شخصان يبدآن في نَفسِ الطريق ، ويصبحان بعيدين تدريجيًا
الفصل 9 – شخصان ينطلقان في الدرب عينه، ويبتعدان تدريجيًا
تساءلت العمة في حيرة: “لكن هذا الفتى داهية حذر، فكيف يقع في خطيئة؟”
صبغت حمرة الغروب أفق الشرق.
احتلت الأم شين أرفع مكانة بين خدم العم والعمة، تشرف على سائر جواري المنزل وغلمانه، وتضطلع بمهام التدبير بكفاءة تامة. وابنتها الفتاة شين كوي هي التي تتولى خدمة فانغ يوان.
لم تزل السماء مضيئة، غير أن مسحة رمادية خيمت على كل شيء. ومَن رمى ببصره عبر النافذة، رأى الجبال البعيدة تغرق شيئًا فشيئًا في سواد داكن.
حار فانغ تشنغ في أمره، وتغيرت ملامح العم قليلًا، بينما اكفهر وجه العمة.
خبا النور في غرفة المعيشة. جلس العم والعمة في صدر المجلس، وقد غمرت الظلال وجهيهما، حتى استعصى تبيّن ملامحهما.
تناول فانغ يوان كيسه في صمت.
وحين رأى العم “غو يوي دونغ تو” جرّتي الخمر في يد فانغ يوان، عقد حاجبيه حتى تقاربا، ثم بادر بالقول: “في طرفة عين، بلغتما الخامسة عشرة من العمر. وبما أنكما حزتما موهبة أسياد الغو، ولا سيما فانغ تشنغ، فقد امتلأت قلوبنا أنا وعمتك فخرًا بكما. سأعطي كلًا منكما ست قطع من الأحجار البدائية فخذاها؛ إذ يستهلك صقل الغو قدرًا وافرًا من الجوهر البدائي، ولا غنى لكما عن هذه الأحجار.”
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
ومع تمام كلماته، تقدم بعض الخدم وناولوا كلًا من فانغ يوان وفانغ تشنغ كيسًا صغيرًا.
غابت الشمس وراء التلال، وازدادت الغرفة حلكة. وبعد هنيهة، انبعث من جوف الظلام صوت العم الجليدي: “يبدو أن هذا الصعلوك فانغ يوان قد فطن لمكيدتنا.”
تناول فانغ يوان كيسه في صمت.
ذُهل فانغ تشنغ للحظة، لكن وجهه سرعان ما تهلل بابتسامة غامرة، وقال: “في الحقيقة، منذ فارق والداي الحياة، وأنا أتوق إلى أسرة تأويني. وأن نصبح أسرة واحدة مع العم والعمة، فهذا فضل يفوق ما تمنيت!”
أما فانغ تشنغ، فبادر بفتح كيسه فورًا، ليرى ست قطع من الأحجار البدائية بيضاوية الشكل، ضاربة إلى بياض رمادي. أشرقت أساريره بالعرفان على الفور، ونهض من مقعده ملتفتًا نحوهما: “شكرًا لكما يا عمي وعمتي! ابن أخيكما في أمسّ الحاجة إلى الأحجار البدائية لتعويض جوهره البدائي. لقد ربيتماني حتى بلغت هذا اليوم، وهذا الجميل محفور في أعماق قلبي، ولن أنساه أبد الدهر!”
فقاطعهما العم قائلًا: “تباحثت في هذا الأمر مع عمتك، وفكرنا في تبنيكما لتغدوا أسرتنا الحقيقية بحق. فانغ تشنغ، تُرى هل ترضى بذلك؟”
ابتسم العم وأومأ برأسه، بينما لوحت العمة بيديها على عجل وقالت بنبرة دافئة: “اجلس، اجلس! ومع أنكما لستما من صلبنا، إلا أننا عاملناكما دومًا كولدينا. ورؤيتكما تشقان طريقكما نحو المستقبل تملؤنا فخرًا. آه… ما رُزقنا ذرية قط، ولطالما جال في خاطرنا أنكما لو صرتما ابنينا حقًا لصار ذلك غاية المنى.”
