Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الابن الأصغر لسيد السيف 271

الأخت و الأخ ( 2 )

الأخت و الأخ ( 2 )

في اليوم التالي، غادرت لونا وبعض حاملي الراية حديقة السيوف لطمأنة وتشجيع العشائر الخاضعة لسيطرتهم.
شعر جين بالحزن لاضطراره لوداع أخته الكبرى مجدداً، لكنهما حظيا بفرصة للتعبير عن عاطفتهما العميقة كأخوين قبل أن يتمنيا لبعضهما دوام الصحة ووافر التوفيق.
وفي الصباح الباكر، مثل بيترو، كبير الخدم من الدرجة الأولى، أمام جين.
“سيدي، أتقدم إليك بالتحية الرسمية مجدداً، يا حامل الراية الثاني عشر. اعتباراً من اليوم، تم تكليفي بالخدمة وتلبية احتياجاتك، يا سيدي الشاب. سأبذل قصارى جهدي لأكون عند حسن ظنك وألا أخيب أملك.”
كان من الواضح أن لونا هي من أرسلته إلى جين. فبما أن حاملي الراية الآخرين وخدمهم سيحاولون تهميشه وإقصاءه، أرادت لونا التأكد من أن جين لن يواجه صعوبة في الحصول على المعلومات الحيوية داخل العشيرة.
“أنا أعتمد عليك يا بيترو. ومن الآن فصاعداً، نادني بالسيد الشاب، فلا داعي للتكلف والرسميات بيننا.”
“حاضر، يا سيدي الشاب.”
“أوه، انظر إلى هذا. إذن هذا الرجل هو خادمك الشخصي المخصص، هاه؟”
*بوف!*
تحول موراكان إلى هيئته البشرية، ليحني بيترو رأسه احتراماً.
“همم.” تفحص موراكان بيترو من رأسه إلى أخمص قدميه عدة مرات.
“اللورد موراكان، هل هناك ما تود سؤالي عنه؟”
“اعتباراً من اليوم، سيكون اسمك ‘مونو’.”
“عذراً يا سيدي؟”
فقد كان بيترو يرتدي مونوكل (نظارة أحادية العين).
“استمع إلي جيداً يا مونو؛ لا يتوجب عليك الانصياع لأوامر هذا الفتى فحسب، بل عليك أيضاً تلبية رغباتي وإرضائي. أتفهم؟”
“بالتأكيد، يا لورد موراكان.”
كاد بيترو لا يصدق أن القط الأسود الذي رآه خلال أيام تدريب جين كمتدرب قد تبين أنه هذا الرجل المهيب.
“حسنٌ، ممتاز. قرب أذنك مني.”
اقترب بيترو بحذر وأصغى بسمعه، ليهمس موراكان بشيء ما في أذنه. لم يصدق بيترو ما سمعه للوهلة الأولى، لكنه سرعان ما أومأ برأسه موافقاً.
“هل فهمت؟”
“نعم، بكل تأكيد.”
“ما الذي قلته له؟” (جين)
“هذا ليس من شأنك أيها الشقي.” (موراكان)
“بيترو، أبلغني فوراً إن قدم هذا التنين المظلم أي طلبات غريبة.”
“أمرك يا سيدي الشاب. بخصوص هذا الشأن، فقد أمرني اللورد موراكان بالحصول على المجموعة الكاملة للوحات الفنية الخليعة من كبار فناني نقابة ميلا…”
“مونو!” صرخ موراكان بصوت مجلجل، ما جعل غيلي تطلق ضحكة خافتة وناعمة.
هز جين رأسه مستسلماً أمام حالة تنينه الحارس الميؤوس منها، لكنه لم يمنع بيترو من تلبية هذا الطلب؛ ففي النهاية، كان هذا يمثل تسلية صغيرة وثمينة لتنينه الحارس.
وبالطبع، رمق موراكان بيترو بنظرات قاتلة وهو يضغط على أسنانه بغيظ.
قال جين متجاوزاً الموقف: “بيترو، تقصَّ أحوال الرفاق الذين كانوا في فصيلي خلال أيامي كمتدرب، ووافني بتقرير عنهم.”
“أوه، لقد كنتُ أراقب الفصيل الشاب حتى قبل عودتك يا سيدي الشاب. من بين المتدربين العشرة، أصبح أحدهم فارساً حارساً بالفعل، ويخوض اثنان منهم الاختبارات النهائية ليصبحا من الفرسان الحراس، بينما يتدرب السبعة الآخرون كمتدربين متقدمين.”
“أوه؟ أصبح أحدهم فارساً حارساً بالفعل؟ لا بد أنها ميزا ميلكانو.”
كان جين يظن بطبيعة الحال أن ميزا، قائدة الفصيل الشاب، ستكون أول من ينال رتبة الفارس الحارس بينهم. لكن بيترو قدم إجابة مغايرة:
“لا يا سيدي الشاب، ميزا ميلكانو تخوض اختباراتها النهائية حالياً رفقة سكوت رايمون. الفارس الحارس الجديد هو فيلوب شمتز؛ لقد بدأ ذلك الفتى يبرز ويحقق تفوقاً ملحوظاً عن البقية في مرحلة ما.”
*«فيلوب شمتز!»*
في حياة جين السابقة، أدت شخصية فيلوب الضعيفة وهشاشته إلى طرده من حديقة السيوف، لينتهي به المطاف بالانضمام إلى عائلة هيران ويصبح حارساً ملكياً لإمبراطورية فيرمونت. تم استغلال فيلوب كأداة لتنفيذ الاغتيالات وتورط في العديد من الفظائع، لينتهي به الأمر بإنهاء حياته بيده تاركاً رسالة ندم وتوبة عن الدماء التي أراقها.
*«فيلوب! لم أكن أتوقع أن يكون هو بالذات.»*
شعر جين بالسرور والفخر لأن فيلوب قد نجح في أن يصبح فارساً حارساً لعشيرة الرونكانديل في هذه الحياة.
“همم، في الواقع… هو حالياً في مهمة في سلاسل الجبال الثلجية بالمنطقة الجنوبية الشرقية لمملكة ميتيل. وهي مهمة غير محددة المدة، ومكلّف فيها بالقضاء على قطاع الطرق في تلك المنطقة.”
قطب جين حاجبيه وظهرت عليه علامات الضيق عند سماع هذه الأخبار.
فالقمم الثلجية الجنوبية لمملكة ميتيل كانت تكاد تخلو من السكان بسبب البرد القارس والجاف؛ وبما أن قبيلة صغيرة لا يتجاوز عدد عائلاتها المئة تقطن تلك الأراضي الشاسعة، فلم يكن هناك وجود حتى لأبسط اللصوص، ناهيك عن قطاع الطرق الأشرار.
وإرساله إلى هناك للقضاء على قطاع الطرق يعني ببساطة أن فيلوب قد جرى تهميشه ونفيه فور حصوله على رتبة فارس حارس، والسبب الأرجح هو انتمائه لفصيل جين.
