الفصل 44: التلصّص من الغامض
بعد حادثة الكمين في المبنى الأنبوب، توقّفت حرب النفوذ في شارع غرين مؤقتًا.
فلم تكتفِ “أخوية البخار” بالاعتراف بالهزيمة وتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار، بل إنّ “الشيطان الأحمر” غورون أصبح أحد كوادر “جمعية الوتد”، وتولى مسؤولية حماية عدة فرق صغيرة قرب شارع غرين. وبوجود متخصص من الطبقة الثانية بهذه القوة، أصبحت كلفة شن هجوم آخر باهظة جدًا.
أما عن “المنجل”، فإن المعلومات التي تركتها شظايا ذاكرة الوحش تختلف عن ذاكرة البشر؛ كانت مبهمة ومبسطة، ولا تحمل تصورًا مكانيًا دقيقًا للأعلى والأسفل واليمين واليسار، بل مجرد فكرة الانعطاف عند التقاطعات. ولهذا، عرف سوين كيف يصل إليه من خلال المدخل الأرضي، لكنه لم يعرف موقعه الدقيق.
وهذا يعني أنه إن أراد العثور عليه، فلا مفر من النزول مجددًا إلى باطن المبنى الأنبوب.
لكن قبل أن يستعيد قدرته على الدفاع عن نفسه، لم يكن غبيًا بما يكفي ليغامر بالنزول ثانية.
ولهذا، أصبح هدفه الآن العثور سريعًا على تسلّح خيميائيّ مناسب.
وكان ينوي تجربة حظه في السوق السوداء، لعلّه يجد مخطوطة متقدّمة للبيع.
فما لم يضطر إلى ذلك، لم يرغب في استبدال المخطوطة الفضية لـ”جناح الألف قتل” بمخطوطة من مقر النقابة.
فإن فعل ذلك، سيفضح أن جسده يملك قدرة احتواء مرتفعة، مما قد يلفت أنظار ذوي النوايا السيئة.
جميع الناس يعرفون أن القيمة العالية للاحتواء تعني—إلا في حالات خاصة—جودة أعلى لتقنية التنفّس.
وتقنيات التنفس عالية الجودة تكون في الغالب بحوزة كبار المموّلين في المدينة الداخلية، أو حتى حكرًا على بعض العائلات البارزة.
وسوين ازداد اقتناعًا بأن “تقنية تنفّس هايغم” التي تعلمها صاحب الجسد الأصلي كانت ذات جودة عالية للغاية، ولا ينبغي أن يبوح بها لأي أحد.
لذا، قرر أن يظل بعيدًا عن الأنظار في الوقت الحالي.
…….
يقام مزاد “زقاق الظل” في السوق السوداء مرة كل شهر، في موعد غير منتظم.
وأثناء المزاد، يتجمّع الصيادون والمرتزقة واللصوص المتخصصون لبيع بضائعهم، كما يعرض أصحاب المتاجر في السوق السوداء ما لديهم من مقتنيات ثمينة حصلوا عليها من مصادر متنوعة، ولهذا تتوفّر في المزاد الكثير من الكنوز النفيسة.
وفي أحد الأيام، تلقّى سوين نسخة جديدة من صحيفة “أخبار لينغدون القديمة” في النُزل.
وفي ركن غير لافت للنظر، لمح خبرًا صغيرًا:
> [إعلان توظيف: مصنع غرينهام للطباعة يطلب 12 عاملًا، راتب شهري 2180 لي، ورديات نهارية وليلية…]
يُقال إن مصادر الشفرات السرّية التي تحصل عليها كل جهة مختلفة، وليست مجرد نفس الرسالة في الجريدة. وإذا وقعت أي مشكلة، يمكن للمنظمين خلف السوق السوداء تتبّع مصدر الشيفرة لمعرفة الجهة التي تسرّبت منها.
ويجدر بالذكر أنّ “علم التشفير” يُعد مهارة أساسية للمبتدئين في الخيمياء.
والشيفرات في الصحف ليست سوى أبسط تطبيقاتها.
في العصر السابق (قبل ألف عام) حين كانت الخيمياء في أوج ازدهارها، ومنعًا من سرقة نتائج أبحاثهم أو كشف أسرار اكتشافاتهم المذهلة، اعتاد الخيميائيّون تقسيم معارفهم إلى أجزاء صغيرة، وتوزيعها في أماكن متفرقة.
ولهذا، تحتوي معظم المخطوطات الخيميائية القديمة التي وصلت إلى يومنا هذا على رسائل خفية لا بد من فكّ شيفرتها لفهم مضمونها. وكان الهدف من ذلك أن لا يصل إلى المعرفة إلا من يستحقّها حقًا.
ومن هنا جاءت مقولة “كتاب يفتح كتابًا”، التي تكرّرت كثيرًا على لسان السير إسحاق، الملقّب بـ”نصف ملك الخيمياء”، حتى أصبحت شعارًا تتوارثه أجيال الخيميائيّين من بعده.
…
طلب سوين إجازة ليوم واحد من كاي، قائلًا إنه ينوي زيارة السوق السوداء.
ونظرًا للتجربة التي جمعتهما في مبنى الأنبوب، فقد باتت علاقته بكاي مميزة، لذا لم تواجهه صعوبة في الحصول على الإذن.
كان يخطط لتجربة حظه في المزاد، علّه يعثر على مخطط مناسب لتسلّح خيميائي، أو يتمكن من استبدال بندقية الرون القديمة بأخرى.
