السرعوف يطارد الزيز
هَيْكَلُ دستن الذي لا يَخْشَى شَيْئاً يَقِفُ داخلَ الفضاءِ الفَوْضَوي؛ أمامَه صار فَراغٌ حالِكُ السَّواد، وبينَهُما وَقَفَ نمرود الخالد الشيطاني.
اتَّقَدَتِ العَيْنُ الفَراغية، وانْدَفَعَت نَبْضَةُ فَناءٍ عَنيفةٌ كَمُسْتَعِرٍ أَعْظَمٍ يَنْهار.
علاوةً على ذلك، وبخلافِ الضَّوءِ المَحدودِ الذي يُنيرُ هَيْكَلَ دستن، بدا أنَّ شَخْصِيَّةَ نمرود الخالد في تزامُنٍ مع الفَراغِ اللامُتناهي خَلْفَهُ، مما جَعَلَ دستن يَبدو صَغيراً إلى حَدٍّ ما.
“هيهيهيهي…” انْفَجَرَ نمرود الخالد في ضَحِكٍ مُبتهِج، وهذه المَرَّةِ لم يَأْتِ صَوْتُهُ من تلك ‘الصُّورةِ الرَّمزية’ فحَسْبُ، بل من الفَراغِ كُلِّهِ.
ومع ذلك، لم يَتَهاوَ طَورُ دستن؛ في الواقع، بدا وكأنه يُصبحُ عَميقاً غائراً كهَاوية، وكأنه يَفُكُّ طَلاسِمَ مَكائدِ نمرود الخالد، في اللحظة التي خَطا فيها الأخير أمامَهُ.
رَمْشَةٌ واحدةٌ للعَيْنِ الفَراغيةِ خَلْفَهُ، ارْتِعادَة من الظَّلامِ المُسْتَحيل، والفضاءُ الفَوْضَويُّ كُلُّهُ الْتَوَى كَرِقٍّ مَبْلولٍ يَنْضَغِطُ تَحْتَ إبْهامِ عِملاقٍ خَفيٍّ.
“قبلَ أن ‘نَفْرِضَ’ ‘النِّظامَ الأعلى’، حَوَّلْتَ وَحشَ زودياك إلى صُورَتِكَ الرَّمزية وتَسَلَّلْتَ إلى السُّهولِ الوُسطى…” تَكَلَّمَ دستن أخيراً بهُدُوءٍ، وبدَتْ نَبرَتُهُ الغاضبةُ المَلِيئَةُ بالشَّكِّ السَّابقةُ كأنها وَهْم.
“أَظُنُّ أنَّ مُفاجَأتي نالَتْ إعجابَك، أنا مَسرورٌ، حَسناً، أَظُنُّ أني لم أُريكَ قَطُّ ما أنا قادِرٌ عليه حَقاً، مما قادَكَ إلى هذه النُّقطة…لا تَدري كَمِ اشتَقْتُ إلى هذه اللحظة…كَمْ صَبَرْتُ…كَمْ…”
لكن نمرود الخالد لم يَبْدُ مُنْدَهِشاً من رُؤيةِ دستن لِخُطَّتِهِ، وفجأةً صَفَّقَ باستهزاء.
لم يُظهِر دستن أيَّ رَدِّ فِعْلٍ على استهزاءِ نمرود الخالد، وقالَ بجُمودٍ، “أَظُنُّ أنَّ هذا كان خَطَئي، أنْ أَظُنَّ أنك ستَتَخَلَّى ببساطةٍ عن حَمَلَتِكَ الصَّليبيَّة، لكن دَعْني أسألُكَ سُؤالاً مُقابلاً…”
الفَضاءُ مِن حولِهِ غَلَى وانْطَوَى داخِلياً، مُشَكِّلاً دَوَّامَةً دائِرةً من الإِنتروبيا المُلْتَهِمَة، رُموزٌ، غريبة، قديمة، هَرْطَقِيَّة، انْفَجَرَت حولَ قَدَمَي صورَتِهِ الرَّمزية، تَتَسَلْسَلُ كأَفاعٍ من العَدَم.
