المُغامر سيمون ( 2 )
قضى سيمون رحلته بأكملها في حالة مزاجية بالغة السوء. لقد كان بالزام ماغنوس محقاً تماماً: لقد طعنته رسالته في صميم روحه بطريقة لم تختبرها روحه من قبل.
أما عدا ذلك، فقد أمدّ شبراست بالمعلومات حول فوفير وكاسفال – وهي المعلومات التي أخذتها مأخذ الجد دون أن تسأله قط عن مصدر علمه بها – وقدم لها توجيهات بضرورة التخلص منهما في أسرع وقت ممكن قبل أن يلحقا الأذى بآنا أو يشكلا تهديداً لتيلوريا. لم يكن يعلم الكيفية التي ستدير بها تلك المهمة، غير أن وكالة الاستخبارات كانت تحبط الانقلابات والتمردات منذ عقود، ومن المؤكد أنها قادرة على التعامل مع التنانين. كما منحها علامة الكسل أيضاً، لضمان تواصلهما تخاطرياً عن بعد.
*«ما زال جمجمتها مخبأً في مكان ما في قلعة فرايتوول، إن كنت تعرف أين تبحث.»*
“نعم، أنت امرأة حرة الآن.” وكان على سيمون أن يعترف بأن شعور ذلك كان رائعاً. “أطلب منك فقط حفظ هويتي سراً وعدم إلحاق الأذى بي، وما عدا ذلك، فلك أن تفعلي ما ترغبين به منذ هذه اللحظة فصاعداً.”
لقد سأل الليدي شبراست إن كانت تمتلك أي فكرة عن مكان جمجمة والدته، لكنها للأسف لم تستطع مساعدته في ذلك. وبالنظر إلى ما آلت إليه جثة زوجة بالزام، فمن المرجح أن الجمجمة قد أُدرجت جدارياً في زاوية منسية أو ما هو أسوأ. وحدها المعرفة بأن رفات أمه قد تعرض للتدنيس والانتقاص بهذه الطريقة البشعة أثارت جنون سيمون من أعماقه، فعاهد نفسه على البحث عنها ومنحها مرقداً أخيراً يليق بها في أحد عهوده القادمة.
ووفاءً بوعدها، أرسلت الليدي شبراست حراساً لاصطحابهم في جنح الليل البهيم.
أما عدا ذلك، فقد أمدّ شبراست بالمعلومات حول فوفير وكاسفال – وهي المعلومات التي أخذتها مأخذ الجد دون أن تسأله قط عن مصدر علمه بها – وقدم لها توجيهات بضرورة التخلص منهما في أسرع وقت ممكن قبل أن يلحقا الأذى بآنا أو يشكلا تهديداً لتيلوريا. لم يكن يعلم الكيفية التي ستدير بها تلك المهمة، غير أن وكالة الاستخبارات كانت تحبط الانقلابات والتمردات منذ عقود، ومن المؤكد أنها قادرة على التعامل مع التنانين. كما منحها علامة الكسل أيضاً، لضمان تواصلهما تخاطرياً عن بعد.
وعلى أي حال، لم يبدُ أن أغنيس تملك علماً يتجاوز ذلك، مما دفع سيمون للانتقال إلى السؤال الأهم والأخير.
كذلك زودته الليدي شبراست بملف ضخم حول لويس ليطالعه في طريقه نحو الغرب. كان سيمون يمني نفسه بالعثور على خيوط تقوده إلى أسطول السفن الهوائية الخفي الذي خبأه أخوه غير الشقيق، على الرغم من أن تساؤلات أخرى ظلت تؤرقه أيضاً.
توسلته والدموع تنحدر على وجنتيها كالسيل: “لا تتخلي عني… لا تتخلي عني أرجوك، يا سيد… أرجوك أعده…”
*«إن كنت تطالع هذه السطور، فهذا يعني أنك نجحت في قتلي بطريقة ما، تماماً كما توقعت منك…»*
ولعل ذلك كان أبشع وأحزن مشهد رآه سيمون طوال حياته.
كانت تلك السطور هي ما أثار أكبر قدر من الحيرة لدى سيمون؛ فهذا يوحي إما بأن بالزام قد عدل عن رأيه وسماه خلفاً له بعد كتابة الرسالة، أو أنه لم تكن له أي سيطرة على هوية من سيرث الفئة.
عقدت إيول حاجبيها بريبة: “أ… أفهم. أهو مسعى لحماية إمبراطوريتك من تهديد خارجي؟ أهو خنق للشر في مهده؟”
أكان هذا يعني أن الوصية لم تكن قادرة على إجبار فئة السيد الأعلى على الانتقال إلى وارث محدد بعينه؟ كان ذلك ليفسر يقيناً سبب عدم نقل غارجاوث لها إلى فوفير أو كاسفال بعد مصرعه… لكن لمَ ذكر اسمه إذن لدوتشار أو شبراست بوصفه خليفته المرجح؟
أجابها بتهكم مرير: “أنا ابن ابن اللقيط. ورغم ذلك، فتلك مجرد هون للواقع. أنا سيمون ماغنوس، الابن غير الشرعي لذلك الوغد الذي يعيث فساداً في حياة الجميع من فوق العرش القرمزي. وسواء صدقتِ أم لا، فقد راودتني أحلام استباقية منذ نعومة أظفاري. هكذا تعلمت لغتكم وما ستفعله فوفير إن أمسكت بك.”
إلا إذا… أكان بالزام قد سماه سيداً أعلى تالياً كمحاولة أخيرة لإيقاعه في شر أعماله؟
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 3 يوم متبقي 14,000 شعلة الهدف: 66,666 21% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 12,000🥈Fares saeed🔥 1,000🥉Hamood Mahemed🔥 5004Abdullah K🔥 500 🥇M. K💎 12,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉Hamood Mahemed💎 5004Abdullah K💎 5005ibrahim shazly💎 5006الخال!💎 100
لو قدر لسيمون أن يصبح السيد الأعلى، لكان بمقدوره إجبار حارس العرش بسهولة على تعديل المكتوب بعد العهد الأول؛ وفي المقابل، لو وقع الاختيار على أي شخص آخر، فإن ترك أثر يدل على سيمون بينما لا يزال داخل قلعة فرايتوول كان سيكفل تصفيته حتماً انتقاماً من إساءاته السابقة.
وإلى جانب صبغة الشعر السوداء، مُنحت إيول رداءً ثقيلاً أتاح لها طي جناحيها وإخفائهما تحت ذراعيها وحول خصرها. وقد وجدته مزعجاً للغاية، لكنها رضخت للأمر حين وعدها سيمون بأن عليهما تحمل ذلك فحسب لحين عبور بحر التنانين.
وفي ذهن بالزام، بدا ذلك السيناريو مربحاً من كل جانب.
وهو ما يوحى بأنه لم يكتشف الثغرة قط، مرجع ذلك على الأرجح إلى عدم تفعيلها طوال فترة عهوده. أو ربما لم ينجح قط في ربط فايرواند بواحدة من تلك محاولات الاغتيال “المجهولة”.
*تباً لذلك النذل!* أطبق سيمون على أسنانه بغيظ. *آمل أن ترقد في الجحيم!*
“نعم، أنت امرأة حرة الآن.” وكان على سيمون أن يعترف بأن شعور ذلك كان رائعاً. “أطلب منك فقط حفظ هويتي سراً وعدم إلحاق الأذى بي، وما عدا ذلك، فلك أن تفعلي ما ترغبين به منذ هذه اللحظة فصاعداً.”
