السرعوف يطارد الزيز
هَيْكَلُ دستن الذي لا يَخْشَى شَيْئاً يَقِفُ داخلَ الفضاءِ الفَوْضَوي؛ أمامَه صار فَراغٌ حالِكُ السَّواد، وبينَهُما وَقَفَ نمرود الخالد الشيطاني.
‘فزززت…’
علاوةً على ذلك، وبخلافِ الضَّوءِ المَحدودِ الذي يُنيرُ هَيْكَلَ دستن، بدا أنَّ شَخْصِيَّةَ نمرود الخالد في تزامُنٍ مع الفَراغِ اللامُتناهي خَلْفَهُ، مما جَعَلَ دستن يَبدو صَغيراً إلى حَدٍّ ما.
بعد ذلك، من داخلِ بَقايا شريط موبيوس المُتَهاوية، هَمَسَ صَوْتٌ هادئ، بارد، قاطِعٌ خلالَ الفَراغ،
تَشَقَّقَ مُحيطُهُ، الْتَوَى، وتَصَدَّعَ إلى مُنْحَنَياتٍ مُسَنَّنَة، وكأنَّ الفَراغَ نَفْسَهُ يُحاوِلُ مَحْوَ مَفْهومِ وُجودِهِ.
ومع ذلك، لم يَتَهاوَ طَورُ دستن؛ في الواقع، بدا وكأنه يُصبحُ عَميقاً غائراً كهَاوية، وكأنه يَفُكُّ طَلاسِمَ مَكائدِ نمرود الخالد، في اللحظة التي خَطا فيها الأخير أمامَهُ.
الْتَهَمَ كُلَّ شَيءٍ في طَريقِهِ؛ اللَّوْنُ اختَفَى، الصَّوْتُ اختَفَى، وحتى المفهوم بدا وكأنه يَخْتَفي.
العَيْنُ خاليةً من العاطفةِ أو الزَّمَن، وكأنها تَعكِسُ الفَراغَ نَفْسَهُ، وخُبْثُها مَلْمُوساً؛ حتى الفضاءُ بدا وكأنه اندَمَجَ مع الفَراغِ في اللحظة التي كَشَفَتِ العَيْنُ عن نَفْسِها، وبدأ هَيْكَلُ نمرود الخالد يَبُثُّ قُوَّةً عَميقةً مُرعِبة.
“قبلَ أن ‘نَفْرِضَ’ ‘النِّظامَ الأعلى’، حَوَّلْتَ وَحشَ زودياك إلى صُورَتِكَ الرَّمزية وتَسَلَّلْتَ إلى السُّهولِ الوُسطى…” تَكَلَّمَ دستن أخيراً بهُدُوءٍ، وبدَتْ نَبرَتُهُ الغاضبةُ المَلِيئَةُ بالشَّكِّ السَّابقةُ كأنها وَهْم.
هَبَطَ ضَغْطٌ هائل، وهذا الضَّغْطُ لم يَعُدْ في حُدودِ السُّهولِ الوُسطى…لم يَعُدْ في مَجالِ القَواعِدِ المَكْسورة…لم يَعُدْ في ساحَةِ المَعْرَكةِ المَنحوتةِ بالقُيودِ والمَحْظورات.
لكن نمرود الخالد لم يَبْدُ مُنْدَهِشاً من رُؤيةِ دستن لِخُطَّتِهِ، وفجأةً صَفَّقَ باستهزاء.
لكن نمرود الخالد لم يَبْدُ مُنْدَهِشاً من رُؤيةِ دستن لِخُطَّتِهِ، وفجأةً صَفَّقَ باستهزاء.
“هيهيهي…كما يُتوقَّعُ مِن أَكْبَرِ مُزعِجٍ في سُهولِ زودياك.” صَرَّحَ نمرود الخالد بسُخريةٍ دونَ أيِّ أَثَرٍ للدَّهشةِ أو الخوف، “لكن ماذا تَتَوَقَّعُ، هاه؟ أَتَظُنُّ أنَّكُمُ ايه المنافقون وَحدَكُم مَن يَسْتَطيعونَ كَسْرَ أو لَيَّ القَواعِدِ لِصالِحِكُم؟”
رَدّاً على استفزازِ دستن، لم يَبْدُ نمرود الخالد مُنْزَعِجاً قَط، وهذا لم يَخْفَ على الأول، مما أَثارَ شُعوراً بالشُّؤم.