“هيهيهي…كما يُتوقَّعُ مِن أَكْبَرِ مُزعِجٍ في سُهولِ زودياك.” صَرَّحَ نمرود الخالد بسُخريةٍ دونَ أيِّ أَثَرٍ للدَّهشةِ أو الخوف، “لكن ماذا تَتَوَقَّعُ، هاه؟ أَتَظُنُّ أنَّكُمُ ايه المنافقون وَحدَكُم مَن يَسْتَطيعونَ كَسْرَ أو لَيَّ القَواعِدِ لِصالِحِكُم؟”
ليسَ فحَسْبُ تَوَقَّفَ الضَّوءُ المُنْهارُ، بَلْ تَوَقَّفَ على بُعْدِ شَعْرَة!
لم يُظهِر دستن أيَّ رَدِّ فِعْلٍ على استهزاءِ نمرود الخالد، وقالَ بجُمودٍ، “أَظُنُّ أنَّ هذا كان خَطَئي، أنْ أَظُنَّ أنك ستَتَخَلَّى ببساطةٍ عن حَمَلَتِكَ الصَّليبيَّة، لكن دَعْني أسألُكَ سُؤالاً مُقابلاً…”
تَحَوَّلَ صَوْتُهُ لِيَكون حادّاً ومُهَدِّداً بعضَ الشَّيء، “…كَمْ ضَحَّيْتَ لِتَصنعَ صورةً رَمزيةً تافِهة؟ إن لم أَكُنْ مُخطئاً، فلا بُدَّ أن جَسَدَكَ الرَّئيسي يُواجِهُ الآن مَشاكِلَ جَمَّةً، أَلَيْسَ كذلك؟ أَتَراني إذا أَمَرتُ الجميعَ بمُهاجَمَةِ وَكْرِكَ الآن، كَيْفَ سَيَكونُ المَشهَد…”
بعد ذلك، من داخلِ بَقايا شريط موبيوس المُتَهاوية، هَمَسَ صَوْتٌ هادئ، بارد، قاطِعٌ خلالَ الفَراغ،
رَدّاً على استفزازِ دستن، لم يَبْدُ نمرود الخالد مُنْزَعِجاً قَط، وهذا لم يَخْفَ على الأول، مما أَثارَ شُعوراً بالشُّؤم.
“هيهيهي، إنني مُتَأَثِّرٌ لا تُطاوِقُهُ الكَلِماتُ لأنَّكَ قَلِقٌ عَلَيَّ هكذا، لكن…” تَحَوَّلَت نَبرةُ نمرود الخالد لِتُصبح مُرعِبةً ومُخيفة، “…ماذا لو عَلِمَ أحدٌ من حَلْقَتِكَ الصَّغيرة أنَّكَ لم تُساعِدْني فحسْبُ في الإمساكِ بالمَلْعُون، بل سَلَّمْتَهُ إليَّ على طَبَقٍ من ذَهَب؟”
هَبَطَ ضَغْطٌ هائل، وهذا الضَّغْطُ لم يَعُدْ في حُدودِ السُّهولِ الوُسطى…لم يَعُدْ في مَجالِ القَواعِدِ المَكْسورة…لم يَعُدْ في ساحَةِ المَعْرَكةِ المَنحوتةِ بالقُيودِ والمَحْظورات.
“أوه، وأيضاً، كَيْفَ سَتَكونُ رُدودُ فِعْلِهم عندما يُدركون أنَّ ‘عَبْدَكَ’ الأقوى قد وَقَعَ في يَدي؟ وخاصةً بعد أن أَهْدَرْتَ سِتَّةً مِن ‘محكمي الأبراج’ في المَرَّةِ السَّابقة وما زِلْتَ تَفْشَلُ في إبعادي عن المَلْعُون”
“أَلَنْ يَجْعَلُكَ ذلك ضَعيفاً، ويَمْلأُ الكائِناتِ اللامُتناهيةَ التي قَمَعْتَها في إثْرِكَ بالشُّعورِ بالإثارةِ والأفكارِ الغريبة؟”
لم يُظهِر دستن أيَّ رَدِّ فِعْلٍ مُبالَغٍ فيه لاستفزازِ نمرود الخالد، وازْدَرَى بجُمودٍ، “وَقَعَ في يَدِكَ؟ أَظُنُّكَ مُخْطئاً، لستُ سآخُذُ المَلْعُونَ معي اليومَ فحَسْبُ، بل سأزورُكَ قَريباً جِداً شخصياً لأُظْهِرَ لكَ ‘امتناني’ الخالِصَ لما حَدَثَ اليومَ”
“أَظَنَّني سَمِعْتُكَ تَقولُ ‘سآخُذُ’؟ هيهيهيهي…” سَخِرَ نمرود الخالد، والفَراغُ ليس ببعيدٍ عنهُ بدا وكأنه اضْطَرَبَ وكأنَّ شيئاً كان يَزْحَفُ هناك، وبدأ الفضاءُ الفَوْضَويُّ يَثْقُلُ بينما تَسَرَّبَ إليه ضَغْطٌ غريب.