قال فانغ يوان دون أن يفسح لهما مجالًا لمزيد من الحديث: “عمتي وعمي، إن لم يبقَ أمر آخر، فابن أخيكما يستأذن بالانصراف.” وما إن أتم جملته حتى حمل جرّتي الخمر وغادر القاعة على الفور.
انطوت كلماتها على مغزى عميق؛ لم يفطن له فانغ تشنغ، لكن جبين فانغ يوان تقطب قليلًا.
ولجت شين كوي الغرفة مطأطأة الخصر، وأساريرها تفيض بالبشر.
فقاطعهما العم قائلًا: “تباحثت في هذا الأمر مع عمتك، وفكرنا في تبنيكما لتغدوا أسرتنا الحقيقية بحق. فانغ تشنغ، تُرى هل ترضى بذلك؟”
تساءلت العمة في حيرة: “لكن هذا الفتى داهية حذر، فكيف يقع في خطيئة؟”
ذُهل فانغ تشنغ للحظة، لكن وجهه سرعان ما تهلل بابتسامة غامرة، وقال: “في الحقيقة، منذ فارق والداي الحياة، وأنا أتوق إلى أسرة تأويني. وأن نصبح أسرة واحدة مع العم والعمة، فهذا فضل يفوق ما تمنيت!”
“البدايات دائمًا شاقة، ويزداد الأمر مشقة في حالتي؛ فلا موهبة فذة أحوزها، ولا مرشد يكلؤني بعنايته، وكأنني أبتني مجدي من العدم. غير أن إرث والديّ يعدّ ورقة رابحة لا تقدر بثمن. وفي حياتي السابقة، سلبني العم والعمة هذا الإرث، فأهدرت عامين كاملين من عمري حتى بلغت ذروة الرتبة الأولى فحسب. أما في هذه الحياة، فلا مجال لتكرار هذا الخطأ.”
انبسطت ملامح العمة وضحكت: “إذا صرت ولدنا الصالح، أفلا ينبغي لك أن تكف عن مناداتنا بالعم والعمة؟”
وجف قلب فانغ تشنغ، وقال: “أدخليه من فضلك.”
“أبي… أمي.” أسرع فانغ تشنغ مبدلًا خطابه بعد أن أدرك القصد.
لكن فانغ يوان هز رأسه مجددًا.
استغرق العم والعمة في ضحك ملء شدقيهما، ومسحت العمة عبراتها قائلة: “يا لك من ابن بار! لم يذهب عهد تربيتنا لك سدى مذ حلت بك سن الخامسة؛ عشر سنوات كاملة قضيناها في تنشئتك.”
لوح العم بيده وتنهد متصنعًا الأسى: “آه… مثل هذا الأمر لا يُنال بالإكراه. وحسبُ والدك هذا النبل منك. أيها الخدم، اعتنوا بالسيد الشاب فانغ تشنغ وأحسنوا وفادته.”
التفت العم إلى فانغ يوان الصامت، وقال في رفق مصطنع: “فانغ يوان، وماذا عنك؟”
لكن فانغ يوان هز رأسه مجددًا.
هز فانغ يوان رأسه دون أن ينبس ببنت شفة.
فاض قلب فانغ تشنغ بموجة من الامتنان. لم ينطق بحرف، غير أنه عزم في قرارة نفسه: “هذه المرة، لا بد أن أحرز المركز الأول، ولن أخيّب أمل عمي وعمتي قط!”
هتف غو يوي فانغ تشنغ ناصحًا: “أخي الأكبر…” غير أن العم استوقفه بنبرة لم تتبدل: “ما دام الأمر هكذا يا ابن أخي، فلن نكرهك. وبما أنك بلغت الخامسة عشرة، فينبغي لك أن تستقل بنفسك، وتتحمل مسؤولية مواصلة نسل فرعك من آل فانغ. وقد أعددتُ لك هنا مئتي حجر بدائي عونًا لك على البداية.”
ولجت شين كوي الغرفة مطأطأة الخصر، وأساريرها تفيض بالبشر.
