الأستقرار
ظل آزر واقفًا في المكان الذي ترك فيه والديه.
لم يستوعب الرجل مغزى الكلمات، وقبل أن يُدرك ما يحدث، كان آزر قد غرس النصل بثبات في منتصف صدره.
لم يعد يسمع صرخات القتال القادمة من الخارج، ولا أصوات الحجارة وهي تسقط.
حتى النار بدت بعيدة، وكأنها تحدث في مكان آخر.
— لا أعرف.
كان وجهه شاحبًا أكثر مما كان عليه قبل ساعات.
عيناه السوداوان ثابتتان، لا بريق فيهما ولا اهتزاز.
جلس مستندًا إلى الجدار المنهار، ووضع ظهره على الحجر البارد، ثم أغمض عينيه للحظة..
رفع آزر عينيه.
يداه استقرتا على ركبتيه، ولم ترتجفا.
نظر إليهما كمن ينظر إلى شيء لا يخصه.
لكن ما شلّ أوصاله حقًا، وأخرس كل فكرة في عقله… كانتا العينين.
ثم فتح عينيه.
أمسك الحجر الرمادي.
لم يكن في رأسه الآن سوى سؤال واحد:
استدار ببطء وقفل عائدًا بخطوات هادئة، ثم أطلق تنهيدة عميقة أذابت برودة الهواء حوله، وهمس لنفسه:
ماذا أفعل؟
ثم فتح عينيه.
لو بقي هنا، ماذا سيحدث؟ الطائفة تنهار من حوله، ولو عاد إلى الممر، فسيجد ريو هناك.
والميراث، والطريق، وكل الأسرار التي ظن أنه اقترب منها.
لكنه لم يكن يملك شيئًا.
لا مالًا، لا طائفة، لا معلمًا، ولا حتى مكانًا يعود إليه.
— هذه المرة أنا من سيجد الإجابة.
رفع رأسه ببطء.
بدأ يفكر في التدريب، وكان بالفعل قد وصل إلى الأستقرار.
يعرف ذلك الآن، فقد شعر به في جسده أثناء القتال.
المدد لم يعد يتبعثر كلما دفعه، صار يعود إلى مساره، ويستجيب أسرع مما اعتاد.
لكن… ماذا بعد؟ كيف يصل إلى الذروة؟ وكيف يعبر إلى التكوين؟ لم يعلموه ذلك، ولم يخبره أحد بالطريق.
كل ما تعلمه في الطائفة كان يكفيه كي يستخدم المدد، ويكفيه كي يقاتل، ويكفيه فقط لكي ينجو.
ظل آزر واقفًا في المكان الذي ترك فيه والديه.
تذكّر كل مرة جلس فيها تحت إشراف هان.
الحركات نفسها، والتنفس نفسه.
تكرار، ثم تكرار، ولا أحد قال له ماذا يأتي بعد ذلك.
نظر آزر إليه، لم يجد كلمة مناسبة، ثم رفع الحجر مرة أخرى، وهذه المرة لم يتردد. انتهى كل شيء في لحظة.
خفض آزر عينيه.
وللمرة الأولى لم يبدُ الأمر مجرد إهمال، ربما كان هناك شيء آخر.
قال هان بعد لحظة:
خرج من الغرفة.
— ابتعد!
ثم توقف.
أما الثالث، كان قد مات بالفعل تحت الأنقاض
شعر بحركة في الساحة الخلفية.
رفع رأسه.
رجلان.
نفس الملابس، نفس العلامة، كان أحدهما يمسك ذراعه، والآخر يعرج.
كانا الرجلين اللذين قاتلهما آزر في السكن مع والديه.
لم يموتا، وهربا، لكن يبدو أن الحرب أتعبتهما أكثر مما أتعبته.
نظر آزر إليه، لم يجد كلمة مناسبة، ثم رفع الحجر مرة أخرى، وهذه المرة لم يتردد. انتهى كل شيء في لحظة.
اختبآ خلف مبنى نصف منهار، وجلسا يستجمعان قواهما.
رآه أحدهما، وتجمد..
لم يبتسم آزر، وقال:
— أنت…
— هل وجدت ما تبحث عنه؟
لم يرد آزر، ثم قال الآخر بصوت أجش:
ماذا أفعل؟
— كيف لم تمت؟
بقي الصمت بينهما، ثم قال آزر:
اقترب آزر ببطء، ورفع الرجل سيفه بصعوبة.
