Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

المئة عهد 2

السيد الاعلى الرابع ( 2 )
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

السيد الاعلى الرابع ( 2 )

لقد ورث سيمون إرثاً من الأوغاد.

لكن الحارس سحق آماله قائلاً بلا شفقة أو تعاطف: “لا يمكنك ذلك”.

أول من جلس على العرش القرمزي كان الشيطان الأكبر “ماردوك إنديميون المتعطش للدماء”، الذي منح الإمبراطورية اسمه وقادها خلال ما سُمي بحق “قرن الرعب”؛ وهي حقبة شهدت أحداثاً سارة مثل “جدار القديسين الصارخين”، و”مجزرة الغابة الحمراء”، و”نهب ناباديا”. لقد أرهب القارة الشرقية لمئة عام حتى التهمه خليفته حياً.

تساءل فجأة: “هل أنتِ بلا أذى؟” لا بد أن عينيه تخدعانه، فلم يرَ أي أثر لحروق أو تلف على جلدها أو ثيابها.

أما السيد الأعلى الثاني فكان التنين “غارغوث الجشع”، والذي بالرغم من أنه لم يكن قريباً بأي حال من الأحوال من فظاعة سلفه، إلا أنه دفع قبيلته إلى حافة الفناء بسبب خلاف مالي، وأحرق شخصياً مدينة كبرى بأكملها لإشعال النار في متمرد واحد — والذي، كما اتضح لاحقاً، لم يكن متواجداً هناك أصلاً. حكم سيد التنانين لقرابة ثلاثة قرون حتى قطع بالزام ماغنوس رأسه في معركة.

أما السيد الأعلى الثاني فكان التنين “غارغوث الجشع”، والذي بالرغم من أنه لم يكن قريباً بأي حال من الأحوال من فظاعة سلفه، إلا أنه دفع قبيلته إلى حافة الفناء بسبب خلاف مالي، وأحرق شخصياً مدينة كبرى بأكملها لإشعال النار في متمرد واحد — والذي، كما اتضح لاحقاً، لم يكن متواجداً هناك أصلاً. حكم سيد التنانين لقرابة ثلاثة قرون حتى قطع بالزام ماغنوس رأسه في معركة.

وكان السيد الأعلى الثالث هو “بالزام ماغنوس القاسي”، أول بشري يحوز هذا اللقب؛ وقد شهدت فترة حكمه القصيرة نسبياً ولكن المثمرة إخضاع ما لا يقل عن خمس دول مستقلة في أقل بقليل من عقدين من الزمن، وقمع جميع التمردات بكفاءة وحشية. تضاعفت مساحة الإمبراطورية خلال فترة ولايته، وكان معظم الناس يتوقعون منه أن يكمل حلم أسلافه في غزو العالم… هذا إن لم يمزق أبناؤه ملكه إرباً أولاً.

لكن الحارس سحق آماله قائلاً بلا شفقة أو تعاطف: “لا يمكنك ذلك”.

وفي جميع الحالات، كان العرش القرمزي يمنح فئة “السيد الأعلى” لمن يقتل الحامل السابق لها؛ ومع ذلك يبدو أن بالزام قد قرر كسر هذا التقليد. والسبب الوحيد الذي قد يفسر نيل سيمون لهذه القوة هو أن “لويس” أو “ثالاس” قد قتل والدهما، فأراد بالزام الكيد لكليهما بأنفاسه الأخيرة.

>  * **الثرثار:** لقد قلت الكثير ودفعت الثمن. أنت الآن محصن ضد علة الصمت.

لذا، أبقى سيمون فمه مغلقاً. وتجنب نظرات أشقائه بنفس الطريقة التي بذل بها قصارى جهده للبقاء بعيداً عن أنظار الجميع طوال معظم حياته. إن سلفه ووالده كان غارقاً بالمعنى الحرفي للكلمة في دمائه؛ ولم تكن هناك طريقة تمنعه من أن ينتهي به المطاف إلى المصير ذاته بفئة قتالية من المستوى الأول، حتى وإن كانت بقوة “السيد الأعلى”.

بالطبع لن يكون الأمر بهذه السهولة. تساءل سيمون إن كان القاتل يعلم بهذا، فلا بد أنه وجد طريقة لإخفاء آثاره على الأقل.

كان عليه الهرب الآن.

سقط من فراشه في هلع، يداه تخدشان عنقه وهو يستنشق الهواء بكل ما أوتي من قوة. تمددت رئتاه وهي ترحب بنسيم الحياة العليل. وقفت لوريان فوقه وعلامات القلق تعلو وجهها، ويدها مرفوعة نحوه كأنها تتهيأ لإيقاظه: “سيمون؟”

لكن ذلك الوغد ثالاس أفسد كل شيء: “أمي، اللقيط سيمون يحاول الفرار”.

لا يريد الموت.

لعن سيمون حظه العاثر وهو يلتفت خلف كتفه. وفي حين ورث لويس مظهر والده، كان ثالاس الأقرب إليه في السلوك والطباع. رجل حاد الملامح، يتدلى شعره القرمزي من خوذته، وله عينان ذهبيتان يبدو أنهما تلمعان في الظلمة، وكان يرتدي دائماً ابتسامة خبيثة على وجهه الوسيم. وكان حجر وسم “المحارب الهائج” يتوهج على عباءته، مستعداً لتحويله إلى تلك الوحشية القاسية المتعطشة للدماء التي طالما كان عليها.

كان بحاجة لمزيد من الوقت.

قال متهكماً بسيمون: “هل تغادرنا مبكراً يا هجين؟ ألا يثير هذا الريبة بشكل فظيع، برأيك؟”

اشتغل عقل سيمون بأقصى طاقته مع تشكل فرضية جديدة ومرعبة في ذهنه. لقد كان والده لا يُقهر طوال العقدين الماضيين. لم يخسر حرباً واحدة منذ أصبح السيد الأعلى، وسحق كل تمرد في مهده، محتفظاً بوحدة الإمبراطورية وتوسعها ببراعة طوال ذلك الوقت. وأسلافه أيضاً كان من المستحيل تقريباً الإطاحة بهم؛ لقد قبروا من الأبطال ومستخدمي الفئات القتالية ما لم يقبره أي طاغية آخر في التاريخ مجتمعين.

