نبيذ الصدف المر وضفدع ابتلاع النهر
الفصل 117 – نبيذ الصدف المر وضفدع ابتلاع النهر
“سريعًا، ضمدوا جراحه!”
خيمت على قاعة الاجتماعات أجواء ثقيلة مفعمة بالجدية والوجوم.
لم يبرح العجوز مكانه، واعتلت وجهه حيرة وتردد، ممسكًا عن النطق بما يجيش في صدره.
جلس شيوخ العشيرة على مقاعدهم في صمت؛ بدت وجوههم متجهمة، يعلوها مزيج من البرود والقلق والحذر.
خيمت على قاعة الاجتماعات أجواء ثقيلة مفعمة بالجدية والوجوم.
احتل زعيم العشيرة غو يوي بو المقعد الرئيس في الصدارة، وتألقت في عينيه أمارات قلق لم يستطع إخفاءها: “قبل ثلاثة أيام، ظهر ضفدع ابتلاع النهر عند سفح الجبل قرب قريتنا. جرفه تيار نهر هوانغ لونغ فانحرف مصادفة ووصل إلى هنا. يعترض هذا الضفدع حاليًا مجرى النهر مستغرقًا في سبات عميق هناك؛ وإهمال هذا الخطر يضع القرية على حافة هلاك دائم. لذا أود سؤال الشيوخ: هل لديكم خطة سديدة لطرد هذا الضفدع بعيدًا؟”
حين يستيقظ، يجرع مياه النهر حتى يمتلئ جوفه، ثم يعود إلى نومه الهادئ. لا يميل قط إلى القتال أو سفك الدماء؛ وإن واجه خصمًا، كان خياره الأول الفرار والابتعاد. ولا يشن هجومًا مضادًا كاسحًا إلا إذا حوصر في مأزق خانق وسُدت أمامه سبل النجاة.
تبادل الشيوخ النظرات في حيرة، ولم يجرؤ أحد على النطق للحظة.
هز فانغ يوان رأسه بوجه جامد خالٍ من أي تعاطف: “بعت هذه الحانة له وانتهى الأمر، ولا يحق لي استردادها بموجب العقد المبرم. علاوة على ذلك، لا رغبة لي في العودة إلى إدارة أعمال الحانات؛ انصرف الآن.”
يعد ضفدع ابتلاع النهر غو من المرتبة الخامسة، ويمتلك قوة عاتية تجعله قادرًا على قذف نهر متدفق من جوفه؛ فإن أسيء التعامل معه وأثير غضبه، فسيغرق أكثر من نصف جبل تشينغ ماو تحت طوفان جارف، وتُمحى القرية بأسرها من الوجود.
استطرد مو تشن بعد برهة: “وهناك معضلة أشد وطأة؛ فإن أغرق ضفدع ابتلاع النهر جبل تشينغ ماو، ستغمر المياه أوكار الذئاب، مما يجبر قطعانها على الفرار صعودًا نحو قمة الجبل التماسًا للنجاة. وسيفجر ذلك مد الذئاب قبل أوانه، لنجد أنفسنا في قتال مستميت ضد وحوش ضارية لا حصر لها للمنافسة على موطئ قدم فوق القمة.”
كسر غو يوي تشي ليان الصمت الطويل قائلًا: “الخطب جلل، وتلزمه معالجة عاجلة لا تحتمل الإرجاء. إن تسربت هذه الأنباء، فلا نأمن أن يعمد أصحاب النوايا الخبيثة إلى استفزاز ضفدع ابتلاع النهر عمدًا لتوريط عشيرتنا في كارثة ماحقة.”
رفع فانغ يوان أجورهم سابقًا لتحفيز نشاطهم وحثهم على مضاعفة العمل، وكان ذلك لمصلحته الشخصية البحتة؛ غير أن هؤلاء الحمقى توهموا ذلك كرمًا وضعفًا، وأرادوا التمادي في الطمع.
أيده غو يوي مو تشن بإيماءة حازمة: “أصاب الشيخ تشي ليان.” فرغم الخصومة السياسية العميقة بينهما، وضع خلافاته جانبًا في هذه اللحظة المصيرية التي تهدد بقاء القرية.
كسر غو يوي تشي ليان الصمت الطويل قائلًا: “الخطب جلل، وتلزمه معالجة عاجلة لا تحتمل الإرجاء. إن تسربت هذه الأنباء، فلا نأمن أن يعمد أصحاب النوايا الخبيثة إلى استفزاز ضفدع ابتلاع النهر عمدًا لتوريط عشيرتنا في كارثة ماحقة.”
