ظهر شيطان نصل السماء الدموي لزيارتي.
لطالما انتظر قرب مقري، مع نصلٍ ضخمٍ مغروسٍ في الأرض، لكنه في هذه الأيام صار يأتي مباشرةً إلى حيث أتواجد. إن وُجدت في البيت أتَى إليّ، وكما حدث اليوم، إن كنت في المكتب حلّ عند مكتبي.
بما أنه الأكبر، يفترض أن أذهب إليه. غير أن سلطةً كهذه لا وجود لها في عالم شيطان نصل السماء الدموي. هو من النوع الذي يأتي ويغادر كيف يشاء.
“هل سمعت أن التلميذ الثالث لمصفوفة الوهم الغربية صار تلميذاً لزعيم طائفة الرياح السماوية؟”
“نعم، سمعتُ.”
“هل هذا من تدبيرك؟”
“لماذا تعتقد دوماً أن كل حدث جديد هو من صُنعي؟”
“إذن، ألم يكن كذلك؟”
“بل كان كذلك.’
علت نبرة شيطان نصل السماء الدموي وكأنه يقول: كنت أتوقع ذلك.
“ما الذي تخطط له مع زعيم طائفة الرياح السماوية الآن؟”
“أي خطةٍ؟ أقدّم له بعض المساعدة فقط.”
“هل تحاول حقّاً مساعدة طائفة الرياح السماوية على التغلغل في السهول الوسطى؟”
تساءل شيطان نصل السماء الدموي بجدية.
“ألا يُسمح بذلك؟”
“هل تستطيع إدارة الأمر؟”
“إذا كنت تقصد طائفة الرياح السماوية، ألستَ معي؟ طالما لا نقاتل شيطان دمار، ألا يمكنك على الأقل التعامل مع زعيم طائفة الرياح السماوية؟”
“لا تستخفّ به. قد يُجلب إلى طائفتنا رغماً عنه، لكنه يقود عالم فنون القتال في الأراضي القاحلة. إذا جنّ جنون عالم فنون القتال خارج الحدود، ستتحوّل السهول الوسطى إلى بحرٍ من الدماء.”
عالما بهذا أيضا، أخذت قوله مأخذ الجد.
“سأضع ذلك في الحسبان.”
التفكير في مدى قوة زعيم طائفة الرياح السماوية جلب في بالي فوراً الرجل المكبّل؛ هو من يقيد هذا القائد القوي ويقوده.
“لكن لماذا تشونغ سون؟”
“من السهل السيطرة عليها.”
“هل تعتقد أن تشونغ سون قد تصبح شيطان دمار في المستقبل؟”
“برأيي، التلميذ الأول والثالث متقاربان إلى حدّ كبير. سيحتاج أيّ منهما وقتاً طويلاً ليبلغ مرحلة شيطان دمار حقيقية.”
أومأ شيطان نصل السماء الدموي، مظهرا تقبله للفكرة.
“عليك أيضاً تدريب المحقق سو جيداً.”
“أخبره أن يتوقف عن الحلم.”
“الأحلام أحلامي. المحقق سو لا يحمل مثل هذه الأفكار.”
“توقف عن التدخّل في شؤون الآخرين واهتمّ بشؤونك فقط.”
عندما همّ شيطان نصل السماء الدموي بالنهوض، لاحظ خيط دودةِ القز السماوية الأسمى ملتفاً حول معصمي فسأل:
“ما هذا؟”
“مجرد حليّ للأناقة.”
“حصلتَ عليه من زعيم طائفة الرياح السماوية، أليس كذلك؟’
فطن شيطان نصل السماء الدموي سريعاً إلى أن ما في يدي ليس شيئاً عادياً.
“لماذا تظن ذلك؟”
“شيئٌ كهذا لم يسبق أن وقع أمام ناظري، وأنت لا تمدّ يدك لزعيم طائفة الرياح السماوية من غير مقابل.”
“ألن يكون من الجفاء أن تتوقع مكافأة في كل مرّة تقدم فيها العون؟”
“ألم تَنَل شيئًا من طرفه إذن؟”
“بلى.”
“يا لك من بخيلٍ جافّ الطبع!”
ابتسمت، بينما هزّ شيطان نصل السماء الدموي رأسه مبهوتًا.
“هذا خيط دودةِ القز السماوية الأسمى.”
“آه! إذن هذا هو.”