هددته الإمبراطورة وعيناها تلمعان بالسحر: “ستبقى في مكانك تماماً يا سيمون. لن يغادر أحد منكم هذه الغرفة حتى—”

كان العرش يحاكمه، واستطاع سيمون التماس ذلك بوضوح. لقد حاكمه، ووجده قاصراً.

سمع جنرالاً يصرخ: “سموكِ، لا تفعلي—” لكن جملته انتهت بوميض من نار.

كان ينظر إليه باستعلاء من فوق درجات من الحجر الأسود السميك، ومقعده غارق في قماش أحمر مغموس بدماء أعداء السيد الأعلى. أما جمجمة الشيطان ذات القرون المصنوعة من الزجاج البركاني الأسود والمشغولة في مسند الظهر، فكانت ترمقه بأربع عيون ياقوتية تلمع بالخبث والجوع. وامتدت خلفه أجنحة ضخمة كأنها لتساعده على الطيران قبل أن تلتقي عند القمة على هيئة ساعة ذات ريش معدني يمثل الساعات، بينما شكلت الضلوع والأنياب الملتوية مساند للذراعين.

لم يعرف سيمون من ضرب أولاً، ولم يكن يكترث؛ كل ما همّه هو أن أحدهم قد بادر بالضرب، ففعل الجميع قدراتهم رداً على ذلك. بالكاد حظي بالوقت ليرى لوريان تحاول دفعه إلى الخلف بينما يتغير جسدها إلى هيئة فئتها القتالية، والإمبراطورة تستدعي مطرقة بين يديها، قبل أن تنفجر الغرفة بأكملها في انفجار هائل.

>  * **تنبيه:** إن كشف سر العرش القرمزي بأي شكل من الأشكال لغريب سيفعل صمام الأمان وينهي عهدك قبل أوانه. لا يحق لأحد معرفة السر سوى الحارس، مجداً لكل الأسياد العظام المستقبليين.

اجتاح سيمون جدار من نار، أحرق ثيابه وصهر جلده عن لحمه. تملكه ألم رهيب يفوق الوصف، ومزق جسده بالعذاب. لكان قد صرخ لولا أن النيران صهرت حنجرته عن عموده الفقري، وسرعان ما غلت عيناه في محجريهما.

> **[هذا هو العهد الثاني من عهودك المئة.]**

وعندما حل الظلام سريعاً، كان أشبه برحمة.

كان سيمون مشغولاً بالشهيق والزفير لدرجة منعت من الإجابة. ظل يلهث لزمن لا يعلمه إلا الضوء، محاولاً استعادة هدوئه.

حلم بالعرش القرمزي.

نطق سيمون بالجملة دون سابق إنذار أو نبرة انتصار. كان تصريحاً بسيطاً، ربما يحمل في طياته الاستسلام.

كان ينظر إليه باستعلاء من فوق درجات من الحجر الأسود السميك، ومقعده غارق في قماش أحمر مغموس بدماء أعداء السيد الأعلى. أما جمجمة الشيطان ذات القرون المصنوعة من الزجاج البركاني الأسود والمشغولة في مسند الظهر، فكانت ترمقه بأربع عيون ياقوتية تلمع بالخبث والجوع. وامتدت خلفه أجنحة ضخمة كأنها لتساعده على الطيران قبل أن تلتقي عند القمة على هيئة ساعة ذات ريش معدني يمثل الساعات، بينما شكلت الضلوع والأنياب الملتوية مساند للذراعين.

“اقتلهم جميعاً.”

كان العرش يحاكمه، واستطاع سيمون التماس ذلك بوضوح. لقد حاكمه، ووجده قاصراً.

خيم صمت ثقيل على الغرفة، قطعه سيمون بسؤال يعلم إجابته سلفاً: “من؟”

> **[هذا هو العهد الثاني من عهودك المئة.]**

كان سيمون مشغولاً بالشهيق والزفير لدرجة منعت من الإجابة. ظل يلهث لزمن لا يعلمه إلا الضوء، محاولاً استعادة هدوئه.

> **[لقد حزت لقب: سيمون قصير الأجل.]**

> **[هذا هو العهد الثاني من عهودك المئة.]**

>  * **قصير الأجل:** لم يدم عهدك حتى لساعتين. (+5 رشاقة).

حلم بالعرش القرمزي مجدداً.

>

“أنا… لم أرَ عملية القتل نفسها”. كافح سيمون ليصدق أن والده قد اغتيل، رغم الدليل الساطع المتمثل في فئته القتالية التي انتقلت إليه في زاوية عينه. “كنا في غرفة نوم والدي، جميعاً، ثم ضرب أحدهم وانقلب كل شيء إلى جحيم”.

*العهد الثاني؟ ماذا يعني—*

لا شيء سوى ألم وهمي، حاد ومبرح.

انتهى الحلم كسابقه، بيَد لوريان وهي توقظه بهزة عنيفة.

يتكرر الأمر مجدداً.

أمرته وهي ترتدي زيها كما كانت قبل دقيقة واحدة فقط من بدء تمزق البلاط بأكمله: “ارتدِ بنطالك وتعال معي. ليس لدينا متسع من الوقت”.

حدقت فيه أخته غير الشقيقة بذهول وعدم تصديق، وهو شعور لم تبده لسيمون قط طوال هذه السنوات. وكان هذا، ربما، شعوراً أكثر إسكاراً من القوة نفسها.

كافح عقل سيمون لاستيعاب الموقف. لقد تذكر الانفجار، والنيران، والبلاط الإمبراطوري بأكمله وهو يمزق بعضه بعضاً كالوحوش الكاسرة… والآن عاد بطريقة ما إلى غرفته، وأخته غير الشقيقة تهزه ككيس من البطاطس.

لكن الظلام لم يكترث. ابتلعه بالكامل في فراش سحيق يعصف به برد قارس، ثم…

تساءل فجأة: “هل أنتِ بلا أذى؟” لا بد أن عينيه تخدعانه، فلم يرَ أي أثر لحروق أو تلف على جلدها أو ثيابها.

قال متهكماً بسيمون: “هل تغادرنا مبكراً يا هجين؟ ألا يثير هذا الريبة بشكل فظيع، برأيك؟”

“نعم، نعم، أنا بلا أذى، لا تقلق… ولكن لا يمكنني قول الشيء نفسه عن والدنا”. تنفست لوريان الصعداء: “الكابوس الذي كان يؤرق مضجعك قد حدث فعلاً”.