لم يُظهِر دستن أيَّ رَدِّ فِعْلٍ على استهزاءِ نمرود الخالد، وقالَ بجُمودٍ، “أَظُنُّ أنَّ هذا كان خَطَئي، أنْ أَظُنَّ أنك ستَتَخَلَّى ببساطةٍ عن حَمَلَتِكَ الصَّليبيَّة، لكن دَعْني أسألُكَ سُؤالاً مُقابلاً…”
‘فزززت…’
تَحَوَّلَ صَوْتُهُ لِيَكون حادّاً ومُهَدِّداً بعضَ الشَّيء، “…كَمْ ضَحَّيْتَ لِتَصنعَ صورةً رَمزيةً تافِهة؟ إن لم أَكُنْ مُخطئاً، فلا بُدَّ أن جَسَدَكَ الرَّئيسي يُواجِهُ الآن مَشاكِلَ جَمَّةً، أَلَيْسَ كذلك؟ أَتَراني إذا أَمَرتُ الجميعَ بمُهاجَمَةِ وَكْرِكَ الآن، كَيْفَ سَيَكونُ المَشهَد…”
تَحَوَّلَ صَوْتُهُ لِيَكون حادّاً ومُهَدِّداً بعضَ الشَّيء، “…كَمْ ضَحَّيْتَ لِتَصنعَ صورةً رَمزيةً تافِهة؟ إن لم أَكُنْ مُخطئاً، فلا بُدَّ أن جَسَدَكَ الرَّئيسي يُواجِهُ الآن مَشاكِلَ جَمَّةً، أَلَيْسَ كذلك؟ أَتَراني إذا أَمَرتُ الجميعَ بمُهاجَمَةِ وَكْرِكَ الآن، كَيْفَ سَيَكونُ المَشهَد…”
في اللحظة التالية، ضَرَبَ، فانْدَلَعَ سَيْلٌ جارِفٌ من ناموسِ الفَراغِ كمَوْجَةِ مَدٍّ عاتِيَةٍ من مَجَرَّاتٍ تَحْتَضِر.
رَدّاً على استفزازِ دستن، لم يَبْدُ نمرود الخالد مُنْزَعِجاً قَط، وهذا لم يَخْفَ على الأول، مما أَثارَ شُعوراً بالشُّؤم.
تَحَوَّلَ صَوْتُهُ لِيَكون حادّاً ومُهَدِّداً بعضَ الشَّيء، “…كَمْ ضَحَّيْتَ لِتَصنعَ صورةً رَمزيةً تافِهة؟ إن لم أَكُنْ مُخطئاً، فلا بُدَّ أن جَسَدَكَ الرَّئيسي يُواجِهُ الآن مَشاكِلَ جَمَّةً، أَلَيْسَ كذلك؟ أَتَراني إذا أَمَرتُ الجميعَ بمُهاجَمَةِ وَكْرِكَ الآن، كَيْفَ سَيَكونُ المَشهَد…”
“هيهيهي، إنني مُتَأَثِّرٌ لا تُطاوِقُهُ الكَلِماتُ لأنَّكَ قَلِقٌ عَلَيَّ هكذا، لكن…” تَحَوَّلَت نَبرةُ نمرود الخالد لِتُصبح مُرعِبةً ومُخيفة، “…ماذا لو عَلِمَ أحدٌ من حَلْقَتِكَ الصَّغيرة أنَّكَ لم تُساعِدْني فحسْبُ في الإمساكِ بالمَلْعُون، بل سَلَّمْتَهُ إليَّ على طَبَقٍ من ذَهَب؟”
تَلَأْلَأَ هَيْكَلُ دستن مَرَّةً… مَرَّتَيْن…كُلُّ ارْتِعادَةٍ تَسْتَزِفُ المَزيدَ من الضَّوءِ من صورَتِهِ المُنارَةِ بشريط موبيوس.