استطرد مو تشن بعد برهة: “وهناك معضلة أشد وطأة؛ فإن أغرق ضفدع ابتلاع النهر جبل تشينغ ماو، ستغمر المياه أوكار الذئاب، مما يجبر قطعانها على الفرار صعودًا نحو قمة الجبل التماسًا للنجاة. وسيفجر ذلك مد الذئاب قبل أوانه، لنجد أنفسنا في قتال مستميت ضد وحوش ضارية لا حصر لها للمنافسة على موطئ قدم فوق القمة.”
استطرد مو تشن بعد برهة: “وهناك معضلة أشد وطأة؛ فإن أغرق ضفدع ابتلاع النهر جبل تشينغ ماو، ستغمر المياه أوكار الذئاب، مما يجبر قطعانها على الفرار صعودًا نحو قمة الجبل التماسًا للنجاة. وسيفجر ذلك مد الذئاب قبل أوانه، لنجد أنفسنا في قتال مستميت ضد وحوش ضارية لا حصر لها للمنافسة على موطئ قدم فوق القمة.”
امتقعت ألوان الشيوخ حين استمعوا إلى هذا التحذير القاتم.
الفصل 117 – نبيذ الصدف المر وضفدع ابتلاع النهر
تحدث غو يوي بو بنبرة رصينة ثقيلة: “لا تنسوا أساس قريتنا وركيزتها الأولى؛ فقد أسس سلف الجيل الأول قريتنا في هذا الموضع تحديدًا بفضل نبع الروح الكامن في باطن الأرض. فإن غمر الطوفان جبل تشينغ ماو، فقد يندثر هذا النبع الروحي إلى الأبد.”
وقف صاحب الحانة العجوز إلى جانبه مطرقًا رأسه في خضوع.
ارتفعت الهمسات المضطربة بين الشيوخ: “ما عسانا أن نفعل إذن؟”
استجمع شجاعته أخيرًا وقال بصوت مرتعش: “سيدي الشاب، أرجوك أن تسترجع هذه الحانة وتتولى إدارتها من جديد! نرغب جميعًا، أنا والعمال، في العمل تحت إمرتك. لا تعلم ما فعله المالك القديم حين عاد؛ فقد اقتطع معظم أجورنا! وما نتقاضاه من فتات كل شهر بالكاد يسد رمق أسرنا.”
تنهد أحدهم: “حتى لو صمدنا في وجه طوفان الوحوش ونجونا فوق قمة الجبل، فبعد انحسار الغمر سيندثر نبع الروح، وتهلك الوحوش، وتتحول ديارنا إلى قاع صفصف تفتقر إلى موارد الصقل الأساسية.”
تساءل أحدهم: “أعلمتم بما حدث مؤخرًا؟ خطب جلل يتردد في الأنحاء!”
اقترح آخر: “إن كان الهلاك يتربص بنا، فلمَ لا نطلب العون من قريتي شيونغ وباي؟ نحن الثلاث في قارب واحد يشد بعضه بعضًا، ولا أظنهما يتخاذلان عن النجدة!”
طراخ!
تهامس الشيوخ وتسلل الذعر إلى قلوبهم، وبدأ بعضهم يفكر جديًا في طلب التعزيزات الخارجية.
كسر غو يوي تشي ليان الصمت الطويل قائلًا: “الخطب جلل، وتلزمه معالجة عاجلة لا تحتمل الإرجاء. إن تسربت هذه الأنباء، فلا نأمن أن يعمد أصحاب النوايا الخبيثة إلى استفزاز ضفدع ابتلاع النهر عمدًا لتوريط عشيرتنا في كارثة ماحقة.”
هز غو يوي بو رأسه رافضًا الفكرة بحزم: “طلب العون الآن سابق لأوانه بكثير. لم نصل بعد إلى ذروة الأزمة؛ فحين أسس سلف الجيل الأول هذه القرية، هاجمها ثعبان نهر الدماء من المرتبة الخامسة، ونجح السلف الأول في سحقه وإبادته. وبالمقارنة مع ثعبان نهر الدماء، يعد ضفدع ابتلاع النهر أكثر وداعة وأقل شرًا بمراحل.”
تطوع غو يوي تشي ليان قائلًا: “سأنتدب إذن أحد أفراد عائلة تشي؛ فإن عجز عن المهمة، فلن يقوى عليها أحد في عشيرتنا بأسرها.”
تابع الزعيم موضحًا: “يتسم هذا الضفدع بطباع هادئة، ولا يؤذي الفانين العاديين قط. ولا يستنفر إلا إذا استشعر هالة ديدان الغو الأخرى؛ فإذا أصيب بجروح بليغة استشاط غضبًا وقذف سيلًا كالنهر من شدقه. وقد سمعت بالمصادفة زعيم العشيرة السابق يروي حكاية متوارثة عن خصال هذا الضفدع…”
هز فانغ يوان رأسه بوجه جامد خالٍ من أي تعاطف: “بعت هذه الحانة له وانتهى الأمر، ولا يحق لي استردادها بموجب العقد المبرم. علاوة على ذلك، لا رغبة لي في العودة إلى إدارة أعمال الحانات؛ انصرف الآن.”