— أنت…
— لا تقترب!
لا يُعتمد هذا السجل إلا بعد مقارنته بأصل الطريق.
توقّف آزر، ونظر إلى السيف، ثم إلى الرجل.
كان يستطيع الرحيل، ويمكنه أن يتركهما، لكن صورة أبيه مرت في رأسه، ثم الجناح المنهار.
و… أمه
— أعرف.
أمسك الحجر الرمادي.
وصل إليه دون أن يعرف كيف، ولم يكن يعرف كيف يعبر بعده.
قال الرجل:
لم يتبقَّ فيه الكثير. الرفوف مكسورة، الأوراق على الأرض، والصناديق القديمة مفتوحة. لكن شيئًا واحدًا بقي واضحًا، كان رجال النجم الساقط يجمعون السجلات في صناديق محددة. لم يكونوا يجمعون سجلات الزراعة، ولا الأدوية، ولا خرائط المدن. كانت كلها تحمل عناوين مختلفة: الطرق القديمة، الممرات غير المسجلة، المواضع المغلقة، سجلات يوهان.
— اسمعني، لم نكن نقصد قتلهما.
قرأ أكثر، ثم عاد إلى الخريطة. تقع في الجنوب الغربي، على طريق يصل إلى مدن أكبر.
ظل آزر ساكنًا.
استدار نحو الباب، ثم توقف. رفع يده، والمدد تحرك فيها بهدوء، دورة واحدة، ثم عاد إلى داخله. الاستقرار.
— أعرف.
— لماذا؟
— إذن دعنا نذهب.
لم يرد آزر، ثم قال الآخر بصوت أجش:
لم يجب، وخطا خطوة أخرى.
ارتفع السيف، ثم طعن.
لكن كان آزر أسرع، ضرب معصمه، فأفلت السلاح، ثم أمسك عنقه ودفعه إلى الأرض.
صرخ الرجل:
— لأنني لا أملك شيئًا، وأحتاج إلى أن أتعلم.
— انتظر!
تطلّع آزر في عمق عينيه بجمودٍ تام، وأجابه بصوت خافت خالي من أي انفعال:
ضربه آزر بالحجر في صدره، فانكسرت أنفاسه، ولم يمت.
رفع رأسه بصعوبة.
تطلّع آزر في عمق عينيه بجمودٍ تام، وأجابه بصوت خافت خالي من أي انفعال:
— لماذا؟
— هذه المرة أنا من سيجد الإجابة.
نظر آزر إليه، لم يجد كلمة مناسبة، ثم رفع الحجر مرة أخرى، وهذه المرة لم يتردد.
انتهى كل شيء في لحظة.
— لماذا؟
بقي واقفًا فوق الجثة، انتظر شيئًا.
غضبًا، راحة، فرحًا، شيئًا، لكن لم يأتِ.
كان الدم يسيل أمامه، ولم يشعر إلا بذلك الفراغ نفسه.
نظر إلى يده.. كانت ثابتة.
قبل ساعات كانت ترتجف،. والآن.. لا.
لم يفكر كثيرا.
كان وجهه شاحبًا أكثر مما كان عليه قبل ساعات. عيناه السوداوان ثابتتان، لا بريق فيهما ولا اهتزاز. جلس مستندًا إلى الجدار المنهار، ووضع ظهره على الحجر البارد، ثم أغمض عينيه للحظة..
أما الثاني ففر، ركض بين الأنقاض، ولاحقه آزر رغم الألم.
كان أبطأ منه في البداية، قدمُه تؤلمه، ولكن جسده حفظ الحركة.
خطوة، ثم أخرى، وكان المدد قد عاد وحده هذه المرة.
دون أن يستدعيه، شعر به يجري في ذراعه، يستقر، ثم يندفع.
خفض آزر عينيه. وللمرة الأولى لم يبدُ الأمر مجرد إهمال، ربما كان هناك شيء آخر.
وعندما تعثر الرجل عند جدار مكسور، ظهر آزر أمامه.
— لأنني لا أملك شيئًا، وأحتاج إلى أن أتعلم.
استدار الرجل بملامح يكسوها الذعر، وصاح بنبرة متوسلة:
قال الرجل:
— أنا لم أفعل شيئًا!
— أعرف.