وفي الحقيقة، لم يكن فيلوب قد علم بعد بعودة جين نظراً لطبيعة مهمته المعزولة، بينما كان بقية أفراد الفصيل الشاب حاضرين في تشكيل استقبال جين في يوم عودته.
“لقد فهمتُ ما يجري هنا.”
“هل ترغب في أن أدرج مسألة استدعاء فيلوب من مهمته في جدول أعمال اجتماع حاملي الراية القادم؟”
“لا، دعه وشأنه. إن أجبرناهم على إعادته الآن، فقد يثير ذلك الشكوك ويوجه الأنظار إليه. يجب أن ننتظر حتى يعود ومعه إنجازات حقيقية.”
“ولكن لا وجود لقطاع الطرق هناك يا سيدي الشاب. وحتى لو وُجدوا، فإن القضاء على قطاع الطرق ليس بالمهمة التي تليق بفرسان الحراس بشكل متكرر. هناك مبرر كافٍ لاستدعائه.”
“هل تسمح لي يا كبير الخدم بيترو؟”
“نعم، يا سيدي الشاب.” حنى بيترو رأسه وتغيرت نبرة صوته مستمعاً بتركيز.
“يجب علينا دائماً تقديم نتائج تفوق خيال الجميع. لا يكفي أن نقدم نتائج مثالية بين الحين والآخر؛ بل يتعين علينا إظهار نتائج غير متوقعة وصاعقة في كل مرة نواجه فيها أعداءنا. إن لم نتمكن من ذلك، فلن يعترفوا بنا أبداً. وهذا يعني أنه لا يمكننا إدارة الأمور بالطريقة التقليدية التي يتبعها الآخرون.”
فالعيوب الصغيرة تُعامل كإخفاقات قاتلة، والإنجازات العظيمة تُصنف كأعمال عادية وتافهة. كانت هذه هي الطريقة التي ينوي بها أعداء جين معاملته ومعاملة رجاله.
ولذا، قرر جين انتزاع الاعتراف والتقدير من أعدائه وإجبارهم على الخضوع رغماً عنهم.
“سأضع ذلك في حسباني دائماً، يا سيدي الشاب!”
“هل تملك قائمة جاهزة بالمطلوبين من الدرجة الأولى فما فوق، والذين يحق لحاملي الراية الوصول إليهم؟”
“نعم، يا سيدي.”
“أحضرها لي.”
سارع بيترو بإحضار الوثيقة، ليتصفحها جين بتمعن ويختار خمسة أسماء لشرار المجرمين:
“فيروك الفارس المرتد من فانكيلا، جاك غلو الكلب المسعور من فيرمونت الغربية، وبانتا قائد هجوم النمور القرمزية… جميعهم لا يزالون يعيثون فساداً، هاه؟”
ارتسمت على شفتي جين ابتسامة وهو يتفحص أسماءهم ورسومهم الشخصية المرفقة، لتعيد هذه الأسماء إلى ذهنه محادثته القديمة مع دانتي وبرادين في ساميل خلال أيامه كحامل راية مؤقت.
*«كان أولئك الرفاق متحمسين للغاية لفكرة خوض مثل هذه المغامرات المشتركة. أعلم أن دانتي على ما يرام، ولكن برادين… أنا قلق بشأنه. أتساءل كيف هي أحواله الآن.»*
تمنى لو كان بإمكانه التواصل معهما على الفور. لكنه لم يكن يستطيع التواصل مع أمراء عائلات وقوى معادية ومنافسة فور وصوله إلى حديقة السيوف؛ إذ يتوجب عليه التريث وعدم إجراء أي اتصال حتى تلوح فرصة سانحة للقائهم دون إثارة أي شكوك أو شبهات.
“خذ قائمة المطلوبين التي اخترتها واذهب بها إلى مدينة تيكان الحرة. سلمها لشخصين يُدعيان كوزان ويوليان، وأخبرهما بضرورة تتبع أثر من يمكن تتبعه منهم، وسوقهم بحذر وسرية وتوجيههم نحو القمم المغطاة بالثلوج في الجنوب الشرقي لمملكة ميتيل.”
“مفهوم، يا سيدي.”
“يجب ألا تقع أي خسائر أو أضرار في صفوف المدنيين خلال هذه العملية. وعلاوة على ذلك، يتعين عليهما إبقاء هؤلاء المجرمين أحياء وبكامل قوتهم لضمان ألا ينكشف أمر توجيههم، حتى أمام فيلوب نفسه. يجب أن يُنسب الإنجاز بأكمله لـ فيلوب وحده.”
“سأنقل لهما هذه التعليمات حرفياً وبدقة.”
ولكن هل سيكون بمقدور فيلوب التعامل مع مجرمين عتاة بهذا الحجم وهو الذي أصبح فارساً حارساً للتو؟ ولو كان توجيه هؤلاء المجرمين إلى منطقة محددة أمراً سهلاً، لجرى القبض عليهم منذ عقود طويلة.
ومع ذلك، آثر بيترو كتم تساؤلاته بعد أن استشعر هيبة غامضة وسلطة مهيبة تنبعث من جين. فقد كان يشعر بضغط قوي وقوة هائلة عند خدمته للسيدة الشابة لونا، لكن الهيبة التي شعر بها أمام السيد الشاب جين كانت مختلفة تماماً؛ كانت هناك طاقة ملموسة لا يمكن وصفها في كلماته، طاقة تجعل المرء يوقن بأن ما ينطق به جين سيتحقق لا محالة.
لقد كان شبهاً قريباً جداً من قوة ومصداقية كلمات البطريرك سايرون رونكانديل نفسه. وبالطبع، لم تكن قوة جين بصلابة وعظمة قوة والده بعد، لكن بيترو أدرك بوضوح أن جين يتقاسم ذات الهيبة والسطوة مع والده.
“اعتباراً من اليوم، سيبدأ الصحفيون من جميع أنحاء هافستر بنشر مقالات وتقارير عني. احرص على أن تمر جميع المقالات التي تنشرها الصحافة التي تقع تحت سيطرتنا وعبر نفوذنا بمرحلة التدقيق والمراجعة النهائية على يد دينو جاغلون، دون استثناء مقال واحد.”
“مفهوم، يا سيدي الشاب. ما الذي ينبغي لي توجيه دينو للتركيز عليه؟”
“أخبره بأن يبرز ويركز بشدة على حقيقة كوني متعاقد سولدرت وتيس. واحرص على أن يستخدم كلمات وعبارات أبسط وأكثر وضوحاً من بقية النشرات الرسمية المعتادة. واحذف أي إشارة تذكر تقاليد العشيرة القديمة؛ يجب أن تكون المقالات سهلة ومبسطة لدرجة تجعل الأطفال قادرين على قراءتها وفهمها، ولكن مع الحفاظ على مستوى عالٍ من الرقي والفخامة.”
