العودة
لم ينم آزر تلك الليلة.
بقي الضوء الأبيض الذي ظهر خلف الأشجار عالقًا في ذهنه، كأنه لم يكن ضوءًا بقدر ما كان إشارة لم يفهمها بعد.
وفي الصباح وجد والده جالسًا على حافة السرير، وكانت ذراعه لا تزال ملفوفة بالضماد، بينما جلست والدته إلى جواره، نظر والده إليه طويلًا ثم قال:
— اجلس.
جلس آزر، لم تتكلم أمه في البداية، وكانت تنظر إلى وجهه فقط.
ثم قالت:
— ماذا يحدث؟
خفض آزر عينيه:
— لا أعرف كل شيء.
ابتسم والده ابتسامة متعبة:
— بدأت بهذه الجملة منذ أن عدت.
رفع آزر رأسه، وقالت أمه:
— لكنك تعرف أكثر مما تقول.
صمت، كان بإمكانه أن ينكر، لكنه هذه المرة لم يفعل:
— نعم.
تبادلا النظرة، ثم قال والده:
— هل أنت في خطر؟
أجاب آزر بعد لحظة:
— نعم.
شهقت أمه بخفوت، وشد والده أصابعه فوق الضماد:
— وهل هذا بسبب الحجر؟
توقف آزر، ولم يجب، فهم والده، وأغمض عينيه للحظة ثم قال:
— إذن لا تنكره، وإن كان هذا الشيء سيقتلك، فأنا أريد أن أعرف قبل أن يقتلني أنا أيضًا.
لم يبتسم آزر، وقال:
— لن أترك شيئًا يصل إليكما.
قالت أمه بصوت هادئ لكنه حاد:
— لا تقل ذلك كأنك تستطيع التحكم بكل شيء!.
صمت، كانت الجملة بالفعل قد أصابت مكانها.
عندما خرج آزر من الغرفة وجد كايو ينتظره، وكان كتفه لا يزال ملفوفًا، لكنه تحرك بسهولة أكبر من الأمس.
قال:
— والدتك غاضبة.
— أعرف.
— ووالدك أيضًا.
— أعرف.
ابتسم كايو ابتسامة قصيرة:
— جيد، على الأقل أنت تفهم شيئًا.
لم يرد آزر، وقال كايو بعد لحظة:
— هل ما زلت ستذهب؟
توقف آزر، ثم قال:
— نعم.
هز كايو رأسه:
— كنت أعرف، ولكنني لن أسمح لك بالذهاب وحدك، حتى لو كنت أظن أنك تختار الطريق الأصعب بلا داعٍ.
قال آزر:
— ربما لن نذهب أصلًا.
— لماذا؟
— لأن الطائفة قد تمنعنا.
وكأنه استدعى الجملة، دوّى جرس الاستدعاء، مرة واحدة، ثم تبعته أصوات الحراس في الساحة.
قال كايو:
— يبدو أنهم قرروا عنّا.
كانت قاعة الحكم مكتظة، ثلاثة شيوخ في المقدمة، هان إلى جانبهم.
وريو واقفًا عند النافذة، وفي الأسفل عدد من الشيوخ والتلاميذ.
قال أحد الشيوخ:
— ابتداءً من اليوم تُغلق جميع الطرق المؤدية إلى الجنوب.
ارتفعت الهمسات، ثم تابع:
— ويُمنع أعضاء الفريق الذي تعامل مع الظاهرة الغربية من مغادرة الطائفة.
نظر كايو إلى آزر، أما آزر فلم يتغير وجهه، قال شين، وكان صوته يحمل ترددًا واضحًا:
— ولماذا؟ أنا لا أفهم، نحن لم نسبب الانهيار.
أجاب الشيخ:
— لأن كل موضع يظهر فيه الأثر يترك وراءه اضطرابًا، ونحن لا نعرف إلى أين سيصل التالي.
رفع ريو رأسه:
— بل تعرفون.
نظر إليه الشيخ:
— هل تريد أن تشرح؟
تقدم ريو إلى الطاولة ووضع الخريطة القديمة عليها:
— الغرب أُغلق.
أشار إلى النقطة الغربية، ثم أشار إلى الشرق، والجنوب، وأخيرا قرب السكن:
— وأنتم تسمون ذلك انتقالًا.
قال هان:
— وما الخطأ؟
أجاب ريو:
— أنكم تتعاملون معه كأنه ينتقل عشوائيًا.
ساد الصمت، وقلب الخريطة، ثم ظهرت خطوط باهتة بين العلامات.
تابع ريو:
—هو لا ينتقل عشوائيا، بل يتبع مسارا.
اقترب آزر، ونظر إلى الخطوط، الغرب، الشرق، والجنوب، ثم نقطة أبعد، توقفت عينه عندها.
وقال ببطء:
— هذه ليست النقطة الأخيرة.
نظر إليه ريو:
— لا.
— إذن إلى أين يتجه؟
لم يجب ريو فورًا، أخذ قطعة فحم ومد خطًا فوق المسار، ثم تابعه حتى النقطة الرابعة، كانت العلامة قرب رمز شجرة، ولكن هذه المرة لم يكن الرمز مجرد شكل بعيد، كان تحته اسم باهت:
السرو.
تجمد آزر، نظر إلى الاسم مرة، ثم ثانية، ولم يقل شيئًا في البداية.
قال هان:
— هل تعرف هذا المكان؟
بقي آزر صامتًا لحظة أطول مما ينبغي، ثم قال بصوت منخفض:
— أظن… نعم.
كانت القرية أمامه على الورق، أصغر من أن تُرى تقريبًا، ولكنها كانت هناك.
قال أحد الشيوخ:
— ما معنى ذلك؟
أجاب ريو:
— يعني أن ما بدأ في الغرب لم يكن يقترب من الطائفة، بل كان يعبرها، والآن اتجه إلى آخر موضع في السلسلة.
قال كايو بعد صمت قصير:
— القرية.
أومأ ريو، ولم تعد الكلمة احتمالًا هذه المرة، بل كانت نتيجة.
بعد انتهاء المجلس منع هان الجميع من مغادرة القاعة، ولكن آزر انتظر حتى انشغل الحراس، ثم اتجه إلى ريو:
— أريد الخريطة.
— لن تحصل عليها.
— سأعود إلى القرية.
— أعرف.
— إذن أعطني إياها.
نظر ريو إليه طويلًا:
— لا أستطيع.
— لأن هان يمنعك؟
— لأنني أعرف ماذا يوجد هناك.
قال آزر:
— أكثر مني؟
— نعم.
— هل تعرف ما حدث ليوهان؟
ساد الصمت، وتغير وجه ريو:
— ليس بعد.
لاحظ آزر أنه قال «ليس بعد»، وقبل أن يسأل جاء صوت خطوات.
كان هان، ونظر إلى الاثنين:
— ماذا تفعلان؟
قال ريو:
— يتعلم.
نظر هان إلى آزر:
— من ماذا؟
أجاب آزر:
— من الأشياء التي لا يريد الآخرون أن أعرفها.
بقي هان صامتًا، ثم أخرج من ثوبه قطعة ورق صغيرة ومدها إلى آزر:
— هذه آخر صفحة من سجل لم أعرضها على المجلس.
فتحها، وفي أسفلها جملة واحدة: «إذا أُغلق موضع، فلا تتبعه إلى موضعه التالي، لأن الطريق يتذكر من أغلقه.» تحتها سهم، ثم كلمتان: «العودة إلى الأصل ممنوعة.»
رفع آزر رأسه:
— الأصل هو القرية؟
أجاب هان:
— لا أعرف.
قال ريو:
— وأنا أظن أنك بدأت تعرف.
لم يجب آزر، كان يفكر في السهم، ثم الحجر.
أخرجه، وهذه المرة لم يتحرك، نظر إلى سطحه، كان هناك أثران باهتان.
حرف صغير: ر، ثم شق غير مكتمل يشبه بداية: يو…
وفي أسفل الحافة خط آخر لم يلتفت إليه سابقًا، ثلاثة خطوط متقاربة.
ولكنها لم تعد تبدو عشوائية. ثلاثة آثار، ثلاث مراحل، ثلاثة أماكن؟
لم يكن يعرف ماذا تعني الحروف بالأخص ذلك الحرف الصغير، لقد ظهر منذ فترة طويلة ولكنه كان قد اختفى، لم يعرف لماذا ظهر الان..
رفع عينيه إلى ريو:
— هل كان يان يعرف ما هذا؟
أجاب:
— كان يعرف أكثر مما قال.
— ولماذا أعطاني إياه؟
ابتسم ريو دون فرح:
— لأنك سألت السؤال الذي كنت أخشاه.
— ما هو؟
قال ريو:
— «إلى أين يذهب الطريق؟»
صمت آزر، ولم يقل ريو المزيد، لكنه لم يحتج.
أعاد آزر النظر إلى الحجر، لم يكن يملك الحقيقة، ولكن للمرة الأولى لم يكن يريد إجابة مجانية.
كان فقط يريد الوصول إلى المكان الذي يمكن أن يحصل منه على الدليل.
القرية.
في تلك الليلة انتشر خبر جديد بين التلاميذ: الطائفة لن تسمح لأحد بالخروج، والجهة الجنوبية ستُغلق مع شروق الشمس.
والذين يعيشون قربها سيُنقلون إلى الداخل، وكان اسم آزر يتردد بين الهمسات.
بعضهم قال إنه السبب، بعضهم قال إن الحجر ملعون، وبعضهم قال إن الفريق كله يجب أن يُطرد.
في غرفته جلس كايو على الأرض، وقال:
— سمعت كل شيء.
كان آزر يطوي خريطة صغيرة:
— وأنا أيضًا.
— ما خطتك؟
— الذهاب إلى القرية.
— قلت إنهم سيمنعوننا.
— نعم.
— إذن؟
رفع آزر رأسه:
— سنخرج قبل أن يغلقوا الطريق، ولكن لن يكون الأمر سهلًا، سنحتاج وقتًا، ومسارًا لا يراقبونه جيدًا.
ساد الصمت، ثم قالت نيرة من عند الباب:
— «سنخرج»؟
التفت إليها، وكانت ذراعاها متقاطعتين:
— نعم.
قالت:
— وأخيرًا قررت أن تخبرنا.
نظر إليها:
— لم أقل إنكم ستأتون.
دخلت، وخلفها تشاو ورين وشين، ثم قال تشاو:
— آسف، لكنني سمعت كلمة «نخرج» في مكان ممنوع، ولم أستطع مقاومة الفضول.
قال شين، وكان وجهه جادًا أكثر من المعتاد:
— وأنا جئت لأمنعكم، أو على الأقل لأفهم، أنتم تعلمون أن مغادرة الطائفة الآن تُعد عصيانًا، وإذا فعلتم ذلك، فلن تستطيعوا العودة بسهولة.
ابتسم كايو:
— هل ستمنعنا فعلًا؟
تردد شين، ثم قال:
— إذا كان ما تفكرون فيه سيقتلنا بلا سبب، نعم، ولكن إذا كان هناك شيء في القرية يفسر ما يحدث هنا… فأنا لا أريد أن أبقى أعمى مثلكم.
نظر آزر إلى الجميع، للحظة فكر أن يكذب، وأن يذهب وحده، لكنه تذكر كلمات نيرة: «لسنا حجرًا في طريقك.» قال:
— أنا لا أعرف ما ينتظرنا، لكنني أعرف أن الطريق يتحرك نحو الجنوب، وأن الطائفة ستغلقه، وأن هناك شيئًا في القرية لم أفهمه بعد.
ثم وضع الحجر أمامهم:
— لهذا سأذهب.
قال كايو:
— وأنا معك، حتى لو كنت أظن أنك تختار الطريق الأصعب.
نيرة تنهدت:
— كنت أعرف.
تشاو رفع يده:
— وأنا أيضًا، لا أعرف لماذا، ولكن لو ذهبتم بدوني سأندم.
ضحك كايو، حتى شين ابتسم قليلًا، أما رين فلم يقل شيئًا، كان ينظر إلى الحجر.
ثم قال:
— هذه المرة… أسمع شيئًا.
توقف الجميع:
— ماذا؟
رفع رأسه نحو الجنوب:
— ليس طرقًا، إنه صوت خطوات.
نظر آزر إلى الباب، وفي الخارج سمعوا صرخة، ثم دوّى جرس الإنذار، وهذه المرة لم تكن دقة واحدة، ولا ثلاثًا. بل صرخة معدنية طويلة مزقت الليل.
اندفعوا إلى الخارج، وكانت النيران قد اشتعلت في أحد أبراج الجهة الجنوبية، ركض الحراس، تدافع التلاميذ، وصاح أحد الشيوخ:
— لا تدعوا أحدًا يخرج!
نظر آزر إلى النار، ثم إلى الطريق الجنوبي، وأخيرا إلى الحجر، كان الخط الأبيض قد امتد مرة أخرى، ولكن هذه المرة لم يكن يشير إلى الجنوب فقط، بل كان يشير إلى خارج الطائفة.