علاوةً على ذلك، وبخلافِ الضَّوءِ المَحدودِ الذي يُنيرُ هَيْكَلَ دستن، بدا أنَّ شَخْصِيَّةَ نمرود الخالد في تزامُنٍ مع الفَراغِ اللامُتناهي خَلْفَهُ، مما جَعَلَ دستن يَبدو صَغيراً إلى حَدٍّ ما.
وكأنَّه استَشْعَرَ شيئاً، تَلَأْلَأَ هَيْكَلُ دستن وبدأت هالةٌ صوفيةٌ تُغَلِّفُ صورَتَهُ الأثيرية.
الْتَهَمَ كُلَّ شَيءٍ في طَريقِهِ؛ اللَّوْنُ اختَفَى، الصَّوْتُ اختَفَى، وحتى المفهوم بدا وكأنه يَخْتَفي.
“لقدِ اسْتَشْعَرْتَهُ، أَلَيْسَ كذلك؟” تَوَقَّفَ نمرود الخالد فجأةً عن الضَّحِك وقالَ ببرودٍ وازدراء.
هذا الضَّغْطُ يَعودُ لِـ’الفَراغِ الأوَّلي’، حيثُ تَذوبُ القَوانينُ قَبلَ أنْ تَتَشَكَّل.
قبل أن يَتمكَّنَ دستن من الرَّدِّ، كان قد وَصَلَ حضورٌ مُخيفٌ قاهِرٌ وراءَ الفَراغ، وفي اللحظة التالية، بَزَغَتْ داخِلَهُ عَيْنٌ مُتَلَألِئةٌ أُرْجُوانيةٌ غامِقة.
العَيْنُ خاليةً من العاطفةِ أو الزَّمَن، وكأنها تَعكِسُ الفَراغَ نَفْسَهُ، وخُبْثُها مَلْمُوساً؛ حتى الفضاءُ بدا وكأنه اندَمَجَ مع الفَراغِ في اللحظة التي كَشَفَتِ العَيْنُ عن نَفْسِها، وبدأ هَيْكَلُ نمرود الخالد يَبُثُّ قُوَّةً عَميقةً مُرعِبة.
رَمْشَةٌ واحدةٌ للعَيْنِ الفَراغيةِ خَلْفَهُ، ارْتِعادَة من الظَّلامِ المُسْتَحيل، والفضاءُ الفَوْضَويُّ كُلُّهُ الْتَوَى كَرِقٍّ مَبْلولٍ يَنْضَغِطُ تَحْتَ إبْهامِ عِملاقٍ خَفيٍّ.
“جَسَدُكَ الحَقيقيُّ هنا؟!” أخيراً لم يَستَطِعْ دستن الحِفاظَ على هُدوئهِ، إذ بدا وكأنه يُحَدِّقُ في العَيْنِ الأثيرية التي بَدَتْ وكأنها عَيْنُ الفَراغِ ذاتِهِ المُحيطِ بها.
“هيهيهيهي…” انْفَجَرَ نمرود الخالد في ضَحِكٍ مُبتهِج، وهذه المَرَّةِ لم يَأْتِ صَوْتُهُ من تلك ‘الصُّورةِ الرَّمزية’ فحَسْبُ، بل من الفَراغِ كُلِّهِ.
“أَظُنُّ أنَّ مُفاجَأتي نالَتْ إعجابَك، أنا مَسرورٌ، حَسناً، أَظُنُّ أني لم أُريكَ قَطُّ ما أنا قادِرٌ عليه حَقاً، مما قادَكَ إلى هذه النُّقطة…لا تَدري كَمِ اشتَقْتُ إلى هذه اللحظة…كَمْ صَبَرْتُ…كَمْ…”
صار صَوْتُ نمرود الخالد مَلِيئاً بالتَّقَلُّباتِ كشخصٍ كانَ يَنتَظِرُ هذه الفُرصةَ، هذه اللحظةَ بالذات، لِعُصورٍ، والآنَ بعد أنْ بَلَغَ هذه النُّقطة، لم يعُدْ يَهْتَمُّ، لأنها النُّقطةُ التي سَيَتَغَلَّبُ فيها أخيراً على كُلِّ شَيءٍ ويُحَقِّقُ هَدَفَهُ!
“أَظُنُّ أنَّ مُفاجَأتي نالَتْ إعجابَك، أنا مَسرورٌ، حَسناً، أَظُنُّ أني لم أُريكَ قَطُّ ما أنا قادِرٌ عليه حَقاً، مما قادَكَ إلى هذه النُّقطة…لا تَدري كَمِ اشتَقْتُ إلى هذه اللحظة…كَمْ صَبَرْتُ…كَمْ…”
خَلْفَهُ، طَرَفَتِ العَيْنُ الفَراغية، فَتَصَدَّعَ الفضاءُ كالزُّجاجِ الهَشِّ.
في تلك اللحظة بالذات، ولأوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ بَدْءِ صِراعِهِما، تَوَقَّفَ نمرود الخالد عن الكلامِ بالألغازِ والتَّهْديد، وتَحَرَّكَ!
رَمْشَةٌ واحدةٌ للعَيْنِ الفَراغيةِ خَلْفَهُ، ارْتِعادَة من الظَّلامِ المُسْتَحيل، والفضاءُ الفَوْضَويُّ كُلُّهُ الْتَوَى كَرِقٍّ مَبْلولٍ يَنْضَغِطُ تَحْتَ إبْهامِ عِملاقٍ خَفيٍّ.
هَبَطَ ضَغْطٌ هائل، وهذا الضَّغْطُ لم يَعُدْ في حُدودِ السُّهولِ الوُسطى…لم يَعُدْ في مَجالِ القَواعِدِ المَكْسورة…لم يَعُدْ في ساحَةِ المَعْرَكةِ المَنحوتةِ بالقُيودِ والمَحْظورات.
في اللحظة التالية، ضَرَبَ، فانْدَلَعَ سَيْلٌ جارِفٌ من ناموسِ الفَراغِ كمَوْجَةِ مَدٍّ عاتِيَةٍ من مَجَرَّاتٍ تَحْتَضِر.
هذا الضَّغْطُ يَعودُ لِـ’الفَراغِ الأوَّلي’، حيثُ تَذوبُ القَوانينُ قَبلَ أنْ تَتَشَكَّل.
بعد ذلك، من داخلِ بَقايا شريط موبيوس المُتَهاوية، هَمَسَ صَوْتٌ هادئ، بارد، قاطِعٌ خلالَ الفَراغ،
الوميضُ الأثيريُّ الذي كانَ يُشَكِّلُ هَيْكَلَ دستن انْحَنَى…
“والآن… سآخُذُ ما هو لي، عَبْدُكَ الثَّمين… والمَلْعُون” تَعَمَّقَ صَوْتُهُ، قاطِراً بالحِقْد، “إنِ اسْتَطَعْتَ، فَأْتِني بجَسَدِكَ الحَقيقي.”
‘فزززت…’
♤♤♤
“هيهيهي…كما يُتوقَّعُ مِن أَكْبَرِ مُزعِجٍ في سُهولِ زودياك.” صَرَّحَ نمرود الخالد بسُخريةٍ دونَ أيِّ أَثَرٍ للدَّهشةِ أو الخوف، “لكن ماذا تَتَوَقَّعُ، هاه؟ أَتَظُنُّ أنَّكُمُ ايه المنافقون وَحدَكُم مَن يَسْتَطيعونَ كَسْرَ أو لَيَّ القَواعِدِ لِصالِحِكُم؟”
تَشَقَّقَ مُحيطُهُ، الْتَوَى، وتَصَدَّعَ إلى مُنْحَنَياتٍ مُسَنَّنَة، وكأنَّ الفَراغَ نَفْسَهُ يُحاوِلُ مَحْوَ مَفْهومِ وُجودِهِ.
خَلْفَهُ، طَرَفَتِ العَيْنُ الفَراغية، فَتَصَدَّعَ الفضاءُ كالزُّجاجِ الهَشِّ.
“أوه، وأيضاً، كَيْفَ سَتَكونُ رُدودُ فِعْلِهم عندما يُدركون أنَّ ‘عَبْدَكَ’ الأقوى قد وَقَعَ في يَدي؟ وخاصةً بعد أن أَهْدَرْتَ سِتَّةً مِن ‘محكمي الأبراج’ في المَرَّةِ السَّابقة وما زِلْتَ تَفْشَلُ في إبعادي عن المَلْعُون”
ضَحِكَةٌ باردةٌ شيطانيةٌ تَسَلْسَلَتْ خلالَ الواقِع، “أوه؟ ما الخَطْبُ، يا دستن؟”
ثم ضَحِكَ نمرود، ضَحِكَةً ناعِمةً قاسية، “لكن خَيْبَةَ الأَمَلِ لن تَمْنَعَني من الاستِمْتاعِ بلحظةِ مَحْوِكَ من هذا الكون”
أمالَ نمرود الخالد رأسَ صورَتِهِ الرَّمزيةِ المُقَنَّعَة، واللَّهيبُ الأُرْجُوانيُّ تَحْتَها الْتَوَى مُشَكِّلاً أهِلَّةً سادِيَّة.
رَدّاً على استفزازِ دستن، لم يَبْدُ نمرود الخالد مُنْزَعِجاً قَط، وهذا لم يَخْفَ على الأول، مما أَثارَ شُعوراً بالشُّؤم.
“لا تَقُلْ لي إنَّ طَعْمَ الهَزيمةِ قد كَسَرَ إرادَتَكَ بالفعل؟”
خَلْفَهُ، طَرَفَتِ العَيْنُ الفَراغية، فَتَصَدَّعَ الفضاءُ كالزُّجاجِ الهَشِّ.
‘فزززت…’
تَلَأْلَأَ هَيْكَلُ دستن مَرَّةً… مَرَّتَيْن…كُلُّ ارْتِعادَةٍ تَسْتَزِفُ المَزيدَ من الضَّوءِ من صورَتِهِ المُنارَةِ بشريط موبيوس.
تابَعَ نمرود الخالد، صَوْتُهُ ناعِمٌ كعِظامٍ مَصْقولة، “إنْ تَهَاوَيْتَ الآن، فسأكونُ… خائِبَ الأَمَلِ عَميقاً.”
هذا الضَّغْطُ يَعودُ لِـ’الفَراغِ الأوَّلي’، حيثُ تَذوبُ القَوانينُ قَبلَ أنْ تَتَشَكَّل.
“لا تَقُلْ لي إنَّ طَعْمَ الهَزيمةِ قد كَسَرَ إرادَتَكَ بالفعل؟”
الفَضاءُ مِن حولِهِ غَلَى وانْطَوَى داخِلياً، مُشَكِّلاً دَوَّامَةً دائِرةً من الإِنتروبيا المُلْتَهِمَة، رُموزٌ، غريبة، قديمة، هَرْطَقِيَّة، انْفَجَرَت حولَ قَدَمَي صورَتِهِ الرَّمزية، تَتَسَلْسَلُ كأَفاعٍ من العَدَم.
“أوه، وأيضاً، كَيْفَ سَتَكونُ رُدودُ فِعْلِهم عندما يُدركون أنَّ ‘عَبْدَكَ’ الأقوى قد وَقَعَ في يَدي؟ وخاصةً بعد أن أَهْدَرْتَ سِتَّةً مِن ‘محكمي الأبراج’ في المَرَّةِ السَّابقة وما زِلْتَ تَفْشَلُ في إبعادي عن المَلْعُون”
‘فزززت…’
ثم ضَحِكَ نمرود، ضَحِكَةً ناعِمةً قاسية، “لكن خَيْبَةَ الأَمَلِ لن تَمْنَعَني من الاستِمْتاعِ بلحظةِ مَحْوِكَ من هذا الكون”
في اللحظة التالية، ضَرَبَ، فانْدَلَعَ سَيْلٌ جارِفٌ من ناموسِ الفَراغِ كمَوْجَةِ مَدٍّ عاتِيَةٍ من مَجَرَّاتٍ تَحْتَضِر.