ففي النهاية، صارت شهرة “الشبح الثلاثي” مرتفعة جدًا، وكل من في العصابة بات يعلم أنها السلاح المميز للمغتال “الرأس الحديدي” إيفان.
استقلّ الترام إلى تقاطع شارع بيرد في المدينة الشمالية، ووصل إلى هناك قبل الموعد بساعتين.
وبعد مراقبة المكان والتأكد من عدم وجود حركات مريبة، شق طريقه نحو “زقاق الظل”.
وُضعت هناك بوابة حديدية بسبب المزاد المقام تلك الليلة.
خلف البوابة نافذة صغيرة، وكان الجابي رجلًا مفتول العضلات ومغطّى بالوشوم.
على كل من يرغب بالدخول أن يقدّم رمز الدعوة ويدفع رسوم دخول قدرها ٥٠٠٠ لي.
شعر سوين بوخز في قلبه لإنفاقه هذا المبلغ من غير ضمان أن يشتري شيئًا، لكنه يعلم أن الهدف من ذلك هو منع الفضوليين الذين يأتون لمجرد الفرجة.
لم تكن هذه الزيارة الأولى لسوين إلى السوق السوداء، وكان يعرف الطريق جيدًا.
لكن بالفعل، كان هناك عدد أكبر من المعتاد، معظمهم يرتدي معاطف طويلة وقبعات من نوع “منقار البط” أو أقنعة مقنعة لإخفاء ملامحهم، يبدون جميعًا غامضين.
كان سوين يرتدي قبعة “دييرستوكر”، واندمج مع الحشد من دون أن يلفت الأنظار.
لم يكن للمزاد مكان مخصص، بل يشبه “سوق الجمعة” في الأزمنة السابقة، حيث يجلس كل شخص في مكان ما منتظرًا انطلاق المزاد.
وبما أن الوقت لا يزال مبكرًا، بدأ سوين يتجول في الشوارع الضيقة المبنية من هياكل فولاذية. لاحظ أن إعلان “المفقود” الخاص بصاحب الجسد لا يزال معلقًا على لوحة الإعلانات.
لكن اليوم، عُلّقت بجانبه ورقة حمراء جديدة في أكثر موقع بارز.
“تقديم معلومة، والحصول على مكافأة قدرها مليون لي؟”
أثار الأمر فضوله، فتوقف لحظة يتفحص التفاصيل.
الصورة بالأبيض والأسود تظهر امرأة ذات ملامح دقيقة وهيئة احترافية، تشبه الموظفات في المكاتب. وكان واضحًا من مظهرها أنها ليست من عامة سكان المدينة الخارجية، بل تنتمي إلى المدينة الداخلية.
“هذه مكافأة تعادل مكافأة مجرم من الفئة S… ما الذي فعلته هذه المرأة لتُلاحق بهذا الشكل؟”
تساءل سوين في نفسه، لكنه لم يطل الوقوف.
رغم أن المليون مغرية، فإن المكافآت الكبيرة تعني دائمًا مخاطر أكبر. ومع مكافأة تعادل فئة S، لم يكن يرغب أبدًا في أن يتحول إلى صائد جوائز، حتى لو صادف الهدف بالصدفة.
ترك لوحة الإعلانات، وفي تلك اللحظة، مرّ بجانب شخصين يرتديان معاطف سوداء طويلة.
ومن خلال هيئتهما، بدا أنهما رجل وامرأة.
وبمجرد أن مرّ سوين، التفت الرجل قليلاً نحو رفيقته وتمتم، “همم… أشعر أنني رأيت هذا الرجل من قبل. رغم أن وجهه مغطّى، إلا أنني متأكد أنني رأيته.”
ردّت المرأة بلا مبالاة، “نصف الموجودين في السوق السوداء إما مطلوبون أو لهم سوابق مع منظمات. من الطبيعي أن يبدو مألوفًا. لكن هذه ليست منطقتنا، ومن الأفضل ألّا نتدخل.”
أبعد الرجل نظره، ولم يفكّر بالأمر كثيرًا، “همم!”
…
في هذه الأثناء، واصل سوين سيره متظاهرًا بعدم سماع شيء، بينما انعكس على وجهه تعبير جدي، وتمتم في نفسه، “هل لاحظاني…؟”
حين مرّ بجانبهما، شعر بضغوط خفية لا يخطئها الإحساس، وكانت أشبه بضغوط طبقية لا يشعر بها إلا من وقف أمام متخصصين رفيعي الرتبة.
وقد ساعدته قدرته الذهنية العالية على تمييز الأمور الدقيقة، مثل نظرات الآخرين.
كان متأكدًا أن الرجل قد نظر إليه بطرف عينه.
“لا بد أنه تعرّف على شيء باستخدام قدرة كشف خاصة، أو ربما فقط شعر بالريبة…”
لم يظن أن مظهره الأصلع الخالي من الحاجبين ما زال يشبه صاحب الجسد كثيرًا، لكن في عالم تملؤه القدرات الخارقة، من الطبيعي أن الناس لا يعتمدون فقط على أبصارهم.
استنفر داخليًا، لكنه بعد لحظات شعر بأن الإحساس بالمراقبة قد اختفى، فتنفّس الصعداء.
يبدو أنه مجرد فضول عابر.
لم يتوقف على الطريق، بل لمح لافتة “متجر روزن للخيمياء” على جانب الشارع، ثم دخل مباشرة.
————————
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