خطرت في بال سيمون فكرة واحدة بينما كان سواد الغيبوبة يبتلع كل شيء: أنه لا يريد الموت.

انتاب سيمون أسوأ شعور بالـ “ديجافو”. رمش عدة مرات محاولاً فهم كل ما يجري. هل… هل حلم بكل ذلك؟ لا، لم يكن ذلك حلماً. لم يشعر قط بشيء واقعي كألم الاحتراق حتى الموت، ولم يتذكر شيئاً بهذا الوضوح. علاوة على ذلك، كانت أيقونة شاشة حالته لا تزال نشطة في زاوية رؤيته.

لكن ذلك الوغد ثالاس أفسد كل شيء: “أمي، اللقيط سيمون يحاول الفرار”.

ما الذي يحدث؟

قال سيمون موضحاً الواضح: “لن أقتلكِ يا لوريان”. ومع ذلك، شك في قدرته على ذلك أصلاً؛ فقد سمع أنها في المستوى 60 على الأقل، ومستخدم الفئة الحكيم لا يكشف عن قوته الحقيقية لأحد قط.

قالت أخته بنبرة أكثر حزماً من ذي قبل: “سيمون، لا يوجد وقت. ارتدِ ثيابك الآ—”

كان العرش يحاكمه، واستطاع سيمون التماس ذلك بوضوح. لقد حاكمه، ووجده قاصراً.

قاطعها متسائلاً ومستفسراً: “هل طُعن؟ مع عشيقته؟ وبُقرت بطنه كالسمكة؟”

تساءلت لوريان وهي تشير بيدها نحو سيمون: “لماذا اختاره هو إذن؟ إنه آخر شخص قد يرغب بالعرش!”

اتسعت عينا لوريان دهشة: “هل حلمت بهذا؟”

“أشقاؤك. اقتلهم جميعاً. أبناء الزواج الشرعي وأبناء الزنى على حد سواء. اقتلهم جميعاً”. وكان الجزء الأسوأ هو أن الحارس حاكى صوت والده تماماً وهو ينطق بهذه الكلمات، لكونه حفظها مباشرة من فم السيد الأعلى. “كانت تلك الرغبة الأخيرة للإمبراطور الراحل لخليفته”.

“أنا… أظنني حظيت برؤية للمستقبل”. شعر بحلق جاف فجأة، وكان هذا هو التفسير الوحيد المنطقي. “لا أعلم كيف، لكني رأيت الأمر يحدث”.

شحب وجه لوريان، وارتجفت أصابعها وقبضتهما في كفيها. حدقت بالحارس لبرهة ثم التفتت لتواجه نافذة الغرفة دون أن تنطق ببنت شفة.

أمسكت بكتفيه بنبرة يملؤها الأمل: “وهل رأيت القاتل أيضاً؟ إن كنت تعلم يا سيمون، فعليك إخباري الآن. الجميع في حالة توتر شديد بسبب هذا الوضع”.

قالت أخته بنبرة أكثر حزماً من ذي قبل: “سيمون، لا يوجد وقت. ارتدِ ثيابك الآ—”

“أنا… لم أرَ عملية القتل نفسها”. كافح سيمون ليصدق أن والده قد اغتيل، رغم الدليل الساطع المتمثل في فئته القتالية التي انتقلت إليه في زاوية عينه. “كنا في غرفة نوم والدي، جميعاً، ثم ضرب أحدهم وانقلب كل شيء إلى جحيم”.

وتابع: “إن عهد السيد الأعلى لا ينتهي إلا بالموت. يمكن للسيد الأعلى اختيار وريث، لكن الفئة لن تنتقل لحاملها الجديد إلا بعد أن يلفظ جلالته المظلمة أنفاسه الأخيرة. لا يوجد أي احتمال للاستقالة أو التنازل عن العرش”.

تساءلت لوريان بحيرة بالغة: “إذن رأيت المستقبل؟ كأصحاب فئة العرّاف؟”

خطرت في بال سيمون فكرة واحدة بينما كان سواد الغيبوبة يبتلع كل شيء: أنه لا يريد الموت.

سخر سيمون: “حسناً… إما هذا، أو أنني سافرت عبر الز…”

لا يريد الموت.

ماتت الكلمة في حلقه.

لم يعرف سيمون من ضرب أولاً، ولم يكن يكترث؛ كل ما همّه هو أن أحدهم قد بادر بالضرب، ففعل الجميع قدراتهم رداً على ذلك. بالكاد حظي بالوقت ليرى لوريان تحاول دفعه إلى الخلف بينما يتغير جسدها إلى هيئة فئتها القتالية، والإمبراطورة تستدعي مطرقة بين يديها، قبل أن تنفجر الغرفة بأكملها في انفجار هائل.

سعل سيمون بقوة مع انطباق ضغط هائل على قصبته الهوائية بدأ يسحق عنقه. شعر بأصابع باردة بشكل لا يطاق تضغط على جلده بقوة غير بشرية، ولكن عندما امتدت يداه إلى عنقه بغريزة الدفاع، لم تجدا شيئاً.

شهقت لوريان بذعر وهي تنظر إلى عنقه: “سيمون؟! بحق الضوء، ما هذا الذي…”

لا شيء سوى ألم وهمي، حاد ومبرح.

أجاب الحارس: “لا أعلم. أنا موجود لأخدم لا لأتساءل”.

سقط سيمون على الأرض بينما كانت القوة الخفية التي تخنقه تعتصر الهواء من رئتيه. تشوشت رؤيته بومضات من الماضي والحاضر مع تدفق الدماء إلى رأسه. لم تكن الأوصاف التي قرأها في المكتبة لتصف ولو جزءاً يسيراً من رعب الاختناق.

قالت لوريان: “أياً كان الحلم الذي رأيته، أخشى أنه لا يوجد وقت لمناقشته. ارتدِ بنطالك وتعال معي”.

شهقت لوريان بذعر وهي تنظر إلى عنقه: “سيمون؟! بحق الضوء، ما هذا الذي…”

حلم بالعرش القرمزي مجدداً.

لم يكن لديه أي فكرة عما رأته، لكن الأمر كان يقتله. شعر سيمون بانتهاء طاقته في عظامه. صرخت لوريان تستدعي المعالجين وطاردي الأرواح الشريرة، لكن الأوان كان قد فات بالفعل. بدأ وعيه بالحياة يتلاشى.