تطلّع آزر في عمق عينيه بجمودٍ تام، وأجابه بصوت خافت خالي من أي انفعال:
نظر آزر إليه، لم يجد كلمة مناسبة، ثم رفع الحجر مرة أخرى، وهذه المرة لم يتردد. انتهى كل شيء في لحظة.
— وأنا كذلك… لم أفعل شيئًا.
— ولهذا جاءوا.
لم يستوعب الرجل مغزى الكلمات، وقبل أن يُدرك ما يحدث، كان آزر قد غرس النصل بثبات في منتصف صدره.
أما الثالث، كان قد مات بالفعل تحت الأنقاض
سقط الرجل جثة هامدة، بينما ظل آزر شاخصًا فوقه.
يراقب شحوب وجهه بانتظار شيء ما… لعلّ شعلة تنبعث في داخله، أو إحساسًا ينبض.
— اسمعني، لم نكن نقصد قتلهما.
ولكن، لا شيء جاء.
نفس الفراغ المطبق، ونفس الصمت السحيق.
وحين وقع بصره على آزر، تسمّرت حدقتاه، وابتلعت الصدمة أنفاسه.
استدار ببطء وقفل عائدًا بخطوات هادئة، ثم أطلق تنهيدة عميقة أذابت برودة الهواء حوله، وهمس لنفسه:
أغلق الورقة، ثم التقط مجلدًا بقى في زاوية بعيدة، لم يكن عن الطريق. وعلى غلافه: دليل الطوائف والأقاليم.
«الفراغ لا يُملأ بالدماء… أشدّ أشكال العدم قسوة ليس أن تسلب حياة أحدهم، بل أن تقتل وتنتظر، فلا تجد في داخلك حتى صدى للذنب.»
— لا تقترب!
أما الثالث، كان قد مات بالفعل تحت الأنقاض
جلس على الأرض. وفتح الكتاب، كانت الصفحات مرتبة بحسب المناطق. المناطق التسع الكبرى، ومدد أكثر كثافة كلما اتجه المرء إلى الداخل. مدن كبيرة، طوائف، طرق تجارية، أراضٍ برية لا تصلها العربة، وحروب قديمة بين الطوائف.
وعندما دخل آزر الساحة الرئيسية، كان القتال لا يزال مستمرًا.
ثم.. رأى هان للمرة الأولى.
كان يقاتل عند أحد الجدران، وسيفه ملطخ بالدم.
لم يرد، ونظر إلى الصندوق الأخير. كان فارغًا، وعلى غطائه كلمة واحدة: يوهان. مد آزر يده نحوه، واعترض الرجل، ثم تصادمت السيوف. ضربة، ثم أخرى. استخدم آزر المدد. وهذه المرة تحرك بسهولة أكبر من السابق، لم يحتج إلى التفكير في كل حركة، كان جسده اعتاد على المعارك ويفعلها بشكل غريزي. دفع الرجل بعيدًا، ثم اندفع، وهرب مع الباقين بالسجلات
وحين وقع بصره على آزر، تسمّرت حدقتاه، وابتلعت الصدمة أنفاسه.
— سجلات الطريق أهم مما تظن.
لم يكن هذا مجرد تغيّر في الملامح، بل كان تجسيدًا حيًا للخراب.
الوجه بات منحوتًا بقسوة، غائر الوجنتين، يكسوه شحوبٌ مرعب كجثةٍ نُبشت للتو من قبرها، خاليًا من أي قطرة حياة.
التفتت نظراته بذهول إلى شعره؛
فوضى من السواد الحالك، تمزقها خصلات بيضاء كرماد العظام المحترقة، وكأن قسوة الزمن قد التهمت شبابه وتركت بصمة الموت فوق رأسه.
— هل وجدت ما تبحث عنه؟
لكن ما شلّ أوصاله حقًا، وأخرس كل فكرة في عقله… كانتا العينين.
لم يكن هذا مجرد تغيّر في الملامح، بل كان تجسيدًا حيًا للخراب. الوجه بات منحوتًا بقسوة، غائر الوجنتين، يكسوه شحوبٌ مرعب كجثةٍ نُبشت للتو من قبرها، خاليًا من أي قطرة حياة. التفتت نظراته بذهول إلى شعره؛ فوضى من السواد الحالك، تمزقها خصلات بيضاء كرماد العظام المحترقة، وكأن قسوة الزمن قد التهمت شبابه وتركت بصمة الموت فوق رأسه.