ابتسم آزر ابتسامة صغيرة بلا فرح، لقد انتهى وقت الانتظار، وقال بصوت منخفض:
— الآن نبدأ التخطيط.
وانصرفوا وسط الفوضى..
لم ينم آزر تلك الليلة. بقي الضوء الأبيض الذي ظهر خلف الأشجار عالقًا في ذهنه، كأنه لم يكن ضوءًا بقدر ما كان إشارة لم يفهمها بعد. وفي الصباح وجد والده جالسًا على حافة السرير، وكانت ذراعه لا تزال ملفوفة بالضماد، بينما جلست والدته إلى جواره، نظر والده إليه طويلًا ثم قال: — اجلس. جلس آزر، لم تتكلم أمه في البداية، وكانت تنظر إلى وجهه فقط. ثم قالت: — ماذا يحدث؟ خفض آزر عينيه: — لا أعرف كل شيء. ابتسم والده ابتسامة متعبة: — بدأت بهذه الجملة منذ أن عدت. رفع آزر رأسه، وقالت أمه: — لكنك تعرف أكثر مما تقول. صمت، كان بإمكانه أن ينكر، لكنه هذه المرة لم يفعل: — نعم. تبادلا النظرة، ثم قال والده: — هل أنت في خطر؟ أجاب آزر بعد لحظة: — نعم. شهقت أمه بخفوت، وشد والده أصابعه فوق الضماد: — وهل هذا بسبب الحجر؟ توقف آزر، ولم يجب، فهم والده، وأغمض عينيه للحظة ثم قال: — إذن لا تنكره، وإن كان هذا الشيء سيقتلك، فأنا أريد أن أعرف قبل أن يقتلني أنا أيضًا. لم يبتسم آزر، وقال: — لن أترك شيئًا يصل إليكما. قالت أمه بصوت هادئ لكنه حاد: — لا تقل ذلك كأنك تستطيع التحكم بكل شيء!. صمت، كانت الجملة بالفعل قد أصابت مكانها. عندما خرج آزر من الغرفة وجد كايو ينتظره، وكان كتفه لا يزال ملفوفًا، لكنه تحرك بسهولة أكبر من الأمس. قال: — والدتك غاضبة. — أعرف. — ووالدك أيضًا. — أعرف. ابتسم كايو ابتسامة قصيرة: — جيد، على الأقل أنت تفهم شيئًا. لم يرد آزر، وقال كايو بعد لحظة: — هل ما زلت ستذهب؟ توقف آزر، ثم قال: — نعم. هز كايو رأسه: — كنت أعرف، ولكنني لن أسمح لك بالذهاب وحدك، حتى لو كنت أظن أنك تختار الطريق الأصعب بلا داعٍ. قال آزر: — ربما لن نذهب أصلًا. — لماذا؟ — لأن الطائفة قد تمنعنا. وكأنه استدعى الجملة، دوّى جرس الاستدعاء، مرة واحدة، ثم تبعته أصوات الحراس في الساحة. قال كايو: — يبدو أنهم قرروا عنّا. كانت قاعة الحكم مكتظة، ثلاثة شيوخ في المقدمة، هان إلى جانبهم. وريو واقفًا عند النافذة، وفي الأسفل عدد من الشيوخ والتلاميذ. قال أحد الشيوخ: — ابتداءً من اليوم تُغلق جميع الطرق المؤدية إلى الجنوب. ارتفعت الهمسات، ثم تابع: — ويُمنع أعضاء الفريق الذي تعامل مع الظاهرة الغربية من مغادرة الطائفة. نظر كايو إلى آزر، أما آزر فلم يتغير وجهه، قال شين، وكان صوته يحمل ترددًا واضحًا: — ولماذا؟ أنا لا أفهم، نحن لم نسبب الانهيار. أجاب الشيخ: — لأن كل موضع يظهر فيه الأثر يترك وراءه اضطرابًا، ونحن لا نعرف إلى أين سيصل التالي. رفع ريو رأسه: — بل تعرفون. نظر إليه الشيخ: — هل تريد أن تشرح؟ تقدم ريو إلى الطاولة ووضع الخريطة القديمة عليها: — الغرب أُغلق. أشار إلى النقطة الغربية، ثم أشار إلى الشرق، والجنوب، وأخيرا قرب السكن: — وأنتم تسمون ذلك انتقالًا. قال هان: — وما الخطأ؟ أجاب ريو: — أنكم تتعاملون معه كأنه ينتقل عشوائيًا. ساد الصمت، وقلب الخريطة، ثم ظهرت خطوط باهتة بين العلامات. تابع ريو: —هو لا ينتقل عشوائيا، بل يتبع مسارا. اقترب آزر، ونظر إلى الخطوط، الغرب، الشرق، والجنوب، ثم نقطة أبعد، توقفت عينه عندها. وقال ببطء: — هذه ليست النقطة الأخيرة. نظر إليه ريو: — لا. — إذن إلى أين يتجه؟ لم يجب ريو فورًا، أخذ قطعة فحم ومد خطًا فوق المسار، ثم تابعه حتى النقطة الرابعة، كانت العلامة قرب رمز شجرة، ولكن هذه المرة لم يكن الرمز مجرد شكل بعيد، كان تحته اسم باهت: السرو. تجمد آزر، نظر إلى الاسم مرة، ثم ثانية، ولم يقل شيئًا في البداية. قال هان: — هل تعرف هذا المكان؟ بقي آزر صامتًا لحظة أطول مما ينبغي، ثم قال بصوت منخفض: — أظن… نعم. كانت القرية أمامه على الورق، أصغر من أن تُرى تقريبًا، ولكنها كانت هناك. قال أحد الشيوخ: — ما معنى ذلك؟ أجاب ريو: — يعني أن ما بدأ في الغرب لم يكن يقترب من الطائفة، بل كان يعبرها، والآن اتجه إلى آخر موضع في السلسلة. قال كايو بعد صمت قصير: — القرية. أومأ ريو، ولم تعد الكلمة احتمالًا هذه المرة، بل كانت نتيجة. بعد انتهاء المجلس منع هان الجميع من مغادرة القاعة، ولكن آزر انتظر حتى انشغل الحراس، ثم اتجه إلى ريو: — أريد الخريطة. — لن تحصل عليها. — سأعود إلى القرية. — أعرف. — إذن أعطني إياها. نظر ريو إليه طويلًا: — لا أستطيع. — لأن هان يمنعك؟ — لأنني أعرف ماذا يوجد هناك. قال آزر: — أكثر مني؟ — نعم. — هل تعرف ما حدث ليوهان؟ ساد الصمت، وتغير وجه ريو: — ليس بعد. لاحظ آزر أنه قال «ليس بعد»، وقبل أن يسأل جاء صوت خطوات. كان هان، ونظر إلى الاثنين: — ماذا تفعلان؟ قال ريو: — يتعلم. نظر هان إلى آزر: — من ماذا؟ أجاب آزر: — من الأشياء التي لا يريد الآخرون أن أعرفها. بقي هان صامتًا، ثم أخرج من ثوبه قطعة ورق صغيرة ومدها إلى آزر: — هذه آخر صفحة من سجل لم أعرضها على المجلس. فتحها، وفي أسفلها جملة واحدة: «إذا أُغلق موضع، فلا تتبعه إلى موضعه التالي، لأن الطريق يتذكر من أغلقه.» تحتها سهم، ثم كلمتان: «العودة إلى الأصل ممنوعة.» رفع آزر رأسه: — الأصل هو القرية؟ أجاب هان: — لا أعرف. قال ريو: — وأنا أظن أنك بدأت تعرف. لم يجب آزر، كان يفكر في السهم، ثم الحجر. أخرجه، وهذه المرة لم يتحرك، نظر إلى سطحه، كان هناك أثران باهتان. حرف صغير: ر، ثم شق غير مكتمل يشبه بداية: يو… وفي أسفل الحافة خط آخر لم يلتفت إليه سابقًا، ثلاثة خطوط متقاربة. ولكنها لم تعد تبدو عشوائية. ثلاثة آثار، ثلاث مراحل، ثلاثة أماكن؟ لم يكن يعرف ماذا تعني الحروف بالأخص ذلك الحرف الصغير، لقد ظهر منذ فترة طويلة ولكنه كان قد اختفى، لم يعرف لماذا ظهر الان.. رفع عينيه إلى ريو: — هل كان يان يعرف ما هذا؟ أجاب: — كان يعرف أكثر مما قال. — ولماذا أعطاني إياه؟ ابتسم ريو دون فرح: — لأنك سألت السؤال الذي كنت أخشاه. — ما هو؟ قال ريو: — «إلى أين يذهب الطريق؟» صمت آزر، ولم يقل ريو المزيد، لكنه لم يحتج. أعاد آزر النظر إلى الحجر، لم يكن يملك الحقيقة، ولكن للمرة الأولى لم يكن يريد إجابة مجانية. كان فقط يريد الوصول إلى المكان الذي يمكن أن يحصل منه على الدليل. القرية. في تلك الليلة انتشر خبر جديد بين التلاميذ: الطائفة لن تسمح لأحد بالخروج، والجهة الجنوبية ستُغلق مع شروق الشمس. والذين يعيشون قربها سيُنقلون إلى الداخل، وكان اسم آزر يتردد بين الهمسات. بعضهم قال إنه السبب، بعضهم قال إن الحجر ملعون، وبعضهم قال إن الفريق كله يجب أن يُطرد. في غرفته جلس كايو على الأرض، وقال: — سمعت كل شيء. كان آزر يطوي خريطة صغيرة: — وأنا أيضًا. — ما خطتك؟ — الذهاب إلى القرية. — قلت إنهم سيمنعوننا. — نعم. — إذن؟ رفع آزر رأسه: — سنخرج قبل أن يغلقوا الطريق، ولكن لن يكون الأمر سهلًا، سنحتاج وقتًا، ومسارًا لا يراقبونه جيدًا. ساد الصمت، ثم قالت نيرة من عند الباب: — «سنخرج»؟ التفت إليها، وكانت ذراعاها متقاطعتين: — نعم. قالت: — وأخيرًا قررت أن تخبرنا. نظر إليها: — لم أقل إنكم ستأتون. دخلت، وخلفها تشاو ورين وشين، ثم قال تشاو: — آسف، لكنني سمعت كلمة «نخرج» في مكان ممنوع، ولم أستطع مقاومة الفضول. قال شين، وكان وجهه جادًا أكثر من المعتاد: — وأنا جئت لأمنعكم، أو على الأقل لأفهم، أنتم تعلمون أن مغادرة الطائفة الآن تُعد عصيانًا، وإذا فعلتم ذلك، فلن تستطيعوا العودة بسهولة. ابتسم كايو: — هل ستمنعنا فعلًا؟ تردد شين، ثم قال: — إذا كان ما تفكرون فيه سيقتلنا بلا سبب، نعم، ولكن إذا كان هناك شيء في القرية يفسر ما يحدث هنا… فأنا لا أريد أن أبقى أعمى مثلكم. نظر آزر إلى الجميع، للحظة فكر أن يكذب، وأن يذهب وحده، لكنه تذكر كلمات نيرة: «لسنا حجرًا في طريقك.» قال: — أنا لا أعرف ما ينتظرنا، لكنني أعرف أن الطريق يتحرك نحو الجنوب، وأن الطائفة ستغلقه، وأن هناك شيئًا في القرية لم أفهمه بعد. ثم وضع الحجر أمامهم: — لهذا سأذهب. قال كايو: — وأنا معك، حتى لو كنت أظن أنك تختار الطريق الأصعب. نيرة تنهدت: — كنت أعرف. تشاو رفع يده: — وأنا أيضًا، لا أعرف لماذا، ولكن لو ذهبتم بدوني سأندم. ضحك كايو، حتى شين ابتسم قليلًا، أما رين فلم يقل شيئًا، كان ينظر إلى الحجر. ثم قال: — هذه المرة… أسمع شيئًا. توقف الجميع: — ماذا؟ رفع رأسه نحو الجنوب: — ليس طرقًا، إنه صوت خطوات. نظر آزر إلى الباب، وفي الخارج سمعوا صرخة، ثم دوّى جرس الإنذار، وهذه المرة لم تكن دقة واحدة، ولا ثلاثًا. بل صرخة معدنية طويلة مزقت الليل. اندفعوا إلى الخارج، وكانت النيران قد اشتعلت في أحد أبراج الجهة الجنوبية، ركض الحراس، تدافع التلاميذ، وصاح أحد الشيوخ: — لا تدعوا أحدًا يخرج! نظر آزر إلى النار، ثم إلى الطريق الجنوبي، وأخيرا إلى الحجر، كان الخط الأبيض قد امتد مرة أخرى، ولكن هذه المرة لم يكن يشير إلى الجنوب فقط، بل كان يشير إلى خارج الطائفة. ابتسم آزر ابتسامة صغيرة بلا فرح، لقد انتهى وقت الانتظار، وقال بصوت منخفض: — الآن نبدأ التخطيط. وانصرفوا وسط الفوضى..