بإمكانه فعل أي شيء. كان يعلم ذلك. كل شكوكه ومخاوفه من الاغتيال تلاشت أمام الثقة العارمة التي تغلغلت في جسده وعقله.

خطرت في بال سيمون فكرة واحدة بينما كان سواد الغيبوبة يبتلع كل شيء: أنه لا يريد الموت.

سمع جنرالاً يصرخ: “سموكِ، لا تفعلي—” لكن جملته انتهت بوميض من نار.

لا يزال أمامه الكثير ليفعله. لم يتزوج قط، ولم يتسنّ له الالتحاق بالأكاديمية أو يصبح مغامراً كما أراد دوماً، ولم يسافر ليرى العالم، لم يعش بعد. لا يمكنه الموت هنا والآن، بلا تفسير ولا إجابة. أراد أن يعيش حتى الثمانين، التسعين، أو حتى قرناً من الزمان.

“لن نضطر لذلك”. كان لدى سيمون خطة بالفعل في ذهنه. وتساءل: “أيها الحارس، كيف أنقل هذه الفئة القتالية لغيري دون أن أموت؟”

كان بحاجة لمزيد من الوقت.

ماتت الكلمة في حلقه.

لا يريد الموت.

عقدت لوريان حاجبيها وهي تقرأ الوثيقة، ثم التفتت بغضب نحو حارسها الشخصي، الذي نهض للتو من الأرض بعد أن قُذف نحو الجدار إثر تحول سيمون السابق: “كل ما تسمعه أو تراه الآن لن يخرج من هذه الغرفة”.

لا يمكنه الموت هنا!

تساءلت لوريان وهي تشير بيدها نحو سيمون: “لماذا اختاره هو إذن؟ إنه آخر شخص قد يرغب بالعرش!”

لكن الظلام لم يكترث. ابتلعه بالكامل في فراش سحيق يعصف به برد قارس، ثم…

قاطعها متسائلاً ومستفسراً: “هل طُعن؟ مع عشيقته؟ وبُقرت بطنه كالسمكة؟”

ثم كانت النهاية.

بإمكانه فعل أي شيء. كان يعلم ذلك. كل شكوكه ومخاوفه من الاغتيال تلاشت أمام الثقة العارمة التي تغلغلت في جسده وعقله.

حلم بالعرش القرمزي مجدداً.

لقد كان وصف الميزة الفطرية دقيقاً؛ إنه يطيع أوامري بالفعل… أمر سيمون الكيان: “أرِ أختي غير الشقيقة وصية والدي”، فسلم الحارس الوثيقة إلى لوريان. “أرأيتِ؟”

كان لا يزال ينظر إليه باستعلاء، لكن ليس بخيبة أمل هذه المرة. أقسم سيمون أنه لمح بريقاً من التسلية في عيونه الأربع. كان ذلك الكرسي اللعين يسخر منه، ويضحك على عودته السريعة.

وسألته بنبرة غاية في الخطورة: “هل أنت من فعلها؟”

> **[هذا هو العهد الثالث من عهودك المئة. لقد حزت لقب: سيمون الثرثار.]**

كان ينظر إليه باستعلاء من فوق درجات من الحجر الأسود السميك، ومقعده غارق في قماش أحمر مغموس بدماء أعداء السيد الأعلى. أما جمجمة الشيطان ذات القرون المصنوعة من الزجاج البركاني الأسود والمشغولة في مسند الظهر، فكانت ترمقه بأربع عيون ياقوتية تلمع بالخبث والجوع. وامتدت خلفه أجنحة ضخمة كأنها لتساعده على الطيران قبل أن تلتقي عند القمة على هيئة ساعة ذات ريش معدني يمثل الساعات، بينما شكلت الضلوع والأنياب الملتوية مساند للذراعين.

>  * **الثرثار:** لقد قلت الكثير ودفعت الثمن. أنت الآن محصن ضد علة الصمت.

> **[هذا هو العهد الثالث من عهودك المئة. لقد حزت لقب: سيمون الثرثار.]**

>  * **تنبيه:** إن كشف سر العرش القرمزي بأي شكل من الأشكال لغريب سيفعل صمام الأمان وينهي عهدك قبل أوانه. لا يحق لأحد معرفة السر سوى الحارس، مجداً لكل الأسياد العظام المستقبليين.

قالت لوريان: “أياً كان الحلم الذي رأيته، أخشى أنه لا يوجد وقت لمناقشته. ارتدِ بنطالك وتعال معي”.

>  * **احمل الحقيقة معك إلى قبرك. لقد أُعذر من أنذر.**

ما الذي يحدث؟

>

كان ذلك… حقيقياً. لم يكن رؤية، ولا حلماً. لقد حدث. كان لا يزال يشعر بأثر الأصابع الوهمية على عنقه. لقد قال الكثير، وعاقبه العرش القرمزي بالموت على ذلك بطريقة ما.

استيقظ سيمون وهو يلهث طلباً للهواء.

لعن سيمون حظه العاثر وهو يلتفت خلف كتفه. وفي حين ورث لويس مظهر والده، كان ثالاس الأقرب إليه في السلوك والطباع. رجل حاد الملامح، يتدلى شعره القرمزي من خوذته، وله عينان ذهبيتان يبدو أنهما تلمعان في الظلمة، وكان يرتدي دائماً ابتسامة خبيثة على وجهه الوسيم. وكان حجر وسم “المحارب الهائج” يتوهج على عباءته، مستعداً لتحويله إلى تلك الوحشية القاسية المتعطشة للدماء التي طالما كان عليها.

سقط من فراشه في هلع، يداه تخدشان عنقه وهو يستنشق الهواء بكل ما أوتي من قوة. تمددت رئتاه وهي ترحب بنسيم الحياة العليل. وقفت لوريان فوقه وعلامات القلق تعلو وجهها، ويدها مرفوعة نحوه كأنها تتهيأ لإيقاظه: “سيمون؟”

سقط سيمون على الأرض بينما كانت القوة الخفية التي تخنقه تعتصر الهواء من رئتيه. تشوشت رؤيته بومضات من الماضي والحاضر مع تدفق الدماء إلى رأسه. لم تكن الأوصاف التي قرأها في المكتبة لتصف ولو جزءاً يسيراً من رعب الاختناق.

كان سيمون مشغولاً بالشهيق والزفير لدرجة منعت من الإجابة. ظل يلهث لزمن لا يعلمه إلا الضوء، محاولاً استعادة هدوئه.