اتَّقَدَتِ العَيْنُ الفَراغية، وانْدَفَعَت نَبْضَةُ فَناءٍ عَنيفةٌ كَمُسْتَعِرٍ أَعْظَمٍ يَنْهار.
ومع ذلك، لم يَتَهاوَ طَورُ دستن؛ في الواقع، بدا وكأنه يُصبحُ عَميقاً غائراً كهَاوية، وكأنه يَفُكُّ طَلاسِمَ مَكائدِ نمرود الخالد، في اللحظة التي خَطا فيها الأخير أمامَهُ.
“والآن… سآخُذُ ما هو لي، عَبْدُكَ الثَّمين… والمَلْعُون” تَعَمَّقَ صَوْتُهُ، قاطِراً بالحِقْد، “إنِ اسْتَطَعْتَ، فَأْتِني بجَسَدِكَ الحَقيقي.”
في اللحظة التالية، ضَرَبَ، فانْدَلَعَ سَيْلٌ جارِفٌ من ناموسِ الفَراغِ كمَوْجَةِ مَدٍّ عاتِيَةٍ من مَجَرَّاتٍ تَحْتَضِر.
‘فزززت…’
لم يَكُنْ شُعاعاً، ولا يُشْبِهُ ضَرْبَةً، ولا تَعْوِيذَة، بل أَمْراً بالمَحْوِ، الإرادةَ الخالِصةَ غَيْرَ المُصَفَّاةِ للفَراغِ نَفْسِه!
خَلْفَهُ، طَرَفَتِ العَيْنُ الفَراغية، فَتَصَدَّعَ الفضاءُ كالزُّجاجِ الهَشِّ.
“جَسَدُكَ الحَقيقيُّ هنا؟!” أخيراً لم يَستَطِعْ دستن الحِفاظَ على هُدوئهِ، إذ بدا وكأنه يُحَدِّقُ في العَيْنِ الأثيرية التي بَدَتْ وكأنها عَيْنُ الفَراغِ ذاتِهِ المُحيطِ بها.
الْتَهَمَ كُلَّ شَيءٍ في طَريقِهِ؛ اللَّوْنُ اختَفَى، الصَّوْتُ اختَفَى، وحتى المفهوم بدا وكأنه يَخْتَفي.
السَّماوي بلا قدر، الذي لم يَعُدْ سوى بَقِيَّةٍ وامِضةٍ، على بُعْدِ لَحَظاتٍ من المَحْوِ الكامِل.
الخُيوطُ الأخيرةُ التي تَرْبِطُ وَعْيَ دستن اهْتَزَّتْ بِعُنْفٍ، وتَصَدَّعَ هَيْكَلُهُ إلى شَظايا مُتَلَألِئة، على وشَكِ التَّحَطُّم، وفجأةً…
‘طَقّ…’
“هيهيهي…كما يُتوقَّعُ مِن أَكْبَرِ مُزعِجٍ في سُهولِ زودياك.” صَرَّحَ نمرود الخالد بسُخريةٍ دونَ أيِّ أَثَرٍ للدَّهشةِ أو الخوف، “لكن ماذا تَتَوَقَّعُ، هاه؟ أَتَظُنُّ أنَّكُمُ ايه المنافقون وَحدَكُم مَن يَسْتَطيعونَ كَسْرَ أو لَيَّ القَواعِدِ لِصالِحِكُم؟”
شَيءٌ ما انْكَسَر، لكنه ليس دستن.
صار صَوْتُ نمرود الخالد مَلِيئاً بالتَّقَلُّباتِ كشخصٍ كانَ يَنتَظِرُ هذه الفُرصةَ، هذه اللحظةَ بالذات، لِعُصورٍ، والآنَ بعد أنْ بَلَغَ هذه النُّقطة، لم يعُدْ يَهْتَمُّ، لأنها النُّقطةُ التي سَيَتَغَلَّبُ فيها أخيراً على كُلِّ شَيءٍ ويُحَقِّقُ هَدَفَهُ!
ليسَ فحَسْبُ تَوَقَّفَ الضَّوءُ المُنْهارُ، بَلْ تَوَقَّفَ على بُعْدِ شَعْرَة!
خَلْفَهُ، طَرَفَتِ العَيْنُ الفَراغية، فَتَصَدَّعَ الفضاءُ كالزُّجاجِ الهَشِّ.
اللَّهيبُ الأُرْجُوانيُّ لنمرود الخالد ارْتَعَشَ، وعاصِفَةُ ناموسِ الفَراغِ خَفَتَتْ، وكأنَّ شيئاً غيرَ مَرْئيٍّ قدِ اخْتَرَقَ قَلْبَها.
صار صَوْتُ نمرود الخالد مَلِيئاً بالتَّقَلُّباتِ كشخصٍ كانَ يَنتَظِرُ هذه الفُرصةَ، هذه اللحظةَ بالذات، لِعُصورٍ، والآنَ بعد أنْ بَلَغَ هذه النُّقطة، لم يعُدْ يَهْتَمُّ، لأنها النُّقطةُ التي سَيَتَغَلَّبُ فيها أخيراً على كُلِّ شَيءٍ ويُحَقِّقُ هَدَفَهُ!
تَحَوَّلَ صَوْتُهُ لِيَكون حادّاً ومُهَدِّداً بعضَ الشَّيء، “…كَمْ ضَحَّيْتَ لِتَصنعَ صورةً رَمزيةً تافِهة؟ إن لم أَكُنْ مُخطئاً، فلا بُدَّ أن جَسَدَكَ الرَّئيسي يُواجِهُ الآن مَشاكِلَ جَمَّةً، أَلَيْسَ كذلك؟ أَتَراني إذا أَمَرتُ الجميعَ بمُهاجَمَةِ وَكْرِكَ الآن، كَيْفَ سَيَكونُ المَشهَد…”
بعد ذلك، من داخلِ بَقايا شريط موبيوس المُتَهاوية، هَمَسَ صَوْتٌ هادئ، بارد، قاطِعٌ خلالَ الفَراغ،
السَّماوي بلا قدر، الذي لم يَعُدْ سوى بَقِيَّةٍ وامِضةٍ، على بُعْدِ لَحَظاتٍ من المَحْوِ الكامِل.
“أرَى…”
العَيْنُ خاليةً من العاطفةِ أو الزَّمَن، وكأنها تَعكِسُ الفَراغَ نَفْسَهُ، وخُبْثُها مَلْمُوساً؛ حتى الفضاءُ بدا وكأنه اندَمَجَ مع الفَراغِ في اللحظة التي كَشَفَتِ العَيْنُ عن نَفْسِها، وبدأ هَيْكَلُ نمرود الخالد يَبُثُّ قُوَّةً عَميقةً مُرعِبة.
ليسَ فحَسْبُ تَوَقَّفَ الضَّوءُ المُنْهارُ، بَلْ تَوَقَّفَ على بُعْدِ شَعْرَة!
صار صَوْتُ نمرود الخالد مَلِيئاً بالتَّقَلُّباتِ كشخصٍ كانَ يَنتَظِرُ هذه الفُرصةَ، هذه اللحظةَ بالذات، لِعُصورٍ، والآنَ بعد أنْ بَلَغَ هذه النُّقطة، لم يعُدْ يَهْتَمُّ، لأنها النُّقطةُ التي سَيَتَغَلَّبُ فيها أخيراً على كُلِّ شَيءٍ ويُحَقِّقُ هَدَفَهُ!
♤♤♤
لم يُظهِر دستن أيَّ رَدِّ فِعْلٍ مُبالَغٍ فيه لاستفزازِ نمرود الخالد، وازْدَرَى بجُمودٍ، “وَقَعَ في يَدِكَ؟ أَظُنُّكَ مُخْطئاً، لستُ سآخُذُ المَلْعُونَ معي اليومَ فحَسْبُ، بل سأزورُكَ قَريباً جِداً شخصياً لأُظْهِرَ لكَ ‘امتناني’ الخالِصَ لما حَدَثَ اليومَ”