“أوه، وأيضاً، كَيْفَ سَتَكونُ رُدودُ فِعْلِهم عندما يُدركون أنَّ ‘عَبْدَكَ’ الأقوى قد وَقَعَ في يَدي؟ وخاصةً بعد أن أَهْدَرْتَ سِتَّةً مِن ‘محكمي الأبراج’ في المَرَّةِ السَّابقة وما زِلْتَ تَفْشَلُ في إبعادي عن المَلْعُون”
الْتَهَمَ كُلَّ شَيءٍ في طَريقِهِ؛ اللَّوْنُ اختَفَى، الصَّوْتُ اختَفَى، وحتى المفهوم بدا وكأنه يَخْتَفي.
اللَّهيبُ الأُرْجُوانيُّ لنمرود الخالد ارْتَعَشَ، وعاصِفَةُ ناموسِ الفَراغِ خَفَتَتْ، وكأنَّ شيئاً غيرَ مَرْئيٍّ قدِ اخْتَرَقَ قَلْبَها.
“أَلَنْ يَجْعَلُكَ ذلك ضَعيفاً، ويَمْلأُ الكائِناتِ اللامُتناهيةَ التي قَمَعْتَها في إثْرِكَ بالشُّعورِ بالإثارةِ والأفكارِ الغريبة؟”
“قبلَ أن ‘نَفْرِضَ’ ‘النِّظامَ الأعلى’، حَوَّلْتَ وَحشَ زودياك إلى صُورَتِكَ الرَّمزية وتَسَلَّلْتَ إلى السُّهولِ الوُسطى…” تَكَلَّمَ دستن أخيراً بهُدُوءٍ، وبدَتْ نَبرَتُهُ الغاضبةُ المَلِيئَةُ بالشَّكِّ السَّابقةُ كأنها وَهْم.
لم يُظهِر دستن أيَّ رَدِّ فِعْلٍ مُبالَغٍ فيه لاستفزازِ نمرود الخالد، وازْدَرَى بجُمودٍ، “وَقَعَ في يَدِكَ؟ أَظُنُّكَ مُخْطئاً، لستُ سآخُذُ المَلْعُونَ معي اليومَ فحَسْبُ، بل سأزورُكَ قَريباً جِداً شخصياً لأُظْهِرَ لكَ ‘امتناني’ الخالِصَ لما حَدَثَ اليومَ”
“أَظَنَّني سَمِعْتُكَ تَقولُ ‘سآخُذُ’؟ هيهيهيهي…” سَخِرَ نمرود الخالد، والفَراغُ ليس ببعيدٍ عنهُ بدا وكأنه اضْطَرَبَ وكأنَّ شيئاً كان يَزْحَفُ هناك، وبدأ الفضاءُ الفَوْضَويُّ يَثْقُلُ بينما تَسَرَّبَ إليه ضَغْطٌ غريب.
‘طَقّ…’
هَبَطَ ضَغْطٌ هائل، وهذا الضَّغْطُ لم يَعُدْ في حُدودِ السُّهولِ الوُسطى…لم يَعُدْ في مَجالِ القَواعِدِ المَكْسورة…لم يَعُدْ في ساحَةِ المَعْرَكةِ المَنحوتةِ بالقُيودِ والمَحْظورات.
وكأنَّه استَشْعَرَ شيئاً، تَلَأْلَأَ هَيْكَلُ دستن وبدأت هالةٌ صوفيةٌ تُغَلِّفُ صورَتَهُ الأثيرية.
“أَظَنَّني سَمِعْتُكَ تَقولُ ‘سآخُذُ’؟ هيهيهيهي…” سَخِرَ نمرود الخالد، والفَراغُ ليس ببعيدٍ عنهُ بدا وكأنه اضْطَرَبَ وكأنَّ شيئاً كان يَزْحَفُ هناك، وبدأ الفضاءُ الفَوْضَويُّ يَثْقُلُ بينما تَسَرَّبَ إليه ضَغْطٌ غريب.
“هيهيهيهي…” انْفَجَرَ نمرود الخالد في ضَحِكٍ مُبتهِج، وهذه المَرَّةِ لم يَأْتِ صَوْتُهُ من تلك ‘الصُّورةِ الرَّمزية’ فحَسْبُ، بل من الفَراغِ كُلِّهِ.