لم تعودا مجرد عينين بشريتين، بل.. بؤرتين من السواد المطلق، هاوية سحيقة تبتلع النور ولا تعكس شيئًا سوى بريقٍ معدني جليدي… بريق الموت، الخالص، البارد، الذي لا يعرف الرحمة ولا الشفقة.
اختبآ خلف مبنى نصف منهار، وجلسا يستجمعان قواهما. رآه أحدهما، وتجمد..
تجمّد جسده بالكامل في مكانه، ونسي كيف يرمش، بينما سرت قشعريرة صقيعية مزّقت أوردته حتى عمق عظامه، وكأن كيانًا من العالم السفلي قد مرّ عبر روحه في تلك اللحظة، ليسلبه ما تبقى من دفء.
— هذه المرة أنا من سيجد الإجابة.
— آزر…؟
ابتسم هان ابتسامة صغيرة متعبة.
لم يتوقف آزر، نظر إليه فقط، ثم تابع نحو مبنى السجلات.
ناداه هان:
— لم يبقَ الكثير هنا.
— بحثت عنك بعد أن انهار الجناح.
لم يتوقف آزر، نظر إليه فقط، ثم تابع نحو مبنى السجلات. ناداه هان:
لم يجب آزر.
لم يكن هناك شيء لقوله، وبعد ثوانٍ عاد هان إلى قتاله.
أما آزر فدخل الأرشيف.
توقف.. كان يعرف الآن أن بعض ما قرأوه في الطائفة لم يكن كذبًا بالكامل، وبعضه لم يكن حقيقة بالكامل. كانت هناك سجلات صحيحة اختلطت بأخرى ناقصة. ربما عمدًا، وربما.. لأن أجيالًا من الناس كتبت ما ظنته حقيقة، وهان كان واحدًا ممن عاشوا فوق هذا الخليط. لم يكن آزر يعرف بعد أي جزء منه ينتمي إلى أي جهة.
لم يتبقَّ فيه الكثير.
الرفوف مكسورة، الأوراق على الأرض، والصناديق القديمة مفتوحة.
لكن شيئًا واحدًا بقي واضحًا، كان رجال النجم الساقط يجمعون السجلات في صناديق محددة.
لم يكونوا يجمعون سجلات الزراعة، ولا الأدوية، ولا خرائط المدن.
كانت كلها تحمل عناوين مختلفة:
الطرق القديمة، الممرات غير المسجلة، المواضع المغلقة، سجلات يوهان.
أجاب آزر بهدوء:
اقترب آزر، ورأه أحد الرجال
استدار ببطء وقفل عائدًا بخطوات هادئة، ثم أطلق تنهيدة عميقة أذابت برودة الهواء حوله، وهمس لنفسه:
— ابتعد!
ظل آزر ساكنًا.
لم يرد، ونظر إلى الصندوق الأخير.
كان فارغًا، وعلى غطائه كلمة واحدة:
يوهان.
مد آزر يده نحوه، واعترض الرجل، ثم تصادمت السيوف.
ضربة، ثم أخرى.
استخدم آزر المدد.
وهذه المرة تحرك بسهولة أكبر من السابق، لم يحتج إلى التفكير في كل حركة، كان جسده اعتاد على المعارك ويفعلها بشكل غريزي.
دفع الرجل بعيدًا، ثم اندفع، وهرب مع الباقين بالسجلات
توقف عند الاسم الأخير، وفتح الصفحات. لم تكن الطائفة الأقوى، ولا الأكبر، لكنها كانت مختلفة. كان تلاميذها يتعاملون مع مدن كثيرة خارج حدودها، مكتبتها مفتوحة لعدة مستويات من التلاميذ. وكان بإمكان الخارجي أن يحصل على موارد إضافية عبر المهمات والنقاط، بدلا من أن يبقى معتمدًا بالكامل على مشرف واحد.
اقترب آزر من الصندوق.
فارغ، فتح الثاني، السجلات القديمة اختفت، الثالث، فارغ.
والرابع، لم يبقَ فيه إلا ورقة ممزقة.
قرأها، ولم يرَ اسم يوهان، لكن وجد كلمات:
الطريق الغربي، الشجرة، الحجر، العودة ممنوعة.