تردد صوت غو يوي بو الهادئ الرزين في أرجاء القاعة، باثًا الطمأنينة في النفوس.
أقبل أوائل الخريف، وبدأ الطقس يميل إلى البرودة رويدًا رويدًا.
أنصت الشيوخ بتركيز شديد، فانقشعت سحائب التوتر والذعر عن ملامحهم تدريجيًا.
في أي عالم كان، توجد دومًا فئة من الضعفاء تتسول عطف الأقوياء بوقاحة وبلا حياء؛ متوهمين أن مد يد العون واجب محتوم على القوي، وأن الامتناع عن نجدتهم جريمة ومنكر.
استشعرت غو يوي ياو جي تبدل المزاج العام، فرمقت غو يوي بو بنظرة ذات مغزى وأثنت عليه سرًا: ‘يستحق منصب الزعامة عن جدارة؛ فقد هدأت كلماته روع الجميع في لحظات.’
هز غو يوي بو رأسه محذرًا: “لا ينبغي لنا الجزم بذلك؛ فهذه مجرد حكايات متناقلة لم أعاينها بنفسي ولم أختبرها عمليًا. الأهم ألا نتهاون في هذا الشأن؛ وأقترح إرسال فريق من أسياد الغو أولًا لاختبار صحة الأمر.”
عقب أحد الشيوخ بارتياح: “إن صح ما ذكره الزعيم لتوِّه، فلن يكون طرد ضفدع ابتلاع النهر أمرًا معقدًا.”
تردد صوت غو يوي بو الهادئ الرزين في أرجاء القاعة، باثًا الطمأنينة في النفوس.
هز غو يوي بو رأسه محذرًا: “لا ينبغي لنا الجزم بذلك؛ فهذه مجرد حكايات متناقلة لم أعاينها بنفسي ولم أختبرها عمليًا. الأهم ألا نتهاون في هذا الشأن؛ وأقترح إرسال فريق من أسياد الغو أولًا لاختبار صحة الأمر.”
على الضعيف أن يلزم قدره وأدبه؛ فإما أن يرضخ لقدره خانعًا، وإما أن يكافح بصمت وتواضع ليغير واقعه.
أجمع الشيوخ على تأييد هذا الاقتراح السديد.
يمتلك قوة عاتية تجعله قادرًا على إطلاق سيول هادرة من شدقه، تغمر الأراضي في لحظات وتحيلها إلى مستنقعات طينية موحلة.
تطوع غو يوي تشي ليان قائلًا: “سأنتدب إذن أحد أفراد عائلة تشي؛ فإن عجز عن المهمة، فلن يقوى عليها أحد في عشيرتنا بأسرها.”
ظل العجوز مجرد فانٍ حقير، ولن يعبأ أحد بمصيره حتى لو قُتل في مكانه على يد سيد غو.
أدرك الجميع من يقصده تشي ليان، وتوالت إيماءات الرضا والموافقة من الحاضرين.
تساءل أحدهم: “أعلمتم بما حدث مؤخرًا؟ خطب جلل يتردد في الأنحاء!”
ابتسم الزعيم غو يوي بو: “ما دام الأمر كذلك، فلنوكل هذه المهمة إلى مجموعة تشي شان.”
من رضي بالهوان واستمرأ التواكل متطلعًا لعطايا الأقوياء دون بذل وسعه، لا يستحق ذرة من الشفقة أو الاحترام قط.
أقبل أوائل الخريف، وبدأ الطقس يميل إلى البرودة رويدًا رويدًا.
عقب أحد الشيوخ بارتياح: “إن صح ما ذكره الزعيم لتوِّه، فلن يكون طرد ضفدع ابتلاع النهر أمرًا معقدًا.”
جلس فانغ يوان بمفرده إلى جوار نافذة الحانة، يتذوق النبيذ في هدوء وسكينة.
ابتسم الزعيم غو يوي بو: “ما دام الأمر كذلك، فلنوكل هذه المهمة إلى مجموعة تشي شان.”
وقف صاحب الحانة العجوز إلى جانبه مطرقًا رأسه في خضوع.
أفقدت هذه النهاية الحازمة الرواد رغبتهم في التحديق، فاستداروا وعادوا لمتابعة نقاشاتهم السابقة.
سأله فانغ يوان بهدوء: “أيها المسؤول، هل أحرزت أي تقدم في مسألة نبيذ الصدف المر الذي كلفتك بالبحث عنه قبل أيام؟”
الأقوياء لا يمدون يد العون للضعفاء إلا كمنحة تفضل وصدقة عابرة حين تطيب نفوسهم بذلك.