كان لا يزال ينظر إليه باستعلاء، لكن ليس بخيبة أمل هذه المرة. أقسم سيمون أنه لمح بريقاً من التسلية في عيونه الأربع. كان ذلك الكرسي اللعين يسخر منه، ويضحك على عودته السريعة.

كان ذلك… حقيقياً. لم يكن رؤية، ولا حلماً. لقد حدث. كان لا يزال يشعر بأثر الأصابع الوهمية على عنقه. لقد قال الكثير، وعاقبه العرش القرمزي بالموت على ذلك بطريقة ما.

كان بحاجة لمزيد من الوقت.

ثم أعاده بطريقة ما.

يتكرر الأمر مجدداً.

قالت لوريان: “أياً كان الحلم الذي رأيته، أخشى أنه لا يوجد وقت لمناقشته. ارتدِ بنطالك وتعال معي”.

“نعم، نعم، أنا بلا أذى، لا تقلق… ولكن لا يمكنني قول الشيء نفسه عن والدنا”. تنفست لوريان الصعداء: “الكابوس الذي كان يؤرق مضجعك قد حدث فعلاً”.

يتكرر الأمر مجدداً.

تساءلت لوريان بحيرة بالغة: “إذن رأيت المستقبل؟ كأصحاب فئة العرّاف؟”

أحدق سيمون في أخته غير الشقيقة، التي بادلته النظرات بقلق وحيرة متزايدين. لم تذكر شيئاً عن رؤيته يموت أمام عينيها بفعل قوة خفية. لم تبدِ أي ارتياح لنجاته ولم تقر بحدوثها أصلاً. لقد حدث الأمر، لكنها لا تذكره.

أمرته وهي ترتدي زيها كما كانت قبل دقيقة واحدة فقط من بدء تمزق البلاط بأكمله: “ارتدِ بنطالك وتعال معي. ليس لدينا متسع من الوقت”.

قالت اللعنة إنها ستقتله إن أفشى سر العرش الأكبر، لكنها لم تمسه عندما قال إنه حظي برؤية للمستقبل. لقد قتلته فقط عندما مزح بشأن السفر عبر الزمن.

وسألته بنبرة غاية في الخطورة: “هل أنت من فعلها؟”

*لا يمكن أن يكون هذا سفراً عبر الزمن*، حدث سيمون نفسه. فحتى فئة “ساحر الزمن”لا يمكن لمستخدمها العودة إلى الوراء، بل التقدم للأمام فقط. كانت تلك قاعدة لا تقبل الخرق في السحر والفيزياء الغيبية على حد سواء. لا يمكنك العودة بالزمن.

اتسعت عينا لوريان دهشة: “هل حلمت بهذا؟”

إلا إذا…

ثم أعاده بطريقة ما.

اشتغل عقل سيمون بأقصى طاقته مع تشكل فرضية جديدة ومرعبة في ذهنه. لقد كان والده لا يُقهر طوال العقدين الماضيين. لم يخسر حرباً واحدة منذ أصبح السيد الأعلى، وسحق كل تمرد في مهده، محتفظاً بوحدة الإمبراطورية وتوسعها ببراعة طوال ذلك الوقت. وأسلافه أيضاً كان من المستحيل تقريباً الإطاحة بهم؛ لقد قبروا من الأبطال ومستخدمي الفئات القتالية ما لم يقبره أي طاغية آخر في التاريخ مجتمعين.

لقد حُكِم على سيمون بالخضوع لكرسي الحُكم لزمن طويل، طويلٍ جداً.

فهل كان نجاح الأسياد العظام في التعامل مع التهديدات نابعاً من علمهم المسبق بها لأنهم عاشوها من قبل؟

قالت لوريان: “أياً كان الحلم الذي رأيته، أخشى أنه لا يوجد وقت لمناقشته. ارتدِ بنطالك وتعال معي”.

قالت لوريان وقد نفد صبرها: “سيمون، هذه حالة طوارئ، وليس لدي وقت لأدللك. الشيء الذي حلمت به—”

وكان السيد الأعلى الثالث هو “بالزام ماغنوس القاسي”، أول بشري يحوز هذا اللقب؛ وقد شهدت فترة حكمه القصيرة نسبياً ولكن المثمرة إخضاع ما لا يقل عن خمس دول مستقلة في أقل بقليل من عقدين من الزمن، وقمع جميع التمردات بكفاءة وحشية. تضاعفت مساحة الإمبراطورية خلال فترة ولايته، وكان معظم الناس يتوقعون منه أن يكمل حلم أسلافه في غزو العالم… هذا إن لم يمزق أبناؤه ملكه إرباً أولاً.

“أنا السيد الأعلى الرابع.”

كان هذا اللقب يجلب الكثير من المتاعب، حتى مع القدرة على العودة بالزمن. لم يكن لسيمون أي رغبة في الخوض في السياسة أو أن يكون محور الفوضى التي ستحل بالإمبراطورية حتماً. فالبلاط لم يصمد حتى لساعة واحدة دون أن يمزق بعضه بعضاً. وكان من الأفضل له تمرير هذه الجمرة الحارقة لشخص آخر ليتعامل مع العواقب.

نطق سيمون بالجملة دون سابق إنذار أو نبرة انتصار. كان تصريحاً بسيطاً، ربما يحمل في طياته الاستسلام.

“نعم، نعم، أنا بلا أذى، لا تقلق… ولكن لا يمكنني قول الشيء نفسه عن والدنا”. تنفست لوريان الصعداء: “الكابوس الذي كان يؤرق مضجعك قد حدث فعلاً”.

كان قول الحقيقة مخاطرة، لكن لوريان كانت الشخص الوحيد الذي يثق به نوعاً ما في هذا القصر. كانت الأكثر حكمة بين أبناء والده، وبذلت قصارى جهدها لتصادقه — وهو ابن زنى وضيع الشأن — بل وجادلت دفاعاً عنه عندما حاول ثالاس إعدامه. علاوة على ذلك، حاولت إنقاذه مرتين. كان بإمكانه على الأقل الاطمئننان إلى أنها لن تقتله في التو واللحظة.

لا يمكنه الموت هنا!

حدقت فيه لزمن طويل، وملامحها تزداد جموداً: “أثبت ذلك”.

> **[لقد حزت لقب: سيمون قصير الأجل.]**

نهض سيمون على قدميه، وأخذ نفساً عميقاً: “السيد الأعلى”.