لقد امتلك سيمون يوماً كل ما تمنته نفسه على الإطلاق. كل شيء. ولو لم يتدخل أبوه، لعاش حياة بسيطة بعيداً عن أروقة البلاط برفقة عائلة تحبه عوضاً عن العيش في عش أفاعٍ مميت يود نصف أقاربه فيه سفك دمه. لتربى محاطاً بالحب والرعاية، قبل أن يكبو ويجتث شر أبيه من جذوره في العالم.
ولعل ذلك كان أبشع وأحزن مشهد رآه سيمون طوال حياته.
لكن بالزام أبى إلا أن يحطم كل شيء. لقد أقدم على ما هو أبشع من قتل والدته؛ إذ قتل ماضيه وشوهه ليطابق صورته القبيحة، مبقياً إياه ككأس تذكارية وضحكة سرية لا يدرك كنهها سواه. لقد تمنى سيمون لو يستطيع إحيام ذلك النذل ليعيد قتله مجدداً.
وحينها فقط أدرك سيمون تمام الإدراك كيف تمكن الأسياد السابقون من تحطيم روح هذه المرأة بهذه القسوة البالغة.
وعلى الأقل، فسرت الوحي الواردة في الرسالة جزئياً سبب انتهائه إلى قتل أبيه مراراً وتكراراً. أكان محتملاً أن يصبح سيمون فارساً للور لولا تدخل أبيه؟ فالإشارة إلى حركة اليحضور الأبيض، التي تجمعت تاريخياً حول البالدين لمناهضة السيد الأعلى الحالي، تشير بوضوح إلى ذلك الاتجاه. لقد سلب بالزام ماغنوس ابنه طفولته، وأمه، وقدره المحتوم كذلك.
رمقته بنظرة تعمق عبوسها إلى مسحة من الحزن: “كوارث؟ أتقول إنني سأكون نقمة على أبناء جلدتي، رغم أنني قاتلت من أجل حريتهم؟”
*لكن ذلك كان في الماضي، وهذا هو الحاضر*، هكذا حدث سيمون نفسه. سيتعين عليه التعايش مع عبء فئة السيد الأعلى لأكثر من تسعين مرة أخرى، ما لم يعثر بطريقة ما على سر يخلصه منها. *هل يمكن توظيف هذه القوة في فعل الخير؟ لربما ربتني أمي لأصبح فارساً، وسيكون في ذلك نكاية بروح بالزام من وراء القبر لو استطعت استخدام السيد الأعلى لأغراض بنائية…*
“ستطيعينني متخطية السيد الأعلى، رغم أن طوق العبودية يحتم عليك طاعة حامل الفئة الحالي؟”
على أي حال، لم يكن التفكير المفرط في المستقبل مجدياً طالما أنه لا يزال عاجزاً عن امتلاك القوة الكافية لصياغته.
لم تكن أغنيس فايرواند تستمتع بكونها أمة ذليلة.
وفي اليوم السابق للموعد المحدد للرحيل، استقبل سيمون إيول في غرفته تماماً مثلما فعل في العهد السابق، ثم شرع في إبطال ختم العبودية الخاص بها ومنحها خطاب عتق رسمي. وشرح لها بوضوح حجم الخطر الذي تمثله فوفير، ناصحاً إياها بتجنب العودة إلى تيلوريا تماماً.
رد سيمون نافياً: “ليس هذا صحيحاً البتة. فأنت من أعلى الشخصيات مستوى في العالم، ساحرة عظيمة صاحبة أربع فئات!”
أعلم سيمون إيول المذهولة: “تبحث فوفير عن أثر قوي مدفون في قصر عاصمة الكيش القديمة، وهو ختم لا يفك طلاسمه سوى شخص مثلك. أقترح أن تعودي إلى ملاذك الآمن بدلاً من تيلوريا، سلامةً للجميع.”
“ستطيعينني متخطية السيد الأعلى، رغم أن طوق العبودية يحتم عليك طاعة حامل الفئة الحالي؟”
سألته وهي لا تزال تكافح لاستيعاب كلماته: “كيف علمت بكل هذا؟ وكيف تتقن لغتنا؟ من تكون بحق الجحيم؟”
*«ما زال جمجمتها مخبأً في مكان ما في قلعة فرايتوول، إن كنت تعرف أين تبحث.»*
أجابها بتهكم مرير: “أنا ابن ابن اللقيط. ورغم ذلك، فتلك مجرد هون للواقع. أنا سيمون ماغنوس، الابن غير الشرعي لذلك الوغد الذي يعيث فساداً في حياة الجميع من فوق العرش القرمزي. وسواء صدقتِ أم لا، فقد راودتني أحلام استباقية منذ نعومة أظفاري. هكذا تعلمت لغتكم وما ستفعله فوفير إن أمسكت بك.”
تمتمت لنفسها بينما تعبيرات بالغة الأسى تشوه وجهها الجميل: “لا… لا… لا… لا، لا، لا!”
عقدت إيول حاجبيها بريبة: “أ… أفهم. أهو مسعى لحماية إمبراطوريتك من تهديد خارجي؟ أهو خنق للشر في مهده؟”
وحينها فقط أدرك سيمون تمام الإدراك كيف تمكن الأسياد السابقون من تحطيم روح هذه المرأة بهذه القسوة البالغة.
تنهد سيمون: “لا، إنها محاولة لحماية عدد لا يحصى من الأبرياء من كارثة محتملة، وأنتِ من ضمنهم. ستضرب كوارث كبرى أنديميون قريباً، وأنا أضعف من أن أمنع معظمها. لقد اتخذت كافة التدابير الممكنة لحفظ تيلوريا قدر المستطاع، لكن ذلك لن يتحقق إن وقعت إيول في يد فوفير.”
أما بالنسبة لأغنيس فايرواند، فقد ارتدت ذات التنكر الذي ألبسها إياه في تيلوريا، متضمنة قبعة فرو مستديرة لإخفاء أذنيها. كانت تبدو تماماً كما تذكرها: تمثالاً بشرياً شبه خالٍ من المشاعر ينفذ كل أمر بالحرف دون تذمر. ونادراً ما نطقت بحرف طوال رحلتهما نحو محطة القطار.
رمقته بنظرة تعمق عبوسها إلى مسحة من الحزن: “كوارث؟ أتقول إنني سأكون نقمة على أبناء جلدتي، رغم أنني قاتلت من أجل حريتهم؟”
مع ذلك، وجد سيمون في مراقبة ذلك العملاق الفولاذي وهو يدخل المحطة ليلاً تجربة لا تُنسى. فقد تشبه الآلة دودة معدنية زرقاء ورمادية ضخمة أطول بكثير من أي سفينة هوائية. وزُينت قاطرتها بمجسم يشبه الجمجمية ذات مآقٍ ينبعث منها الدخان لإخافة الوحوش على القضبان، بينما أطلق مدخناها البخار والدخان والطاقة المياسمية. وأطلقت عجلاتها الجبارة صريراً مدوياً وهي تبطئ سرعتها على القضبان، قبل أن تنزلق الأبواب النحاسية جانباً لترحيبهم بالداخل.
“أنا آسف يا إيول، لكن نعم.” لقد كان سيمون يتعاطف مع عجزها وعدم قدرتها على تغيير الأمور نحو الأفضل أكثر مما تتصور. “والحق يقال، سأتوجه غرباً، إلى أرض نائية تقع خارج حدود هذه الإمبراطورية والأخطار المحدقة بها.”
