وفد التهنئة، لقاء غير متوقع ( 3 )
“هل تقصدين أنهم لم يرسلوا وفداً بسببكِ؟”
كشفت عينا غيلي وحركاتها عن مشاعر لا حصر لها؛ الخزي، والإحراج، والذنب، والمرارة، والقلق — كل تلك المشاعر السلبية التي تُصغّر الإنسان وتُثقله. كانت جميعها تضغط على كاهلها.
خفضت غيلي رأسها.
لم يطرح جين أي أسئلة أخرى، بل اكتفى بالتربيت على كتفها بلطف: “لا بأس. لا داعي لأن تشعري بهذه الطريقة يا غيلي. لن أحمل ضغينة ضد عشيرة ماكلوران بسبب هذا، لذا أرجو ألا تقلقي.”
فهم جين على الفور مخاوف غيلي وما يورقها.
“لقد أحرجتكِ وأفقدتكِ هيبتك أمامي؛ شكراً لتفهمك يا سيدي الشاب.”
لكن جين في الحقيقة شعر بعكس ما أخبرها به تماماً؛ فإذا كان الماكلوران قد أذوا غيلي في الماضي، ولا تزال تعاني من ذلك لدرجة أنها لم تستطع البوح بالأمر لموراكان وله بسبب الألم، فإنه سيعاقب الماكلوران عاجلاً أم آجلاً. وحقيقة أنهم لم يرسلوا وفداً للتهنئة لم تكن تعني له شيئاً مقارنة بذلك الأذى.
“أوه، ‘ستروبيري شورت كيك’. لا تحزني وتعالي إلى هنا. إن فترة ذلك الفتى غير اللبق الذي يلعب دور الملك ليوم واحد تقترب من نهايتها، ويبدو أن البالغين يمكنهم أخيراً الحصول على بعض الهدوء.”
أخذ موراكان غيلي بعيداً بلطف، بينما التفت جين للبحث عن بيترو.
“نعم، سيدي الشاب!”
“ألم ترسل عشيرة فولتا أحداً؟” سأل جين.
“دعني أتحقق مجدداً يا سيدي.”
كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل عندما عاد بيترو: “الأمر غريب حقاً يا سيدي. فجميع عشائر النبلاء الفقراء أرسلوا أشخاصاً وتم رفضهم، لكن عشيرة فولتا كانت الوحيدة التي لم ترسل أحداً على الإطلاق.”
لم تكن العشائر النبيلة الصغيرة والفقيرة مثل الفولتا بحاجة إلى الحذر من إخوة جين عند إرسال وفود التهنئة؛ فبأي حال، لم تكن هذه العشائر ذات أهمية كافية لتملك علاقات مباشرة مع الرونكانديل ذوي الدم النقي. وبالتالي، لن يهتم أي من إخوته إذا قرر جين مقابلة أي من تلك العشائر الفقيرة أم لا، ولم تكن روزا لتعيرهم أي انتباه بدورها.
وكان هذا هو السبب الدقيق وراء محاولة العشائر الأضعف بذل قصارى جهدها لإقامة علاقات مع الرونكانديل في مثل هذه المناسبات؛ فغالباً ما كانوا يعتصرون آخر ما يملكونه من أموال لإرسال الهدايا، أو حتى يقدمون آثاراً ومقتنيات قديمة خاصة بعشيرتهم إذا لم يكونوا قادرين على تحمل التكاليف. لكن الفولتا تصرفوا بشكل مختلف عن بقية العشائر الفقيرة.
“إذن، لم يفعلوا ذلك؟ همم.”
*«لا يمكن أن يكون الأمر كذلك. هل هناك شخص في عشيرة فولتا على دراية بنسب بيكون مينشي؟ في هذه الفترة الزمنية؟»*
كان بيكون مينشي هو الحداد الذي لا يُعلى عليه وبلا منازع في تاريخ القارة بأكملها؛ وهو نفسه من صنع السيفين باليسادي وبرادامانتي. ورغم مرور ما يقرب من ألف عام على وفاته، إلا أن نقابة مينشي للحدادة ظلت المجموعة الرائدة في هذا المجال على مستوى القارة؛ وكان الحدادون المرخصون من النقابة يحظون بمعاملة وتقدير أفضل من معظم الفرسان والسحرة في هيفستر واتحاد لوتيرو السحري على حد سواء. وخاصة حدادي النقابة الثلاثة الكبار، المعروفين باسم: السندان، والمطرقة، والكور، والذين كانوا يحظون باحترام سايرون نفسه.
وبالنظر إلى الاحترام الشديد الذي يُمنح لأعضاء النقابة، من كان ليتخيل أن سليل بيكون المباشر يعيش كمجرد خادم أو وكيل لعشيرة نبيلة تكافح للبقاء؟
*«كان يبلغ من العمر حوالي ثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين عاماً عندما ظهر لأول مرة في حياتي السابقة؛ وأعلم يقيناً أن ذلك كان قبل أن يصل إلى رتبة نجمة واحدة في تقنيات السيف. ما زلت أتذكر ذلك بوضوح لأن هيفستر بأكملها صُدمت بالأنباء حينها.»*
كان سليل بيكون مينشي يحمل اسم: فيني بلانش.
ومثل معظم الناس، لم يكن يعلم أنه من سلالة بيكون؛ تماماً كما لم يكن والداه وأجداده يعلمون ذلك أيضاً. فقد فقدَ نسل بيكون لقب مينشي وهويتهم في وقت ما من التاريخ، وعاشوا حياتهم كعامة ناس؛ وتغير لقبهم عدة مرات وفقاً للقوانين وعادات الزواج في عصورهم. ثم فجأة، تجلى إله الحدادة في فيني بلانش، وكيل عشيرة فولتا. وكان فيني قد أبرم عقداً بالفعل مع إله الحدادة، لكنه لم يدرك ذلك لأول مرة إلا عندما كان جين في الرابعة والعشرين من عمره تقريباً في حياته السابقة.