“مئتا حجر بدائي!” اتسعت عينا فانغ تشنغ؛ إذ لم يرَ في حياته قط هذا العدد من الأحجار البدائية، حتى بدت على وجهه أمارات الحسد رغمًا عنه.
أجال فانغ يوان هذه الخواطر في ذهنه وهو يمضي قدمًا.
لكن فانغ يوان هز رأسه مجددًا.
احتلت الأم شين أرفع مكانة بين خدم العم والعمة، تشرف على سائر جواري المنزل وغلمانه، وتضطلع بمهام التدبير بكفاءة تامة. وابنتها الفتاة شين كوي هي التي تتولى خدمة فانغ يوان.
حار فانغ تشنغ في أمره، وتغيرت ملامح العم قليلًا، بينما اكفهر وجه العمة.
التفت العم إلى فانغ يوان الصامت، وقال في رفق مصطنع: “فانغ يوان، وماذا عنك؟”
قال فانغ يوان دون أن يفسح لهما مجالًا لمزيد من الحديث: “عمتي وعمي، إن لم يبقَ أمر آخر، فابن أخيكما يستأذن بالانصراف.” وما إن أتم جملته حتى حمل جرّتي الخمر وغادر القاعة على الفور.
تساءلت العمة في حيرة: “لكن هذا الفتى داهية حذر، فكيف يقع في خطيئة؟”
نهض فانغ تشنغ من مقعده وقال: “أبي، أمي، يبدو أن أخي الأكبر قد غاب عنه صوابه، فهل تأذنان لي بنصحه؟”
لوح العم بيده وتنهد متصنعًا الأسى: “آه… مثل هذا الأمر لا يُنال بالإكراه. وحسبُ والدك هذا النبل منك. أيها الخدم، اعتنوا بالسيد الشاب فانغ تشنغ وأحسنوا وفادته.”
لوح العم بيده وتنهد متصنعًا الأسى: “آه… مثل هذا الأمر لا يُنال بالإكراه. وحسبُ والدك هذا النبل منك. أيها الخدم، اعتنوا بالسيد الشاب فانغ تشنغ وأحسنوا وفادته.”
انطوت كلماتها على مغزى عميق؛ لم يفطن له فانغ تشنغ، لكن جبين فانغ يوان تقطب قليلًا.
قال فانغ تشنغ: “إذن يستأذن ابنكما بالانصراف.” تراجع منسحبًا، وخيم الصمت المطبق على غرفة المعيشة.
كانت هذه أول مرة يحتسي فيها الخمر حقًا طوال هذه الأيام.
غابت الشمس وراء التلال، وازدادت الغرفة حلكة. وبعد هنيهة، انبعث من جوف الظلام صوت العم الجليدي: “يبدو أن هذا الصعلوك فانغ يوان قد فطن لمكيدتنا.”
سبر حقيقة عمّه وعمّته منذ زمن بعيد، لكنه التمس لهما العذر بمنطق الأمور.
ففي لوائح عشيرة غو يوي، ثمة نص صريح يقضي بأن الابن الأكبر إذا بلغ السادسة عشرة حاز أهلية وراثة ممتلكات الأسرة. وقد فارق والدا فانغ يوان الحياة مخلفين ثروة طائلة، يتولى العم والعمة “رعايتها.” وهيهات أن يُقاس ذلك الإرث بمبلغ هزيل كمئتي حجر بدائي! فلو وافق فانغ يوان على تبنيهما إياه، لسقط حقه في حيازة تلك التركة. أما إن قرر الاستقلال وهو في سن الخامسة عشرة، فسيعد ذلك خروجًا على لوائح العشيرة أيضًا.
احتلت الأم شين أرفع مكانة بين خدم العم والعمة، تشرف على سائر جواري المنزل وغلمانه، وتضطلع بمهام التدبير بكفاءة تامة. وابنتها الفتاة شين كوي هي التي تتولى خدمة فانغ يوان.
تنفس العم الصعداء مستبشرًا: “لحسن الحظ أننا استملنا فانغ تشنغ إلى صفنا، وما فانغ يوان سوى صاحب موهبة من الفئة C.”
هتف غو يوي فانغ تشنغ ناصحًا: “أخي الأكبر…” غير أن العم استوقفه بنبرة لم تتبدل: “ما دام الأمر هكذا يا ابن أخي، فلن نكرهك. وبما أنك بلغت الخامسة عشرة، فينبغي لك أن تستقل بنفسك، وتتحمل مسؤولية مواصلة نسل فرعك من آل فانغ. وقد أعددتُ لك هنا مئتي حجر بدائي عونًا لك على البداية.”
سألت العمة بنبرة مشوبة بالجزع حين تملكتها فكرة ضياع الميراث: “ولكن يا زوجي، ماذا لو قرر فانغ يوان الاستقلال حين يبلغ السادسة عشرة؟ كيف السبيل حينها؟”
ضحكت الأم شين قائلة: “أبدًا، لستُ أهلًا لشكر السيد الشاب، هذا واجبي ولا فخر! سيدي الشاب، طِبْ نفسًا وتناول أشهى الطعام ونَم ملء عينيك. ومتى احتجت إلى أي أمر، فما عليك إلا أن تهز الجرس بجوار سريرك، وسيخفّ إلى خدمتك من يلبي حاجتك في الحال. لقد أوصانا السيد بأن تتفرغ بكليتك للزراعة في هذه الأيام، ودع عنك سائر الشؤون، فكلها موكولة إلينا.”
همهم العم في احتقار: “حمقًا! ما دام يعصي أمرنا، فلا يلومنّ إلا نفسه. يكفي أن نضبطه متلبسًا بخطيئة كبرى قبل أن يفارقنا، فنطرده شر طردة من العائلة، وبذلك يُنتزع منه حق الميراث انتزاعًا.”
لم تزل السماء مضيئة، غير أن مسحة رمادية خيمت على كل شيء. ومَن رمى ببصره عبر النافذة، رأى الجبال البعيدة تغرق شيئًا فشيئًا في سواد داكن.
تساءلت العمة في حيرة: “لكن هذا الفتى داهية حذر، فكيف يقع في خطيئة؟”
لوح العم بيده وتنهد متصنعًا الأسى: “آه… مثل هذا الأمر لا يُنال بالإكراه. وحسبُ والدك هذا النبل منك. أيها الخدم، اعتنوا بالسيد الشاب فانغ تشنغ وأحسنوا وفادته.”
قلب العم عينيه في ضجر، ثم همس حانقًا: “يا لكِ من بلهاء! إن لم يخطئ من تلقاء نفسه، أفنعجز عن تدبير فخ له؟ دعي شين كوي تغوي فانغ يوان وتصرخ مستغيثة من اعتدائه، فنباغته متلبسًا في حينه، ونلفق له قصة هجومه عليها بعد أن لعبت الخمر برأسه! حينها، أيعجزنا طرده؟”
ابتسم العم وأومأ برأسه، بينما لوحت العمة بيديها على عجل وقالت بنبرة دافئة: “اجلس، اجلس! ومع أنكما لستما من صلبنا، إلا أننا عاملناكما دومًا كولدينا. ورؤيتكما تشقان طريقكما نحو المستقبل تملؤنا فخرًا. آه… ما رُزقنا ذرية قط، ولطالما جال في خاطرنا أنكما لو صرتما ابنينا حقًا لصار ذلك غاية المنى.”
تهلل وجه العمة فرحًا في تلك اللحظة: “يا لك من داهية يا زوجي! ما أبرع هذه الحيلة وما أحكمها!”
ابتسم العم وأومأ برأسه، بينما لوحت العمة بيديها على عجل وقالت بنبرة دافئة: “اجلس، اجلس! ومع أنكما لستما من صلبنا، إلا أننا عاملناكما دومًا كولدينا. ورؤيتكما تشقان طريقكما نحو المستقبل تملؤنا فخرًا. آه… ما رُزقنا ذرية قط، ولطالما جال في خاطرنا أنكما لو صرتما ابنينا حقًا لصار ذلك غاية المنى.”