“لقدِ اسْتَشْعَرْتَهُ، أَلَيْسَ كذلك؟” تَوَقَّفَ نمرود الخالد فجأةً عن الضَّحِك وقالَ ببرودٍ وازدراء.
تابَعَ نمرود الخالد، صَوْتُهُ ناعِمٌ كعِظامٍ مَصْقولة، “إنْ تَهَاوَيْتَ الآن، فسأكونُ… خائِبَ الأَمَلِ عَميقاً.”
قبل أن يَتمكَّنَ دستن من الرَّدِّ، كان قد وَصَلَ حضورٌ مُخيفٌ قاهِرٌ وراءَ الفَراغ، وفي اللحظة التالية، بَزَغَتْ داخِلَهُ عَيْنٌ مُتَلَألِئةٌ أُرْجُوانيةٌ غامِقة.
اللَّهيبُ الأُرْجُوانيُّ لنمرود الخالد ارْتَعَشَ، وعاصِفَةُ ناموسِ الفَراغِ خَفَتَتْ، وكأنَّ شيئاً غيرَ مَرْئيٍّ قدِ اخْتَرَقَ قَلْبَها.
تَحَوَّلَ صَوْتُهُ لِيَكون حادّاً ومُهَدِّداً بعضَ الشَّيء، “…كَمْ ضَحَّيْتَ لِتَصنعَ صورةً رَمزيةً تافِهة؟ إن لم أَكُنْ مُخطئاً، فلا بُدَّ أن جَسَدَكَ الرَّئيسي يُواجِهُ الآن مَشاكِلَ جَمَّةً، أَلَيْسَ كذلك؟ أَتَراني إذا أَمَرتُ الجميعَ بمُهاجَمَةِ وَكْرِكَ الآن، كَيْفَ سَيَكونُ المَشهَد…”
العَيْنُ خاليةً من العاطفةِ أو الزَّمَن، وكأنها تَعكِسُ الفَراغَ نَفْسَهُ، وخُبْثُها مَلْمُوساً؛ حتى الفضاءُ بدا وكأنه اندَمَجَ مع الفَراغِ في اللحظة التي كَشَفَتِ العَيْنُ عن نَفْسِها، وبدأ هَيْكَلُ نمرود الخالد يَبُثُّ قُوَّةً عَميقةً مُرعِبة.
“أرَى…”
“جَسَدُكَ الحَقيقيُّ هنا؟!” أخيراً لم يَستَطِعْ دستن الحِفاظَ على هُدوئهِ، إذ بدا وكأنه يُحَدِّقُ في العَيْنِ الأثيرية التي بَدَتْ وكأنها عَيْنُ الفَراغِ ذاتِهِ المُحيطِ بها.
“هيهيهي، إنني مُتَأَثِّرٌ لا تُطاوِقُهُ الكَلِماتُ لأنَّكَ قَلِقٌ عَلَيَّ هكذا، لكن…” تَحَوَّلَت نَبرةُ نمرود الخالد لِتُصبح مُرعِبةً ومُخيفة، “…ماذا لو عَلِمَ أحدٌ من حَلْقَتِكَ الصَّغيرة أنَّكَ لم تُساعِدْني فحسْبُ في الإمساكِ بالمَلْعُون، بل سَلَّمْتَهُ إليَّ على طَبَقٍ من ذَهَب؟”
“هيهيهي، إنني مُتَأَثِّرٌ لا تُطاوِقُهُ الكَلِماتُ لأنَّكَ قَلِقٌ عَلَيَّ هكذا، لكن…” تَحَوَّلَت نَبرةُ نمرود الخالد لِتُصبح مُرعِبةً ومُخيفة، “…ماذا لو عَلِمَ أحدٌ من حَلْقَتِكَ الصَّغيرة أنَّكَ لم تُساعِدْني فحسْبُ في الإمساكِ بالمَلْعُون، بل سَلَّمْتَهُ إليَّ على طَبَقٍ من ذَهَب؟”
“هيهيهيهي…” انْفَجَرَ نمرود الخالد في ضَحِكٍ مُبتهِج، وهذه المَرَّةِ لم يَأْتِ صَوْتُهُ من تلك ‘الصُّورةِ الرَّمزية’ فحَسْبُ، بل من الفَراغِ كُلِّهِ.