*«ربما كانت المعلومات من حياتي السابقة خاطئة، أو ربما لم يدرك العالم وجود فيني بلانش إلا في ذلك الوقت؛ لكن العشيرة قد تكون علمت بأمره في وقت مبكر جداً، خاصة وأن جوشوا يمتلك ذلك الرائي.»*
لخص جين أفكاره وأومأ برأسه؛ فعلى عكس الوضع الحالي، لم يكن جين حامل راية في ذلك الوقت، بل كان يتعرض للازدراء والتحقير من قِبل الخدم. وبالتالي، لم يكن لديه أي وسيلة لفهم ما يدور داخل العشيرة، وكانت حياته حينها مجرد سلسلة من الأيام التي يقضيها في التدريب بمفرده في زاوية مهملة قبل أن يعود مسرعاً إلى غرفته ليختبئ عن الأنظار.
من ناحية أخرى، لم تكن حياة جوشوا آنذاك تختلف كثيراً عما هي عليه الآن؛ وحتى لو كان هناك شقيق آخر غير جوشوا قد عثر على فيني بلانش، فلن يشاركوا أمره مع “قمامة” العشيرة، وهو ما كان عليه جين في الماضي. وبالفعل، لم يتمكن جين قط من معرفة الفصيل الذي انضم إليه فيني بلانش بعد أن كُشف أنه متعاقد مع إله الحدادة، وافترض فقط أن الرونكانديل قد جندوه.
وفي كل الأحوال، كانت الطريقة الوحيدة للتأكد هي مقابلته شخصياً.
“منطقة عشيرة فولتا تقع في ريف ناءٍ من مملكة شوتزيرون، أليس كذلك؟ هل هناك بوابة تنقل مباشرة إلى تلك المنطقة؟”
هل يعني ذلك أنه يريد زيارة عشيرة فولتا الآن؟ لم يطرح بيترو هذا السؤال قط، بل أجاب بمهنية: “لا توجد بوابة مباشرة يا سيدي الشاب. ولكنني سأرسل أمراً إلى المسؤولين لفتح البوابة المؤدية إلى أقرب مدينة في شوتزيرون على الفور.”
فور وصول جين إلى البوابة الجنوبية لمملكة شوتزيرون، امتطى شوري على الفور متوجهاً نحو قصر الفولتا. لم يعد الظهور مع شوري يشكل مشكلة كبيرة، لكنه التزم بالمسارات الجبلية لتجنب جذب الكثير من الانتباه غير الضروري.
“من هناك؟”
كان قصر عشيرة فولتا الصغير متهالكاً بشكل مزرٍ ويبدو وكأنه قد ينهار في أي لحظة. وكان يحرس الأبواب صبيان هزيلان لا يرتقيان لصفة الحراس؛ ولم يعرف جين إن كانا يعانيان من سوء التغذية لأن رواتبهما لا تُدفع في وقتها، أم أنهما نحيفان رغم تقاضي مستحقاتهما.
“أنا جين رونكانديل، حامل الراية الثاني عشر لعشيرة الرونكانديل. لقد جئت لمقابلة بطريرك عشيرة فولتا؛ دلاني على الطريق.”
“أوه.. أوه!”
“نعم يا سيدي! أيها البطريرك! سيدي! إن حامل راية الرونكانديل هنا!”
وقف الاثنان بسرعة وصرخا مستدعين البطريرك. وعندما ظهر البطريرك بعد فترة وجيزة (وكان هو نفسه رث المظهر، وإن لم يكن بهزال الصبيين)، كاد جين يضحك بسخرية؛ إذ انكسر باب القصر وسقط من مكانه أثناء خروجه، فبسبب عجلته، فتحه البطريرك بقوة أكبر قليلاً من المعتاد، مما تسبب في خروجه عن مفصلاته.
في تلك اللحظة، تعين على جين التخلص من كل الاحتمالات والظنون التي وضعها لعدم إرسال عشيرة فولتا وفداً؛ فالبوابات لم تكن تهم، لقد كانوا فقراء لدرجة أنهم بالكاد يستطيعون تحمل تكلفة حصان، ولم يكن هناك أي سبيل لتمكنهم من تحمل نفقات إرسال مبعوثين. لم تكن عشيرة فولتا تملك المال ببساطة.
وسواء كانت عشيرة ساقطة أم لا، وجد جين أنه من الصعب تصديق وجود مثل هذه العائلات النبيلة في هيفستر.
“كيف يمكننا مساعدة حامل الراية الثاني عشر للرونكانديل؟ ما الذي جاء بسيادتك إلى مثل هذا المكان المتواضع؟”
“لقد جئت لأطرح سؤالاً؛ ولكن كيف وصلت الأمور إلى هذه الحالة المزية؟”
كان من غير المهذب سؤال شخص قابله للتو بهذا الأسلوب، لكن السؤال كان ضرورياً.
“أوه، لقد واجهنا مجاعة مؤخراً في هذه المنطقة؛ ومع تسبب اللصوص والوحوش الشيطانية في المشاكل أيضاً، لا أملك شيئاً لأدافع به عن نفسي يا سيدي.”
“لماذا لم تطلب الدعم من مملكة شوتزيرون؟”
“لقد تخلت العائلة المالكة في شوتزيرون عن هذه الأراضي منذ زمن طويل. وكما ترى، لا توجد أي قيمة لهذه الأراضي يا سيدي.”
تعين على جين تقبل الأمر بمجرد سماعه؛ فكما ذكر بطريرك الفولتا، بدت الأراضي خالية تماماً من أي قيمة أو موارد.
“ولكن مع ذلك، فإن حصاد الشتاء يقترب، لذا يجب أن نكتفي ذاتياً من أجله… لا، ماذا أقول؟ أنا أعتذر يا سير جين رونكانديل. لم نكن نملك القدرة المالية لإرسال مبعوثين، ولم نتمكن من زيارتك.”
كان بطريرك فولتا على وشك الركوع عندما أمسكه جين من كتفيه. في الواقع، أراد جين أن يضمه ويمنحه حزمة من الأموال لأنه بات واثقاً الآن من أن أحداً في حديقة السيوف لم ينبش في أمر عشيرة فولتا؛ فلو اكتشف أي شخص وجود فيني بلانش، لما كانوا في هذه الحالة المزرية الآن. وبناءً على ذلك، كان بطريرك عشيرة فولتا قد أدى دوره على أكمل وجه، على الأقل في عيني جين.
“لم آتِ لتوبيخك؛ لقد جئت لرؤية فيني بلانش. لقد قيل لي إنه يخدم عشيرة فولتا كوكيل أو خادم.”
اتسعت عينا البطريرك دهشة: “فيني؟ لماذا تبحث عن هذا الفتى يا سيدي؟”
“هل تحتاج لمعرفة السبب؟”
هز بطريرك فولتا وحراسه رؤوسهم بسرعة أمام رد جين البارد: “لا، سير جين! ولكن الأمر فقط أن فيني، وكيلنا…”. تحولت عينا البطريرك إلى اللون الأحمر على الفور وبدأ بالبكاء: “لقد أُسر من قِبل اللصوص قبل ثلاثة أيام؛ كان يكتسح الثلج في ذلك الشارع هناك، وآه.. ليتهم أمسكوا بي بدلاً منه، فأنا عجوز ولا فائدة ترجى مني.”
كان نحيب البطريرك العالي يثير الشفقة، لكن جين لم يملك الوقت لمواساته وتأخير نفسه:
“سأعيده على الفور؛ يتوجب عليك الصلاة من أجل سلامة فيني بلانش.”
*«من المرجح أنه سيكون آمناً، ما لم يكن التغيير في التاريخ الذي أحدثته ولادتي الجديدة قد امتد أيضاً إلى هذه القرية النائية بشكل مستحيل.»*
“ماذا يا سيدي؟”
“الاتجاه.”
“لقد توجهوا شمالاً؛ اتجه اللصوص نحو الشمال يا سيدي.”
“لننطلق يا شوري!”
“مياو!”
أثارت شوري سحابة من الثلج وهي تنطلق بسرعة البرق؛ وتجمد أعضاء عشيرة فولتا في أماكنهم، يرمشون بذهول وهم يراقبون جين وشوري يختفيان في الأفق.
ركض جين لمدة ثلاث ساعات نحو الشمال حتى وصل إلى مخبأ اللصوص.
“ما هذا؟”
“من أنت؟”
دخل جين إلى الكهف الطبيعي، دافعاً جانباً الستارة البدائية المترهلة التي وضعوها عند المدخل. ووقف اللصوص الذين كانوا يشربون فجأة وبدأوا في الصراخ. كانوا عديمي الأهمية لدرجة أن جين لم يصادف مثل هؤلاء الضعفاء قط، حتى في أيامه كحامل راية مؤقت؛ فالعالم بأسره لم يكن مأهولاً ومليئاً بالمواهب مثل المدن الكبرى. وبطبيعة الحال، نشأ جين وسط مجموعة من الوحوش والشخصيات المتعالية، لكن هذا لم يكن يعني عدم وجود بشر في أجزاء أخرى من العالم لا يزالون يقاتلون ضد لصوص بائسين مثل هؤلاء.
“فيني بلانش، ارفع يدك.”
“نحن نسألك من تكون!”
“تبدو كنبيل من العاصمة؛ لماذا لا تتابع طريقك وتغرب عن وجهنا؟ لا تقحم نفسك في المشاكل الآن.”
تمكن جين من رؤية مراهق ضعيف البنية يرفع يده في الخلف؛ لقد كان فيني بلانش.
وجد جين هدفه، ولم تكن هناك حاجة لاستلال سيفه أو البدء في توجيه اللكمات؛ فعندما أطلق جين كمية ضئيلة للغاية من الطاقة والهالة التي يمتلكها، سقط اللصوص غريزياً على الأرض وبدأوا في الارتجاف بعنف، وعندما زاد جين من حدة طاقته قليلاً، فقدوا جميعاً وعيهم في توقيت واحد.
نظر فيني حوله بعينين خائفتين وتوجه ببطء نحو جين؛ ومع كل خطوة يخطوها، شعر جين بشيء ما.
لقد شعر بالرنين الغامض والمألوف نفسه الذي واجهه في جزر الطائر الأزرق؛ كانت الظاهرة مشابهة لكيفية رنين السيف سيغموند مع مقبرة غرام.
*ووزززز!*
إلا أن سيغموند لم يكن هو من يرن الآن، بل كان سيفه المفضل الذي استعاده مؤخراً.
لقد كان البرادامانتي.
كان السيف يرن ويتجاوب مع إله الحدادة، المتعاقد مع فيني.
“يبدو أن اليوم هو يوم حظ لكلينا.” رحب جين بفيني وهو يمد يده لمصافحته.
ولكن عندما أمسك فيني بيد جين، سمع صوتاً يتردد داخل رأسه لأول مرة في حياته:
**[برادامانتي! فيني، اسرق السيف الذي يحمله.. الآن!]**
“هل تقصدين أنهم لم يرسلوا وفداً بسببكِ؟” كشفت عينا غيلي وحركاتها عن مشاعر لا حصر لها؛ الخزي، والإحراج، والذنب، والمرارة، والقلق — كل تلك المشاعر السلبية التي تُصغّر الإنسان وتُثقله. كانت جميعها تضغط على كاهلها. خفضت غيلي رأسها. لم يطرح جين أي أسئلة أخرى، بل اكتفى بالتربيت على كتفها بلطف: “لا بأس. لا داعي لأن تشعري بهذه الطريقة يا غيلي. لن أحمل ضغينة ضد عشيرة ماكلوران بسبب هذا، لذا أرجو ألا تقلقي.” فهم جين على الفور مخاوف غيلي وما يورقها. “لقد أحرجتكِ وأفقدتكِ هيبتك أمامي؛ شكراً لتفهمك يا سيدي الشاب.” لكن جين في الحقيقة شعر بعكس ما أخبرها به تماماً؛ فإذا كان الماكلوران قد أذوا غيلي في الماضي، ولا تزال تعاني من ذلك لدرجة أنها لم تستطع البوح بالأمر لموراكان وله بسبب الألم، فإنه سيعاقب الماكلوران عاجلاً أم آجلاً. وحقيقة أنهم لم يرسلوا وفداً للتهنئة لم تكن تعني له شيئاً مقارنة بذلك الأذى. “أوه، ‘ستروبيري شورت كيك’. لا تحزني وتعالي إلى هنا. إن فترة ذلك الفتى غير اللبق الذي يلعب دور الملك ليوم واحد تقترب من نهايتها، ويبدو أن البالغين يمكنهم أخيراً الحصول على بعض الهدوء.” أخذ موراكان غيلي بعيداً بلطف، بينما التفت جين للبحث عن بيترو. “نعم، سيدي الشاب!” “ألم ترسل عشيرة فولتا أحداً؟” سأل جين. “دعني أتحقق مجدداً يا سيدي.” كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل عندما عاد بيترو: “الأمر غريب حقاً يا سيدي. فجميع عشائر النبلاء الفقراء أرسلوا أشخاصاً وتم رفضهم، لكن عشيرة فولتا كانت الوحيدة التي لم ترسل أحداً على الإطلاق.” لم تكن العشائر النبيلة الصغيرة والفقيرة مثل الفولتا بحاجة إلى الحذر من إخوة جين عند إرسال وفود التهنئة؛ فبأي حال، لم تكن هذه العشائر ذات أهمية كافية لتملك علاقات مباشرة مع الرونكانديل ذوي الدم النقي. وبالتالي، لن يهتم أي من إخوته إذا قرر جين مقابلة أي من تلك العشائر الفقيرة أم لا، ولم تكن روزا لتعيرهم أي انتباه بدورها. وكان هذا هو السبب الدقيق وراء محاولة العشائر الأضعف بذل قصارى جهدها لإقامة علاقات مع الرونكانديل في مثل هذه المناسبات؛ فغالباً ما كانوا يعتصرون آخر ما يملكونه من أموال لإرسال الهدايا، أو حتى يقدمون آثاراً ومقتنيات قديمة خاصة بعشيرتهم إذا لم يكونوا قادرين على تحمل التكاليف. لكن الفولتا تصرفوا بشكل مختلف عن بقية العشائر الفقيرة. “إذن، لم يفعلوا ذلك؟ همم.” *«لا يمكن أن يكون الأمر كذلك. هل هناك شخص في عشيرة فولتا على دراية بنسب بيكون مينشي؟ في هذه الفترة الزمنية؟»* كان بيكون مينشي هو الحداد الذي لا يُعلى عليه وبلا منازع في تاريخ القارة بأكملها؛ وهو نفسه من صنع السيفين باليسادي وبرادامانتي. ورغم مرور ما يقرب من ألف عام على وفاته، إلا أن نقابة مينشي للحدادة ظلت المجموعة الرائدة في هذا المجال على مستوى القارة؛ وكان الحدادون المرخصون من النقابة يحظون بمعاملة وتقدير أفضل من معظم الفرسان والسحرة في هيفستر واتحاد لوتيرو السحري على حد سواء. وخاصة حدادي النقابة الثلاثة الكبار، المعروفين باسم: السندان، والمطرقة، والكور، والذين كانوا يحظون باحترام سايرون نفسه. وبالنظر إلى الاحترام الشديد الذي يُمنح لأعضاء النقابة، من كان ليتخيل أن سليل بيكون المباشر يعيش كمجرد خادم أو وكيل لعشيرة نبيلة تكافح للبقاء؟ *«كان يبلغ من العمر حوالي ثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين عاماً عندما ظهر لأول مرة في حياتي السابقة؛ وأعلم يقيناً أن ذلك كان قبل أن يصل إلى رتبة نجمة واحدة في تقنيات السيف. ما زلت أتذكر ذلك بوضوح لأن هيفستر بأكملها صُدمت بالأنباء حينها.»* كان سليل بيكون مينشي يحمل اسم: فيني بلانش. ومثل معظم الناس، لم يكن يعلم أنه من سلالة بيكون؛ تماماً كما لم يكن والداه وأجداده يعلمون ذلك أيضاً. فقد فقدَ نسل بيكون لقب مينشي وهويتهم في وقت ما من التاريخ، وعاشوا حياتهم كعامة ناس؛ وتغير لقبهم عدة مرات وفقاً للقوانين وعادات الزواج في عصورهم. ثم فجأة، تجلى إله الحدادة في فيني بلانش، وكيل عشيرة فولتا. وكان فيني قد أبرم عقداً بالفعل مع إله الحدادة، لكنه لم يدرك ذلك لأول مرة إلا عندما كان جين في الرابعة والعشرين من عمره تقريباً في حياته السابقة. *«ربما كانت المعلومات من حياتي السابقة خاطئة، أو ربما لم يدرك العالم وجود فيني بلانش إلا في ذلك الوقت؛ لكن العشيرة قد تكون علمت بأمره في وقت مبكر جداً، خاصة وأن جوشوا يمتلك ذلك الرائي.»* لخص جين أفكاره وأومأ برأسه؛ فعلى عكس الوضع الحالي، لم يكن جين حامل راية في ذلك الوقت، بل كان يتعرض للازدراء والتحقير من قِبل الخدم. وبالتالي، لم يكن لديه أي وسيلة لفهم ما يدور داخل العشيرة، وكانت حياته حينها مجرد سلسلة من الأيام التي يقضيها في التدريب بمفرده في زاوية مهملة قبل أن يعود مسرعاً إلى غرفته ليختبئ عن الأنظار. من ناحية أخرى، لم تكن حياة جوشوا آنذاك تختلف كثيراً عما هي عليه الآن؛ وحتى لو كان هناك شقيق آخر غير جوشوا قد عثر على فيني بلانش، فلن يشاركوا أمره مع “قمامة” العشيرة، وهو ما كان عليه جين في الماضي. وبالفعل، لم يتمكن جين قط من معرفة الفصيل الذي انضم إليه فيني بلانش بعد أن كُشف أنه متعاقد مع إله الحدادة، وافترض فقط أن الرونكانديل قد جندوه. وفي كل الأحوال، كانت الطريقة الوحيدة للتأكد هي مقابلته شخصياً. “منطقة عشيرة فولتا تقع في ريف ناءٍ من مملكة شوتزيرون، أليس كذلك؟ هل هناك بوابة تنقل مباشرة إلى تلك المنطقة؟” هل يعني ذلك أنه يريد زيارة عشيرة فولتا الآن؟ لم يطرح بيترو هذا السؤال قط، بل أجاب بمهنية: “لا توجد بوابة مباشرة يا سيدي الشاب. ولكنني سأرسل أمراً إلى المسؤولين لفتح البوابة المؤدية إلى أقرب مدينة في شوتزيرون على الفور.” فور وصول جين إلى البوابة الجنوبية لمملكة شوتزيرون، امتطى شوري على الفور متوجهاً نحو قصر الفولتا. لم يعد الظهور مع شوري يشكل مشكلة كبيرة، لكنه التزم بالمسارات الجبلية لتجنب جذب الكثير من الانتباه غير الضروري. “من هناك؟” كان قصر عشيرة فولتا الصغير متهالكاً بشكل مزرٍ ويبدو وكأنه قد ينهار في أي لحظة. وكان يحرس الأبواب صبيان هزيلان لا يرتقيان لصفة الحراس؛ ولم يعرف جين إن كانا يعانيان من سوء التغذية لأن رواتبهما لا تُدفع في وقتها، أم أنهما نحيفان رغم تقاضي مستحقاتهما. “أنا جين رونكانديل، حامل الراية الثاني عشر لعشيرة الرونكانديل. لقد جئت لمقابلة بطريرك عشيرة فولتا؛ دلاني على الطريق.” “أوه.. أوه!” “نعم يا سيدي! أيها البطريرك! سيدي! إن حامل راية الرونكانديل هنا!” وقف الاثنان بسرعة وصرخا مستدعين البطريرك. وعندما ظهر البطريرك بعد فترة وجيزة (وكان هو نفسه رث المظهر، وإن لم يكن بهزال الصبيين)، كاد جين يضحك بسخرية؛ إذ انكسر باب القصر وسقط من مكانه أثناء خروجه، فبسبب عجلته، فتحه البطريرك بقوة أكبر قليلاً من المعتاد، مما تسبب في خروجه عن مفصلاته. في تلك اللحظة، تعين على جين التخلص من كل الاحتمالات والظنون التي وضعها لعدم إرسال عشيرة فولتا وفداً؛ فالبوابات لم تكن تهم، لقد كانوا فقراء لدرجة أنهم بالكاد يستطيعون تحمل تكلفة حصان، ولم يكن هناك أي سبيل لتمكنهم من تحمل نفقات إرسال مبعوثين. لم تكن عشيرة فولتا تملك المال ببساطة. وسواء كانت عشيرة ساقطة أم لا، وجد جين أنه من الصعب تصديق وجود مثل هذه العائلات النبيلة في هيفستر. “كيف يمكننا مساعدة حامل الراية الثاني عشر للرونكانديل؟ ما الذي جاء بسيادتك إلى مثل هذا المكان المتواضع؟” “لقد جئت لأطرح سؤالاً؛ ولكن كيف وصلت الأمور إلى هذه الحالة المزية؟” كان من غير المهذب سؤال شخص قابله للتو بهذا الأسلوب، لكن السؤال كان ضرورياً. “أوه، لقد واجهنا مجاعة مؤخراً في هذه المنطقة؛ ومع تسبب اللصوص والوحوش الشيطانية في المشاكل أيضاً، لا أملك شيئاً لأدافع به عن نفسي يا سيدي.” “لماذا لم تطلب الدعم من مملكة شوتزيرون؟” “لقد تخلت العائلة المالكة في شوتزيرون عن هذه الأراضي منذ زمن طويل. وكما ترى، لا توجد أي قيمة لهذه الأراضي يا سيدي.” تعين على جين تقبل الأمر بمجرد سماعه؛ فكما ذكر بطريرك الفولتا، بدت الأراضي خالية تماماً من أي قيمة أو موارد. “ولكن مع ذلك، فإن حصاد الشتاء يقترب، لذا يجب أن نكتفي ذاتياً من أجله… لا، ماذا أقول؟ أنا أعتذر يا سير جين رونكانديل. لم نكن نملك القدرة المالية لإرسال مبعوثين، ولم نتمكن من زيارتك.” كان بطريرك فولتا على وشك الركوع عندما أمسكه جين من كتفيه. في الواقع، أراد جين أن يضمه ويمنحه حزمة من الأموال لأنه بات واثقاً الآن من أن أحداً في حديقة السيوف لم ينبش في أمر عشيرة فولتا؛ فلو اكتشف أي شخص وجود فيني بلانش، لما كانوا في هذه الحالة المزرية الآن. وبناءً على ذلك، كان بطريرك عشيرة فولتا قد أدى دوره على أكمل وجه، على الأقل في عيني جين. “لم آتِ لتوبيخك؛ لقد جئت لرؤية فيني بلانش. لقد قيل لي إنه يخدم عشيرة فولتا كوكيل أو خادم.” اتسعت عينا البطريرك دهشة: “فيني؟ لماذا تبحث عن هذا الفتى يا سيدي؟” “هل تحتاج لمعرفة السبب؟” هز بطريرك فولتا وحراسه رؤوسهم بسرعة أمام رد جين البارد: “لا، سير جين! ولكن الأمر فقط أن فيني، وكيلنا…”. تحولت عينا البطريرك إلى اللون الأحمر على الفور وبدأ بالبكاء: “لقد أُسر من قِبل اللصوص قبل ثلاثة أيام؛ كان يكتسح الثلج في ذلك الشارع هناك، وآه.. ليتهم أمسكوا بي بدلاً منه، فأنا عجوز ولا فائدة ترجى مني.” كان نحيب البطريرك العالي يثير الشفقة، لكن جين لم يملك الوقت لمواساته وتأخير نفسه: “سأعيده على الفور؛ يتوجب عليك الصلاة من أجل سلامة فيني بلانش.” *«من المرجح أنه سيكون آمناً، ما لم يكن التغيير في التاريخ الذي أحدثته ولادتي الجديدة قد امتد أيضاً إلى هذه القرية النائية بشكل مستحيل.»* “ماذا يا سيدي؟” “الاتجاه.” “لقد توجهوا شمالاً؛ اتجه اللصوص نحو الشمال يا سيدي.” “لننطلق يا شوري!” “مياو!” أثارت شوري سحابة من الثلج وهي تنطلق بسرعة البرق؛ وتجمد أعضاء عشيرة فولتا في أماكنهم، يرمشون بذهول وهم يراقبون جين وشوري يختفيان في الأفق. ركض جين لمدة ثلاث ساعات نحو الشمال حتى وصل إلى مخبأ اللصوص. “ما هذا؟” “من أنت؟” دخل جين إلى الكهف الطبيعي، دافعاً جانباً الستارة البدائية المترهلة التي وضعوها عند المدخل. ووقف اللصوص الذين كانوا يشربون فجأة وبدأوا في الصراخ. كانوا عديمي الأهمية لدرجة أن جين لم يصادف مثل هؤلاء الضعفاء قط، حتى في أيامه كحامل راية مؤقت؛ فالعالم بأسره لم يكن مأهولاً ومليئاً بالمواهب مثل المدن الكبرى. وبطبيعة الحال، نشأ جين وسط مجموعة من الوحوش والشخصيات المتعالية، لكن هذا لم يكن يعني عدم وجود بشر في أجزاء أخرى من العالم لا يزالون يقاتلون ضد لصوص بائسين مثل هؤلاء. “فيني بلانش، ارفع يدك.” “نحن نسألك من تكون!” “تبدو كنبيل من العاصمة؛ لماذا لا تتابع طريقك وتغرب عن وجهنا؟ لا تقحم نفسك في المشاكل الآن.” تمكن جين من رؤية مراهق ضعيف البنية يرفع يده في الخلف؛ لقد كان فيني بلانش. وجد جين هدفه، ولم تكن هناك حاجة لاستلال سيفه أو البدء في توجيه اللكمات؛ فعندما أطلق جين كمية ضئيلة للغاية من الطاقة والهالة التي يمتلكها، سقط اللصوص غريزياً على الأرض وبدأوا في الارتجاف بعنف، وعندما زاد جين من حدة طاقته قليلاً، فقدوا جميعاً وعيهم في توقيت واحد. نظر فيني حوله بعينين خائفتين وتوجه ببطء نحو جين؛ ومع كل خطوة يخطوها، شعر جين بشيء ما. لقد شعر بالرنين الغامض والمألوف نفسه الذي واجهه في جزر الطائر الأزرق؛ كانت الظاهرة مشابهة لكيفية رنين السيف سيغموند مع مقبرة غرام. *ووزززز!* إلا أن سيغموند لم يكن هو من يرن الآن، بل كان سيفه المفضل الذي استعاده مؤخراً. لقد كان البرادامانتي. كان السيف يرن ويتجاوب مع إله الحدادة، المتعاقد مع فيني. “يبدو أن اليوم هو يوم حظ لكلينا.” رحب جين بفيني وهو يمد يده لمصافحته. ولكن عندما أمسك فيني بيد جين، سمع صوتاً يتردد داخل رأسه لأول مرة في حياته: **[برادامانتي! فيني، اسرق السيف الذي يحمله.. الآن!]**
“هل تقصدين أنهم لم يرسلوا وفداً بسببكِ؟” كشفت عينا غيلي وحركاتها عن مشاعر لا حصر لها؛ الخزي، والإحراج، والذنب، والمرارة، والقلق — كل تلك المشاعر السلبية التي تُصغّر الإنسان وتُثقله. كانت جميعها تضغط على كاهلها. خفضت غيلي رأسها. لم يطرح جين أي أسئلة أخرى، بل اكتفى بالتربيت على كتفها بلطف: “لا بأس. لا داعي لأن تشعري بهذه الطريقة يا غيلي. لن أحمل ضغينة ضد عشيرة ماكلوران بسبب هذا، لذا أرجو ألا تقلقي.” فهم جين على الفور مخاوف غيلي وما يورقها. “لقد أحرجتكِ وأفقدتكِ هيبتك أمامي؛ شكراً لتفهمك يا سيدي الشاب.” لكن جين في الحقيقة شعر بعكس ما أخبرها به تماماً؛ فإذا كان الماكلوران قد أذوا غيلي في الماضي، ولا تزال تعاني من ذلك لدرجة أنها لم تستطع البوح بالأمر لموراكان وله بسبب الألم، فإنه سيعاقب الماكلوران عاجلاً أم آجلاً. وحقيقة أنهم لم يرسلوا وفداً للتهنئة لم تكن تعني له شيئاً مقارنة بذلك الأذى. “أوه، ‘ستروبيري شورت كيك’. لا تحزني وتعالي إلى هنا. إن فترة ذلك الفتى غير اللبق الذي يلعب دور الملك ليوم واحد تقترب من نهايتها، ويبدو أن البالغين يمكنهم أخيراً الحصول على بعض الهدوء.” أخذ موراكان غيلي بعيداً بلطف، بينما التفت جين للبحث عن بيترو. “نعم، سيدي الشاب!” “ألم ترسل عشيرة فولتا أحداً؟” سأل جين. “دعني أتحقق مجدداً يا سيدي.” كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل عندما عاد بيترو: “الأمر غريب حقاً يا سيدي. فجميع عشائر النبلاء الفقراء أرسلوا أشخاصاً وتم رفضهم، لكن عشيرة فولتا كانت الوحيدة التي لم ترسل أحداً على الإطلاق.” لم تكن العشائر النبيلة الصغيرة والفقيرة مثل الفولتا بحاجة إلى الحذر من إخوة جين عند إرسال وفود التهنئة؛ فبأي حال، لم تكن هذه العشائر ذات أهمية كافية لتملك علاقات مباشرة مع الرونكانديل ذوي الدم النقي. وبالتالي، لن يهتم أي من إخوته إذا قرر جين مقابلة أي من تلك العشائر الفقيرة أم لا، ولم تكن روزا لتعيرهم أي انتباه بدورها. وكان هذا هو السبب الدقيق وراء محاولة العشائر الأضعف بذل قصارى جهدها لإقامة علاقات مع الرونكانديل في مثل هذه المناسبات؛ فغالباً ما كانوا يعتصرون آخر ما يملكونه من أموال لإرسال الهدايا، أو حتى يقدمون آثاراً ومقتنيات قديمة خاصة بعشيرتهم إذا لم يكونوا قادرين على تحمل التكاليف. لكن الفولتا تصرفوا بشكل مختلف عن بقية العشائر الفقيرة. “إذن، لم يفعلوا ذلك؟ همم.” *«لا يمكن أن يكون الأمر كذلك. هل هناك شخص في عشيرة فولتا على دراية بنسب بيكون مينشي؟ في هذه الفترة الزمنية؟»* كان بيكون مينشي هو الحداد الذي لا يُعلى عليه وبلا منازع في تاريخ القارة بأكملها؛ وهو نفسه من صنع السيفين باليسادي وبرادامانتي. ورغم مرور ما يقرب من ألف عام على وفاته، إلا أن نقابة مينشي للحدادة ظلت المجموعة الرائدة في هذا المجال على مستوى القارة؛ وكان الحدادون المرخصون من النقابة يحظون بمعاملة وتقدير أفضل من معظم الفرسان والسحرة في هيفستر واتحاد لوتيرو السحري على حد سواء. وخاصة حدادي النقابة الثلاثة الكبار، المعروفين باسم: السندان، والمطرقة، والكور، والذين كانوا يحظون باحترام سايرون نفسه. وبالنظر إلى الاحترام الشديد الذي يُمنح لأعضاء النقابة، من كان ليتخيل أن سليل بيكون المباشر يعيش كمجرد خادم أو وكيل لعشيرة نبيلة تكافح للبقاء؟ *«كان يبلغ من العمر حوالي ثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين عاماً عندما ظهر لأول مرة في حياتي السابقة؛ وأعلم يقيناً أن ذلك كان قبل أن يصل إلى رتبة نجمة واحدة في تقنيات السيف. ما زلت أتذكر ذلك بوضوح لأن هيفستر بأكملها صُدمت بالأنباء حينها.»* كان سليل بيكون مينشي يحمل اسم: فيني بلانش. ومثل معظم الناس، لم يكن يعلم أنه من سلالة بيكون؛ تماماً كما لم يكن والداه وأجداده يعلمون ذلك أيضاً. فقد فقدَ نسل بيكون لقب مينشي وهويتهم في وقت ما من التاريخ، وعاشوا حياتهم كعامة ناس؛ وتغير لقبهم عدة مرات وفقاً للقوانين وعادات الزواج في عصورهم. ثم فجأة، تجلى إله الحدادة في فيني بلانش، وكيل عشيرة فولتا. وكان فيني قد أبرم عقداً بالفعل مع إله الحدادة، لكنه لم يدرك ذلك لأول مرة إلا عندما كان جين في الرابعة والعشرين من عمره تقريباً في حياته السابقة. *«ربما كانت المعلومات من حياتي السابقة خاطئة، أو ربما لم يدرك العالم وجود فيني بلانش إلا في ذلك الوقت؛ لكن العشيرة قد تكون علمت بأمره في وقت مبكر جداً، خاصة وأن جوشوا يمتلك ذلك الرائي.»* لخص جين أفكاره وأومأ برأسه؛ فعلى عكس الوضع الحالي، لم يكن جين حامل راية في ذلك الوقت، بل كان يتعرض للازدراء والتحقير من قِبل الخدم. وبالتالي، لم يكن لديه أي وسيلة لفهم ما يدور داخل العشيرة، وكانت حياته حينها مجرد سلسلة من الأيام التي يقضيها في التدريب بمفرده في زاوية مهملة قبل أن يعود مسرعاً إلى غرفته ليختبئ عن الأنظار. من ناحية أخرى، لم تكن حياة جوشوا آنذاك تختلف كثيراً عما هي عليه الآن؛ وحتى لو كان هناك شقيق آخر غير جوشوا قد عثر على فيني بلانش، فلن يشاركوا أمره مع “قمامة” العشيرة، وهو ما كان عليه جين في الماضي. وبالفعل، لم يتمكن جين قط من معرفة الفصيل الذي انضم إليه فيني بلانش بعد أن كُشف أنه متعاقد مع إله الحدادة، وافترض فقط أن الرونكانديل قد جندوه. وفي كل الأحوال، كانت الطريقة الوحيدة للتأكد هي مقابلته شخصياً. “منطقة عشيرة فولتا تقع في ريف ناءٍ من مملكة شوتزيرون، أليس كذلك؟ هل هناك بوابة تنقل مباشرة إلى تلك المنطقة؟” هل يعني ذلك أنه يريد زيارة عشيرة فولتا الآن؟ لم يطرح بيترو هذا السؤال قط، بل أجاب بمهنية: “لا توجد بوابة مباشرة يا سيدي الشاب. ولكنني سأرسل أمراً إلى المسؤولين لفتح البوابة المؤدية إلى أقرب مدينة في شوتزيرون على الفور.” فور وصول جين إلى البوابة الجنوبية لمملكة شوتزيرون، امتطى شوري على الفور متوجهاً نحو قصر الفولتا. لم يعد الظهور مع شوري يشكل مشكلة كبيرة، لكنه التزم بالمسارات الجبلية لتجنب جذب الكثير من الانتباه غير الضروري. “من هناك؟” كان قصر عشيرة فولتا الصغير متهالكاً بشكل مزرٍ ويبدو وكأنه قد ينهار في أي لحظة. وكان يحرس الأبواب صبيان هزيلان لا يرتقيان لصفة الحراس؛ ولم يعرف جين إن كانا يعانيان من سوء التغذية لأن رواتبهما لا تُدفع في وقتها، أم أنهما نحيفان رغم تقاضي مستحقاتهما. “أنا جين رونكانديل، حامل الراية الثاني عشر لعشيرة الرونكانديل. لقد جئت لمقابلة بطريرك عشيرة فولتا؛ دلاني على الطريق.” “أوه.. أوه!” “نعم يا سيدي! أيها البطريرك! سيدي! إن حامل راية الرونكانديل هنا!” وقف الاثنان بسرعة وصرخا مستدعين البطريرك. وعندما ظهر البطريرك بعد فترة وجيزة (وكان هو نفسه رث المظهر، وإن لم يكن بهزال الصبيين)، كاد جين يضحك بسخرية؛ إذ انكسر باب القصر وسقط من مكانه أثناء خروجه، فبسبب عجلته، فتحه البطريرك بقوة أكبر قليلاً من المعتاد، مما تسبب في خروجه عن مفصلاته. في تلك اللحظة، تعين على جين التخلص من كل الاحتمالات والظنون التي وضعها لعدم إرسال عشيرة فولتا وفداً؛ فالبوابات لم تكن تهم، لقد كانوا فقراء لدرجة أنهم بالكاد يستطيعون تحمل تكلفة حصان، ولم يكن هناك أي سبيل لتمكنهم من تحمل نفقات إرسال مبعوثين. لم تكن عشيرة فولتا تملك المال ببساطة. وسواء كانت عشيرة ساقطة أم لا، وجد جين أنه من الصعب تصديق وجود مثل هذه العائلات النبيلة في هيفستر. “كيف يمكننا مساعدة حامل الراية الثاني عشر للرونكانديل؟ ما الذي جاء بسيادتك إلى مثل هذا المكان المتواضع؟” “لقد جئت لأطرح سؤالاً؛ ولكن كيف وصلت الأمور إلى هذه الحالة المزية؟” كان من غير المهذب سؤال شخص قابله للتو بهذا الأسلوب، لكن السؤال كان ضرورياً. “أوه، لقد واجهنا مجاعة مؤخراً في هذه المنطقة؛ ومع تسبب اللصوص والوحوش الشيطانية في المشاكل أيضاً، لا أملك شيئاً لأدافع به عن نفسي يا سيدي.” “لماذا لم تطلب الدعم من مملكة شوتزيرون؟” “لقد تخلت العائلة المالكة في شوتزيرون عن هذه الأراضي منذ زمن طويل. وكما ترى، لا توجد أي قيمة لهذه الأراضي يا سيدي.” تعين على جين تقبل الأمر بمجرد سماعه؛ فكما ذكر بطريرك الفولتا، بدت الأراضي خالية تماماً من أي قيمة أو موارد. “ولكن مع ذلك، فإن حصاد الشتاء يقترب، لذا يجب أن نكتفي ذاتياً من أجله… لا، ماذا أقول؟ أنا أعتذر يا سير جين رونكانديل. لم نكن نملك القدرة المالية لإرسال مبعوثين، ولم نتمكن من زيارتك.” كان بطريرك فولتا على وشك الركوع عندما أمسكه جين من كتفيه. في الواقع، أراد جين أن يضمه ويمنحه حزمة من الأموال لأنه بات واثقاً الآن من أن أحداً في حديقة السيوف لم ينبش في أمر عشيرة فولتا؛ فلو اكتشف أي شخص وجود فيني بلانش، لما كانوا في هذه الحالة المزرية الآن. وبناءً على ذلك، كان بطريرك عشيرة فولتا قد أدى دوره على أكمل وجه، على الأقل في عيني جين. “لم آتِ لتوبيخك؛ لقد جئت لرؤية فيني بلانش. لقد قيل لي إنه يخدم عشيرة فولتا كوكيل أو خادم.” اتسعت عينا البطريرك دهشة: “فيني؟ لماذا تبحث عن هذا الفتى يا سيدي؟” “هل تحتاج لمعرفة السبب؟” هز بطريرك فولتا وحراسه رؤوسهم بسرعة أمام رد جين البارد: “لا، سير جين! ولكن الأمر فقط أن فيني، وكيلنا…”. تحولت عينا البطريرك إلى اللون الأحمر على الفور وبدأ بالبكاء: “لقد أُسر من قِبل اللصوص قبل ثلاثة أيام؛ كان يكتسح الثلج في ذلك الشارع هناك، وآه.. ليتهم أمسكوا بي بدلاً منه، فأنا عجوز ولا فائدة ترجى مني.” كان نحيب البطريرك العالي يثير الشفقة، لكن جين لم يملك الوقت لمواساته وتأخير نفسه: “سأعيده على الفور؛ يتوجب عليك الصلاة من أجل سلامة فيني بلانش.” *«من المرجح أنه سيكون آمناً، ما لم يكن التغيير في التاريخ الذي أحدثته ولادتي الجديدة قد امتد أيضاً إلى هذه القرية النائية بشكل مستحيل.»* “ماذا يا سيدي؟” “الاتجاه.” “لقد توجهوا شمالاً؛ اتجه اللصوص نحو الشمال يا سيدي.” “لننطلق يا شوري!” “مياو!” أثارت شوري سحابة من الثلج وهي تنطلق بسرعة البرق؛ وتجمد أعضاء عشيرة فولتا في أماكنهم، يرمشون بذهول وهم يراقبون جين وشوري يختفيان في الأفق. ركض جين لمدة ثلاث ساعات نحو الشمال حتى وصل إلى مخبأ اللصوص. “ما هذا؟” “من أنت؟” دخل جين إلى الكهف الطبيعي، دافعاً جانباً الستارة البدائية المترهلة التي وضعوها عند المدخل. ووقف اللصوص الذين كانوا يشربون فجأة وبدأوا في الصراخ. كانوا عديمي الأهمية لدرجة أن جين لم يصادف مثل هؤلاء الضعفاء قط، حتى في أيامه كحامل راية مؤقت؛ فالعالم بأسره لم يكن مأهولاً ومليئاً بالمواهب مثل المدن الكبرى. وبطبيعة الحال، نشأ جين وسط مجموعة من الوحوش والشخصيات المتعالية، لكن هذا لم يكن يعني عدم وجود بشر في أجزاء أخرى من العالم لا يزالون يقاتلون ضد لصوص بائسين مثل هؤلاء. “فيني بلانش، ارفع يدك.” “نحن نسألك من تكون!” “تبدو كنبيل من العاصمة؛ لماذا لا تتابع طريقك وتغرب عن وجهنا؟ لا تقحم نفسك في المشاكل الآن.” تمكن جين من رؤية مراهق ضعيف البنية يرفع يده في الخلف؛ لقد كان فيني بلانش. وجد جين هدفه، ولم تكن هناك حاجة لاستلال سيفه أو البدء في توجيه اللكمات؛ فعندما أطلق جين كمية ضئيلة للغاية من الطاقة والهالة التي يمتلكها، سقط اللصوص غريزياً على الأرض وبدأوا في الارتجاف بعنف، وعندما زاد جين من حدة طاقته قليلاً، فقدوا جميعاً وعيهم في توقيت واحد. نظر فيني حوله بعينين خائفتين وتوجه ببطء نحو جين؛ ومع كل خطوة يخطوها، شعر جين بشيء ما. لقد شعر بالرنين الغامض والمألوف نفسه الذي واجهه في جزر الطائر الأزرق؛ كانت الظاهرة مشابهة لكيفية رنين السيف سيغموند مع مقبرة غرام. *ووزززز!* إلا أن سيغموند لم يكن هو من يرن الآن، بل كان سيفه المفضل الذي استعاده مؤخراً. لقد كان البرادامانتي. كان السيف يرن ويتجاوب مع إله الحدادة، المتعاقد مع فيني. “يبدو أن اليوم هو يوم حظ لكلينا.” رحب جين بفيني وهو يمد يده لمصافحته. ولكن عندما أمسك فيني بيد جين، سمع صوتاً يتردد داخل رأسه لأول مرة في حياته: **[برادامانتي! فيني، اسرق السيف الذي يحمله.. الآن!]**