افتقر فانغ يوان إلى نبيذ مر لإتمام دمج دودة الخمور وصنع غو الخمور ذي النكهات الأربع.
أسرع العمال يحيطون بالعجوز الملطخ بالدماء في هلع: “أيها المسؤول…”
غير أن النبيذ المر نادر الوجود، وبسبب الضجة التي أثارها غو بقايا الفولاذ الأحمر تركزت الأعين عليه؛ فحيثما حل وأينما ارتحل، تلاحقه إشارات الناس ونظراتهم الفضولية، مما جعل التقصي عن النبيذ المر أمرًا بالغ الصعوبة.
ارتفعت الهمسات المضطربة بين الشيوخ: “ما عسانا أن نفعل إذن؟”
هدأت تلك الزوبعة مؤخرًا، وربما كان ذلك مصداقًا للمثل القائل بأن الفرج يولد من رحم الشدة؛ فقد ظفر فانغ يوان مصادفة بطرف خيط يقوده إلى النبيذ المنشود.
هز فانغ يوان رأسه بوجه جامد خالٍ من أي تعاطف: “بعت هذه الحانة له وانتهى الأمر، ولا يحق لي استردادها بموجب العقد المبرم. علاوة على ذلك، لا رغبة لي في العودة إلى إدارة أعمال الحانات؛ انصرف الآن.”
أجاب صاحب الحانة العجوز على الفور: “سيدي الشاب، نبيذ الصدف المر الذي طلبت مني التقصي عنه قد شربه أحدهم في قرية باي. مادته الخام نوع من القواقع يستوطن قيعان البرك العميقة؛ سواده حالك، وتتوزع على صدفته خطوط بيضاء دائرية تشبه حلقات نمو الأشجار، ونطلق عليه اسم الصدف المر. القواقع المعتادة تنتج اللؤلؤ في بطونها، أما هذا الصدف فيبتلع الرمال والحصى في الماء ويذيبها، مكونًا ماءً شديد المرارة في جوفه. عمد أحدهم إلى كسر صدفته واستخراج مائه المر واستخدامه في تخمير النبيذ، فصنع نبيذ الصدف المر. طعمه فريد للغاية؛ يجمع بين المرارة الحادة وشذى العطر الفواح.”
أما الضعيف الذي يرفض الكد والاجتهاد، ويتسول الأقوياء بوجه صفيق مطالبًا بحقوق مزعومة كالعلقة الطفيلية، فجزاؤه الردع والإهانة بلا شفقة.
رفع فانغ يوان حاجبيه قليلًا حين سمع هذا الوصف: “أيعني هذا أن نبيذ الصدف المر موجود في قرية باي؟”
أضاف ثالث بقلق: “إنه غو من المرتبة الخامسة! إن أخطأنا التعامل معه، فستسقط القرية في غياهب الهلاك!”
انحنى العجوز معتذرًا بحذر: “لا أجرؤ على الجزم بذلك سيدي؛ فقد سمعت أحاديث متفرقة بين الناس فحسب. الثابت أن قرية باي تشتهر بنبيذ الحبوب البيضاء، ويشكل هذا النبيذ مع نبيذ الخيزران الأخضر لعشيرتنا ونبيذ مرارة الدب لقرية شيونغ خمور جبل تشينغ ماو الثلاثة الشهيرة. أما نبيذ الصدف المر… فأظن أنه نادر وشحيح للغاية حتى في قرية باي.”
ومع ذلك، عقد فانغ يوان عزمه على المحاولة؛ فالظفر بنبيذ الصدف المر أقرب منالًا وأكثر واقعية من نبيذ نبات الشيح الأخضر القابع في أقاصي الأرض المجهولة.
فكر فانغ يوان في نفسه بحزم: ‘حتى لو كان شحيحًا، فلابد لي من الظفر به.’
في الوقت الراهن، بالكاد يفي بيع أوراق الحيوية باحتياجاته الخاصة، فضلًا عن انشغال باله بملاحقة النبيذ المر؛ فلمَ يثقل كاهله باسترجاع حانة من أجل هؤلاء الضعفاء؟
غير أن الأمر محفوف بالمتاعب والتعقيدات؛ فقرية باي بدأت تفرض هيمنتها وتبرز بقوة في السنوات الأخيرة، مهددة موقع عشيرة غو يوي كزعيم مطلق للمنطقة.
سأله فانغ يوان بهدوء: “أيها المسؤول، هل أحرزت أي تقدم في مسألة نبيذ الصدف المر الذي كلفتك بالبحث عنه قبل أيام؟”
فإذا تجرأ فانغ يوان على التسلل إلى أراضي قرية باي دون إذن مسبق، فقد تباغته دوريات حراسهم وتقتله قبل أن تلمح عيناه بوابة القرية.