صرخت فيه مجدداً بينما تشبثت أصابعها بدرعه وضغطت بوجهها الباكي على قدمه: “أعده أرجوك، أعده، أرجوك لا تتخلي عني!”
هزت إيول رأسها بعدم تصديق: “أترغب في الفرار من هذه الإمبراطورية الملعونة ومن عائلتك ذاتها؟ لمَ؟”
على أي حال، لم يكن التفكير المفرط في المستقبل مجدياً طالما أنه لا يزال عاجزاً عن امتلاك القوة الكافية لصياغته.
تنهد سيمون، ثم رد بنبرة صادقة: “لأن هناك أمراً يتعين علي فعله، وأنا…” ثم صمت هنيهة وتابع: “لقد اكتفيت من هذا الهراء بأسره.”
“كما أخبرت الليدي شبراست، أنا متأكدة من أن النصل الذي أزهق روح جلالة الملك الراحل كان من تصميم إلفي خالص.”
لقد ملّ حروب عائلته، وملّ فوفير، وملّ مواجهة الأخطار المستمرة بلا قدرة على الرد. ومهما كانت منزلتا آنا ولوريان لديه، فإن رحلة تتجاوز حدود أنديميون ستكون بمثابة نسمة هواء منعشة.
“إلهة المانا؟” استغرق سيمون لحظة ليتعرف على ذلك اللقب، نظراً لاعتبار كنيسة النور له هرطقة ودجلاً. “تقصدين دريادة شجرة العالم؟”
قال سيمون مثلما فعل في العهد السابق: “ترحب بك مرافقتي إن شئتِ، أو العودة إلى موطنك. لا أستشرف ما يخبئه المستقبل لأي منا، ولا إن كنتِ ستكونين في مأمن على أي حال، لكنه يظل خياراً أفضل من البديل.”
استجاب طوق العبودية لندائه، وتلاشى حبره الخبيث متحولاً إلى وميض من النور حتى لم يبق أي أثر للوشم على بشرة أغنيس فايرواند – بل بيلزمين – البيضاء الناعمة. تجمدت الإلفية في مكانها كتمثال عاجز تماماً عن تصديق ما ترى، قبل أن تطرأ بعينيها نحو رقبتها، وترفع كمّيها بيديها المرتجفتين متفحصة كل شبر من جسدها بحثاً عن الوشم الذي طالما تحكم في زمام حياتها.
طرح سيمون السؤال كنوع من اللياقة البحتة، إذ كان يعلم مسبقاً رد إيول. عضت على شفتها، وفركت ذراعيها، ثم أومأت لنفسها قبل أن تعلن رفضها لـ—
تحولت تعبيرات أغنيس إلى مزيج من الهزيمة والاستسلام المطلق؛ ذلك النوع من الملامح التي يؤلمك رؤيتها: “إن لم أكن عبدة لجلالتك، فأنا لا شيء على الإطلاق.”
“سأفعل.”
أوضحت قائلة: “وفقاً لعملية التشريح التي أجريتها، فإن السيف الذي اغتال جلالته صُنع يقيناً من سبيكة من الأوريكالكوس والأدمانتين، وتضمن تأثيرات متنوعة مثل «مضاد الشفاء» لإلغاء التجدد، و«فوبيا الموت» لمنع الإحياء التلقائي، و«تعطيل نقل الضرر» لضمان عدم توجيه الهجوم إلى شخص آخر، و«قاتل الشياطين» لإلحاق أقصى ضرر ممكن، إلى جانب تأثيرات أخرى عجزت عن تحديدها. كما حمل بركة من إلهة المانا ذاتها.”
*هاه؟* انتصب رأس سيمون بعدم تصديق: “أترغبين في مرافققتي؟”
لم يسبق لسيمون قط أن استقل قطاراً يعمل بالطاقة المياسمية. وكان يقال إن هذه الآلات كانت تربط نصف العالم بعضه ببعض قبل أن يمزق عام الهلاك الإمبراطورية القديمة إرباً. وحدها “ميوس” وحدها ما زالت تستخدمها على نطاق واسع في الوقت الحالي، بحكم امتلاكها لفئة النبلاء الصناع للمساعدة في تصميمها وبنائها. ورغم أن الجيش الإمبراطوري في أنديميون قام بإصلاح وإعادة توظيف السكك الحديدية القديمة لربط أقاليمه عبر القارة، إلا أنها بدأت تسقط في غياهب الإهمال نتيجة استبدالها بالسفر الجوي عبر السفن الهوائية وتكاليف الصيانة الباهظة بسبب هجمات الوحوش المستمرة.
أجابت بهدوء: “نعم، أرغب في الذهاب معك غرباً. أنا مدینة لك بدين نظير لطفك يا لورد سيمون، وأود حقاً رؤية الأراضي الممتدة وراء هذه المملكة المارقة.”
كذلك زودته الليدي شبراست بملف ضخم حول لويس ليطالعه في طريقه نحو الغرب. كان سيمون يمني نفسه بالعثور على خيوط تقوده إلى أسطول السفن الهوائية الخفي الذي خبأه أخوه غير الشقيق، على الرغم من أن تساؤلات أخرى ظلت تؤرقه أيضاً.
لقد كان هذا جديداً كلياً.
ولقد كانت الليدي شبراست على علم بذلك، بيد أنها لم تخبر سيمون شيئاً. ومن جهة أخرى، فهو لم يسألها قط ولم ينخرط في سياسات البلاط في أي عهد سابق.
فما الذي دفعها لتغيير رأيها؟ أهو عزمي على ترك أنديميون ومؤسساتها القمعية ورائي، أم حقيقة أنني على وشك التحول إلى منبوذ طريد بدل أن أكون أميراً؟ أياً ما كان السبب، فقد كانت مفاجأة سارة حقاً.
اتسعت عيناه ذهولاً، فهو لم يكن يعلم ذلك. “وكيف عرفتِ؟”
رد عليها قائلاً: “حسناً إذن. هناك أمر يجب أن أريك إياه، لكنه سينتظر حتى حلول الليل. جهّزي نفسك حتى ذلك الحين.”
أخذ سيمون نفساً عميقاً قبل مواجهة الموقف: “لدي أمر أسألك عنه… بيلزمين.”
كان يأمل أن يمضي تحرير عبده الآخر بالسهولة ذاتها.
لقد امتلك سيمون يوماً كل ما تمنته نفسه على الإطلاق. كل شيء. ولو لم يتدخل أبوه، لعاش حياة بسيطة بعيداً عن أروقة البلاط برفقة عائلة تحبه عوضاً عن العيش في عش أفاعٍ مميت يود نصف أقاربه فيه سفك دمه. لتربى محاطاً بالحب والرعاية، قبل أن يكبو ويجتث شر أبيه من جذوره في العالم.
ووفاءً بوعدها، أرسلت الليدي شبراست حراساً لاصطحابهم في جنح الليل البهيم.
وهو ما يوحى بأنه لم يكتشف الثغرة قط، مرجع ذلك على الأرجح إلى عدم تفعيلها طوال فترة عهوده. أو ربما لم ينجح قط في ربط فايرواند بواحدة من تلك محاولات الاغتيال “المجهولة”.
أحضر الحراس لسيمون ملابس عامة، وصبغة لصبغ شعره باللون الأسود، وأوراقاً ثبوتية مزيفة تعرفه باسم “سيمون ليدريدو”، ابن نساج وخياط، إلى جانب المال، والخرائط، وكل ما يحتاجه لبدء حياة جديدة في مكان آخر. وقد كان التنكر نافلة القول بالنظر إلى قدرته على استخدام “قناع العفريت”، لكنه اتبع إجراءات الليدي شبراست بغية الاحتياط.