اللَّهيبُ الأُرْجُوانيُّ لنمرود الخالد ارْتَعَشَ، وعاصِفَةُ ناموسِ الفَراغِ خَفَتَتْ، وكأنَّ شيئاً غيرَ مَرْئيٍّ قدِ اخْتَرَقَ قَلْبَها.
“أَظُنُّ أنَّ مُفاجَأتي نالَتْ إعجابَك، أنا مَسرورٌ، حَسناً، أَظُنُّ أني لم أُريكَ قَطُّ ما أنا قادِرٌ عليه حَقاً، مما قادَكَ إلى هذه النُّقطة…لا تَدري كَمِ اشتَقْتُ إلى هذه اللحظة…كَمْ صَبَرْتُ…كَمْ…”
“أوه، وأيضاً، كَيْفَ سَتَكونُ رُدودُ فِعْلِهم عندما يُدركون أنَّ ‘عَبْدَكَ’ الأقوى قد وَقَعَ في يَدي؟ وخاصةً بعد أن أَهْدَرْتَ سِتَّةً مِن ‘محكمي الأبراج’ في المَرَّةِ السَّابقة وما زِلْتَ تَفْشَلُ في إبعادي عن المَلْعُون”
صار صَوْتُ نمرود الخالد مَلِيئاً بالتَّقَلُّباتِ كشخصٍ كانَ يَنتَظِرُ هذه الفُرصةَ، هذه اللحظةَ بالذات، لِعُصورٍ، والآنَ بعد أنْ بَلَغَ هذه النُّقطة، لم يعُدْ يَهْتَمُّ، لأنها النُّقطةُ التي سَيَتَغَلَّبُ فيها أخيراً على كُلِّ شَيءٍ ويُحَقِّقُ هَدَفَهُ!
في تلك اللحظة بالذات، ولأوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ بَدْءِ صِراعِهِما، تَوَقَّفَ نمرود الخالد عن الكلامِ بالألغازِ والتَّهْديد، وتَحَرَّكَ!
“هيهيهي، إنني مُتَأَثِّرٌ لا تُطاوِقُهُ الكَلِماتُ لأنَّكَ قَلِقٌ عَلَيَّ هكذا، لكن…” تَحَوَّلَت نَبرةُ نمرود الخالد لِتُصبح مُرعِبةً ومُخيفة، “…ماذا لو عَلِمَ أحدٌ من حَلْقَتِكَ الصَّغيرة أنَّكَ لم تُساعِدْني فحسْبُ في الإمساكِ بالمَلْعُون، بل سَلَّمْتَهُ إليَّ على طَبَقٍ من ذَهَب؟”
“هيهيهي، إنني مُتَأَثِّرٌ لا تُطاوِقُهُ الكَلِماتُ لأنَّكَ قَلِقٌ عَلَيَّ هكذا، لكن…” تَحَوَّلَت نَبرةُ نمرود الخالد لِتُصبح مُرعِبةً ومُخيفة، “…ماذا لو عَلِمَ أحدٌ من حَلْقَتِكَ الصَّغيرة أنَّكَ لم تُساعِدْني فحسْبُ في الإمساكِ بالمَلْعُون، بل سَلَّمْتَهُ إليَّ على طَبَقٍ من ذَهَب؟”
رَمْشَةٌ واحدةٌ للعَيْنِ الفَراغيةِ خَلْفَهُ، ارْتِعادَة من الظَّلامِ المُسْتَحيل، والفضاءُ الفَوْضَويُّ كُلُّهُ الْتَوَى كَرِقٍّ مَبْلولٍ يَنْضَغِطُ تَحْتَ إبْهامِ عِملاقٍ خَفيٍّ.
علاوةً على ذلك، وبخلافِ الضَّوءِ المَحدودِ الذي يُنيرُ هَيْكَلَ دستن، بدا أنَّ شَخْصِيَّةَ نمرود الخالد في تزامُنٍ مع الفَراغِ اللامُتناهي خَلْفَهُ، مما جَعَلَ دستن يَبدو صَغيراً إلى حَدٍّ ما.