أراد جين الترويج لحقيقة كونه سيافاً ساحراً بأبسط وأسرع طريقة ممكنة لعامة الناس.
“أمر آخر؛ ستبدأ العشائر والمنظمات المختلفة بإرسال وفود لتهنئتي اعتباراً من الأسبوع المقبل. أعد قائمة بجميع من يظهرون لي وداً وتقديراً خاصاً. وستقوم الملكة المقدسة بزيارة العشيرة بنفسها، ويجب علينا استقبالها بأقصى درجات الحفاوة والتقدير.”
لقد كانت المملكة المقدسة منغلقة على نفسها ورافضة لأي علاقات دبلوماسية خارجية منذ اعتلاء لاني العرش كملكة مقدسة. ولكن الآن بعد أن أصبح بطل المملكة، جين، حاملاً رسمياً للراية، فإن لاني ستقوم بالزيارة بلا شك.
“ستكون هذه هي المرة الأولى التي تغادر فيها الملكة المقدسة الحالية حدود مملكتها؛ وستكون لحظة تاريخية فارقة. همم. وكان من المفترض تسيير موكب حرس شرف يتألف من فرسان حراس من رتب رفيعة، ولكنك لا تملك فرساناً حراساً رفيعي المستوى تحت إمرتك في الوقت الحالي، يا سيدي الشاب.”
منحه جين الوقت للتفكير وتقديم حلول.
“إن سمحت لي يا سيدي الشاب، ولمنع شرف استضافة الملكة المقدسة من السقوط في أيدي حاملي الراية الآخرين، ربما يمكننا تشكيل وفد استقبال يتألف من الناجين من كولون. فالرحلة والموكب الخاص بالملكة المقدسة سيضم بلا شك ناجين من تجارب الغولم البيولوجية، ورؤية هؤلاء الناجين يستقبلونها سيمثل مشهداً رائعاً وجميلاً يمس القلوب.”
أومأ جين برأسه مبدياً رضاه التام؛ فهذا هو نوع الإجابات الذكية التي كان يتطلع لسماعها من بيترو.
“ممتاز. تولَّ تنظيم هذا الأمر على الفور.”
حنى بيترو رأسه مجدداً.
“وأخيراً، سيفي. من الذي يملك السيف ‘برادامانتي’ في الوقت الحالي؟”
“بعد استعادة السيف برادامانتي من الفئران الذهبية، أُرسل مباشرة إلى مستودع الأسلحة الخاص بحاملة الراية الثانية.”
توقع جين هذا الأمر؛ لذا لم يزعجه النبأ على الإطلاق. وعلاوة على ذلك، فإن عملية استعادة سيفه كانت قد بدأت بالفعل وتتخذ مسارها.
“أتساءل كم من الوقت سيستغرق الأمر.”
“هل تقصد عملية استعادة السيف برادامانتي، يا سيدي الشاب؟” سأل بيترو بحذر؛ فلم تكن لديه أي اقتراحات جيدة لتمكين جين من استرجاع سيفه من حوزة أخته الثانية.
“لا، بل قصدتُ كم من الوقت سيستغرق الأمر حتى تظهر ماري هنا والسيف برادامانتي بين يديها.”
وقبل أن يتمكن بيترو من الرد، تناهت إلى مسامعهم أصوات خطوات عنيفة وغاضبة تقترب بسرعة فائقة نحو الغرفة.
وانفتح الباب بقوة وعنف إثر تلك الخطوات المتسارعة.
ليقع بصر جين على الضيفة غير المرغوب بها، والتي كانت ترمقه بنظرات تشتعل غضباً وحنقاً؛ لقد كانت أخته الثالثة، ماري. وكاد جين ينفجر ضاحكاً بمجرد رؤية مظهرها.
“جين! أيها الشقي الصغير.”
بدا أنها خاضت نزاعات طاحنة وصدامات عنيفة قبل وصولها إلى غرفته؛ فشعرها كان أشعث ومبعثراً، وجسدها مغطى بالخدوش والجروح السطحية من كل جانب.
وعند خصرها، كانت تحمل سيفين: سيفها الطويل المعتاد، والسيف برادامانتي.
“ما الذي يمكنني فعله لأجلكِ، يا أختي العزيزة؟”
“أيها الشقي، هذه المرة لن تكون قادراً على رفضي أو التملص مني. انظر إلى هذا السيف؛ إنه برادامانتي. أنت ترغب بشدة في استعادته، أليس كذلك؟ اتبعني فوراً؛ وسأعيده إليك إن تمكنت من إرضائي ومنحي نزالاً تلوح فيه قوتك الحقيقية، أيها الشقي.”
لو كان جين بمفرده في تلك اللحظة، لرقص فرحاً وطرباً لنجاح خطته تماماً كما أراد.

في اليوم التالي، غادرت لونا وبعض حاملي الراية حديقة السيوف لطمأنة وتشجيع العشائر الخاضعة لسيطرتهم. شعر جين بالحزن لاضطراره لوداع أخته الكبرى مجدداً، لكنهما حظيا بفرصة للتعبير عن عاطفتهما العميقة كأخوين قبل أن يتمنيا لبعضهما دوام الصحة ووافر التوفيق. وفي الصباح الباكر، مثل بيترو، كبير الخدم من الدرجة الأولى، أمام جين. “سيدي، أتقدم إليك بالتحية الرسمية مجدداً، يا حامل الراية الثاني عشر. اعتباراً من اليوم، تم تكليفي بالخدمة وتلبية احتياجاتك، يا سيدي الشاب. سأبذل قصارى جهدي لأكون عند حسن ظنك وألا أخيب أملك.” كان من الواضح أن لونا هي من أرسلته إلى جين. فبما أن حاملي الراية الآخرين وخدمهم سيحاولون تهميشه وإقصاءه، أرادت لونا التأكد من أن جين لن يواجه صعوبة في الحصول على المعلومات الحيوية داخل العشيرة. “أنا أعتمد عليك يا بيترو. ومن الآن فصاعداً، نادني بالسيد الشاب، فلا داعي للتكلف والرسميات بيننا.” “حاضر، يا سيدي الشاب.” “أوه، انظر إلى هذا. إذن هذا الرجل هو خادمك الشخصي المخصص، هاه؟” *بوف!