واستفسر سيمون: “هل قال والدي شيئاً إذن؟ هل أخبرك بأي شيء؟ تعليمات سرية مخصصة لمسامعي فقط؟” ورغم أنه لن يذرف الدموع على العجوز، إلا أنه لم يكن في عجلة من أمره ليلقى المصير ذاته.

لم يكن متأكداً إن كان بحاجة لنطق اسم الفئة، أم أن التفكير فيها بتركيز شديد كان كافياً، لكن النتيجة لم تختلف؛ إذ تجسدت فئته القتالية في دفق هائل من المانا. دارت هالة بنفسجية سامة حول سيمون بقوة قذفت بفارس لوريان نحو جدار الغرفة، بينما غطت أخته وجهها.

يتكرر الأمر مجدداً.

كل الفئات القتالية تغير مظهر مستخدمها عند التفعيل؛ فالفرسان يكتسبون دروعاً تتشكل من المانا، والسحرة يرتدون عباءات وقبعات مدببة. لكن رداء “السيد الأعلى” تفوق عليهم جميعاً. درع صفيحي من فولاذ أثيري أسود غطى كل شبر من جلده، وتشكلت درعه الصدرية على هيئة جمجمة كبش شيطاني، يتدفق من خلال معدنها سحر دنس. وانسدلت من كتفيه عباءة من ظلال أثيرية تموج بالحركة، بينما تشكل في كفه المغطاة بالقفاز الصولجاني هراوة مظلمة. خوذة مكللة بالأنياب غطت شعره الأشقر القصير، ورغم احتوائها على شقين ضيقين لعينيه الرماديتين، إلا أنهما كانتا تنضحان بهالة مظلمة يرى من خلالها بوضوح كوضوح النهار.

أحدق سيمون في أخته غير الشقيقة، التي بادلته النظرات بقلق وحيرة متزايدين. لم تذكر شيئاً عن رؤيته يموت أمام عينيها بفعل قوة خفية. لم تبدِ أي ارتياح لنجاته ولم تقر بحدوثها أصلاً. لقد حدث الأمر، لكنها لا تذكره.

أما القوة… فالقوة التي تتدفق في عروقه كانت تسلب العقول. شعر بالنار تسري في دمائه، والسحر في عظامه، والموقد يستعر في روحه. سمع سيمون أن معظم مستخدمي الفئات لا يمكنهم الحفاظ على رداء فئاتهم إلا لوقت محدود قبل نفاد المانا، لكنه لم يشعر بأي ضغط من هذا القبيل مع “السيد الأعلى”. بل على العكس تماماً، بدا درعه ضيقاً للغاية على القوة التي تتراكم بداخله الآن، كالسد الذي يحبس المحيط خلفه.

قرأ سيمون ما بين السطور. لن تنتقل الفئة القتالية إلا بعد أن يستنفد جميع ‘عهوده’، مهما طال بها الزمن.

بإمكانه فعل أي شيء. كان يعلم ذلك. كل شكوكه ومخاوفه من الاغتيال تلاشت أمام الثقة العارمة التي تغلغلت في جسده وعقله.

> **[هذا هو العهد الثالث من عهودك المئة. لقد حزت لقب: سيمون الثرثار.]**

حدقت فيه أخته غير الشقيقة بذهول وعدم تصديق، وهو شعور لم تبده لسيمون قط طوال هذه السنوات. وكان هذا، ربما، شعوراً أكثر إسكاراً من القوة نفسها.

حدقت فيه أخته غير الشقيقة بذهول وعدم تصديق، وهو شعور لم تبده لسيمون قط طوال هذه السنوات. وكان هذا، ربما، شعوراً أكثر إسكاراً من القوة نفسها.

لكن عينيها ضاقتا فجأة وهي ترقبه.

أجاب الحارس: “لا أعلم من قتل الإمبراطور السابق ولا تحت أي ظروف، لكني أؤكد أن وفاته حدثت في الساعة الواحدة والنصف صباحاً. واكتملت عملية انتقال الفئة القتالية في ذلك الوقت”.

وسألته بنبرة غاية في الخطورة: “هل أنت من فعلها؟”

نهض سيمون على قدميه، وأخذ نفساً عميقاً: “السيد الأعلى”.

أعادت كلماتها سيمون إلى أرض الواقع وقشعت الضباب الذي تملك عقله بقسوة. لقد سخر والده هذه القوة إلى ذروتها، بمستويات وقدرات تفوق ما سيعرفه سيمون يوماً، ومع ذلك لقي حتفه. لقد قتله أحدهم وتفوق عليه بالدهاء لدرجة لم تسعفه معها ميزة السفر عبر الزمن.

توقفت نبضات قلب سيمون لبرهة: “أي تعليمات؟”

*تذكر دائماً أنك فاني.* هز سيمون رأسه، مجبراً نفسه على التركيز بعيداً عن نشوة القوة التي غذتها فئته القتالية، وثبّت فكره. وألغى تحول الفئة بفكرة واحدة، ليعود إلى هيئته البشرية قبل أن يشعر أحد بهالته. الحذر. الحذر أولاً.

أمسكت بكتفيه بنبرة يملؤها الأمل: “وهل رأيت القاتل أيضاً؟ إن كنت تعلم يا سيمون، فعليك إخباري الآن. الجميع في حالة توتر شديد بسبب هذا الوضع”.

وأصر مخاطباً لوريان: “لا، لم أفعل. لم أكن أظن أن الإمبراطور يمكن أن يموت”.

تجسد حارس العرش في سحابة من الدخان مستجيباً لنداء سيده.

ردت لوريان ونبرتها مثقلة بالشك: “كنت أظن الشيء نفسه، لكن جثة والدي تثبت العكس. كيف ورثت فئته القتالية إن لم تكن أنت من قتله بنفسك؟”

بالطبع لن يكون الأمر بهذه السهولة. تساءل سيمون إن كان القاتل يعلم بهذا، فلا بد أنه وجد طريقة لإخفاء آثاره على الأقل.

كانت قاب قوسين أو أدنى من اتهامه بقتل والده وعشيرته. وكان لاتهامها هذا منطق، فكل الأسياد العظام السابقين حازوا الفئة بقتل سلفهم. وكان سيمون الاستثناء الوحيد على حد علمه.