أسدل الليل ستاره المظلم على السماء، واحتجبت أكثر النجوم خلف سحب داكنة تسري ببطء، وتلألأت أنوار المنازل في أرجاء القرية تباعًا.
أسدل الليل ستاره المظلم على السماء، واحتجبت أكثر النجوم خلف سحب داكنة تسري ببطء، وتلألأت أنوار المنازل في أرجاء القرية تباعًا.
أُدخل غو يوي فانغ تشنغ إلى إحدى الغرف.
قالت الأم شين بنبرة مفرطة في الحفاوة، وقد انحنى خصرها وعلت وجهها ابتسامة تملق: “سيدي الشاب فانغ تشنغ، لقد أمرني السيد شخصيًا بتهيئة هذه الغرفة خصيصًا لك.”
قالت الأم شين بنبرة مفرطة في الحفاوة، وقد انحنى خصرها وعلت وجهها ابتسامة تملق: “سيدي الشاب فانغ تشنغ، لقد أمرني السيد شخصيًا بتهيئة هذه الغرفة خصيصًا لك.”
خلت الأزقة إلا من قلة من المارة، وانبعث من البيوت المصطفة على قارعة الطريق ضوء واهن، بينما عصفت الرياح بنفايات صغيرة وأوراق شجر مبعثرة تطايرت في الهواء.
جال فانغ تشنغ ببصره في الأرجاء، فالتمعت عيناه انبهارًا. فاقت هذه الغرفة غرفته السابقة بمقدار الضعف على الأقل؛ يتوسطها سرير وثير، وإلى جانب النافذة مكتب من خشب الورد صُفت عليه أدوات خط وأوراق فاخرة، وتزينت الجدران بحلي وتحف رائقة، ولم تكن الأرضية عادية، بل كستها طبقة من السجاد الصوفي الناعم المنسوج يدويًا.
ولجت شين كوي الغرفة مطأطأة الخصر، وأساريرها تفيض بالبشر.
منذ نعومة أظفاره، لم تطأ قدما فانغ تشنغ غرفة كهذه. فهز رأسه مرارًا في استحسان بالغ وقال: “رائعة حقًا، لا مثيل لها! شكرًا لكِ يا أم شين.”
وفي واقع الأمر، لم تقم للقرابة قائمة قط؛ فحين آوى العم والعمة فانغ يوان وفانغ تشنغ في مستهل الأمر، لم يستهدفا إلا الاستيلاء على التركة. غير أن سلوك الأخوين خالف تقديراتهما مرارًا.
احتلت الأم شين أرفع مكانة بين خدم العم والعمة، تشرف على سائر جواري المنزل وغلمانه، وتضطلع بمهام التدبير بكفاءة تامة. وابنتها الفتاة شين كوي هي التي تتولى خدمة فانغ يوان.
لم تزل السماء مضيئة، غير أن مسحة رمادية خيمت على كل شيء. ومَن رمى ببصره عبر النافذة، رأى الجبال البعيدة تغرق شيئًا فشيئًا في سواد داكن.
ضحكت الأم شين قائلة: “أبدًا، لستُ أهلًا لشكر السيد الشاب، هذا واجبي ولا فخر! سيدي الشاب، طِبْ نفسًا وتناول أشهى الطعام ونَم ملء عينيك. ومتى احتجت إلى أي أمر، فما عليك إلا أن تهز الجرس بجوار سريرك، وسيخفّ إلى خدمتك من يلبي حاجتك في الحال. لقد أوصانا السيد بأن تتفرغ بكليتك للزراعة في هذه الأيام، ودع عنك سائر الشؤون، فكلها موكولة إلينا.”
أسدل الليل ستاره المظلم على السماء، واحتجبت أكثر النجوم خلف سحب داكنة تسري ببطء، وتلألأت أنوار المنازل في أرجاء القرية تباعًا.
فاض قلب فانغ تشنغ بموجة من الامتنان. لم ينطق بحرف، غير أنه عزم في قرارة نفسه: “هذه المرة، لا بد أن أحرز المركز الأول، ولن أخيّب أمل عمي وعمتي قط!”
تكاثفت السحب الداكنة في السماء، وازداد الليل بهمة وحلكة. وابتلعت الغيوم سواد النجوم، ولم يتبق منها سوى بضع كواكب خافتة تطرف في الأفق البعيد.
تكاثفت السحب الداكنة في السماء، وازداد الليل بهمة وحلكة. وابتلعت الغيوم سواد النجوم، ولم يتبق منها سوى بضع كواكب خافتة تطرف في الأفق البعيد.
تنفس العم الصعداء مستبشرًا: “لحسن الحظ أننا استملنا فانغ تشنغ إلى صفنا، وما فانغ يوان سوى صاحب موهبة من الفئة C.”
سخر فانغ يوان في سرّه وهو يخطو في أزقة القرية: “لا ريب أن عمتي وعمي يدبران مكيدة لطردي من البيت في هذه الساعة. ففي حياتي السابقة، حرّضا الخدم سرًا على استفزازي، ثم لفّقا لي تهمة وطرداني من الأسرة. تُرى هل يطرأ تبديل على الأمر في هذه الحياة؟”
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
سبر حقيقة عمّه وعمّته منذ زمن بعيد، لكنه التمس لهما العذر بمنطق الأمور.
لكن فانغ يوان هز رأسه مجددًا.
فالناس يلقون بأنفسهم في المهالك سعيًا وراء المال. وسواء على ظهر الأرض أم في هذا العالم، فثمة دومًا جمع غفير ممن يدوسون صلة الرحم والصداقة والحب في سبيل منافعهم ومصالحهم الشخصية.
أُدخل غو يوي فانغ تشنغ إلى إحدى الغرف.
وفي واقع الأمر، لم تقم للقرابة قائمة قط؛ فحين آوى العم والعمة فانغ يوان وفانغ تشنغ في مستهل الأمر، لم يستهدفا إلا الاستيلاء على التركة. غير أن سلوك الأخوين خالف تقديراتهما مرارًا.
وكلما أوغل خارج القرية، قلت المنازل على جنبات الطريق، وخبت الأضواء، وتكاثفت الظلمة أمامه. وعصفت الرياح الهوجاء بغابات الجبل، فتمايلت الأغصان في جوف الليل مطلقة صفيرًا يشبه زئير قطيع من الوحوش الكاسرة.
“البدايات دائمًا شاقة، ويزداد الأمر مشقة في حالتي؛ فلا موهبة فذة أحوزها، ولا مرشد يكلؤني بعنايته، وكأنني أبتني مجدي من العدم. غير أن إرث والديّ يعدّ ورقة رابحة لا تقدر بثمن. وفي حياتي السابقة، سلبني العم والعمة هذا الإرث، فأهدرت عامين كاملين من عمري حتى بلغت ذروة الرتبة الأولى فحسب. أما في هذه الحياة، فلا مجال لتكرار هذا الخطأ.”
جلس الأخ الأصغر فانغ تشنغ إلى مكتبه، يراجع الملاحظات التي دونها أثناء الدرس. وأرسل السراج في الغرفة ضياءً وهاجًا، في حين صدت الجدران السميكة رياح الصقيع. وإلى جوار يده، استقر قدح من شاي الجنسنغ الدافئ، يتصاعد منه البخار.
أجال فانغ يوان هذه الخواطر في ذهنه وهو يمضي قدمًا.
قال فانغ تشنغ: “إذن يستأذن ابنكما بالانصراف.” تراجع منسحبًا، وخيم الصمت المطبق على غرفة المعيشة.
وعوض أن يمكث في المنزل، حمل جرّتي الخمر ويمّم شطر أطراف القرية.
أمعن الليل في الظلام، وحجبت السحب الدكناء ضياء النجوم، وهبت نسائم الجبل عاتية تشتد شيئًا فشيئًا.
هتف غو يوي فانغ تشنغ ناصحًا: “أخي الأكبر…” غير أن العم استوقفه بنبرة لم تتبدل: “ما دام الأمر هكذا يا ابن أخي، فلن نكرهك. وبما أنك بلغت الخامسة عشرة، فينبغي لك أن تستقل بنفسك، وتتحمل مسؤولية مواصلة نسل فرعك من آل فانغ. وقد أعددتُ لك هنا مئتي حجر بدائي عونًا لك على البداية.”