امتقعت ألوان الشيوخ حين استمعوا إلى هذا التحذير القاتم.
ومع ذلك، عقد فانغ يوان عزمه على المحاولة؛ فالظفر بنبيذ الصدف المر أقرب منالًا وأكثر واقعية من نبيذ نبات الشيح الأخضر القابع في أقاصي الأرض المجهولة.
الخوف داء معدٍ، يتفاقم ويتعاظم كلما لاكته الألسن.
أفاق فانغ يوان من تأملاته، فرأى صاحب الحانة العجوز ما يزال واقفًا إلى جواره؛ فلوح بيده قائلًا: “حسنًا، انصرف الآن؛ لم يعد لي حاجة بك.”
هز فانغ يوان رأسه بوجه جامد خالٍ من أي تعاطف: “بعت هذه الحانة له وانتهى الأمر، ولا يحق لي استردادها بموجب العقد المبرم. علاوة على ذلك، لا رغبة لي في العودة إلى إدارة أعمال الحانات؛ انصرف الآن.”
لم يبرح العجوز مكانه، واعتلت وجهه حيرة وتردد، ممسكًا عن النطق بما يجيش في صدره.
في واقع الأمر، يتصف ضفدع ابتلاع النهر بوداعة فائقة ولا يمثل خطرًا داهما بطبيعته؛ فديدنه الدائم هو النوم، وكثيرًا ما يراه الناس يطفو مع مجرى النهر مستلقيًا على ظهره وبطنه الأبيض الناصع للأعلى، غارقًا في سبات عميق مستغرق.
استجمع شجاعته أخيرًا وقال بصوت مرتعش: “سيدي الشاب، أرجوك أن تسترجع هذه الحانة وتتولى إدارتها من جديد! نرغب جميعًا، أنا والعمال، في العمل تحت إمرتك. لا تعلم ما فعله المالك القديم حين عاد؛ فقد اقتطع معظم أجورنا! وما نتقاضاه من فتات كل شهر بالكاد يسد رمق أسرنا.”
غير أن الأمر محفوف بالمتاعب والتعقيدات؛ فقرية باي بدأت تفرض هيمنتها وتبرز بقوة في السنوات الأخيرة، مهددة موقع عشيرة غو يوي كزعيم مطلق للمنطقة.
هز فانغ يوان رأسه بوجه جامد خالٍ من أي تعاطف: “بعت هذه الحانة له وانتهى الأمر، ولا يحق لي استردادها بموجب العقد المبرم. علاوة على ذلك، لا رغبة لي في العودة إلى إدارة أعمال الحانات؛ انصرف الآن.”
يعد ضفدع ابتلاع النهر غو من المرتبة الخامسة، ويمتلك قوة عاتية تجعله قادرًا على قذف نهر متدفق من جوفه؛ فإن أسيء التعامل معه وأثير غضبه، فسيغرق أكثر من نصف جبل تشينغ ماو تحت طوفان جارف، وتُمحى القرية بأسرها من الوجود.
ألح العجوز متوسلًا دون أن يتحرك: “لكن يا سيدي الشاب…”
يمتلك قوة عاتية تجعله قادرًا على إطلاق سيول هادرة من شدقه، تغمر الأراضي في لحظات وتحيلها إلى مستنقعات طينية موحلة.
قطب فانغ يوان جبينه بانزعاج حاد: “تذكر جيدًا: لستُ مالك الحانة بعد اليوم!”
حين يستيقظ، يجرع مياه النهر حتى يمتلئ جوفه، ثم يعود إلى نومه الهادئ. لا يميل قط إلى القتال أو سفك الدماء؛ وإن واجه خصمًا، كان خياره الأول الفرار والابتعاد. ولا يشن هجومًا مضادًا كاسحًا إلا إذا حوصر في مأزق خانق وسُدت أمامه سبل النجاة.
رفع فانغ يوان أجورهم سابقًا لتحفيز نشاطهم وحثهم على مضاعفة العمل، وكان ذلك لمصلحته الشخصية البحتة؛ غير أن هؤلاء الحمقى توهموا ذلك كرمًا وضعفًا، وأرادوا التمادي في الطمع.
برقت عينا فانغ يوان بنظرة جليدية قاطعة: “أتحسبني أتورع عن قتلك؟ أيها الأحمق الوقح، اغرب عن وجهي!”
في الوقت الراهن، بالكاد يفي بيع أوراق الحيوية باحتياجاته الخاصة، فضلًا عن انشغال باله بملاحقة النبيذ المر؛ فلمَ يثقل كاهله باسترجاع حانة من أجل هؤلاء الضعفاء؟
ابتسم الزعيم غو يوي بو: “ما دام الأمر كذلك، فلنوكل هذه المهمة إلى مجموعة تشي شان.”