هَبَطَ ضَغْطٌ هائل، وهذا الضَّغْطُ لم يَعُدْ في حُدودِ السُّهولِ الوُسطى…لم يَعُدْ في مَجالِ القَواعِدِ المَكْسورة…لم يَعُدْ في ساحَةِ المَعْرَكةِ المَنحوتةِ بالقُيودِ والمَحْظورات.
في تلك اللحظة بالذات، ولأوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ بَدْءِ صِراعِهِما، تَوَقَّفَ نمرود الخالد عن الكلامِ بالألغازِ والتَّهْديد، وتَحَرَّكَ!
هذا الضَّغْطُ يَعودُ لِـ’الفَراغِ الأوَّلي’، حيثُ تَذوبُ القَوانينُ قَبلَ أنْ تَتَشَكَّل.
لم يَكُنْ شُعاعاً، ولا يُشْبِهُ ضَرْبَةً، ولا تَعْوِيذَة، بل أَمْراً بالمَحْوِ، الإرادةَ الخالِصةَ غَيْرَ المُصَفَّاةِ للفَراغِ نَفْسِه!
الوميضُ الأثيريُّ الذي كانَ يُشَكِّلُ هَيْكَلَ دستن انْحَنَى…
تَلَأْلَأَ هَيْكَلُ دستن مَرَّةً… مَرَّتَيْن…كُلُّ ارْتِعادَةٍ تَسْتَزِفُ المَزيدَ من الضَّوءِ من صورَتِهِ المُنارَةِ بشريط موبيوس.
‘فزززت…’
أمالَ نمرود الخالد رأسَ صورَتِهِ الرَّمزيةِ المُقَنَّعَة، واللَّهيبُ الأُرْجُوانيُّ تَحْتَها الْتَوَى مُشَكِّلاً أهِلَّةً سادِيَّة.
تَشَقَّقَ مُحيطُهُ، الْتَوَى، وتَصَدَّعَ إلى مُنْحَنَياتٍ مُسَنَّنَة، وكأنَّ الفَراغَ نَفْسَهُ يُحاوِلُ مَحْوَ مَفْهومِ وُجودِهِ.
“هيهيهي، إنني مُتَأَثِّرٌ لا تُطاوِقُهُ الكَلِماتُ لأنَّكَ قَلِقٌ عَلَيَّ هكذا، لكن…” تَحَوَّلَت نَبرةُ نمرود الخالد لِتُصبح مُرعِبةً ومُخيفة، “…ماذا لو عَلِمَ أحدٌ من حَلْقَتِكَ الصَّغيرة أنَّكَ لم تُساعِدْني فحسْبُ في الإمساكِ بالمَلْعُون، بل سَلَّمْتَهُ إليَّ على طَبَقٍ من ذَهَب؟”
ضَحِكَةٌ باردةٌ شيطانيةٌ تَسَلْسَلَتْ خلالَ الواقِع، “أوه؟ ما الخَطْبُ، يا دستن؟”
أمالَ نمرود الخالد رأسَ صورَتِهِ الرَّمزيةِ المُقَنَّعَة، واللَّهيبُ الأُرْجُوانيُّ تَحْتَها الْتَوَى مُشَكِّلاً أهِلَّةً سادِيَّة.
لم يُظهِر دستن أيَّ رَدِّ فِعْلٍ مُبالَغٍ فيه لاستفزازِ نمرود الخالد، وازْدَرَى بجُمودٍ، “وَقَعَ في يَدِكَ؟ أَظُنُّكَ مُخْطئاً، لستُ سآخُذُ المَلْعُونَ معي اليومَ فحَسْبُ، بل سأزورُكَ قَريباً جِداً شخصياً لأُظْهِرَ لكَ ‘امتناني’ الخالِصَ لما حَدَثَ اليومَ”
“لا تَقُلْ لي إنَّ طَعْمَ الهَزيمةِ قد كَسَرَ إرادَتَكَ بالفعل؟”
خَلْفَهُ، طَرَفَتِ العَيْنُ الفَراغية، فَتَصَدَّعَ الفضاءُ كالزُّجاجِ الهَشِّ.