وفي ذهن بالزام، بدا ذلك السيناريو مربحاً من كل جانب.
وإلى جانب صبغة الشعر السوداء، مُنحت إيول رداءً ثقيلاً أتاح لها طي جناحيها وإخفائهما تحت ذراعيها وحول خصرها. وقد وجدته مزعجاً للغاية، لكنها رضخت للأمر حين وعدها سيمون بأن عليهما تحمل ذلك فحسب لحين عبور بحر التنانين.
لقد سأل الليدي شبراست إن كانت تمتلك أي فكرة عن مكان جمجمة والدته، لكنها للأسف لم تستطع مساعدته في ذلك. وبالنظر إلى ما آلت إليه جثة زوجة بالزام، فمن المرجح أن الجمجمة قد أُدرجت جدارياً في زاوية منسية أو ما هو أسوأ. وحدها المعرفة بأن رفات أمه قد تعرض للتدنيس والانتقاص بهذه الطريقة البشعة أثارت جنون سيمون من أعماقه، فعاهد نفسه على البحث عنها ومنحها مرقداً أخيراً يليق بها في أحد عهوده القادمة.
أما بالنسبة لأغنيس فايرواند، فقد ارتدت ذات التنكر الذي ألبسها إياه في تيلوريا، متضمنة قبعة فرو مستديرة لإخفاء أذنيها. كانت تبدو تماماً كما تذكرها: تمثالاً بشرياً شبه خالٍ من المشاعر ينفذ كل أمر بالحرف دون تذمر. ونادراً ما نطقت بحرف طوال رحلتهما نحو محطة القطار.
أجابت بهدوء: “نعم، أرغب في الذهاب معك غرباً. أنا مدینة لك بدين نظير لطفك يا لورد سيمون، وأود حقاً رؤية الأراضي الممتدة وراء هذه المملكة المارقة.”
لم يسبق لسيمون قط أن استقل قطاراً يعمل بالطاقة المياسمية. وكان يقال إن هذه الآلات كانت تربط نصف العالم بعضه ببعض قبل أن يمزق عام الهلاك الإمبراطورية القديمة إرباً. وحدها “ميوس” وحدها ما زالت تستخدمها على نطاق واسع في الوقت الحالي، بحكم امتلاكها لفئة النبلاء الصناع للمساعدة في تصميمها وبنائها. ورغم أن الجيش الإمبراطوري في أنديميون قام بإصلاح وإعادة توظيف السكك الحديدية القديمة لربط أقاليمه عبر القارة، إلا أنها بدأت تسقط في غياهب الإهمال نتيجة استبدالها بالسفر الجوي عبر السفن الهوائية وتكاليف الصيانة الباهظة بسبب هجمات الوحوش المستمرة.
“أنا آسف يا إيول، لكن نعم.” لقد كان سيمون يتعاطف مع عجزها وعدم قدرتها على تغيير الأمور نحو الأفضل أكثر مما تتصور. “والحق يقال، سأتوجه غرباً، إلى أرض نائية تقع خارج حدود هذه الإمبراطورية والأخطار المحدقة بها.”
مع ذلك، وجد سيمون في مراقبة ذلك العملاق الفولاذي وهو يدخل المحطة ليلاً تجربة لا تُنسى. فقد تشبه الآلة دودة معدنية زرقاء ورمادية ضخمة أطول بكثير من أي سفينة هوائية. وزُينت قاطرتها بمجسم يشبه الجمجمية ذات مآقٍ ينبعث منها الدخان لإخافة الوحوش على القضبان، بينما أطلق مدخناها البخار والدخان والطاقة المياسمية. وأطلقت عجلاتها الجبارة صريراً مدوياً وهي تبطئ سرعتها على القضبان، قبل أن تنزلق الأبواب النحاسية جانباً لترحيبهم بالداخل.
تحولت تعبيرات أغنيس إلى مزيج من الهزيمة والاستسلام المطلق؛ ذلك النوع من الملامح التي يؤلمك رؤيتها: “إن لم أكن عبدة لجلالتك، فأنا لا شيء على الإطلاق.”
كانت الاستخبارات الإمبراطورية قد اشترت لهم ثلاث تذاكر تتضمن مقصورات في عربة النوم، حيث تتشارك أغنيس وإيول في مقصورة واحدة بينما يحتفظ سيمون بمقصورة أصغر خاصة به. وكانت المقصورات مبطنة بعناية بخشب فاخر ومفروشة بسجاد أحمر، تضم أسرّة في جانب ومقاعد صغيرة تواجه نافذة في الجانب الآخر. وكان من المقرر أن يقودهم خط سير رحلتهم إلى تبديل قطار آخر بعد يومين، ثم بلوغ الميناء في الليلة الثالثة لمغادرة فورية نحو القارة الغربية.
أجابت: “نعم.”
قال سيمون للإلفية بعد الإقلاع بقليل: “أغنيس، أريد التحدث معك على انفراد لفترة وجيزة.”
*ما الذي للتو جرى بحق الجحيم؟*
ردت بلا مبالاة عاطفية: “كما تأمر يا صاحب الجلالة”، قبل أن تلحق به داخل مقصورته. ولاحظ سيمون أن إيول رمقتهما بنظرة غريبة، لكنها لم توجه أي أسئلة أخرى.
مرت دقيقة متوترة، ولا يزال على قيد الحياة.
وما إن انفردا خلف الباب المغلق، حتى أحكم سيمون قفله، واتخذ وضعية مدروسة بحيث تقبع الإلفية بين النافذة وبينه. وكان يدرك أنه لا يملك أي فرصة أمام فايرواند في مواجهة مباشرة إن أدت كلمة المرور إلى انفلات طوق العبودية المعطل خاصتها، لذا كان خياره الأرجح هو قذفها خارج القطار بهجوم مباغت. وكان القطار قد تسارع سريعاً مغادراً مارثرون نحو الريف المفتوح.
تحولت تعبيرات أغنيس إلى مزيج من الهزيمة والاستسلام المطلق؛ ذلك النوع من الملامح التي يؤلمك رؤيتها: “إن لم أكن عبدة لجلالتك، فأنا لا شيء على الإطلاق.”
أخذ سيمون نفساً عميقاً قبل مواجهة الموقف: “لدي أمر أسألك عنه… بيلزمين.”
أجابت: “نعم.”
كان التأثير فورياً.
*لكن ذلك كان في الماضي، وهذا هو الحاضر*، هكذا حدث سيمون نفسه. سيتعين عليه التعايش مع عبء فئة السيد الأعلى لأكثر من تسعين مرة أخرى، ما لم يعثر بطريقة ما على سر يخلصه منها. *هل يمكن توظيف هذه القوة في فعل الخير؟ لربما ربتني أمي لأصبح فارساً، وسيكون في ذلك نكاية بروح بالزام من وراء القبر لو استطعت استخدام السيد الأعلى لأغراض بنائية…*
فقد توسع وشم العبودية على صدر فايرواند بسرعة حتى غطى خط رقبتها، وصعد صعوداً عبر حلقها ليبلغ جبهتها أخيراً. ورغم أنه منحها مظهراً مرعباً بعض الشيء، إلا أن تعابير وجهها ظلت هادئة ومستقرة، مما زاد تصرفاتها غرابة ورهبة.