جثا صاحب الحانة على ركبتيه وتوسل بدموع مستعطفة: “سيدي الشاب، عجزنا عن مواصلة العيش بهذا البؤس! ارحمنا وتفضل بالرأفة بحالنا!”
تنهد أحدهم: “ليس أمامنا إلا ترقب ما ستقرره القيادة العليا للعشيرة؛ فلا قبل لنا بالفرار، وإلى أين نفر أصلًا؟”
لفت صوته المرتفع أنظار رواد الحانة المحيطين على الفور.
هز غو يوي بو رأسه رافضًا الفكرة بحزم: “طلب العون الآن سابق لأوانه بكثير. لم نصل بعد إلى ذروة الأزمة؛ فحين أسس سلف الجيل الأول هذه القرية، هاجمها ثعبان نهر الدماء من المرتبة الخامسة، ونجح السلف الأول في سحقه وإبادته. وبالمقارنة مع ثعبان نهر الدماء، يعد ضفدع ابتلاع النهر أكثر وداعة وأقل شرًا بمراحل.”
ابتسم فانغ يوان ببرود، وتناول جرة النبيذ الموضوعة فوق الطاولة وهوى بها مباشرة فوق رأس العجوز!
كسر غو يوي تشي ليان الصمت الطويل قائلًا: “الخطب جلل، وتلزمه معالجة عاجلة لا تحتمل الإرجاء. إن تسربت هذه الأنباء، فلا نأمن أن يعمد أصحاب النوايا الخبيثة إلى استفزاز ضفدع ابتلاع النهر عمدًا لتوريط عشيرتنا في كارثة ماحقة.”
طراخ!
ظل العجوز مجرد فانٍ حقير، ولن يعبأ أحد بمصيره حتى لو قُتل في مكانه على يد سيد غو.
تحطمت الجرة وتناثرت شظايا الفخار في الأرجاء؛ سال النبيذ ممتزجًا بالدماء المتدفقة من رأس العجوز المطرق.
تحطمت الجرة وتناثرت شظايا الفخار في الأرجاء؛ سال النبيذ ممتزجًا بالدماء المتدفقة من رأس العجوز المطرق.
برقت عينا فانغ يوان بنظرة جليدية قاطعة: “أتحسبني أتورع عن قتلك؟ أيها الأحمق الوقح، اغرب عن وجهي!”
استطرد مو تشن بعد برهة: “وهناك معضلة أشد وطأة؛ فإن أغرق ضفدع ابتلاع النهر جبل تشينغ ماو، ستغمر المياه أوكار الذئاب، مما يجبر قطعانها على الفرار صعودًا نحو قمة الجبل التماسًا للنجاة. وسيفجر ذلك مد الذئاب قبل أوانه، لنجد أنفسنا في قتال مستميت ضد وحوش ضارية لا حصر لها للمنافسة على موطئ قدم فوق القمة.”
ارتعد جسد العجوز هلعًا من نية القتل المروعة المنبعثة من فانغ يوان؛ بهت فزعه، ونهض مهرولًا يفر من المكان.
وقف صاحب الحانة العجوز إلى جانبه مطرقًا رأسه في خضوع.
في أي عالم كان، توجد دومًا فئة من الضعفاء تتسول عطف الأقوياء بوقاحة وبلا حياء؛ متوهمين أن مد يد العون واجب محتوم على القوي، وأن الامتناع عن نجدتهم جريمة ومنكر.
جثا صاحب الحانة على ركبتيه وتوسل بدموع مستعطفة: “سيدي الشاب، عجزنا عن مواصلة العيش بهذا البؤس! ارحمنا وتفضل بالرأفة بحالنا!”
على الضعيف أن يلزم قدره وأدبه؛ فإما أن يرضخ لقدره خانعًا، وإما أن يكافح بصمت وتواضع ليغير واقعه.
هز غو يوي بو رأسه محذرًا: “لا ينبغي لنا الجزم بذلك؛ فهذه مجرد حكايات متناقلة لم أعاينها بنفسي ولم أختبرها عمليًا. الأهم ألا نتهاون في هذا الشأن؛ وأقترح إرسال فريق من أسياد الغو أولًا لاختبار صحة الأمر.”
الأقوياء لا يمدون يد العون للضعفاء إلا كمنحة تفضل وصدقة عابرة حين تطيب نفوسهم بذلك.
تبادل الشيوخ النظرات في حيرة، ولم يجرؤ أحد على النطق للحظة.
أما الضعيف الذي يرفض الكد والاجتهاد، ويتسول الأقوياء بوجه صفيق مطالبًا بحقوق مزعومة كالعلقة الطفيلية، فجزاؤه الردع والإهانة بلا شفقة.
فإذا تجرأ فانغ يوان على التسلل إلى أراضي قرية باي دون إذن مسبق، فقد تباغته دوريات حراسهم وتقتله قبل أن تلمح عيناه بوابة القرية.
من رضي بالهوان واستمرأ التواكل متطلعًا لعطايا الأقوياء دون بذل وسعه، لا يستحق ذرة من الشفقة أو الاحترام قط.
رفع فانغ يوان أجورهم سابقًا لتحفيز نشاطهم وحثهم على مضاعفة العمل، وكان ذلك لمصلحته الشخصية البحتة؛ غير أن هؤلاء الحمقى توهموا ذلك كرمًا وضعفًا، وأرادوا التمادي في الطمع.
أسرع العمال يحيطون بالعجوز الملطخ بالدماء في هلع: “أيها المسؤول…”
يمتلك قوة عاتية تجعله قادرًا على إطلاق سيول هادرة من شدقه، تغمر الأراضي في لحظات وتحيلها إلى مستنقعات طينية موحلة.
“سريعًا، ضمدوا جراحه!”
فكر فانغ يوان في نفسه بحزم: ‘حتى لو كان شحيحًا، فلابد لي من الظفر به.’
ظل العجوز مجرد فانٍ حقير، ولن يعبأ أحد بمصيره حتى لو قُتل في مكانه على يد سيد غو.
هدأت تلك الزوبعة مؤخرًا، وربما كان ذلك مصداقًا للمثل القائل بأن الفرج يولد من رحم الشدة؛ فقد ظفر فانغ يوان مصادفة بطرف خيط يقوده إلى النبيذ المنشود.
أفقدت هذه النهاية الحازمة الرواد رغبتهم في التحديق، فاستداروا وعادوا لمتابعة نقاشاتهم السابقة.
جلس فانغ يوان بمفرده إلى جوار نافذة الحانة، يتذوق النبيذ في هدوء وسكينة.
تساءل أحدهم: “أعلمتم بما حدث مؤخرًا؟ خطب جلل يتردد في الأنحاء!”
أضاف ثالث بقلق: “إنه غو من المرتبة الخامسة! إن أخطأنا التعامل معه، فستسقط القرية في غياهب الهلاك!”
رد آخر: “أتقصد ضفدع ابتلاع النهر؟ من في القرية يجهل هذا النبأ الآن؟”
أنصت الشيوخ بتركيز شديد، فانقشعت سحائب التوتر والذعر عن ملامحهم تدريجيًا.
أضاف ثالث بقلق: “إنه غو من المرتبة الخامسة! إن أخطأنا التعامل معه، فستسقط القرية في غياهب الهلاك!”
فكر فانغ يوان في نفسه بحزم: ‘حتى لو كان شحيحًا، فلابد لي من الظفر به.’
علق رابع: “يقال إن غذاء هذا الضفدع هو الماء؛ فحين يجوع، يفتح شدقه الهائل ويبتلع نهرًا كاملًا في جوفه!”
تحطمت الجرة وتناثرت شظايا الفخار في الأرجاء؛ سال النبيذ ممتزجًا بالدماء المتدفقة من رأس العجوز المطرق.
صاح خامس بهلع: “وإن استشاط غضبًا، فسيطلق ذلك الطوفان في أرجاء جبل تشينغ ماو؛ وقوته مهولة تفوق الوصف… قد نهلك جميعًا!”
استنبط فانغ يوان الحقيقة بدقة: ‘غلب النعاس هذا الضفدع فنام طافيًا فوق مياه نهر هوانغ لونغ، ثم انحرف بالخطأ مع أحد الروافد الفرعية، ليستقر عند سفح جبل تشينغ ماو.’
تساءل جليسه بخوف: “ما العمل إذن؟”
اقترح آخر: “إن كان الهلاك يتربص بنا، فلمَ لا نطلب العون من قريتي شيونغ وباي؟ نحن الثلاث في قارب واحد يشد بعضه بعضًا، ولا أظنهما يتخاذلان عن النجدة!”
تنهد أحدهم: “ليس أمامنا إلا ترقب ما ستقرره القيادة العليا للعشيرة؛ فلا قبل لنا بالفرار، وإلى أين نفر أصلًا؟”
خيمت مشاعر الحيرة والاضطراب على أرجاء الحانة بأسرها.