“لا بدّ أنك تعرفه جيدًا.”
“أجل، لكنها أول مرّة تقع عيناي عليه.”
“هل ترغب بقطعة منه؟”
كدت ألوّح بالخيط من مقبض سيفي لأقصمه وأهديه شطرًا.
“لا داعي. جسدي العجوز لا يليق به مثل هذا.”
“بل الأحرى أن تقول إن جسدك المُهترئ لا يقوى على احتماله.”
“لا، شكرًا لك.”
كان يفتقر أحيانًا إلى نزعة الطمع وحب السلطة. وفي مثل هذه اللحظات، يخطر ببالي أن طبيعته أقرب إلى روح أديبٍ مولع بالشعر.
“وهل حظيتَ بأشياء أخرى؟”
“نعم، تلقيتُ كذلك حبة الدم الإلهية.”
بوحتُ لشيطان نصل السماء الدموي بصدقٍ كامل. ما زلتُ أميل إلى الوضوح معه، وسأبقى كذلك قدر ما أستطيع، فالصراحة وحدها مفتاحٌ قادر على فتح قلبه.
‘حبة الدم الإلهية؟”
ربما نطقها عفويًا، إذ استغرق لحظةً ليدرك المعنى الكامن فيها.
ارتسمت على وجهه سلسلة متلاحقة من التعابير: ما هي حبة الدم الإلهية؟ حبة الدم الإلهية؟ آه، هل يمكن أن تكون تلك الحبة بعينها؟ لا ريب! إنها هي!
قفز من مقعده من فرط الدهشة.
“أتقصد أعظم الحبوب في الأراضي القاحلة؟”
“صحيح.”
“أتزعم أن زعيم طائفة الرياح السماوية أهداك إياها؟”
أخرسه الذهول برهةً قبل أن ينطق:
“وأين هي الآن؟”
“في معدتي.”
“يا للعجب! هذا يعني أن طاقتك الداخلية باتت تفوق طاقتي!”
اكتفيتُ بابتسامةٍ صامتة. والحقيقة أن قوتي الداخلية، حتى قبل ابتلاع حبة الدم الإلهية، قاربت قوة شياطين الدمار بفضل إكسير جوهر الشيطان والإكسير السماوي. أما بعد الحبة، فلا شك أن قوتي ستطغى عليهم جميعًا.
“لا تقلق، ما زلت جناحي الأيسر.”
“همف! لقد نلتَ إكسيرًا أعظم من الإكسير السماوي وخيط دودة القز السماوية الأسمى، لذا ربما يُبتلع جناحك الأيسر!”
“جناحي الأيسر جزءٌ من كياني، وإن زال هلكت.”
“كما أخبرتك سابقًا، إن فني الجسد، سيجد الجناح جسدًا جديدًا ليحطّ عليه.”
“آمل حينها أن يحظى بجسدٍ أفضل.”
رغم المزاح، بدا وكأن ملامح شيطان نصل السماء الدموي تثقّلت دون أن ينتبه.
“أشعرت بالغيرة للتو؟”
“أنا؟ أغار؟ هراء! ذاك لم يكن سوى تحذير. أردتُ التأكد من أنك لن تُفكر للحظة في انتزاع مكاني لمجرد بعض الكنوز.”
“وصلت الرسالة.”
“سأرحل حقًّا الآن. واصل عملك.”
نهض من مقعده وهمَّ بالمغادرة، لكنه تردّد فجأة وقال:
“أنا… لا أمانع لو امتلكتُ أجنحة مثل أجنحة اليعسوب.”
أي أنه لا يمانع في أن أحظى بمزيد من الأجنحة.
لامست تلك الكلمات قلبي. بمثل هذا السخاء، كيف لي أن أُهمل شيطان نصل السماء الدموي؟
وبينما أوشك على المغادرة، دخل أحد التابعين وأعلن عن وصول زائرة.
“سيدة السيف ذو الضربة الواحدة وصلت.”
ارتبك شيطان نصل السماء الدموي عند سماع اسمها.
“أأنت من استدعاها للقائي؟”
“كيف لي أن أدعو مَن ظهر فجأة؟”
فتح النافذة مذعورًا وهمّ بالفرار، لكني حاولت منعه.
“سيكون الأمر في غاية السوء.”
“إنها تبغض رؤيتي.”
ما زال يحسّ بالخجل من ماضيه معها، ولم يطق مواجهتها.