اعترف سيمون بصدق: “أنا لا أفهم شيئاً.” حقاً لم يكن يستوعب الأمر. “أترغبين حقاً في أن تكوني عبدة؟”
ثبت سيمون نظراته عليها، مترقباً أن ترفع يدها وتحرقه بذات الطريقة التي أردت بها ليونارد وبقية حراسه في عهد سابق.
وإلى جانب صبغة الشعر السوداء، مُنحت إيول رداءً ثقيلاً أتاح لها طي جناحيها وإخفائهما تحت ذراعيها وحول خصرها. وقد وجدته مزعجاً للغاية، لكنها رضخت للأمر حين وعدها سيمون بأن عليهما تحمل ذلك فحسب لحين عبور بحر التنانين.
مرت دقيقة متوترة، ولا يزال على قيد الحياة.
استجاب طوق العبودية لندائه، وتلاشى حبره الخبيث متحولاً إلى وميض من النور حتى لم يبق أي أثر للوشم على بشرة أغنيس فايرواند – بل بيلزمين – البيضاء الناعمة. تجمدت الإلفية في مكانها كتمثال عاجز تماماً عن تصديق ما ترى، قبل أن تطرأ بعينيها نحو رقبتها، وترفع كمّيها بيديها المرتجفتين متفحصة كل شبر من جسدها بحثاً عن الوشم الذي طالما تحكم في زمام حياتها.
سألها بحذر: “ارفعي ذراعك اليسرى.” امتثلت أغنيس للأمر فوراً. “ارفعي كمّيك.” فعلت ذلك، ليكشف الوشم الآن عن وصوله حتى يديها. “أأنت معي هنا؟ هل تدركين أفعالك؟”
لقد كان هذا جديداً كلياً.
أجابت: “نعم.”
ثبت سيمون نظراته عليها، مترقباً أن ترفع يدها وتحرقه بذات الطريقة التي أردت بها ليونارد وبقية حراسه في عهد سابق.
“لكنك لا تملكين خياراً سوى طاعة أوامري.”
كان التأثير فورياً.
“نعم. بأمر من السيد الأعلى، يجب علي معاملة من ينطق بكلمة المرور كسيد أعلى جديد.”
“نعم. وحدها الإلف كانت قادرة على صنع مثل هذا السلاح الفتاك.”
عبس سيمون. من جهة، شعر بالارتياح لرؤية أن كلمة المرور لم تدفع أغنيس لتصبح موالية متعصبة لغارجاوث؛ ومن جهة أخرى، فهذا يعني أن أي شخص يعرفها يمكنه تحويلها إلى سلاح بشري مدمر. وهذا ما يجعل فوفير أكثر خطورة بكثير، نظراً لاحتمالية نقلها لتلك المعلومة لشخص آخر.
كانت تلك السطور هي ما أثار أكبر قدر من الحيرة لدى سيمون؛ فهذا يوحي إما بأن بالزام قد عدل عن رأيه وسماه خلفاً له بعد كتابة الرسالة، أو أنه لم تكن له أي سيطرة على هوية من سيرث الفئة.
عقب سيمون قائلاً: “إذن هي كلمة قوية، بيلزمين هذه. فهل لها أي مدلول خاص؟”
أجابت أغنيس فايرواند: “لا.”
بدت أغنيس فايرواند وكأنها تشعر بالخزي وهي تطرق برأسها نحو الأرض، في أكثر مظهر عاطفي أبصرته منها طوال حياتها: “لقد كانت… بيلزمين هو اسمي الإلفي، قبل أن يمنحني اللورد ماردوك اسماً جديداً.”
طرح سيمون السؤال كنوع من اللياقة البحتة، إذ كان يعلم مسبقاً رد إيول. عضت على شفتها، وفركت ذراعيها، ثم أومأت لنفسها قبل أن تعلن رفضها لـ—
لقد انطوى تحويل الاسم الذي كانت تستخدمه كإنسانة حرة إلى أمر يسلبها حريتها على قسوة فريدة من نوعها. وكلما عرف سيمون المزيد عن غارجاوث، كلما تساءل عما إذا لم يكن التنين نداً لأبيه في الشراسة والخبث.
لم تكن أغنيس فايرواند تستمتع بكونها أمة ذليلة.
سأل سيمون: “إذن لو أمرتك بمهاجمة السيد الأعلى الحالي، أستفعلينها؟” رغم أنه كان يعرف الإجابة مسبقاً، إلا أنه أراد اختبار حدود سيطرة الوشم.
توسلته والدموع تملأ عينيها: “أعده إليّ! أرجوك، أعده إليّ!”
“نعم.”
*ما الذي للتو جرى بحق الجحيم؟*
“ستطيعينني متخطية السيد الأعلى، رغم أن طوق العبودية يحتم عليك طاعة حامل الفئة الحالي؟”
“إلهة المانا؟” استغرق سيمون لحظة ليتعرف على ذلك اللقب، نظراً لاعتبار كنيسة النور له هرطقة ودجلاً. “تقصدين دريادة شجرة العالم؟”
أكدت قائلة: “نعم.” وقد زال اضطرابها السابق، لتذكّر تصرفاتها سيمون بالغريزة الآلية للغوليوم. “لقد نُسج الأمر في نقش العبودية الخاص بي حين أعاد اللورد غارجاوث تطبيق الوشم عليّ بُعيد وفاة اللورد ماردوك. أما اللورد بالزام فلم يكلف نفسه عناء ذلك، لذا فإن أمر السيد الأعلى الحالي ليس بنفس القدر من المطلقية.”
إذن فإما أن الإلف نجحت في زرع قاتل بالغ الخطورة داخل قلعة فرايتوول، أو أنها اكتفت بتوريد السلاح لشخص آخر داخل أسوار القلعة بالفعل. وكان لويس، وأوفيميا، وثالاس، وحتى لوريان، ينطبق عليهم وصف فايرواند بدقة. وهو ما يضفي مصداقية على تباهي الأم بأن جنسها قتل بالزام. فقد دأبوا على قتال الأسياد الأعلى عبر القرون، لذا فمن الطبيعي أن يصمموا أسلحة مخصصة للإيقاع بهم.
وهو ما يوحى بأنه لم يكتشف الثغرة قط، مرجع ذلك على الأرجح إلى عدم تفعيلها طوال فترة عهوده. أو ربما لم ينجح قط في ربط فايرواند بواحدة من تلك محاولات الاغتيال “المجهولة”.
لقد سأل الليدي شبراست إن كانت تمتلك أي فكرة عن مكان جمجمة والدته، لكنها للأسف لم تستطع مساعدته في ذلك. وبالنظر إلى ما آلت إليه جثة زوجة بالزام، فمن المرجح أن الجمجمة قد أُدرجت جدارياً في زاوية منسية أو ما هو أسوأ. وحدها المعرفة بأن رفات أمه قد تعرض للتدنيس والانتقاص بهذه الطريقة البشعة أثارت جنون سيمون من أعماقه، فعاهد نفسه على البحث عنها ومنحها مرقداً أخيراً يليق بها في أحد عهوده القادمة.
“أيمكن لأي شخص آخر إصدار الأوامر إليك إن علم بكلمة المرور؟”
تحولت تعبيرات أغنيس إلى مزيج من الهزيمة والاستسلام المطلق؛ ذلك النوع من الملامح التي يؤلمك رؤيتها: “إن لم أكن عبدة لجلالتك، فأنا لا شيء على الإطلاق.”
هزت فايرواند رأسها نافية: “يجب أن أطيع الشخص الأول الذي نطق بالكلمة، ولا أحد سواها. أنت وحدك من تحوز ولائي.”