وسألته بنبرة غاية في الخطورة: “هل أنت من فعلها؟”

“لقد وضعها والدي في وصيته”. رفع سيمون يده مشيراً إلى مساحة فارغة. كيف استدعاه والده مجدداً؟ “أيها الحارس، آمرك بالمثول أمامي”.

استيقظ سيمون وهو يلهث طلباً للهواء.

تجسد حارس العرش في سحابة من الدخان مستجيباً لنداء سيده.

قالت لوريان: “أياً كان الحلم الذي رأيته، أخشى أنه لا يوجد وقت لمناقشته. ارتدِ بنطالك وتعال معي”.

وسأل بصوت خالٍ من المشاعر بالكامل، والوصية الإمبراطورية مطوية بين يديه: “نعم، يا صاحب الجلالة المظلمة؟”

لا يزال أمامه الكثير ليفعله. لم يتزوج قط، ولم يتسنّ له الالتحاق بالأكاديمية أو يصبح مغامراً كما أراد دوماً، ولم يسافر ليرى العالم، لم يعش بعد. لا يمكنه الموت هنا والآن، بلا تفسير ولا إجابة. أراد أن يعيش حتى الثمانين، التسعين، أو حتى قرناً من الزمان.

لقد كان وصف الميزة الفطرية دقيقاً؛ إنه يطيع أوامري بالفعل… أمر سيمون الكيان: “أرِ أختي غير الشقيقة وصية والدي”، فسلم الحارس الوثيقة إلى لوريان. “أرأيتِ؟”

عقدت لوريان حاجبيها وهي تقرأ الوثيقة، ثم التفتت بغضب نحو حارسها الشخصي، الذي نهض للتو من الأرض بعد أن قُذف نحو الجدار إثر تحول سيمون السابق: “كل ما تسمعه أو تراه الآن لن يخرج من هذه الغرفة”.

عقدت لوريان حاجبيها وهي تقرأ الوثيقة، ثم التفتت بغضب نحو حارسها الشخصي، الذي نهض للتو من الأرض بعد أن قُذف نحو الجدار إثر تحول سيمون السابق: “كل ما تسمعه أو تراه الآن لن يخرج من هذه الغرفة”.

فهل كان نجاح الأسياد العظام في التعامل مع التهديدات نابعاً من علمهم المسبق بها لأنهم عاشوها من قبل؟

“أمركِ يا صاحبة السمو”.

كان سيمون مشغولاً بالشهيق والزفير لدرجة منعت من الإجابة. ظل يلهث لزمن لا يعلمه إلا الضوء، محاولاً استعادة هدوئه.

سألت لوريان الحارس فوراً: “من قتل والدي؟ ثالاس؟ لويس؟ من؟”

لكن ذلك الوغد ثالاس أفسد كل شيء: “أمي، اللقيط سيمون يحاول الفرار”.

ظل الحارس صامتاً كالقبر، مما جعل سيمون يتنهد ويأمر: “أجب عن جميع أسئلتها أيها الحارس”.

انتهى الحلم كسابقه، بيَد لوريان وهي توقظه بهزة عنيفة.

أجاب الحارس: “لا أعلم من قتل الإمبراطور السابق ولا تحت أي ظروف، لكني أؤكد أن وفاته حدثت في الساعة الواحدة والنصف صباحاً. واكتملت عملية انتقال الفئة القتالية في ذلك الوقت”.

سقط من فراشه في هلع، يداه تخدشان عنقه وهو يستنشق الهواء بكل ما أوتي من قوة. تمددت رئتاه وهي ترحب بنسيم الحياة العليل. وقفت لوريان فوقه وعلامات القلق تعلو وجهها، ويدها مرفوعة نحوه كأنها تتهيأ لإيقاظه: “سيمون؟”

تساءلت لوريان وهي تشير بيدها نحو سيمون: “لماذا اختاره هو إذن؟ إنه آخر شخص قد يرغب بالعرش!”

لقد حُكِم على سيمون بالخضوع لكرسي الحُكم لزمن طويل، طويلٍ جداً.

أجاب الحارس: “لا أعلم. أنا موجود لأخدم لا لأتساءل”.

ثم كانت النهاية.

بالطبع لن يكون الأمر بهذه السهولة. تساءل سيمون إن كان القاتل يعلم بهذا، فلا بد أنه وجد طريقة لإخفاء آثاره على الأقل.

لا شيء سوى ألم وهمي، حاد ومبرح.

واستفسر سيمون: “هل قال والدي شيئاً إذن؟ هل أخبرك بأي شيء؟ تعليمات سرية مخصصة لمسامعي فقط؟” ورغم أنه لن يذرف الدموع على العجوز، إلا أنه لم يكن في عجلة من أمره ليلقى المصير ذاته.

نهض سيمون على قدميه، وأخذ نفساً عميقاً: “السيد الأعلى”.

أجاب الحارس: “نعم”.

أما السيد الأعلى الثاني فكان التنين “غارغوث الجشع”، والذي بالرغم من أنه لم يكن قريباً بأي حال من الأحوال من فظاعة سلفه، إلا أنه دفع قبيلته إلى حافة الفناء بسبب خلاف مالي، وأحرق شخصياً مدينة كبرى بأكملها لإشعال النار في متمرد واحد — والذي، كما اتضح لاحقاً، لم يكن متواجداً هناك أصلاً. حكم سيد التنانين لقرابة ثلاثة قرون حتى قطع بالزام ماغنوس رأسه في معركة.

توقفت نبضات قلب سيمون لبرهة: “أي تعليمات؟”

تساءلت لوريان بحيرة بالغة: “إذن رأيت المستقبل؟ كأصحاب فئة العرّاف؟”

“اقتلهم جميعاً.”

بالطبع لن يكون الأمر بهذه السهولة. تساءل سيمون إن كان القاتل يعلم بهذا، فلا بد أنه وجد طريقة لإخفاء آثاره على الأقل.

خيم صمت ثقيل على الغرفة، قطعه سيمون بسؤال يعلم إجابته سلفاً: “من؟”

بإمكانه فعل أي شيء. كان يعلم ذلك. كل شكوكه ومخاوفه من الاغتيال تلاشت أمام الثقة العارمة التي تغلغلت في جسده وعقله.

“أشقاؤك. اقتلهم جميعاً. أبناء الزواج الشرعي وأبناء الزنى على حد سواء. اقتلهم جميعاً”. وكان الجزء الأسوأ هو أن الحارس حاكى صوت والده تماماً وهو ينطق بهذه الكلمات، لكونه حفظها مباشرة من فم السيد الأعلى. “كانت تلك الرغبة الأخيرة للإمبراطور الراحل لخليفته”.