أنذر مطر الجبل بانهمار وشيك، ومع ذلك لزمه المضي في البحث؛ إذ إن وضع يده على إرث والديه يقتضي الانتظار حتى يبلغ السادسة عشرة، في حين يمثل كنز “راهب زهرة النبيذ” الملاذ الوحيد المتاح أمامه في الأجل القريب.
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
خلت الأزقة إلا من قلة من المارة، وانبعث من البيوت المصطفة على قارعة الطريق ضوء واهن، بينما عصفت الرياح بنفايات صغيرة وأوراق شجر مبعثرة تطايرت في الهواء.
احتلت الأم شين أرفع مكانة بين خدم العم والعمة، تشرف على سائر جواري المنزل وغلمانه، وتضطلع بمهام التدبير بكفاءة تامة. وابنتها الفتاة شين كوي هي التي تتولى خدمة فانغ يوان.
عجزت ثياب فانغ يوان الرقيقة عن صد رياح الجبل العاتية، فسرى في جسده قشعريرة باردة. فعمد إلى فتح إحدى الجرتين، وتجرع جرعة صغيرة من الخمر. ومع أنها خمر عكرة، إلا أن دبيب الدفء سرى في عروقه ما إن ابتلعها.
جال فانغ تشنغ ببصره في الأرجاء، فالتمعت عيناه انبهارًا. فاقت هذه الغرفة غرفته السابقة بمقدار الضعف على الأقل؛ يتوسطها سرير وثير، وإلى جانب النافذة مكتب من خشب الورد صُفت عليه أدوات خط وأوراق فاخرة، وتزينت الجدران بحلي وتحف رائقة، ولم تكن الأرضية عادية، بل كستها طبقة من السجاد الصوفي الناعم المنسوج يدويًا.
كانت هذه أول مرة يحتسي فيها الخمر حقًا طوال هذه الأيام.
لم تتباطأ خطى فانغ يوان؛ إذ اجتاز البوابة الكبرى للقرية واندفع في قلب الظلام، موغلًا في سيره. ومن خلفه، تلالأت أضواء آلاف المنازل زاهية متقدة، وفي ثنايا تلك الأضواء زاوية دافئة.
وكلما أوغل خارج القرية، قلت المنازل على جنبات الطريق، وخبت الأضواء، وتكاثفت الظلمة أمامه. وعصفت الرياح الهوجاء بغابات الجبل، فتمايلت الأغصان في جوف الليل مطلقة صفيرًا يشبه زئير قطيع من الوحوش الكاسرة.
جلس الأخ الأصغر فانغ تشنغ إلى مكتبه، يراجع الملاحظات التي دونها أثناء الدرس. وأرسل السراج في الغرفة ضياءً وهاجًا، في حين صدت الجدران السميكة رياح الصقيع. وإلى جوار يده، استقر قدح من شاي الجنسنغ الدافئ، يتصاعد منه البخار.
لم تتباطأ خطى فانغ يوان؛ إذ اجتاز البوابة الكبرى للقرية واندفع في قلب الظلام، موغلًا في سيره. ومن خلفه، تلالأت أضواء آلاف المنازل زاهية متقدة، وفي ثنايا تلك الأضواء زاوية دافئة.
غابت الشمس وراء التلال، وازدادت الغرفة حلكة. وبعد هنيهة، انبعث من جوف الظلام صوت العم الجليدي: “يبدو أن هذا الصعلوك فانغ يوان قد فطن لمكيدتنا.”
جلس الأخ الأصغر فانغ تشنغ إلى مكتبه، يراجع الملاحظات التي دونها أثناء الدرس. وأرسل السراج في الغرفة ضياءً وهاجًا، في حين صدت الجدران السميكة رياح الصقيع. وإلى جوار يده، استقر قدح من شاي الجنسنغ الدافئ، يتصاعد منه البخار.
لكن فانغ يوان هز رأسه مجددًا.
“سيدي الشاب فانغ تشنغ، أعددت لك ماء الاستحمام الساخن.”
أمعن الليل في الظلام، وحجبت السحب الدكناء ضياء النجوم، وهبت نسائم الجبل عاتية تشتد شيئًا فشيئًا.
انساب صوت شين كوي الرقيق من خلف الباب.
استغرق العم والعمة في ضحك ملء شدقيهما، ومسحت العمة عبراتها قائلة: “يا لك من ابن بار! لم يذهب عهد تربيتنا لك سدى مذ حلت بك سن الخامسة؛ عشر سنوات كاملة قضيناها في تنشئتك.”
وجف قلب فانغ تشنغ، وقال: “أدخليه من فضلك.”
ذُهل فانغ تشنغ للحظة، لكن وجهه سرعان ما تهلل بابتسامة غامرة، وقال: “في الحقيقة، منذ فارق والداي الحياة، وأنا أتوق إلى أسرة تأويني. وأن نصبح أسرة واحدة مع العم والعمة، فهذا فضل يفوق ما تمنيت!”
ولجت شين كوي الغرفة مطأطأة الخصر، وأساريرها تفيض بالبشر.
ضحكت الأم شين قائلة: “أبدًا، لستُ أهلًا لشكر السيد الشاب، هذا واجبي ولا فخر! سيدي الشاب، طِبْ نفسًا وتناول أشهى الطعام ونَم ملء عينيك. ومتى احتجت إلى أي أمر، فما عليك إلا أن تهز الجرس بجوار سريرك، وسيخفّ إلى خدمتك من يلبي حاجتك في الحال. لقد أوصانا السيد بأن تتفرغ بكليتك للزراعة في هذه الأيام، ودع عنك سائر الشؤون، فكلها موكولة إلينا.”
“خادمتك تحيي السيد الشاب.” ورمقته بنظرات تدفقت منها الغنج والدلال. فموهبة فانغ يوان لم تتعدَّ الفئة C، أما فانغ تشنغ فهو صاحب موهبة من الفئة A! والظفر به إنما هو غاية السعد وأعظم المغانم!
ففي لوائح عشيرة غو يوي، ثمة نص صريح يقضي بأن الابن الأكبر إذا بلغ السادسة عشرة حاز أهلية وراثة ممتلكات الأسرة. وقد فارق والدا فانغ يوان الحياة مخلفين ثروة طائلة، يتولى العم والعمة “رعايتها.” وهيهات أن يُقاس ذلك الإرث بمبلغ هزيل كمئتي حجر بدائي! فلو وافق فانغ يوان على تبنيهما إياه، لسقط حقه في حيازة تلك التركة. أما إن قرر الاستقلال وهو في سن الخامسة عشرة، فسيعد ذلك خروجًا على لوائح العشيرة أيضًا.
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
سخر فانغ يوان في سرّه وهو يخطو في أزقة القرية: “لا ريب أن عمتي وعمي يدبران مكيدة لطردي من البيت في هذه الساعة. ففي حياتي السابقة، حرّضا الخدم سرًا على استفزازي، ثم لفّقا لي تهمة وطرداني من الأسرة. تُرى هل يطرأ تبديل على الأمر في هذه الحياة؟”
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
قالت الأم شين بنبرة مفرطة في الحفاوة، وقد انحنى خصرها وعلت وجهها ابتسامة تملق: “سيدي الشاب فانغ تشنغ، لقد أمرني السيد شخصيًا بتهيئة هذه الغرفة خصيصًا لك.”
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
لم تزل السماء مضيئة، غير أن مسحة رمادية خيمت على كل شيء. ومَن رمى ببصره عبر النافذة، رأى الجبال البعيدة تغرق شيئًا فشيئًا في سواد داكن.
فالناس يلقون بأنفسهم في المهالك سعيًا وراء المال. وسواء على ظهر الأرض أم في هذا العالم، فثمة دومًا جمع غفير ممن يدوسون صلة الرحم والصداقة والحب في سبيل منافعهم ومصالحهم الشخصية.