تَلَأْلَأَ هَيْكَلُ دستن مَرَّةً… مَرَّتَيْن…كُلُّ ارْتِعادَةٍ تَسْتَزِفُ المَزيدَ من الضَّوءِ من صورَتِهِ المُنارَةِ بشريط موبيوس.
تابَعَ نمرود الخالد، صَوْتُهُ ناعِمٌ كعِظامٍ مَصْقولة، “إنْ تَهَاوَيْتَ الآن، فسأكونُ… خائِبَ الأَمَلِ عَميقاً.”
الفَضاءُ مِن حولِهِ غَلَى وانْطَوَى داخِلياً، مُشَكِّلاً دَوَّامَةً دائِرةً من الإِنتروبيا المُلْتَهِمَة، رُموزٌ، غريبة، قديمة، هَرْطَقِيَّة، انْفَجَرَت حولَ قَدَمَي صورَتِهِ الرَّمزية، تَتَسَلْسَلُ كأَفاعٍ من العَدَم.
قبل أن يَتمكَّنَ دستن من الرَّدِّ، كان قد وَصَلَ حضورٌ مُخيفٌ قاهِرٌ وراءَ الفَراغ، وفي اللحظة التالية، بَزَغَتْ داخِلَهُ عَيْنٌ مُتَلَألِئةٌ أُرْجُوانيةٌ غامِقة.
ثم ضَحِكَ نمرود، ضَحِكَةً ناعِمةً قاسية، “لكن خَيْبَةَ الأَمَلِ لن تَمْنَعَني من الاستِمْتاعِ بلحظةِ مَحْوِكَ من هذا الكون”
في تلك اللحظة بالذات، ولأوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ بَدْءِ صِراعِهِما، تَوَقَّفَ نمرود الخالد عن الكلامِ بالألغازِ والتَّهْديد، وتَحَرَّكَ!
لم يَكُنْ شُعاعاً، ولا يُشْبِهُ ضَرْبَةً، ولا تَعْوِيذَة، بل أَمْراً بالمَحْوِ، الإرادةَ الخالِصةَ غَيْرَ المُصَفَّاةِ للفَراغِ نَفْسِه!
اتَّقَدَتِ العَيْنُ الفَراغية، وانْدَفَعَت نَبْضَةُ فَناءٍ عَنيفةٌ كَمُسْتَعِرٍ أَعْظَمٍ يَنْهار.
“أَلَنْ يَجْعَلُكَ ذلك ضَعيفاً، ويَمْلأُ الكائِناتِ اللامُتناهيةَ التي قَمَعْتَها في إثْرِكَ بالشُّعورِ بالإثارةِ والأفكارِ الغريبة؟”
“والآن… سآخُذُ ما هو لي، عَبْدُكَ الثَّمين… والمَلْعُون” تَعَمَّقَ صَوْتُهُ، قاطِراً بالحِقْد، “إنِ اسْتَطَعْتَ، فَأْتِني بجَسَدِكَ الحَقيقي.”
“هيهيهيهي…” انْفَجَرَ نمرود الخالد في ضَحِكٍ مُبتهِج، وهذه المَرَّةِ لم يَأْتِ صَوْتُهُ من تلك ‘الصُّورةِ الرَّمزية’ فحَسْبُ، بل من الفَراغِ كُلِّهِ.
في اللحظة التالية، ضَرَبَ، فانْدَلَعَ سَيْلٌ جارِفٌ من ناموسِ الفَراغِ كمَوْجَةِ مَدٍّ عاتِيَةٍ من مَجَرَّاتٍ تَحْتَضِر.
اتَّقَدَتِ العَيْنُ الفَراغية، وانْدَفَعَت نَبْضَةُ فَناءٍ عَنيفةٌ كَمُسْتَعِرٍ أَعْظَمٍ يَنْهار.
لم يَكُنْ شُعاعاً، ولا يُشْبِهُ ضَرْبَةً، ولا تَعْوِيذَة، بل أَمْراً بالمَحْوِ، الإرادةَ الخالِصةَ غَيْرَ المُصَفَّاةِ للفَراغِ نَفْسِه!
“جَسَدُكَ الحَقيقيُّ هنا؟!” أخيراً لم يَستَطِعْ دستن الحِفاظَ على هُدوئهِ، إذ بدا وكأنه يُحَدِّقُ في العَيْنِ الأثيرية التي بَدَتْ وكأنها عَيْنُ الفَراغِ ذاتِهِ المُحيطِ بها.
الْتَهَمَ كُلَّ شَيءٍ في طَريقِهِ؛ اللَّوْنُ اختَفَى، الصَّوْتُ اختَفَى، وحتى المفهوم بدا وكأنه يَخْتَفي.
أمالَ نمرود الخالد رأسَ صورَتِهِ الرَّمزيةِ المُقَنَّعَة، واللَّهيبُ الأُرْجُوانيُّ تَحْتَها الْتَوَى مُشَكِّلاً أهِلَّةً سادِيَّة.
السَّماوي بلا قدر، الذي لم يَعُدْ سوى بَقِيَّةٍ وامِضةٍ، على بُعْدِ لَحَظاتٍ من المَحْوِ الكامِل.
تَشَقَّقَ مُحيطُهُ، الْتَوَى، وتَصَدَّعَ إلى مُنْحَنَياتٍ مُسَنَّنَة، وكأنَّ الفَراغَ نَفْسَهُ يُحاوِلُ مَحْوَ مَفْهومِ وُجودِهِ.
الخُيوطُ الأخيرةُ التي تَرْبِطُ وَعْيَ دستن اهْتَزَّتْ بِعُنْفٍ، وتَصَدَّعَ هَيْكَلُهُ إلى شَظايا مُتَلَألِئة، على وشَكِ التَّحَطُّم، وفجأةً…
ثم ضَحِكَ نمرود، ضَحِكَةً ناعِمةً قاسية، “لكن خَيْبَةَ الأَمَلِ لن تَمْنَعَني من الاستِمْتاعِ بلحظةِ مَحْوِكَ من هذا الكون”
ضَحِكَةٌ باردةٌ شيطانيةٌ تَسَلْسَلَتْ خلالَ الواقِع، “أوه؟ ما الخَطْبُ، يا دستن؟”
‘طَقّ…’
لم يُظهِر دستن أيَّ رَدِّ فِعْلٍ على استهزاءِ نمرود الخالد، وقالَ بجُمودٍ، “أَظُنُّ أنَّ هذا كان خَطَئي، أنْ أَظُنَّ أنك ستَتَخَلَّى ببساطةٍ عن حَمَلَتِكَ الصَّليبيَّة، لكن دَعْني أسألُكَ سُؤالاً مُقابلاً…”
♤♤♤
شَيءٌ ما انْكَسَر، لكنه ليس دستن.
ليسَ فحَسْبُ تَوَقَّفَ الضَّوءُ المُنْهارُ، بَلْ تَوَقَّفَ على بُعْدِ شَعْرَة!
اللَّهيبُ الأُرْجُوانيُّ لنمرود الخالد ارْتَعَشَ، وعاصِفَةُ ناموسِ الفَراغِ خَفَتَتْ، وكأنَّ شيئاً غيرَ مَرْئيٍّ قدِ اخْتَرَقَ قَلْبَها.
“لقدِ اسْتَشْعَرْتَهُ، أَلَيْسَ كذلك؟” تَوَقَّفَ نمرود الخالد فجأةً عن الضَّحِك وقالَ ببرودٍ وازدراء.
تابَعَ نمرود الخالد، صَوْتُهُ ناعِمٌ كعِظامٍ مَصْقولة، “إنْ تَهَاوَيْتَ الآن، فسأكونُ… خائِبَ الأَمَلِ عَميقاً.”
بعد ذلك، من داخلِ بَقايا شريط موبيوس المُتَهاوية، هَمَسَ صَوْتٌ هادئ، بارد، قاطِعٌ خلالَ الفَراغ،
“أرَى…”
في تلك اللحظة بالذات، ولأوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ بَدْءِ صِراعِهِما، تَوَقَّفَ نمرود الخالد عن الكلامِ بالألغازِ والتَّهْديد، وتَحَرَّكَ!
♤♤♤