لكن أغنيس فايرواند اختارت خياراً ثالثاً على غير المتوقع. فقد أخذت ترتجف وتنتفض، بينما راحت أصابعها المرتجفة تتحسس وجنتيها.
لعلها تدبير احترازي لضمان ألا يتحكم بها سوى غارجاوث ووارثه المختار بمجرد شيوع كلمة المرور. أمرها سيمون قائلاً: “إذن أجبني عن سؤالي: أكان لك أي يد في مقتل أبي؟”
قال سيمون للإلفية بعد الإقلاع بقليل: “أغنيس، أريد التحدث معك على انفراد لفترة وجيزة.”
أجابت أغنيس فايرواند: “لا.”
لكن بالزام أبى إلا أن يحطم كل شيء. لقد أقدم على ما هو أبشع من قتل والدته؛ إذ قتل ماضيه وشوهه ليطابق صورته القبيحة، مبقياً إياه ككأس تذكارية وضحكة سرية لا يدرك كنهها سواه. لقد تمنى سيمون لو يستطيع إحيام ذلك النذل ليعيد قتله مجدداً.
طقطق سيمون بلسانه، إذ كان يمني نفسه بإجابة سهلة تحسم الأمور. لكن ذلك قلّص على الأقل نطاق المشتبه بهم… “أتعرفين من فعلها؟ أم تشكين في شخص بعينه؟”
لقد انطوى تحويل الاسم الذي كانت تستخدمه كإنسانة حرة إلى أمر يسلبها حريتها على قسوة فريدة من نوعها. وكلما عرف سيمون المزيد عن غارجاوث، كلما تساءل عما إذا لم يكن التنين نداً لأبيه في الشراسة والخبث.
“كما أخبرت الليدي شبراست، أنا متأكدة من أن النصل الذي أزهق روح جلالة الملك الراحل كان من تصميم إلفي خالص.”
تمتمت لنفسها بينما تعبيرات بالغة الأسى تشوه وجهها الجميل: “لا… لا… لا… لا، لا، لا!”
اتسعت عيناه ذهولاً، فهو لم يكن يعلم ذلك. “وكيف عرفتِ؟”
*لكن ذلك كان في الماضي، وهذا هو الحاضر*، هكذا حدث سيمون نفسه. سيتعين عليه التعايش مع عبء فئة السيد الأعلى لأكثر من تسعين مرة أخرى، ما لم يعثر بطريقة ما على سر يخلصه منها. *هل يمكن توظيف هذه القوة في فعل الخير؟ لربما ربتني أمي لأصبح فارساً، وسيكون في ذلك نكاية بروح بالزام من وراء القبر لو استطعت استخدام السيد الأعلى لأغراض بنائية…*
أوضحت قائلة: “وفقاً لعملية التشريح التي أجريتها، فإن السيف الذي اغتال جلالته صُنع يقيناً من سبيكة من الأوريكالكوس والأدمانتين، وتضمن تأثيرات متنوعة مثل «مضاد الشفاء» لإلغاء التجدد، و«فوبيا الموت» لمنع الإحياء التلقائي، و«تعطيل نقل الضرر» لضمان عدم توجيه الهجوم إلى شخص آخر، و«قاتل الشياطين» لإلحاق أقصى ضرر ممكن، إلى جانب تأثيرات أخرى عجزت عن تحديدها. كما حمل بركة من إلهة المانا ذاتها.”
ووفاءً بوعدها، أرسلت الليدي شبراست حراساً لاصطحابهم في جنح الليل البهيم.
“إلهة المانا؟” استغرق سيمون لحظة ليتعرف على ذلك اللقب، نظراً لاعتبار كنيسة النور له هرطقة ودجلاً. “تقصدين دريادة شجرة العالم؟”
أجابت أغنيس فايرواند: “لا.”
“نعم. وحدها الإلف كانت قادرة على صنع مثل هذا السلاح الفتاك.”
استجاب طوق العبودية لندائه، وتلاشى حبره الخبيث متحولاً إلى وميض من النور حتى لم يبق أي أثر للوشم على بشرة أغنيس فايرواند – بل بيلزمين – البيضاء الناعمة. تجمدت الإلفية في مكانها كتمثال عاجز تماماً عن تصديق ما ترى، قبل أن تطرأ بعينيها نحو رقبتها، وترفع كمّيها بيديها المرتجفتين متفحصة كل شبر من جسدها بحثاً عن الوشم الذي طالما تحكم في زمام حياتها.
ولقد كانت الليدي شبراست على علم بذلك، بيد أنها لم تخبر سيمون شيئاً. ومن جهة أخرى، فهو لم يسألها قط ولم ينخرط في سياسات البلاط في أي عهد سابق.
وفي ذهن بالزام، بدا ذلك السيناريو مربحاً من كل جانب.
تساءل سيمون: “فهمت إذن… أتظنين أن قاتلاً إلفياً اغتال أبي؟ أهذا ما تقصدينه؟”
مرت دقيقة متوترة، ولا يزال على قيد الحياة.
ردت أغنيس فايرواند: “النصل وحده لم يكن كافياً لإرداء جلالته قتيلاً. فلابد أنه وُجه بواسطة شخص ذي مستوى عالٍ للغاية، ومتمكن تماماً من الأسلحة اليدوية، ومالك لمهارات تعزيز الضرر الكفيلة بالقضاء على جلالته في ضربة واحدة قبل أن ينجح في ارتداء زي فئته.”
“كل ما أنا عليه أينما حللت فهو بفضل سلف جلالتك. أنا أداة لإرادة جلالته وحدها. تلك هي غايتي.” حدقت به برهبة، كطفل خائف من التعرض للهجران: “أرجوك لا تتخلي عني…”
إذن فإما أن الإلف نجحت في زرع قاتل بالغ الخطورة داخل قلعة فرايتوول، أو أنها اكتفت بتوريد السلاح لشخص آخر داخل أسوار القلعة بالفعل. وكان لويس، وأوفيميا، وثالاس، وحتى لوريان، ينطبق عليهم وصف فايرواند بدقة. وهو ما يضفي مصداقية على تباهي الأم بأن جنسها قتل بالزام. فقد دأبوا على قتال الأسياد الأعلى عبر القرون، لذا فمن الطبيعي أن يصمموا أسلحة مخصصة للإيقاع بهم.
لعلها تدبير احترازي لضمان ألا يتحكم بها سوى غارجاوث ووارثه المختار بمجرد شيوع كلمة المرور. أمرها سيمون قائلاً: “إذن أجبني عن سؤالي: أكان لك أي يد في مقتل أبي؟”
*لا يقتصر الأمر على ضياع أثر ذلك السلاح، بل قد تكون لديهم القدرة على صنع المزيد منه*، هكذا فكر سيمون. *إنها لفوضى عارمة حقاً.*
أجابت أغنيس فايرواند: “لا.”
وعلى أي حال، لم يبدُ أن أغنيس تملك علماً يتجاوز ذلك، مما دفع سيمون للانتقال إلى السؤال الأهم والأخير.
طرح سيمون السؤال كنوع من اللياقة البحتة، إذ كان يعلم مسبقاً رد إيول. عضت على شفتها، وفركت ذراعيها، ثم أومأت لنفسها قبل أن تعلن رفضها لـ—
سألها: “ألديك أي ضغينة تجاه السيد الأعلى الجديد؟ وإن سمحت لك بفعل ما تشائين، أستلحقين به الأذى أو تسعين للنيل منه؟”
“ستطيعينني متخطية السيد الأعلى، رغم أن طوق العبودية يحتم عليك طاعة حامل الفئة الحالي؟”
ردت أغنيس: “ليس ما لم تأمرني بذلك. أنا أعيش لأخدم.”
لم تكن أغنيس فايرواند تستمتع بكونها أمة ذليلة.
“فهمت إذن.” أومأ سيمون لنفسه. لقد حانت لحظة الحقيقة. “سأحاسبك على هذا الوعد.”
“نعم. وحدها الإلف كانت قادرة على صنع مثل هذا السلاح الفتاك.”
ارتدى زي السيد الأعلى، مما أثار دهشة أغنيس فايرواند.
طرح سيمون السؤال كنوع من اللياقة البحتة، إذ كان يعلم مسبقاً رد إيول. عضت على شفتها، وفركت ذراعيها، ثم أومأت لنفسها قبل أن تعلن رفضها لـ—
أعلن سيمون رافعاً يده: “اشهدي، أنا السيد الأعلى الرابع، ذاك الذي سيحطم القيود التي فرضها الآخرون عليكِ. وبسلطة منحتني إياها فئتي واسمك السري، بيلزمين، أُعتقك الآن من خدمتي تماماً. وليتلاشَ ذلك الوشم دون أن يلحق بكِ أي أذى.”
سأل سيمون: “إذن لو أمرتك بمهاجمة السيد الأعلى الحالي، أستفعلينها؟” رغم أنه كان يعرف الإجابة مسبقاً، إلا أنه أراد اختبار حدود سيطرة الوشم.
استجاب طوق العبودية لندائه، وتلاشى حبره الخبيث متحولاً إلى وميض من النور حتى لم يبق أي أثر للوشم على بشرة أغنيس فايرواند – بل بيلزمين – البيضاء الناعمة. تجمدت الإلفية في مكانها كتمثال عاجز تماماً عن تصديق ما ترى، قبل أن تطرأ بعينيها نحو رقبتها، وترفع كمّيها بيديها المرتجفتين متفحصة كل شبر من جسدها بحثاً عن الوشم الذي طالما تحكم في زمام حياتها.
كانت الاستخبارات الإمبراطورية قد اشترت لهم ثلاث تذاكر تتضمن مقصورات في عربة النوم، حيث تتشارك أغنيس وإيول في مقصورة واحدة بينما يحتفظ سيمون بمقصورة أصغر خاصة به. وكانت المقصورات مبطنة بعناية بخشب فاخر ومفروشة بسجاد أحمر، تضم أسرّة في جانب ومقاعد صغيرة تواجه نافذة في الجانب الآخر. وكان من المقرر أن يقودهم خط سير رحلتهم إلى تبديل قطار آخر بعد يومين، ثم بلوغ الميناء في الليلة الثالثة لمغادرة فورية نحو القارة الغربية.
تمتمت بصوت مرتجف: “أنتَ…” لقد أزلت العلامة…
وحينها فقط أدرك سيمون تمام الإدراك كيف تمكن الأسياد السابقون من تحطيم روح هذه المرأة بهذه القسوة البالغة.
“نعم، أنت امرأة حرة الآن.” وكان على سيمون أن يعترف بأن شعور ذلك كان رائعاً. “أطلب منك فقط حفظ هويتي سراً وعدم إلحاق الأذى بي، وما عدا ذلك، فلك أن تفعلي ما ترغبين به منذ هذه اللحظة فصاعداً.”
على أي حال، لم يكن التفكير المفرط في المستقبل مجدياً طالما أنه لا يزال عاجزاً عن امتلاك القوة الكافية لصياغته.
توقع سيمون في قرارة نفسه نصف عبارات شكر وامتنان لإزاحته ذلك الحمل الذي اثقل كاهلها لقرون، بينما خشي النصف الآخر أن تباغته بالهجوم فوراً لكونه السيد الأعلى الجديد. لقد كان أي من الخيارين ليعد رد فعل طبيعياً تماماً إزاء وضعها.
اتسعت عيناه ذهولاً، فهو لم يكن يعلم ذلك. “وكيف عرفتِ؟”
لكن أغنيس فايرواند اختارت خياراً ثالثاً على غير المتوقع. فقد أخذت ترتجف وتنتفض، بينما راحت أصابعها المرتجفة تتحسس وجنتيها.
وما إن انفردا خلف الباب المغلق، حتى أحكم سيمون قفله، واتخذ وضعية مدروسة بحيث تقبع الإلفية بين النافذة وبينه. وكان يدرك أنه لا يملك أي فرصة أمام فايرواند في مواجهة مباشرة إن أدت كلمة المرور إلى انفلات طوق العبودية المعطل خاصتها، لذا كان خياره الأرجح هو قذفها خارج القطار بهجوم مباغت. وكان القطار قد تسارع سريعاً مغادراً مارثرون نحو الريف المفتوح.
تمتمت لنفسها بينما تعبيرات بالغة الأسى تشوه وجهها الجميل: “لا… لا… لا… لا، لا، لا!”
رد سيمون نافياً: “ليس هذا صحيحاً البتة. فأنت من أعلى الشخصيات مستوى في العالم، ساحرة عظيمة صاحبة أربع فئات!”
ثم أطلقت صرخة مدوية.
تنهد سيمون، ثم رد بنبرة صادقة: “لأن هناك أمراً يتعين علي فعله، وأنا…” ثم صمت هنيهة وتابع: “لقد اكتفيت من هذا الهراء بأسره.”
مفزعة سيمون. لقد أطلقت صرخة خارقة للقلوب تنم عن اليأس الخالص واللوعة العميقة، بصوت عالٍ جعل سيمون يحمد النور لأن المقصورات كانت معزولة الصوت لضمان راحة الركاب، وإلا لكانت إيول قد طرقت بابه مذعورة بالفعل.
سبق لسيمون أن طبق “علامة الكسل” على فايرواند في عهد سابق، لكن الأمر كان مقززاً هذه المرة. فالبهجة التي غمرت وجه الإلفية حين وسمها، تلتها الطريقة التي مسحت بها دموعها ونهضت على قدميها، هزت كيانه من الأعماق.
استعد سيمون لإلقاء تعويذة متوقعاً هجوماً وشيكاً؛ بيد أنها هوت على ركبتيها، وتوسدت الأرض ناشجة وباكية.
لم يملك سيمون سوى رمش عينيه بعدم تصديق بينما كانت أغنيس فايرواند، إحدى أقوى نساء العالم، تزحف نحوه وتتشبث بساقيه كطفل يترجى والديه ألا يعاقباه.
توسلته والدموع تملأ عينيها: “أعده إليّ! أرجوك، أعده إليّ!”
كان التأثير فورياً.
*ما الذي–*
عبس سيمون. من جهة، شعر بالارتياح لرؤية أن كلمة المرور لم تدفع أغنيس لتصبح موالية متعصبة لغارجاوث؛ ومن جهة أخرى، فهذا يعني أن أي شخص يعرفها يمكنه تحويلها إلى سلاح بشري مدمر. وهذا ما يجعل فوفير أكثر خطورة بكثير، نظراً لاحتمالية نقلها لتلك المعلومة لشخص آخر.
لم يملك سيمون سوى رمش عينيه بعدم تصديق بينما كانت أغنيس فايرواند، إحدى أقوى نساء العالم، تزحف نحوه وتتشبث بساقيه كطفل يترجى والديه ألا يعاقباه.