في الوقت الراهن، بالكاد يفي بيع أوراق الحيوية باحتياجاته الخاصة، فضلًا عن انشغال باله بملاحقة النبيذ المر؛ فلمَ يثقل كاهله باسترجاع حانة من أجل هؤلاء الضعفاء؟
ابتسم فانغ يوان في سره حين تناهت هذه الهمسات إلى مسامعه: ‘ضفدع ابتلاع النهر…’
استجمع شجاعته أخيرًا وقال بصوت مرتعش: “سيدي الشاب، أرجوك أن تسترجع هذه الحانة وتتولى إدارتها من جديد! نرغب جميعًا، أنا والعمال، في العمل تحت إمرتك. لا تعلم ما فعله المالك القديم حين عاد؛ فقد اقتطع معظم أجورنا! وما نتقاضاه من فتات كل شهر بالكاد يسد رمق أسرنا.”
الخوف داء معدٍ، يتفاقم ويتعاظم كلما لاكته الألسن.
عقب أحد الشيوخ بارتياح: “إن صح ما ذكره الزعيم لتوِّه، فلن يكون طرد ضفدع ابتلاع النهر أمرًا معقدًا.”
في واقع الأمر، يتصف ضفدع ابتلاع النهر بوداعة فائقة ولا يمثل خطرًا داهما بطبيعته؛ فديدنه الدائم هو النوم، وكثيرًا ما يراه الناس يطفو مع مجرى النهر مستلقيًا على ظهره وبطنه الأبيض الناصع للأعلى، غارقًا في سبات عميق مستغرق.
رفع فانغ يوان أجورهم سابقًا لتحفيز نشاطهم وحثهم على مضاعفة العمل، وكان ذلك لمصلحته الشخصية البحتة؛ غير أن هؤلاء الحمقى توهموا ذلك كرمًا وضعفًا، وأرادوا التمادي في الطمع.
حين يستيقظ، يجرع مياه النهر حتى يمتلئ جوفه، ثم يعود إلى نومه الهادئ. لا يميل قط إلى القتال أو سفك الدماء؛ وإن واجه خصمًا، كان خياره الأول الفرار والابتعاد. ولا يشن هجومًا مضادًا كاسحًا إلا إذا حوصر في مأزق خانق وسُدت أمامه سبل النجاة.
ظل العجوز مجرد فانٍ حقير، ولن يعبأ أحد بمصيره حتى لو قُتل في مكانه على يد سيد غو.
يمتلك قوة عاتية تجعله قادرًا على إطلاق سيول هادرة من شدقه، تغمر الأراضي في لحظات وتحيلها إلى مستنقعات طينية موحلة.
أجاب صاحب الحانة العجوز على الفور: “سيدي الشاب، نبيذ الصدف المر الذي طلبت مني التقصي عنه قد شربه أحدهم في قرية باي. مادته الخام نوع من القواقع يستوطن قيعان البرك العميقة؛ سواده حالك، وتتوزع على صدفته خطوط بيضاء دائرية تشبه حلقات نمو الأشجار، ونطلق عليه اسم الصدف المر. القواقع المعتادة تنتج اللؤلؤ في بطونها، أما هذا الصدف فيبتلع الرمال والحصى في الماء ويذيبها، مكونًا ماءً شديد المرارة في جوفه. عمد أحدهم إلى كسر صدفته واستخراج مائه المر واستخدامه في تخمير النبيذ، فصنع نبيذ الصدف المر. طعمه فريد للغاية؛ يجمع بين المرارة الحادة وشذى العطر الفواح.”
استنبط فانغ يوان الحقيقة بدقة: ‘غلب النعاس هذا الضفدع فنام طافيًا فوق مياه نهر هوانغ لونغ، ثم انحرف بالخطأ مع أحد الروافد الفرعية، ليستقر عند سفح جبل تشينغ ماو.’
فإذا تجرأ فانغ يوان على التسلل إلى أراضي قرية باي دون إذن مسبق، فقد تباغته دوريات حراسهم وتقتله قبل أن تلمح عيناه بوابة القرية.
***
انحنى العجوز معتذرًا بحذر: “لا أجرؤ على الجزم بذلك سيدي؛ فقد سمعت أحاديث متفرقة بين الناس فحسب. الثابت أن قرية باي تشتهر بنبيذ الحبوب البيضاء، ويشكل هذا النبيذ مع نبيذ الخيزران الأخضر لعشيرتنا ونبيذ مرارة الدب لقرية شيونغ خمور جبل تشينغ ماو الثلاثة الشهيرة. أما نبيذ الصدف المر… فأظن أنه نادر وشحيح للغاية حتى في قرية باي.”
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.“سريعًا، ضمدوا جراحه!”
تنهد أحدهم: “حتى لو صمدنا في وجه طوفان الوحوش ونجونا فوق قمة الجبل، فبعد انحسار الغمر سيندثر نبع الروح، وتهلك الوحوش، وتتحول ديارنا إلى قاع صفصف تفتقر إلى موارد الصقل الأساسية.”