>

شحب وجه لوريان، وارتجفت أصابعها وقبضتهما في كفيها. حدقت بالحارس لبرهة ثم التفتت لتواجه نافذة الغرفة دون أن تنطق ببنت شفة.

كل الفئات القتالية تغير مظهر مستخدمها عند التفعيل؛ فالفرسان يكتسبون دروعاً تتشكل من المانا، والسحرة يرتدون عباءات وقبعات مدببة. لكن رداء “السيد الأعلى” تفوق عليهم جميعاً. درع صفيحي من فولاذ أثيري أسود غطى كل شبر من جلده، وتشكلت درعه الصدرية على هيئة جمجمة كبش شيطاني، يتدفق من خلال معدنها سحر دنس. وانسدلت من كتفيه عباءة من ظلال أثيرية تموج بالحركة، بينما تشكل في كفه المغطاة بالقفاز الصولجاني هراوة مظلمة. خوذة مكللة بالأنياب غطت شعره الأشقر القصير، ورغم احتوائها على شقين ضيقين لعينيه الرماديتين، إلا أنهما كانتا تنضحان بهالة مظلمة يرى من خلالها بوضوح كوضوح النهار.

قال سيمون موضحاً الواضح: “لن أقتلكِ يا لوريان”. ومع ذلك، شك في قدرته على ذلك أصلاً؛ فقد سمع أنها في المستوى 60 على الأقل، ومستخدم الفئة الحكيم لا يكشف عن قوته الحقيقية لأحد قط.

لذا، أبقى سيمون فمه مغلقاً. وتجنب نظرات أشقائه بنفس الطريقة التي بذل بها قصارى جهده للبقاء بعيداً عن أنظار الجميع طوال معظم حياته. إن سلفه ووالده كان غارقاً بالمعنى الحرفي للكلمة في دمائه؛ ولم تكن هناك طريقة تمنعه من أن ينتهي به المطاف إلى المصير ذاته بفئة قتالية من المستوى الأول، حتى وإن كانت بقوة “السيد الأعلى”.

أطبقت لوريان فكها: “أعلم، أنا… كنت أظن أن والدي…” لقد كانت دائماً من بين أكثر أبناء والدها ولاءً، لذا كان الخذلان عميق الأثر. وبالكاد نجحت في كبح جماح غضبها. “كان يكترث لنا”.

فهل كان نجاح الأسياد العظام في التعامل مع التهديدات نابعاً من علمهم المسبق بها لأنهم عاشوها من قبل؟

*لقد كان يُدعى ‘القاسي’، فماذا كنتِ تتوقعين؟* أبقى سيمون هذه الفكرة لنفسه، وقال: “أنا آسف”.

كان لا يزال ينظر إليه باستعلاء، لكن ليس بخيبة أمل هذه المرة. أقسم سيمون أنه لمح بريقاً من التسلية في عيونه الأربع. كان ذلك الكرسي اللعين يسخر منه، ويضحك على عودته السريعة.

كتفت لوريان ذراعيها: “هذه ورطة كبرى يا سيمون. ورطة عظيمة. لا يمكننا إبقاء الأمر سراً لطويل وقت”.

لكن الحارس سحق آماله قائلاً بلا شفقة أو تعاطف: “لا يمكنك ذلك”.

“لن نضطر لذلك”. كان لدى سيمون خطة بالفعل في ذهنه. وتساءل: “أيها الحارس، كيف أنقل هذه الفئة القتالية لغيري دون أن أموت؟”

أجاب الحارس: “لا أعلم من قتل الإمبراطور السابق ولا تحت أي ظروف، لكني أؤكد أن وفاته حدثت في الساعة الواحدة والنصف صباحاً. واكتملت عملية انتقال الفئة القتالية في ذلك الوقت”.

كان هذا اللقب يجلب الكثير من المتاعب، حتى مع القدرة على العودة بالزمن. لم يكن لسيمون أي رغبة في الخوض في السياسة أو أن يكون محور الفوضى التي ستحل بالإمبراطورية حتماً. فالبلاط لم يصمد حتى لساعة واحدة دون أن يمزق بعضه بعضاً. وكان من الأفضل له تمرير هذه الجمرة الحارقة لشخص آخر ليتعامل مع العواقب.

“أنا… أظنني حظيت برؤية للمستقبل”. شعر بحلق جاف فجأة، وكان هذا هو التفسير الوحيد المنطقي. “لا أعلم كيف، لكني رأيت الأمر يحدث”.

لكن الحارس سحق آماله قائلاً بلا شفقة أو تعاطف: “لا يمكنك ذلك”.

لا يزال أمامه الكثير ليفعله. لم يتزوج قط، ولم يتسنّ له الالتحاق بالأكاديمية أو يصبح مغامراً كما أراد دوماً، ولم يسافر ليرى العالم، لم يعش بعد. لا يمكنه الموت هنا والآن، بلا تفسير ولا إجابة. أراد أن يعيش حتى الثمانين، التسعين، أو حتى قرناً من الزمان.

وتابع: “إن عهد السيد الأعلى لا ينتهي إلا بالموت. يمكن للسيد الأعلى اختيار وريث، لكن الفئة لن تنتقل لحاملها الجديد إلا بعد أن يلفظ جلالته المظلمة أنفاسه الأخيرة. لا يوجد أي احتمال للاستقالة أو التنازل عن العرش”.

فهل كان نجاح الأسياد العظام في التعامل مع التهديدات نابعاً من علمهم المسبق بها لأنهم عاشوها من قبل؟

قرأ سيمون ما بين السطور. لن تنتقل الفئة القتالية إلا بعد أن يستنفد جميع ‘عهوده’، مهما طال بها الزمن.

> **[هذا هو العهد الثالث من عهودك المئة. لقد حزت لقب: سيمون الثرثار.]**

لقد حُكِم على سيمون بالخضوع لكرسي الحُكم لزمن طويل، طويلٍ جداً.

“أمركِ يا صاحبة السمو”.

ردت لوريان ونبرتها مثقلة بالشك: “كنت أظن الشيء نفسه، لكن جثة والدي تثبت العكس. كيف ورثت فئته القتالية إن لم تكن أنت من قتله بنفسك؟”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط