دانتي—”
بينما كان يضغط بقوة على مقبض سيفه، أحس دانتي بتشققات تمتد في عظام يديه. الألم كان لا يُحتمل، ومع ذلك لم يتراجع.
“اسمعني جيدًا. ما سيحدث… سيبقى بيننا نحن الثلاثة فقط.”
فمن مسيرةٍ يائسة، صار وريثًا محتملًا لعشيرة هايران، تدفعه الرغبة ليصبح أقوى في كل يومٍ مرهق…
ثم أخرج شيئًا من عباءته..
همس بيرادين باسم جين.
⟦⚔⟧═══✧═══⟦⚔⟧
لمَ كل هذا الإصرار؟ رغم أنك تملك كل شيء، لما يبدو سيفك مشبعًا بألمٍ لا يُحتمل؟ أهو لأنك الابن الأصغر ولا فرصة لك في خلافة العرش؟ لا… لستَ ممن يشغلهم هرم السلطة…
ثم أخرج شيئًا من عباءته..