رفع آزر الورقة، وتحتها كانت كتابة أخرى، أصغر:
رفع آزر عينيه.
لا يُعتمد هذا السجل إلا بعد مقارنته بأصل الطريق.
لم يجب، وخطا خطوة أخرى. ارتفع السيف، ثم طعن. لكن كان آزر أسرع، ضرب معصمه، فأفلت السلاح، ثم أمسك عنقه ودفعه إلى الأرض. صرخ الرجل:
توقف.. كان يعرف الآن أن بعض ما قرأوه في الطائفة لم يكن كذبًا بالكامل، وبعضه لم يكن حقيقة بالكامل.
كانت هناك سجلات صحيحة اختلطت بأخرى ناقصة.
ربما عمدًا، وربما.. لأن أجيالًا من الناس كتبت ما ظنته حقيقة، وهان كان واحدًا ممن عاشوا فوق هذا الخليط.
لم يكن آزر يعرف بعد أي جزء منه ينتمي إلى أي جهة.
أغلق الورقة، ثم التقط مجلدًا بقى في زاوية بعيدة، لم يكن عن الطريق. وعلى غلافه: دليل الطوائف والأقاليم.
أغلق الورقة، ثم التقط مجلدًا بقى في زاوية بعيدة، لم يكن عن الطريق.
وعلى غلافه:
دليل الطوائف والأقاليم.
قال هان بعد لحظة:
جلس على الأرض.
وفتح الكتاب، كانت الصفحات مرتبة بحسب المناطق.
المناطق التسع الكبرى، ومدد أكثر كثافة كلما اتجه المرء إلى الداخل.
مدن كبيرة، طوائف، طرق تجارية، أراضٍ برية لا تصلها العربة، وحروب قديمة بين الطوائف.
اقترب آزر، ورأه أحد الرجال
قرأ عن لين: مدينة حدودية، لا تنتمي إلى قلب أي قوة كبيرة، لكنها تقع عند تقاطع عدة طرق.
ثم قرأ عن طائفة السحابة الشمالية:
طائفة إقليمية، قوتها محدودة، لكنها تملك نفوذًا على الطرق التجارية القريبة.
اختبآ خلف مبنى نصف منهار، وجلسا يستجمعان قواهما. رآه أحدهما، وتجمد..
قرأ عن خصومها:
طائفة النجم الساقط، طائفة جبل السيف، طائفة المرآة الرمادية، وطائفة النهر العميق.
— لماذا؟
توقف عند الاسم الأخير، وفتح الصفحات.
لم تكن الطائفة الأقوى، ولا الأكبر، لكنها كانت مختلفة.
كان تلاميذها يتعاملون مع مدن كثيرة خارج حدودها، مكتبتها مفتوحة لعدة مستويات من التلاميذ.
وكان بإمكان الخارجي أن يحصل على موارد إضافية عبر المهمات والنقاط، بدلا من أن يبقى معتمدًا بالكامل على مشرف واحد.
يداه استقرتا على ركبتيه، ولم ترتجفا. نظر إليهما كمن ينظر إلى شيء لا يخصه.
قرأ أكثر، ثم عاد إلى الخريطة.
تقع في الجنوب الغربي، على طريق يصل إلى مدن أكبر.
أغلق آزر الكتاب.
لم يرفع آزر عينيه عن الصفحة، ثم قال هان من خلفه:
— ماذا ستفعل؟
— ستذهب؟
أغلق الورقة، ثم التقط مجلدًا بقى في زاوية بعيدة، لم يكن عن الطريق. وعلى غلافه: دليل الطوائف والأقاليم.
التفت آزر، وكان هان يقف عند الباب، وجهه متعب، والدم على ملابسه.
لم يجب آزر. لم يكن هناك شيء لقوله، وبعد ثوانٍ عاد هان إلى قتاله. أما آزر فدخل الأرشيف.
— لم يبقَ الكثير هنا.
توقّف آزر، ونظر إلى السيف، ثم إلى الرجل. كان يستطيع الرحيل، ويمكنه أن يتركهما، لكن صورة أبيه مرت في رأسه، ثم الجناح المنهار. و… أمه
أغلق آزر الكتاب.
التفت آزر، وكان هان يقف عند الباب، وجهه متعب، والدم على ملابسه.
— أعرف.
لم يجب آزر. لم يكن هناك شيء لقوله، وبعد ثوانٍ عاد هان إلى قتاله. أما آزر فدخل الأرشيف.
— هل وجدت ما تبحث عنه؟
— لماذا؟
نظر إلى الصندوق الفارغ.
ثم توقف.
— لا.
— اسمعني، لم نكن نقصد قتلهما.
سكت هان، ثم قال:
رفع آزر عينيه.
— سجلات الطريق أهم مما تظن.
ولكن، لا شيء جاء. نفس الفراغ المطبق، ونفس الصمت السحيق.
رفع آزر عينيه.
«الفراغ لا يُملأ بالدماء… أشدّ أشكال العدم قسوة ليس أن تسلب حياة أحدهم، بل أن تقتل وتنتظر، فلا تجد في داخلك حتى صدى للذنب.»
— لماذا؟
التفت آزر، وكان هان يقف عند الباب، وجهه متعب، والدم على ملابسه.
تردد هان.
أجاب آزر بهدوء:
— لأن من يملكها يعرف أين ظهرت الأشياء قبل أن تظهر الآن.
لم يبتسم آزر، وقال:
نظر آزر إليه.
— لأنني لا أملك شيئًا، وأحتاج إلى أن أتعلم.
— ولهذا جاءوا.
— كنت أعرف أنه يدبر أشياء، لكن ليس كل شيء.
أومأ هان.
— لماذا؟
— نعم.
— أخيرًا عدت إلى إجابتك القديمة.
بقي الصمت بينهما، ثم قال آزر:
رفع آزر عينيه.
— هل كنت تعرف؟
قرأ عن خصومها: طائفة النجم الساقط، طائفة جبل السيف، طائفة المرآة الرمادية، وطائفة النهر العميق.
نظر هان إليه.
— عن يان.
— أعرف ماذا؟
أغلق آزر الكتاب.
— عن يان.
— هذه المرة أنا من سيجد الإجابة.
تردد هان هذه المرة لفترة أطول، ولم يجب فورًا.
ثم قال:
وقف آزر، وأمسك الكتاب.
— كنت أعرف أنه يدبر أشياء، لكن ليس كل شيء.
توقف.. كان يعرف الآن أن بعض ما قرأوه في الطائفة لم يكن كذبًا بالكامل، وبعضه لم يكن حقيقة بالكامل. كانت هناك سجلات صحيحة اختلطت بأخرى ناقصة. ربما عمدًا، وربما.. لأن أجيالًا من الناس كتبت ما ظنته حقيقة، وهان كان واحدًا ممن عاشوا فوق هذا الخليط. لم يكن آزر يعرف بعد أي جزء منه ينتمي إلى أي جهة.
لم يزد، وآزر لم يسأله المزيد، فهم أن الإجابة ناقصة، وأنها كل ما سيحصل عليه.
قرأ عن لين: مدينة حدودية، لا تنتمي إلى قلب أي قوة كبيرة، لكنها تقع عند تقاطع عدة طرق. ثم قرأ عن طائفة السحابة الشمالية: طائفة إقليمية، قوتها محدودة، لكنها تملك نفوذًا على الطرق التجارية القريبة.
قال هان بعد لحظة:
جلس على الأرض. وفتح الكتاب، كانت الصفحات مرتبة بحسب المناطق. المناطق التسع الكبرى، ومدد أكثر كثافة كلما اتجه المرء إلى الداخل. مدن كبيرة، طوائف، طرق تجارية، أراضٍ برية لا تصلها العربة، وحروب قديمة بين الطوائف.
— ماذا ستفعل؟
— أعرف.
وقف آزر، وأمسك الكتاب.
أومأ هان.
— سأغادر.
لو بقي هنا، ماذا سيحدث؟ الطائفة تنهار من حوله، ولو عاد إلى الممر، فسيجد ريو هناك. والميراث، والطريق، وكل الأسرار التي ظن أنه اقترب منها. لكنه لم يكن يملك شيئًا. لا مالًا، لا طائفة، لا معلمًا، ولا حتى مكانًا يعود إليه.
— إلى أين؟
— انتظر!
أغلق الكتاب.
رفع آزر الكتاب تحت ذراعه، ونظر مرة أخيرة إلى الأرشيف. إلى السجلات المفقودة، وإلى المكان الذي كان يعتقد أنه سيتلقى منه الحقيقة.. ثم غادر.
— طائفة النهر العميق.
التفت آزر، وكان هان يقف عند الباب، وجهه متعب، والدم على ملابسه.
نظر هان إلى الإسم المكتوب على الغلاف، ثم إلى آزر.
— لأن من يملكها يعرف أين ظهرت الأشياء قبل أن تظهر الآن.
— لماذا؟
— أنت…
أجاب آزر بهدوء:
وعندما تعثر الرجل عند جدار مكسور، ظهر آزر أمامه.
— لأنني لا أملك شيئًا، وأحتاج إلى أن أتعلم.
وعندما دخل آزر الساحة الرئيسية، كان القتال لا يزال مستمرًا. ثم.. رأى هان للمرة الأولى. كان يقاتل عند أحد الجدران، وسيفه ملطخ بالدم.
نظر هان إلى شعره الأبيض، ثم إلى عينيه، ولم يسأله عمّا حدث، ربما لم يكن حتى بحاجة إلى السؤال.
قال فقط:
تجمّد جسده بالكامل في مكانه، ونسي كيف يرمش، بينما سرت قشعريرة صقيعية مزّقت أوردته حتى عمق عظامه، وكأن كيانًا من العالم السفلي قد مرّ عبر روحه في تلك اللحظة، ليسلبه ما تبقى من دفء.
— هل تعتقد أنهم سيقبلونك؟
ابتسم هان ابتسامة صغيرة متعبة.
— لا أعرف.
أما الثاني ففر، ركض بين الأنقاض، ولاحقه آزر رغم الألم. كان أبطأ منه في البداية، قدمُه تؤلمه، ولكن جسده حفظ الحركة. خطوة، ثم أخرى، وكان المدد قد عاد وحده هذه المرة. دون أن يستدعيه، شعر به يجري في ذراعه، يستقر، ثم يندفع.
ابتسم هان ابتسامة صغيرة متعبة.
— أنا لم أفعل شيئًا!
— أخيرًا عدت إلى إجابتك القديمة.
توقف.. كان يعرف الآن أن بعض ما قرأوه في الطائفة لم يكن كذبًا بالكامل، وبعضه لم يكن حقيقة بالكامل. كانت هناك سجلات صحيحة اختلطت بأخرى ناقصة. ربما عمدًا، وربما.. لأن أجيالًا من الناس كتبت ما ظنته حقيقة، وهان كان واحدًا ممن عاشوا فوق هذا الخليط. لم يكن آزر يعرف بعد أي جزء منه ينتمي إلى أي جهة.
لم يبتسم آزر، وقال:
قال الرجل:
— هذه المرة أنا من سيجد الإجابة.
استدار الرجل بملامح يكسوها الذعر، وصاح بنبرة متوسلة:
استدار نحو الباب، ثم توقف.
رفع يده، والمدد تحرك فيها بهدوء، دورة واحدة، ثم عاد إلى داخله.
الاستقرار.
قال الرجل:
وصل إليه دون أن يعرف كيف، ولم يكن يعرف كيف يعبر بعده.
أومأ هان.
رفع آزر الكتاب تحت ذراعه، ونظر مرة أخيرة إلى الأرشيف.
إلى السجلات المفقودة، وإلى المكان الذي كان يعتقد أنه سيتلقى منه الحقيقة..
ثم غادر.
خفض آزر عينيه. وللمرة الأولى لم يبدُ الأمر مجرد إهمال، ربما كان هناك شيء آخر.
خلفه كانت السحابة الشمالية تحتضر، وأمامه كان طريق آخر..
لم يعد يملك قرية، ولا أهلًا، ولا أصدقاء.
لكن بقي له شيء واحد.
السؤال.
لم يجب، وخطا خطوة أخرى. ارتفع السيف، ثم طعن. لكن كان آزر أسرع، ضرب معصمه، فأفلت السلاح، ثم أمسك عنقه ودفعه إلى الأرض. صرخ الرجل:
وكان يعرف الآن أن السؤال وحده لا يكفي.
لذلك، هذه المرة… كان ذاهبًا يبحث عن القوة.
رفع آزر الكتاب تحت ذراعه، ونظر مرة أخيرة إلى الأرشيف. إلى السجلات المفقودة، وإلى المكان الذي كان يعتقد أنه سيتلقى منه الحقيقة.. ثم غادر.
رفع آزر عينيه.