* تحول موراكان إلى هيئته البشرية، ليحني بيترو رأسه احتراماً. “همم.” تفحص موراكان بيترو من رأسه إلى أخمص قدميه عدة مرات. “اللورد موراكان، هل هناك ما تود سؤالي عنه؟” “اعتباراً من اليوم، سيكون اسمك ‘مونو’.” “عذراً يا سيدي؟” فقد كان بيترو يرتدي مونوكل (نظارة أحادية العين). “استمع إلي جيداً يا مونو؛ لا يتوجب عليك الانصياع لأوامر هذا الفتى فحسب، بل عليك أيضاً تلبية رغباتي وإرضائي. أتفهم؟” “بالتأكيد، يا لورد موراكان.” كاد بيترو لا يصدق أن القط الأسود الذي رآه خلال أيام تدريب جين كمتدرب قد تبين أنه هذا الرجل المهيب. “حسنٌ، ممتاز. قرب أذنك مني.” اقترب بيترو بحذر وأصغى بسمعه، ليهمس موراكان بشيء ما في أذنه. لم يصدق بيترو ما سمعه للوهلة الأولى، لكنه سرعان ما أومأ برأسه موافقاً. “هل فهمت؟” “نعم، بكل تأكيد.” “ما الذي قلته له؟” (جين) “هذا ليس من شأنك أيها الشقي.” (موراكان) “بيترو، أبلغني فوراً إن قدم هذا التنين المظلم أي طلبات غريبة.” “أمرك يا سيدي الشاب. بخصوص هذا الشأن، فقد أمرني اللورد موراكان بالحصول على المجموعة الكاملة للوحات الفنية الخليعة من كبار فناني نقابة ميلا…” “مونو!” صرخ موراكان بصوت مجلجل، ما جعل غيلي تطلق ضحكة خافتة وناعمة. هز جين رأسه مستسلماً أمام حالة تنينه الحارس الميؤوس منها، لكنه لم يمنع بيترو من تلبية هذا الطلب؛ ففي النهاية، كان هذا يمثل تسلية صغيرة وثمينة لتنينه الحارس. وبالطبع، رمق موراكان بيترو بنظرات قاتلة وهو يضغط على أسنانه بغيظ. قال جين متجاوزاً الموقف: “بيترو، تقصَّ أحوال الرفاق الذين كانوا في فصيلي خلال أيامي كمتدرب، ووافني بتقرير عنهم.” “أوه، لقد كنتُ أراقب الفصيل الشاب حتى قبل عودتك يا سيدي الشاب. من بين المتدربين العشرة، أصبح أحدهم فارساً حارساً بالفعل، ويخوض اثنان منهم الاختبارات النهائية ليصبحا من الفرسان الحراس، بينما يتدرب السبعة الآخرون كمتدربين متقدمين.” “أوه؟ أصبح أحدهم فارساً حارساً بالفعل؟ لا بد أنها ميزا ميلكانو.” كان جين يظن بطبيعة الحال أن ميزا، قائدة الفصيل الشاب، ستكون أول من ينال رتبة الفارس الحارس بينهم. لكن بيترو قدم إجابة مغايرة: “لا يا سيدي الشاب، ميزا ميلكانو تخوض اختباراتها النهائية حالياً رفقة سكوت رايمون. الفارس الحارس الجديد هو فيلوب شمتز؛ لقد بدأ ذلك الفتى يبرز ويحقق تفوقاً ملحوظاً عن البقية في مرحلة ما.” *«فيلوب شمتز!»* في حياة جين السابقة، أدت شخصية فيلوب الضعيفة وهشاشته إلى طرده من حديقة السيوف، لينتهي به المطاف بالانضمام إلى عائلة هيران ويصبح حارساً ملكياً لإمبراطورية فيرمونت. تم استغلال فيلوب كأداة لتنفيذ الاغتيالات وتورط في العديد من الفظائع، لينتهي به الأمر بإنهاء حياته بيده تاركاً رسالة ندم وتوبة عن الدماء التي أراقها. *«فيلوب! لم أكن أتوقع أن يكون هو بالذات.»* شعر جين بالسرور والفخر لأن فيلوب قد نجح في أن يصبح فارساً حارساً لعشيرة الرونكانديل في هذه الحياة. “همم، في الواقع… هو حالياً في مهمة في سلاسل الجبال الثلجية بالمنطقة الجنوبية الشرقية لمملكة ميتيل. وهي مهمة غير محددة المدة، ومكلّف فيها بالقضاء على قطاع الطرق في تلك المنطقة.” قطب جين حاجبيه وظهرت عليه علامات الضيق عند سماع هذه الأخبار. فالقمم الثلجية الجنوبية لمملكة ميتيل كانت تكاد تخلو من السكان بسبب البرد القارس والجاف؛ وبما أن قبيلة صغيرة لا يتجاوز عدد عائلاتها المئة تقطن تلك الأراضي الشاسعة، فلم يكن هناك وجود حتى لأبسط اللصوص، ناهيك عن قطاع الطرق الأشرار. وإرساله إلى هناك للقضاء على قطاع الطرق يعني ببساطة أن فيلوب قد جرى تهميشه ونفيه فور حصوله على رتبة فارس حارس، والسبب الأرجح هو انتمائه لفصيل جين. وفي الحقيقة، لم يكن فيلوب قد علم بعد بعودة جين نظراً لطبيعة مهمته المعزولة، بينما كان بقية أفراد الفصيل الشاب حاضرين في تشكيل استقبال جين في يوم عودته. “لقد فهمتُ ما يجري هنا.” “هل ترغب في أن أدرج مسألة استدعاء فيلوب من مهمته في جدول أعمال اجتماع حاملي الراية القادم؟” “لا، دعه وشأنه. إن أجبرناهم على إعادته الآن، فقد يثير ذلك الشكوك ويوجه الأنظار إليه. يجب أن ننتظر حتى يعود ومعه إنجازات حقيقية.” “ولكن لا وجود لقطاع الطرق هناك يا سيدي الشاب. وحتى لو وُجدوا، فإن القضاء على قطاع الطرق ليس بالمهمة التي تليق بفرسان الحراس بشكل متكرر. هناك مبرر كافٍ لاستدعائه.” “هل تسمح لي يا كبير الخدم بيترو؟” “نعم، يا سيدي الشاب.” حنى بيترو رأسه وتغيرت نبرة صوته مستمعاً بتركيز. “يجب علينا دائماً تقديم نتائج تفوق خيال الجميع. لا يكفي أن نقدم نتائج مثالية بين الحين والآخر؛ بل يتعين علينا إظهار نتائج غير متوقعة وصاعقة في كل مرة نواجه فيها أعداءنا. إن لم نتمكن من ذلك، فلن يعترفوا بنا أبداً. وهذا يعني أنه لا يمكننا إدارة الأمور بالطريقة التقليدية التي يتبعها الآخرون.” فالعيوب الصغيرة تُعامل كإخفاقات قاتلة، والإنجازات العظيمة تُصنف كأعمال عادية وتافهة. كانت هذه هي الطريقة التي ينوي بها أعداء جين معاملته ومعاملة رجاله. ولذا، قرر جين انتزاع الاعتراف والتقدير من أعدائه وإجبارهم على الخضوع رغماً عنهم. “سأضع ذلك في حسباني دائماً، يا سيدي الشاب!” “هل تملك قائمة جاهزة بالمطلوبين من الدرجة الأولى فما فوق، والذين يحق لحاملي الراية الوصول إليهم؟” “نعم، يا سيدي.” “أحضرها لي.” سارع بيترو بإحضار الوثيقة، ليتصفحها جين بتمعن ويختار خمسة أسماء لشرار المجرمين: “فيروك الفارس المرتد من فانكيلا، جاك غلو الكلب المسعور من فيرمونت الغربية، وبانتا قائد هجوم النمور القرمزية… جميعهم لا يزالون يعيثون فساداً، هاه؟” ارتسمت على شفتي جين ابتسامة وهو يتفحص أسماءهم ورسومهم الشخصية المرفقة، لتعيد هذه الأسماء إلى ذهنه محادثته القديمة مع دانتي وبرادين في ساميل خلال أيامه كحامل راية مؤقت. *«كان أولئك الرفاق متحمسين للغاية لفكرة خوض مثل هذه المغامرات المشتركة. أعلم أن دانتي على ما يرام، ولكن برادين… أنا قلق بشأنه. أتساءل كيف هي أحواله الآن.»