سألها: “ألديك أي ضغينة تجاه السيد الأعلى الجديد؟ وإن سمحت لك بفعل ما تشائين، أستلحقين به الأذى أو تسعين للنيل منه؟”
توسلته والدموع تنحدر على وجنتيها كالسيل: “لا تتخلي عني… لا تتخلي عني أرجوك، يا سيد… أرجوك أعده…”
أخذ سيمون نفساً عميقاً قبل مواجهة الموقف: “لدي أمر أسألك عنه… بيلزمين.”
“لكنني…” ابتلع سيمون ريقه عاجزاً عن إيجاد الكلمات المناسبة. لم يكن أي من هذا معقولاً! “لماذا، أنت حرة طليقة–”
هزت إيول رأسها بعدم تصديق: “أترغب في الفرار من هذه الإمبراطورية الملعونة ومن عائلتك ذاتها؟ لمَ؟”
صرخت فيه مجدداً بينما تشبثت أصابعها بدرعه وضغطت بوجهها الباكي على قدمه: “أعده أرجوك، أعده، أرجوك لا تتخلي عني!”
ولقد كانت الليدي شبراست على علم بذلك، بيد أنها لم تخبر سيمون شيئاً. ومن جهة أخرى، فهو لم يسألها قط ولم ينخرط في سياسات البلاط في أي عهد سابق.
“لا أستطيع–” صرخت فايرواند مرة أخرى قبل أن يتمكن من إتمام إجابته، مخلفة بأظفارها خدوشاً تنم عن يأس مهووس، ووجهها المبلل بالدموع ملتصق بقدمه. “حسناً، حسناً، اهدي! سأمنحك علامة الكسل الخاصة بي!”
تنهد سيمون: “لا، إنها محاولة لحماية عدد لا يحصى من الأبرياء من كارثة محتملة، وأنتِ من ضمنهم. ستضرب كوارث كبرى أنديميون قريباً، وأنا أضعف من أن أمنع معظمها. لقد اتخذت كافة التدابير الممكنة لحفظ تيلوريا قدر المستطاع، لكن ذلك لن يتحقق إن وقعت إيول في يد فوفير.”
رفعت أغنيس رأسها فجأة بارتياح: “نعم. شكراً لك، شكراً لك يا سيدي، شكراً…”
قال سيمون مثلما فعل في العهد السابق: “ترحب بك مرافقتي إن شئتِ، أو العودة إلى موطنك. لا أستشرف ما يخبئه المستقبل لأي منا، ولا إن كنتِ ستكونين في مأمن على أي حال، لكنه يظل خياراً أفضل من البديل.”
سبق لسيمون أن طبق “علامة الكسل” على فايرواند في عهد سابق، لكن الأمر كان مقززاً هذه المرة. فالبهجة التي غمرت وجه الإلفية حين وسمها، تلتها الطريقة التي مسحت بها دموعها ونهضت على قدميها، هزت كيانه من الأعماق.
قضى سيمون رحلته بأكملها في حالة مزاجية بالغة السوء. لقد كان بالزام ماغنوس محقاً تماماً: لقد طعنته رسالته في صميم روحه بطريقة لم تختبرها روحه من قبل.
*ما الذي للتو جرى بحق الجحيم؟*
سأل سيمون: “إذن لو أمرتك بمهاجمة السيد الأعلى الحالي، أستفعلينها؟” رغم أنه كان يعرف الإجابة مسبقاً، إلا أنه أراد اختبار حدود سيطرة الوشم.
اعترف سيمون بصدق: “أنا لا أفهم شيئاً.” حقاً لم يكن يستوعب الأمر. “أترغبين حقاً في أن تكوني عبدة؟”
بدت أغنيس فايرواند وكأنها تشعر بالخزي وهي تطرق برأسها نحو الأرض، في أكثر مظهر عاطفي أبصرته منها طوال حياتها: “لقد كانت… بيلزمين هو اسمي الإلفي، قبل أن يمنحني اللورد ماردوك اسماً جديداً.”
تحولت تعبيرات أغنيس إلى مزيج من الهزيمة والاستسلام المطلق؛ ذلك النوع من الملامح التي يؤلمك رؤيتها: “إن لم أكن عبدة لجلالتك، فأنا لا شيء على الإطلاق.”
هزت إيول رأسها بعدم تصديق: “أترغب في الفرار من هذه الإمبراطورية الملعونة ومن عائلتك ذاتها؟ لمَ؟”
رد سيمون نافياً: “ليس هذا صحيحاً البتة. فأنت من أعلى الشخصيات مستوى في العالم، ساحرة عظيمة صاحبة أربع فئات!”
مرت دقيقة متوترة، ولا يزال على قيد الحياة.
“كل ما أنا عليه أينما حللت فهو بفضل سلف جلالتك. أنا أداة لإرادة جلالته وحدها. تلك هي غايتي.” حدقت به برهبة، كطفل خائف من التعرض للهجران: “أرجوك لا تتخلي عني…”
“أنا آسف يا إيول، لكن نعم.” لقد كان سيمون يتعاطف مع عجزها وعدم قدرتها على تغيير الأمور نحو الأفضل أكثر مما تتصور. “والحق يقال، سأتوجه غرباً، إلى أرض نائية تقع خارج حدود هذه الإمبراطورية والأخطار المحدقة بها.”
وحينها فقط أدرك سيمون تمام الإدراك كيف تمكن الأسياد السابقون من تحطيم روح هذه المرأة بهذه القسوة البالغة.
لقد سأل الليدي شبراست إن كانت تمتلك أي فكرة عن مكان جمجمة والدته، لكنها للأسف لم تستطع مساعدته في ذلك. وبالنظر إلى ما آلت إليه جثة زوجة بالزام، فمن المرجح أن الجمجمة قد أُدرجت جدارياً في زاوية منسية أو ما هو أسوأ. وحدها المعرفة بأن رفات أمه قد تعرض للتدنيس والانتقاص بهذه الطريقة البشعة أثارت جنون سيمون من أعماقه، فعاهد نفسه على البحث عنها ومنحها مرقداً أخيراً يليق بها في أحد عهوده القادمة.
لم تكن أغنيس فايرواند تستمتع بكونها أمة ذليلة.
تنهد سيمون، ثم رد بنبرة صادقة: “لأن هناك أمراً يتعين علي فعله، وأنا…” ثم صمت هنيهة وتابع: “لقد اكتفيت من هذا الهراء بأسره.”
بل كانت مرعوبة ببساطة من الحرية بعد قرون أمضتها مجرد أداة صماء.
“نعم. بأمر من السيد الأعلى، يجب علي معاملة من ينطق بكلمة المرور كسيد أعلى جديد.”
ولعل ذلك كان أبشع وأحزن مشهد رآه سيمون طوال حياته.
عبس سيمون. من جهة، شعر بالارتياح لرؤية أن كلمة المرور لم تدفع أغنيس لتصبح موالية متعصبة لغارجاوث؛ ومن جهة أخرى، فهذا يعني أن أي شخص يعرفها يمكنه تحويلها إلى سلاح بشري مدمر. وهذا ما يجعل فوفير أكثر خطورة بكثير، نظراً لاحتمالية نقلها لتلك المعلومة لشخص آخر.
كانت تلك السطور هي ما أثار أكبر قدر من الحيرة لدى سيمون؛ فهذا يوحي إما بأن بالزام قد عدل عن رأيه وسماه خلفاً له بعد كتابة الرسالة، أو أنه لم تكن له أي سيطرة على هوية من سيرث الفئة.