“وماذا في ذلك؟ منذ متى تهتم بما يقوله الناس؟”
عاد أدراجه إلى مقعده مكرهًا، بعد أن توقّف عند النافذة ليفكّر لبرهة.
في تلك الأثناء، دخلت سيدة السيف ذو الضربة الواحدة الغرفة.
حالما وقعت عينها عليه في المكتب، بدت الدهشة على وجهها، وما لبثت أن اعترضت.
“أنت؟ هل رتّبت هذا اللقاء عمدًا؟”
ابتسمت وأجبتها:
“وكيف لي أن أتلاعب بأقدار تشبهت طرقها؟ لا علم لي متى يحضر أحدكما، ومع ذلك ها أنتما هنا معًا. إن كانت ثمة شكاوى، فلتطرحوها على السماء.”
رفعت بصري إلى السماء من النافذة.
دون أن أصرّح بأن هذا قَدَر، فهم الاثنان مغزاي.
كنت أرجو أن أجمعهما في لقاءٍ طبيعي، ورؤيتهما متقابلين على هذا النحو عزّز يقيني أن العجوز السماوي دبّر بالفعل مسعىً للتقريب بينهما.
“تفضلي، اجلسي.”
جلسَت قُبالته، فسألها:
“ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟”
“جئت لأخبرك أمرًا.”
وقف شيطان نصل السماء الدموي من مكانه على الفور قائلا:
“سآخذ إذني لتتحدّثا بهدوء.”
غير أن سيدة السيف ذو الضربة الواحدة أوقفته:
“بل أمرٌ يمكن للجميع سماعه.”
مع أن وجوده قد يحرجها، إلا أن إصرارها على بقائه أوضح أهمية ما ستبوح به. وبالفعل كان ما كشفته جللًا.
“جاء بوذا الشيطاني ليطلب مني أمرًا.”
“أيّ أمر؟”
“طلب أن أدعم أحد تلاميذ شيطان حاصد الأرواح، يانغ داو.”
اختيار شيطان دمار جديد يقع ضمن اختصاص شياطين الدمار الثمانية. فإن مات أحدهم بلا وريث مقرَّر، اجتمع الباقون ليصوّتوا على البديل. ومن يحصل على أصوات أكثر من نصفهم سيصعد.
“ألم أقل لك من قبل إن من الحكمة أن ندعم أحد أصدقائنا في المبارزة؟”
“كنت أضع ذلك في الحسبان.”
علا الفضول وجه شيطان نصل السماء الدموي.
“أصدقاء مبارزة؟ ماذا تقصد؟”
“مجرد أمر حدث.”
“يبدو أنك تُحاكك المكائد مع الجميع، أيها المشاكس.”
“كيف لي ذلك؟ أنت جناحي الأول، سيدي.”
عندها سألت سيدة السيف ذو الضربة الواحدة:
“جناح؟”
“أجل، هو جناحي الأيسر. وأنا الآن أسعى لإيجاد جناحٍ أيمن.”
رمقتها بنظرةٍ متعمدة. ودّ قلبي لو تكون هي جناحي الأيمن، غير أني صَرفت الحديث بسرعة إلى مسار آخر.
“إذن، مَن ستدعم؟”
“تشونغ سون.”
“كما توقعت. إذن خلافك مع بوذا الشيطاني قائم. حسنًا، سأدعم تشونغ سون بدوري.”
وافقت بلا تردّد. رغم أن هذا قد يجرّها إلى صدام مع بوذا الشيطاني، إلا أنها فعلت ذلك مراعاةً لمصلحتي. واقتراحها أن نناقش الأمر مع شيطان نصل السماء الدموي دليلٌ على نواياها.
“شكرا لكِ.”
غمَرتني مشاعر امتنانٍ صادقة. كما ساعدتني من قبل مع سا ووجونغ، ها هي تمدّ لي يدًا أخرى. حسنًا، سيدتي… لنكن أصدقاء مبارزة إلى الأبد.
لم تكلّف نفسها حتى عناء سؤالي عن سبب اختياري لتشونغ سون، وذلك وحده أصدق برهان على ثقتها بي.
عندها التفت إليّ شيطان نصل السماء الدموي.
“أليس هذا صوتين فقط؟ هل ضمنت أصواتًا أخرى من شياطين الدمار؟”
حتى تصعد تشونغ سون، ستحتاج إلى أربعة أصوات من أصل سبعة.
“ليس بعد.”
“ما خطتك إذن؟”
قلتُ لهما بأدب:
“أرجو من كليكما أن يُقنع كلٌّ منكما شخصًا واحدًا فقط. أطلب ذلك منكما.”
“وما الفائدة التي سنجنيها إن صارت تشونغ سون شيطان دمار؟”
أجبته بدهاء:
“سأستفيد من الأمر أكثر مما قد تستفيد أن أنتما.”
“بل يجب أن أستفيد أنا!”
“إن أفادتني، فهي حتمًا ستفيدك أيضًا، سيدي.”
“اللعنة–”
رغم احتجاجه، كنت أعلم أن شيطان نصل السماء الدموي سيستجيب في النهاية. أما سيدة السيف ذو الضربة الواحدة فقد قبلت طلبي بسهولة.
“سأبذل جهدي لإقناع بعض شياطين الدمار الآخرين لأجلك. لعلّ أحدهم يمنح صوته لتشونغ سون.”
لحظتها راودني شعور بأن نيتها الحسنة هذه ليست بدافع صداقة فنون القتال وحدها، فاليد التي مدّتها أكبر بكثير من مجرد معروف.
وحين تبادلت النظر معها، باغتني شيطان نصل السماء الدموي بغمزةٍ عابسة:
“كلامك هذا يُظهرني بمظهر التافه.”
حاول إضفاء بعض الدعابة، لكن ردّها جاء صارمًا:
“ألم تكن تافهًا منذ الأزل؟”
تجمّدت ملامحه لحظةً ثم اشتعلت عينيه.
تلاقى بصرهما كالسيوف المتصالبة، وتقاتلا بنظرات لا يودّ أيٌّ منهما أن يطأطئ رأسه.
لم أتدخّل، بل تركت لهما الوقت الكافي ليُفرغا ما في قلبيهما. ومهما طال الأمر، فلن يُجهز أحدهما على الآخر.
وفي النهاية، كان شيطان نصل السماء الدموي أوّل من حوّل نظره. ابتسمت سيدة السيف ذو الضربة الواحدة ابتسامة ساخرة، فكان النصر حليفها. ولحسن الحظ، انقشع التوتر سريعًا.
ابتسمتُ لها ممتنًّا:
“شكرًا لإخباري بطلب بوذا الشيطاني، وأشكركِ أكثر على استعدادك لإقناع الآخرين. لن أنسى هذا المعروف أبدًا.”
“أي معروف؟ لنلتقي في المرة القادمة.”
قالت مبتسمةً وغادرت الغرفة.
وبعدها نهض شيطان نصل السماء الدموي بدوره.
“سأرحل أنا أيضًا.”
أدركت أن حصولي على الأثر المقدس من زعيم طائفة الرياح السماوية، وتحالفي مع سيدة السيف ذو الضربة الواحدة كصديقة مبارزة، ربما أثار غصّةً في نفسه، لكنه لم يُظهر شيئًا من ذلك.
“أنت دائمًا الأهم عندي، سيدي.”
“يا لها من كلمات معسولة.”
ضحكت بخجل، فقهقه هو الآخر.
“حتى وإن خرجت سيدة السيف بثقة، إقناع بقية شياطين الدمار ليس بالهيّن. جانب بوذا الشيطاني سيبذل كل قوته كذلك.”
“أرجو عونك، سيدي.”
“وهل يستطيع منبوذٌ مثلي أن ينجز ذلك؟”
على الرغم من قوله ذلك، كان حضوره وحده يمدّني بالطمأنينة أكثر من أيّ أحدٍ آخر.
إن استطاع كل واحدٍ منهما استمالة شخص واحد، سنضمن أربعة أصوات. لكن حتى مع ذلك، تبقى النتيجة عصيّة على التنبؤ.
قررت أن أثق بهما. فهما شياطين دمار منذ عقود، وخبرتهما أعمق مما أملك.
وبينما انشغلا بعمل شاق من أجلي، لم يكن لي أن أترك المكاسب كلها تذهب إلى زعيم طائفة الرياح السماوية.
لذلك شددت الرحال إلى مقره، لا طمعًا في قطعة أثرية فحسب، بل رغبة في أن أضع حجر الأساس لشيءٍ أثمن وأبقى من أي كنزٍ نادر.

التعليقات متوقفة حالياً، ستعود قريباً!