* تمنى لو كان بإمكانه التواصل معهما على الفور. لكنه لم يكن يستطيع التواصل مع أمراء عائلات وقوى معادية ومنافسة فور وصوله إلى حديقة السيوف؛ إذ يتوجب عليه التريث وعدم إجراء أي اتصال حتى تلوح فرصة سانحة للقائهم دون إثارة أي شكوك أو شبهات. “خذ قائمة المطلوبين التي اخترتها واذهب بها إلى مدينة تيكان الحرة. سلمها لشخصين يُدعيان كوزان ويوليان، وأخبرهما بضرورة تتبع أثر من يمكن تتبعه منهم، وسوقهم بحذر وسرية وتوجيههم نحو القمم المغطاة بالثلوج في الجنوب الشرقي لمملكة ميتيل.” “مفهوم، يا سيدي.” “يجب ألا تقع أي خسائر أو أضرار في صفوف المدنيين خلال هذه العملية. وعلاوة على ذلك، يتعين عليهما إبقاء هؤلاء المجرمين أحياء وبكامل قوتهم لضمان ألا ينكشف أمر توجيههم، حتى أمام فيلوب نفسه. يجب أن يُنسب الإنجاز بأكمله لـ فيلوب وحده.” “سأنقل لهما هذه التعليمات حرفياً وبدقة.” ولكن هل سيكون بمقدور فيلوب التعامل مع مجرمين عتاة بهذا الحجم وهو الذي أصبح فارساً حارساً للتو؟ ولو كان توجيه هؤلاء المجرمين إلى منطقة محددة أمراً سهلاً، لجرى القبض عليهم منذ عقود طويلة. ومع ذلك، آثر بيترو كتم تساؤلاته بعد أن استشعر هيبة غامضة وسلطة مهيبة تنبعث من جين. فقد كان يشعر بضغط قوي وقوة هائلة عند خدمته للسيدة الشابة لونا، لكن الهيبة التي شعر بها أمام السيد الشاب جين كانت مختلفة تماماً؛ كانت هناك طاقة ملموسة لا يمكن وصفها في كلماته، طاقة تجعل المرء يوقن بأن ما ينطق به جين سيتحقق لا محالة. لقد كان شبهاً قريباً جداً من قوة ومصداقية كلمات البطريرك سايرون رونكانديل نفسه. وبالطبع، لم تكن قوة جين بصلابة وعظمة قوة والده بعد، لكن بيترو أدرك بوضوح أن جين يتقاسم ذات الهيبة والسطوة مع والده. “اعتباراً من اليوم، سيبدأ الصحفيون من جميع أنحاء هافستر بنشر مقالات وتقارير عني. احرص على أن تمر جميع المقالات التي تنشرها الصحافة التي تقع تحت سيطرتنا وعبر نفوذنا بمرحلة التدقيق والمراجعة النهائية على يد دينو جاغلون، دون استثناء مقال واحد.” “مفهوم، يا سيدي الشاب. ما الذي ينبغي لي توجيه دينو للتركيز عليه؟” “أخبره بأن يبرز ويركز بشدة على حقيقة كوني متعاقد سولدرت وتيس. واحرص على أن يستخدم كلمات وعبارات أبسط وأكثر وضوحاً من بقية النشرات الرسمية المعتادة. واحذف أي إشارة تذكر تقاليد العشيرة القديمة؛ يجب أن تكون المقالات سهلة ومبسطة لدرجة تجعل الأطفال قادرين على قراءتها وفهمها، ولكن مع الحفاظ على مستوى عالٍ من الرقي والفخامة.” أراد جين الترويج لحقيقة كونه سيافاً ساحراً بأبسط وأسرع طريقة ممكنة لعامة الناس. “أمر آخر؛ ستبدأ العشائر والمنظمات المختلفة بإرسال وفود لتهنئتي اعتباراً من الأسبوع المقبل. أعد قائمة بجميع من يظهرون لي وداً وتقديراً خاصاً. وستقوم الملكة المقدسة بزيارة العشيرة بنفسها، ويجب علينا استقبالها بأقصى درجات الحفاوة والتقدير.” لقد كانت المملكة المقدسة منغلقة على نفسها ورافضة لأي علاقات دبلوماسية خارجية منذ اعتلاء لاني العرش كملكة مقدسة. ولكن الآن بعد أن أصبح بطل المملكة، جين، حاملاً رسمياً للراية، فإن لاني ستقوم بالزيارة بلا شك. “ستكون هذه هي المرة الأولى التي تغادر فيها الملكة المقدسة الحالية حدود مملكتها؛ وستكون لحظة تاريخية فارقة. همم. وكان من المفترض تسيير موكب حرس شرف يتألف من فرسان حراس من رتب رفيعة، ولكنك لا تملك فرساناً حراساً رفيعي المستوى تحت إمرتك في الوقت الحالي، يا سيدي الشاب.” منحه جين الوقت للتفكير وتقديم حلول. “إن سمحت لي يا سيدي الشاب، ولمنع شرف استضافة الملكة المقدسة من السقوط في أيدي حاملي الراية الآخرين، ربما يمكننا تشكيل وفد استقبال يتألف من الناجين من كولون. فالرحلة والموكب الخاص بالملكة المقدسة سيضم بلا شك ناجين من تجارب الغولم البيولوجية، ورؤية هؤلاء الناجين يستقبلونها سيمثل مشهداً رائعاً وجميلاً يمس القلوب.” أومأ جين برأسه مبدياً رضاه التام؛ فهذا هو نوع الإجابات الذكية التي كان يتطلع لسماعها من بيترو. “ممتاز. تولَّ تنظيم هذا الأمر على الفور.” حنى بيترو رأسه مجدداً. “وأخيراً، سيفي. من الذي يملك السيف ‘برادامانتي’ في الوقت الحالي؟” “بعد استعادة السيف برادامانتي من الفئران الذهبية، أُرسل مباشرة إلى مستودع الأسلحة الخاص بحاملة الراية الثانية.” توقع جين هذا الأمر؛ لذا لم يزعجه النبأ على الإطلاق. وعلاوة على ذلك، فإن عملية استعادة سيفه كانت قد بدأت بالفعل وتتخذ مسارها. “أتساءل كم من الوقت سيستغرق الأمر.” “هل تقصد عملية استعادة السيف برادامانتي، يا سيدي الشاب؟” سأل بيترو بحذر؛ فلم تكن لديه أي اقتراحات جيدة لتمكين جين من استرجاع سيفه من حوزة أخته الثانية. “لا، بل قصدتُ كم من الوقت سيستغرق الأمر حتى تظهر ماري هنا والسيف برادامانتي بين يديها.” وقبل أن يتمكن بيترو من الرد، تناهت إلى مسامعهم أصوات خطوات عنيفة وغاضبة تقترب بسرعة فائقة نحو الغرفة. وانفتح الباب بقوة وعنف إثر تلك الخطوات المتسارعة. ليقع بصر جين على الضيفة غير المرغوب بها، والتي كانت ترمقه بنظرات تشتعل غضباً وحنقاً؛ لقد كانت أخته الثالثة، ماري. وكاد جين ينفجر ضاحكاً بمجرد رؤية مظهرها. “جين! أيها الشقي الصغير.” بدا أنها خاضت نزاعات طاحنة وصدامات عنيفة قبل وصولها إلى غرفته؛ فشعرها كان أشعث ومبعثراً، وجسدها مغطى بالخدوش والجروح السطحية من كل جانب. وعند خصرها، كانت تحمل سيفين: سيفها الطويل المعتاد، والسيف برادامانتي. “ما الذي يمكنني فعله لأجلكِ، يا أختي العزيزة؟” “أيها الشقي، هذه المرة لن تكون قادراً على رفضي أو التملص مني. انظر إلى هذا السيف؛ إنه برادامانتي. أنت ترغب بشدة في استعادته، أليس كذلك؟ اتبعني فوراً؛ وسأعيده إليك إن تمكنت من إرضائي ومنحي نزالاً تلوح فيه قوتك الحقيقية، أيها الشقي.” لو كان جين بمفرده في تلك اللحظة، لرقص فرحاً وطرباً لنجاح خطته تماماً كما أراد.

🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 7 يوم متبقي
13,500 شعلة الهدف: 66,666
20.3%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 12,000
🥈Fares saeed🔥 1,000
🥉Hamood Mahemed🔥 500

في اليوم التالي، غادرت لونا وبعض حاملي الراية حديقة السيوف لطمأنة وتشجيع العشائر الخاضعة لسيطرتهم. شعر جين بالحزن لاضطراره لوداع أخته الكبرى مجدداً، لكنهما حظيا بفرصة للتعبير عن عاطفتهما العميقة كأخوين قبل أن يتمنيا لبعضهما دوام الصحة ووافر التوفيق. وفي الصباح الباكر، مثل بيترو، كبير الخدم من الدرجة الأولى، أمام جين. “سيدي، أتقدم إليك بالتحية الرسمية مجدداً، يا حامل الراية الثاني عشر. اعتباراً من اليوم، تم تكليفي بالخدمة وتلبية احتياجاتك، يا سيدي الشاب. سأبذل قصارى جهدي لأكون عند حسن ظنك وألا أخيب أملك.” كان من الواضح أن لونا هي من أرسلته إلى جين. فبما أن حاملي الراية الآخرين وخدمهم سيحاولون تهميشه وإقصاءه، أرادت لونا التأكد من أن جين لن يواجه صعوبة في الحصول على المعلومات الحيوية داخل العشيرة. “أنا أعتمد عليك يا بيترو. ومن الآن فصاعداً، نادني بالسيد الشاب، فلا داعي للتكلف والرسميات بيننا.” “حاضر، يا سيدي الشاب.” “أوه، انظر إلى هذا. إذن هذا الرجل هو خادمك الشخصي المخصص، هاه؟” *بوف!* تحول موراكان إلى هيئته البشرية، ليحني بيترو رأسه احتراماً. “همم.” تفحص موراكان بيترو من رأسه إلى أخمص قدميه عدة مرات. “اللورد موراكان، هل هناك ما تود سؤالي عنه؟” “اعتباراً من اليوم، سيكون اسمك ‘مونو’.” “عذراً يا سيدي؟” فقد كان بيترو يرتدي مونوكل (نظارة أحادية العين). “استمع إلي جيداً يا مونو؛ لا يتوجب عليك الانصياع لأوامر هذا الفتى فحسب، بل عليك أيضاً تلبية رغباتي وإرضائي. أتفهم؟” “بالتأكيد، يا لورد موراكان.” كاد بيترو لا يصدق أن القط الأسود الذي رآه خلال أيام تدريب جين كمتدرب قد تبين أنه هذا الرجل المهيب. “حسنٌ، ممتاز. قرب أذنك مني.” اقترب بيترو بحذر وأصغى بسمعه، ليهمس موراكان بشيء ما في أذنه. لم يصدق بيترو ما سمعه للوهلة الأولى، لكنه سرعان ما أومأ برأسه موافقاً. “هل فهمت؟” “نعم، بكل تأكيد.” “ما الذي قلته له؟” (جين) “هذا ليس من شأنك أيها الشقي.” (موراكان) “بيترو، أبلغني فوراً إن قدم هذا التنين المظلم أي طلبات غريبة.” “أمرك يا سيدي الشاب. بخصوص هذا الشأن، فقد أمرني اللورد موراكان بالحصول على المجموعة الكاملة للوحات الفنية الخليعة من كبار فناني نقابة ميلا…” “مونو!” صرخ موراكان بصوت مجلجل، ما جعل غيلي تطلق ضحكة خافتة وناعمة. هز جين رأسه مستسلماً أمام حالة تنينه الحارس الميؤوس منها، لكنه لم يمنع بيترو من تلبية هذا الطلب؛ ففي النهاية، كان هذا يمثل تسلية صغيرة وثمينة لتنينه الحارس. وبالطبع، رمق موراكان بيترو بنظرات قاتلة وهو يضغط على أسنانه بغيظ. قال جين متجاوزاً الموقف: “بيترو، تقصَّ أحوال الرفاق الذين كانوا في فصيلي خلال أيامي كمتدرب، ووافني بتقرير عنهم.” “أوه، لقد كنتُ أراقب الفصيل الشاب حتى قبل عودتك يا سيدي الشاب. من بين المتدربين العشرة، أصبح أحدهم فارساً حارساً بالفعل، ويخوض اثنان منهم الاختبارات النهائية ليصبحا من الفرسان الحراس، بينما يتدرب السبعة الآخرون كمتدربين متقدمين.” “أوه؟ أصبح أحدهم فارساً حارساً بالفعل؟ لا بد أنها ميزا ميلكانو.” كان جين يظن بطبيعة الحال أن ميزا، قائدة الفصيل الشاب، ستكون أول من ينال رتبة الفارس الحارس بينهم. لكن بيترو قدم إجابة مغايرة: “لا يا سيدي الشاب، ميزا ميلكانو تخوض اختباراتها النهائية حالياً رفقة سكوت رايمون. الفارس الحارس الجديد هو فيلوب شمتز؛ لقد بدأ ذلك الفتى يبرز ويحقق تفوقاً ملحوظاً عن البقية في مرحلة ما.” *«فيلوب شمتز!»* في حياة جين السابقة، أدت شخصية فيلوب الضعيفة وهشاشته إلى طرده من حديقة السيوف، لينتهي به المطاف بالانضمام إلى عائلة هيران ويصبح حارساً ملكياً لإمبراطورية فيرمونت. تم استغلال فيلوب كأداة لتنفيذ الاغتيالات وتورط في العديد من الفظائع، لينتهي به الأمر بإنهاء حياته بيده تاركاً رسالة ندم وتوبة عن الدماء التي أراقها. *«فيلوب! لم أكن أتوقع أن يكون هو بالذات.»* شعر جين بالسرور والفخر لأن فيلوب قد نجح في أن يصبح فارساً حارساً لعشيرة الرونكانديل في هذه الحياة. “همم، في الواقع… هو حالياً في مهمة في سلاسل الجبال الثلجية بالمنطقة الجنوبية الشرقية لمملكة ميتيل. وهي مهمة غير محددة المدة، ومكلّف فيها بالقضاء على قطاع الطرق في تلك المنطقة.” قطب جين حاجبيه وظهرت عليه علامات الضيق عند سماع هذه الأخبار. فالقمم الثلجية الجنوبية لمملكة ميتيل كانت تكاد تخلو من السكان بسبب البرد القارس والجاف؛ وبما أن قبيلة صغيرة لا يتجاوز عدد عائلاتها المئة تقطن تلك الأراضي الشاسعة، فلم يكن هناك وجود حتى لأبسط اللصوص، ناهيك عن قطاع الطرق الأشرار. وإرساله إلى هناك للقضاء على قطاع الطرق يعني ببساطة أن فيلوب قد جرى تهميشه ونفيه فور حصوله على رتبة فارس حارس، والسبب الأرجح هو انتمائه لفصيل جين. وفي الحقيقة، لم يكن فيلوب قد علم بعد بعودة جين نظراً لطبيعة مهمته المعزولة، بينما كان بقية أفراد الفصيل الشاب حاضرين في تشكيل استقبال جين في يوم عودته. “لقد فهمتُ ما يجري هنا.” “هل ترغب في أن أدرج مسألة استدعاء فيلوب من مهمته في جدول أعمال اجتماع حاملي الراية القادم؟” “لا، دعه وشأنه. إن أجبرناهم على إعادته الآن، فقد يثير ذلك الشكوك ويوجه الأنظار إليه. يجب أن ننتظر حتى يعود ومعه إنجازات حقيقية.” “ولكن لا وجود لقطاع الطرق هناك يا سيدي الشاب. وحتى لو وُجدوا، فإن القضاء على قطاع الطرق ليس بالمهمة التي تليق بفرسان الحراس بشكل متكرر. هناك مبرر كافٍ لاستدعائه.” “هل تسمح لي يا كبير الخدم بيترو؟” “نعم، يا سيدي الشاب.” حنى بيترو رأسه وتغيرت نبرة صوته مستمعاً بتركيز. “يجب علينا دائماً تقديم نتائج تفوق خيال الجميع. لا يكفي أن نقدم نتائج مثالية بين الحين والآخر؛ بل يتعين علينا إظهار نتائج غير متوقعة وصاعقة في كل مرة نواجه فيها أعداءنا. إن لم نتمكن من ذلك، فلن يعترفوا بنا أبداً. وهذا يعني أنه لا يمكننا إدارة الأمور بالطريقة التقليدية التي يتبعها الآخرون.” فالعيوب الصغيرة تُعامل كإخفاقات قاتلة، والإنجازات العظيمة تُصنف كأعمال عادية وتافهة. كانت هذه هي الطريقة التي ينوي بها أعداء جين معاملته ومعاملة رجاله. ولذا، قرر جين انتزاع الاعتراف والتقدير من أعدائه وإجبارهم على الخضوع رغماً عنهم. “سأضع ذلك في حسباني دائماً، يا سيدي الشاب!” “هل تملك قائمة جاهزة بالمطلوبين من الدرجة الأولى فما فوق، والذين يحق لحاملي الراية الوصول إليهم؟” “نعم، يا سيدي.” “أحضرها لي.” سارع بيترو بإحضار الوثيقة، ليتصفحها جين بتمعن ويختار خمسة أسماء لشرار المجرمين: “فيروك الفارس المرتد من فانكيلا، جاك غلو الكلب المسعور من فيرمونت الغربية، وبانتا قائد هجوم النمور القرمزية… جميعهم لا يزالون يعيثون فساداً، هاه؟” ارتسمت على شفتي جين ابتسامة وهو يتفحص أسماءهم ورسومهم الشخصية المرفقة، لتعيد هذه الأسماء إلى ذهنه محادثته القديمة مع دانتي وبرادين في ساميل خلال أيامه كحامل راية مؤقت. *«كان أولئك الرفاق متحمسين للغاية لفكرة خوض مثل هذه المغامرات المشتركة. أعلم أن دانتي على ما يرام، ولكن برادين… أنا قلق بشأنه. أتساءل كيف هي أحواله الآن.»* تمنى لو كان بإمكانه التواصل معهما على الفور. لكنه لم يكن يستطيع التواصل مع أمراء عائلات وقوى معادية ومنافسة فور وصوله إلى حديقة السيوف؛ إذ يتوجب عليه التريث وعدم إجراء أي اتصال حتى تلوح فرصة سانحة للقائهم دون إثارة أي شكوك أو شبهات. “خذ قائمة المطلوبين التي اخترتها واذهب بها إلى مدينة تيكان الحرة. سلمها لشخصين يُدعيان كوزان ويوليان، وأخبرهما بضرورة تتبع أثر من يمكن تتبعه منهم، وسوقهم بحذر وسرية وتوجيههم نحو القمم المغطاة بالثلوج في الجنوب الشرقي لمملكة ميتيل.” “مفهوم، يا سيدي.” “يجب ألا تقع أي خسائر أو أضرار في صفوف المدنيين خلال هذه العملية. وعلاوة على ذلك، يتعين عليهما إبقاء هؤلاء المجرمين أحياء وبكامل قوتهم لضمان ألا ينكشف أمر توجيههم، حتى أمام فيلوب نفسه. يجب أن يُنسب الإنجاز بأكمله لـ فيلوب وحده.” “سأنقل لهما هذه التعليمات حرفياً وبدقة.” ولكن هل سيكون بمقدور فيلوب التعامل مع مجرمين عتاة بهذا الحجم وهو الذي أصبح فارساً حارساً للتو؟ ولو كان توجيه هؤلاء المجرمين إلى منطقة محددة أمراً سهلاً، لجرى القبض عليهم منذ عقود طويلة. ومع ذلك، آثر بيترو كتم تساؤلاته بعد أن استشعر هيبة غامضة وسلطة مهيبة تنبعث من جين. فقد كان يشعر بضغط قوي وقوة هائلة عند خدمته للسيدة الشابة لونا، لكن الهيبة التي شعر بها أمام السيد الشاب جين كانت مختلفة تماماً؛ كانت هناك طاقة ملموسة لا يمكن وصفها في كلماته، طاقة تجعل المرء يوقن بأن ما ينطق به جين سيتحقق لا محالة. لقد كان شبهاً قريباً جداً من قوة ومصداقية كلمات البطريرك سايرون رونكانديل نفسه. وبالطبع، لم تكن قوة جين بصلابة وعظمة قوة والده بعد، لكن بيترو أدرك بوضوح أن جين يتقاسم ذات الهيبة والسطوة مع والده. “اعتباراً من اليوم، سيبدأ الصحفيون من جميع أنحاء هافستر بنشر مقالات وتقارير عني. احرص على أن تمر جميع المقالات التي تنشرها الصحافة التي تقع تحت سيطرتنا وعبر نفوذنا بمرحلة التدقيق والمراجعة النهائية على يد دينو جاغلون، دون استثناء مقال واحد.” “مفهوم، يا سيدي الشاب. ما الذي ينبغي لي توجيه دينو للتركيز عليه؟” “أخبره بأن يبرز ويركز بشدة على حقيقة كوني متعاقد سولدرت وتيس. واحرص على أن يستخدم كلمات وعبارات أبسط وأكثر وضوحاً من بقية النشرات الرسمية المعتادة. واحذف أي إشارة تذكر تقاليد العشيرة القديمة؛ يجب أن تكون المقالات سهلة ومبسطة لدرجة تجعل الأطفال قادرين على قراءتها وفهمها، ولكن مع الحفاظ على مستوى عالٍ من الرقي والفخامة.” أراد جين الترويج لحقيقة كونه سيافاً ساحراً بأبسط وأسرع طريقة ممكنة لعامة الناس. “أمر آخر؛ ستبدأ العشائر والمنظمات المختلفة بإرسال وفود لتهنئتي اعتباراً من الأسبوع المقبل. أعد قائمة بجميع من يظهرون لي وداً وتقديراً خاصاً. وستقوم الملكة المقدسة بزيارة العشيرة بنفسها، ويجب علينا استقبالها بأقصى درجات الحفاوة والتقدير.” لقد كانت المملكة المقدسة منغلقة على نفسها ورافضة لأي علاقات دبلوماسية خارجية منذ اعتلاء لاني العرش كملكة مقدسة. ولكن الآن بعد أن أصبح بطل المملكة، جين، حاملاً رسمياً للراية، فإن لاني ستقوم بالزيارة بلا شك. “ستكون هذه هي المرة الأولى التي تغادر فيها الملكة المقدسة الحالية حدود مملكتها؛ وستكون لحظة تاريخية فارقة. همم. وكان من المفترض تسيير موكب حرس شرف يتألف من فرسان حراس من رتب رفيعة، ولكنك لا تملك فرساناً حراساً رفيعي المستوى تحت إمرتك في الوقت الحالي، يا سيدي الشاب.” منحه جين الوقت للتفكير وتقديم حلول. “إن سمحت لي يا سيدي الشاب، ولمنع شرف استضافة الملكة المقدسة من السقوط في أيدي حاملي الراية الآخرين، ربما يمكننا تشكيل وفد استقبال يتألف من الناجين من كولون. فالرحلة والموكب الخاص بالملكة المقدسة سيضم بلا شك ناجين من تجارب الغولم البيولوجية، ورؤية هؤلاء الناجين يستقبلونها سيمثل مشهداً رائعاً وجميلاً يمس القلوب.” أومأ جين برأسه مبدياً رضاه التام؛ فهذا هو نوع الإجابات الذكية التي كان يتطلع لسماعها من بيترو. “ممتاز. تولَّ تنظيم هذا الأمر على الفور.” حنى بيترو رأسه مجدداً. “وأخيراً، سيفي. من الذي يملك السيف ‘برادامانتي’ في الوقت الحالي؟” “بعد استعادة السيف برادامانتي من الفئران الذهبية، أُرسل مباشرة إلى مستودع الأسلحة الخاص بحاملة الراية الثانية.” توقع جين هذا الأمر؛ لذا لم يزعجه النبأ على الإطلاق. وعلاوة على ذلك، فإن عملية استعادة سيفه كانت قد بدأت بالفعل وتتخذ مسارها. “أتساءل كم من الوقت سيستغرق الأمر.” “هل تقصد عملية استعادة السيف برادامانتي، يا سيدي الشاب؟” سأل بيترو بحذر؛ فلم تكن لديه أي اقتراحات جيدة لتمكين جين من استرجاع سيفه من حوزة أخته الثانية. “لا، بل قصدتُ كم من الوقت سيستغرق الأمر حتى تظهر ماري هنا والسيف برادامانتي بين يديها.” وقبل أن يتمكن بيترو من الرد، تناهت إلى مسامعهم أصوات خطوات عنيفة وغاضبة تقترب بسرعة فائقة نحو الغرفة. وانفتح الباب بقوة وعنف إثر تلك الخطوات المتسارعة. ليقع بصر جين على الضيفة غير المرغوب بها، والتي كانت ترمقه بنظرات تشتعل غضباً وحنقاً؛ لقد كانت أخته الثالثة، ماري. وكاد جين ينفجر ضاحكاً بمجرد رؤية مظهرها. “جين! أيها الشقي الصغير.” بدا أنها خاضت نزاعات طاحنة وصدامات عنيفة قبل وصولها إلى غرفته؛ فشعرها كان أشعث ومبعثراً، وجسدها مغطى بالخدوش والجروح السطحية من كل جانب. وعند خصرها، كانت تحمل سيفين: سيفها الطويل المعتاد، والسيف برادامانتي. “ما الذي يمكنني فعله لأجلكِ، يا أختي العزيزة؟” “أيها الشقي، هذه المرة لن تكون قادراً على رفضي أو التملص مني. انظر إلى هذا السيف؛ إنه برادامانتي. أنت ترغب بشدة في استعادته، أليس كذلك؟ اتبعني فوراً؛ وسأعيده إليك إن تمكنت من إرضائي ومنحي نزالاً تلوح فيه قوتك الحقيقية، أيها الشقي.” لو كان جين بمفرده في تلك اللحظة، لرقص فرحاً وطرباً لنجاح خطته تماماً كما أراد.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط