الأستقرار
ظل آزر واقفًا في المكان الذي ترك فيه والديه.
— لا أعرف.
لم يعد يسمع صرخات القتال القادمة من الخارج، ولا أصوات الحجارة وهي تسقط.
حتى النار بدت بعيدة، كأنها تحدث في مكان آخر.
لم يتبقَّ فيه الكثير. الرفوف مكسورة، الأوراق على الأرض، والصناديق القديمة مفتوحة. لكن شيئًا واحدًا بقي واضحًا، كان رجال النجم الساقط يجمعون السجلات في صناديق محددة. آزر توقف. لم يكونوا يجمعون سجلات الزراعة، ولا الأدوية، ولا خرائط المدن. كانت كلها تحمل عناوين مختلفة: الطرق القديمة، الممرات غير المسجلة، المواضع المغلقة، سجلات يوهان.
كان وجهه شاحبًا أكثر مما كان عليه قبل ساعات.
عيناه السوداوان ثابتتان، لا بريق فيهما ولا اهتزاز.
جلس مستندًا إلى الجدار المنهار، ووضع ظهره على الحجر البارد، وأغمض عينيه للحظة.
لم يبتسم آزر، وقال:
يداه استقرتا على ركبتيه، ولم ترتجفا.
نظر إليهما كمن ينظر إلى شيء لا يخصه.
خفض آزر عينيه. للمرة الأولى لم يبدُ الأمر مجرد إهمال، ربما كان هناك شيء آخر.
ثم فتح عينيه.
ماذا أفعل؟
لم يكن في رأسه الآن سوى سؤال واحد:
— إذن دعنا نذهب.
ماذا أفعل؟
لكن ما شلّ أوصاله حقًا، وأخرس كل فكرة في عقله… كانتا العينين.
لو بقي هنا، ماذا سيحدث؟ الطائفة تنهار من حوله، ولو عاد إلى الممر، فسيجد ريو هناك.
والميراث، والطريق، وكل الأسرار التي ظن أنه اقترب منها.
لكنه لم يكن يملك شيئًا.
لا مالًا، لا طائفة، لا معلمًا، ولا حتى مكانًا يعود إليه.
أما الثالث، كان قد مات بالفعل تحت الأنقاض
رفع رأسه ببطء.
بدأ يفكر في التدريب، وكان بالفعل قد وصل إلى الأستقرار.
يعرف ذلك الآن، فقد شعر به في جسده أثناء القتال.
المدد لم يعد يتبعثر كلما دفعه، صار يعود إلى مساره، ويستجيب أسرع مما اعتاد.
لكن… ماذا بعد؟ كيف يصل إلى الذروة؟ وكيف يعبر إلى التكوين؟ لم يعلموه ذلك، ولم يخبره أحد بالطريق.
كل ما تعلمه في الطائفة كان يكفيه كي يستخدم المدد، ويكفيه كي يقاتل، ويكفيه فقط لكي ينجو .
لم يستوعب الرجل مغزى الكلمات، وقبل أن يُدرك ما يحدث، كان آزر قد غرس النصل بثبات في منتصف صدره.
تذكّر كل مرة جلس فيها تحت إشراف هان.
الحركات نفسها، والتنفس نفسه.
تكرار، ثم تكرار، ولا أحد قال له ماذا يأتي بعد ذلك.
قال هان بعد لحظة:
خفض آزر عينيه.
للمرة الأولى لم يبدُ الأمر مجرد إهمال، ربما كان هناك شيء آخر.
— هذه المرة أنا من سيجد الإجابة.
خرج من الغرفة.
— آزر؟
ثم توقف.
— ستذهب؟
شعر بحركة في الساحة الخلفية.
رفع رأسه.
رجلان، نفس الملابس، نفس العلامة، كان أحدهما يمسك ذراعه، والآخر يعرج.
كانا الرجلين اللذين قاتلهما آزر في السكن مع والديه.
لم يموتا، هربا، لكن يبدو أن الحرب أتعبتهما أكثر مما أتعبته.
تطلّع آزر في عمق عينيه بجمودٍ تام، وأجابه بصوت خافت خالي من أي انفعال:
اختبآ خلف مبنى نصف منهار، وجلسا يستجمعان قواهما.
رآه أحدهما، وتجمد.
لم يرد، ونظر إلى الصندوق الأخير. كان فارغًا، وعلى غطائه كلمة واحدة: يوهان. مد آزر يده نحوه، واعترض الرجل، تصادمت السيوف. ضربة، ثم أخرى. استخدم آزر المدد، وهذه المرة تحرك بسهولة أكبر من السابق، لم يحتج إلى التفكير في كل حركة، جسده كان يفعلها بشكل غريزي. دفع الرجل بعيدًا، ثم اندفع، وهرب مع الباقين بالسجلات
— أنت…
تذكّر كل مرة جلس فيها تحت إشراف هان. الحركات نفسها، والتنفس نفسه. تكرار، ثم تكرار، ولا أحد قال له ماذا يأتي بعد ذلك.
لم يرد آزر، ثم قال الآخر بصوت أجش:
«الفراغ لا يُملأ بالدماء… أشدّ أشكال العدم قسوة ليس أن تسلب حياة أحدهم، بل أن تقتل وتنتظر، فلا تجد في داخلك حتى صدى للذنب.»
— كيف لم تمت؟
لكن ما شلّ أوصاله حقًا، وأخرس كل فكرة في عقله… كانتا العينين.
اقترب آزر ببطء، ورفع الرجل سيفه بصعوبة.
بقي الصمت بينهما، ثم قال آزر:
— لا تقترب.
نظر آزر إليه.
توقّف آزر، ونظر إلى السيف، ثم إلى الرجل.
كان يستطيع الرحيل، ويمكنه أن يتركهما، لكن صورة أبيه مرت في رأسه، ثم الجناح المنهار.
وأخيرا… أمه
تردد هان هذه المرة أطول، ولم يجب فورًا، ثم قال:
أمسك الحجر الرمادي.
لو بقي هنا، ماذا سيحدث؟ الطائفة تنهار من حوله، ولو عاد إلى الممر، فسيجد ريو هناك. والميراث، والطريق، وكل الأسرار التي ظن أنه اقترب منها. لكنه لم يكن يملك شيئًا. لا مالًا، لا طائفة، لا معلمًا، ولا حتى مكانًا يعود إليه.
قال الرجل:
وعندما دخل آزر الساحة الرئيسية، كان القتال لا يزال مستمرًا. رأى هان للمرة الأولى، كان يقاتل عند أحد الجدران، وسيفه ملطخ بالدم.
— اسمعني، لم نكن نقصد قتلهما.
لم يجب آزر، لم يكن هناك شيء لقوله، وبعد ثوانٍ عاد هان إلى قتاله. أما آزر فدخل الأرشيف.
ظل آزر ساكنًا.
تطلّع آزر في عمق عينيه بجمودٍ تام، وأجابه بصوت خافت خالي من أي انفعال:
— أعرف.
خلفه كانت السحابة الشمالية تحتضر، وأمامه كان طريق آخر. لم يعد يملك قرية، ولا أهلًا، ولا أصدقاء. لكن بقي له شيء واحد. السؤال. وكان يعرف الآن أن السؤال وحده لا يكفي. لذلك، هذه المرة… كان ذاهبًا يبحث عن القوة.
— إذن دعنا نذهب.
— لا.
لم يجب، وخطا خطوة أخرى.
ارتفع السيف، ثم طعن، لكن كان آزر أسرع، ضرب معصمه، فأفلت السلاح، ثم أمسك عنقه ودفعه إلى الأرض.
صرخ الرجل:
توقف، كان يعرف الآن أن بعض ما قرأوه في الطائفة لم يكن كذبًا بالكامل، وبعضه لم يكن حقيقة بالكامل. كانت هناك سجلات صحيحة اختلطت بأخرى ناقصة. ربما عمدًا، وربما لأن أجيالًا من الناس كتبت ما ظنته حقيقة، وهان كان واحدًا ممن عاشوا فوق هذا الخليط. لم يكن آزر يعرف بعد أي جزء منه ينتمي إلى أي جهة.
— انتظر!
— نعم.
ضربه آزر بالحجر في صدره، فانكسرت أنفاسه، ولم يمت.
رفع رأسه بصعوبة.
رفع رأسه ببطء. بدأ يفكر في التدريب، وكان بالفعل قد وصل إلى الأستقرار. يعرف ذلك الآن، فقد شعر به في جسده أثناء القتال. المدد لم يعد يتبعثر كلما دفعه، صار يعود إلى مساره، ويستجيب أسرع مما اعتاد. لكن… ماذا بعد؟ كيف يصل إلى الذروة؟ وكيف يعبر إلى التكوين؟ لم يعلموه ذلك، ولم يخبره أحد بالطريق. كل ما تعلمه في الطائفة كان يكفيه كي يستخدم المدد، ويكفيه كي يقاتل، ويكفيه فقط لكي ينجو .
— لماذا؟
— كنت أعرف أنه يدبر أشياء، لكن ليس كل شيء.
نظر آزر إليه، لم يجد كلمة مناسبة، ثم رفع الحجر مرة أخرى، وهذه المرة لم يتردد.
انتهى كل شيء في لحظة.
ولكن، لا شيء جاء، نفس الفراغ المطبق، ونفس الصمت السحيق.
بقي واقفًا فوق الجثة، انتظر شيئًا.
غضبًا، راحة، فرحًا، شيئًا، لكن لم يأتِ.
كان الدم يسيل أمامه، ولم يشعر إلا بذلك الفراغ نفسه.
نظر إلى يده، كانت ثابتة.
قبل ساعات كانت ترتجف،. والآن.. لا.
لم يفكر كثيرا.
قرأ عن لين: مدينة حدودية، لا تنتمي إلى قلب أي قوة كبيرة، لكنها تقع عند تقاطع عدة طرق. ثم قرأ عن طائفة السحابة الشمالية: طائفة إقليمية، قوتها محدودة، لكنها تملك نفوذًا على الطرق التجارية القريبة. قرأ عن خصومها: طائفة النجم الساقط، طائفة جبل السيف، طائفة المرآة الرمادية، وطائفة النهر العميق.
أما الثاني ففر، ركض بين الأنقاض، ولاحقه آزر رغم الألم.
كان أبطأ منه في البداية، قدمُه تؤلمه، ولكن جسده حفظ الحركة.
خطوة،. ثم أخرى، وكان المدد عاد وحده هذه المرة.
دون أن يستدعيه، شعر به يجري في ذراعه، يستقر، ثم يندفع.
وعندما تعثر الرجل عند جدار مكسور، ظهر آزر أمامه.
ضربه آزر بالحجر في صدره، فانكسرت أنفاسه، ولم يمت. رفع رأسه بصعوبة.
استدار الرجل بملامح يكسوها الذعر، وصاح بنبرة متوسلة:
استدار ببطء وقفل عائدًا بخطوات هادئة، ثم أطلق تنهيدة عميقة أذابت برودة الهواء حوله، وهمس لنفسه:
— أنا لم أفعل شيئًا!
ظل آزر ساكنًا.
تطلّع آزر في عمق عينيه بجمودٍ تام، وأجابه بصوت خافت خالي من أي انفعال:
اقترب آزر من الصندوق. فارغ، فتح الثاني، السجلات القديمة اختفت، الثالث، فارغ. والرابع، لم يبقَ فيه إلا ورقة ممزقة. قرأها، ولم يرَ اسم يوهان، لكن وجد كلمات: الطريق الغربي، الشجرة، الحجر، العودة ممنوعة. رفع آزر الورقة، وتحتها كانت كتابة أخرى، أصغر: لا يُعتمد هذا السجل إلا بعد مقارنته بأصل الطريق.
— وأنا كذلك… لم أفعل شيئًا.
— طائفة النهر العميق.
لم يستوعب الرجل مغزى الكلمات، وقبل أن يُدرك ما يحدث، كان آزر قد غرس النصل بثبات في منتصف صدره.
أومأ هان.
سقط الرجل جثة هامدة، بينما ظل آزر شاخصًا فوقه.
يراقب شحوب وجهه بانتظار شيء ما… علّ شعلة تنبعث في داخله، أو إحساسًا ينبض.
— ولماذا؟
ولكن، لا شيء جاء، نفس الفراغ المطبق، ونفس الصمت السحيق.
لم يزد، وآزر لم يسأله المزيد، فهم أن الإجابة ناقصة، وأنها كل ما سيحصل عليه.
استدار ببطء وقفل عائدًا بخطوات هادئة، ثم أطلق تنهيدة عميقة أذابت برودة الهواء حوله، وهمس لنفسه:
لم يتوقف آزر، نظر إليه فقط، ثم تابع نحو مبنى السجلات. ناداه هان:
«الفراغ لا يُملأ بالدماء… أشدّ أشكال العدم قسوة ليس أن تسلب حياة أحدهم، بل أن تقتل وتنتظر، فلا تجد في داخلك حتى صدى للذنب.»
— عن يان.
أما الثالث، كان قد مات بالفعل تحت الأنقاض
— ابتعد!
وعندما دخل آزر الساحة الرئيسية، كان القتال لا يزال مستمرًا.
رأى هان للمرة الأولى، كان يقاتل عند أحد الجدران، وسيفه ملطخ بالدم.
— لماذا؟
وحين وقع بصره على آزر، تسمّرت حدقتاه، وابتلعت الصدمة أنفاسه.
ثم فتح عينيه.
لم يكن هذا مجرد تغيّر في الملامح، بل كان تجسيدًا حيًا للخراب.
الوجه بات منحوتًا بقسوة، غائر الوجنتين، يكسوه شحوبٌ مرعب كجثةٍ نُبشت للتو من قبرها، خاليًا من أي قطرة حياة.
التفتت نظراته بذهول إلى شعره؛ فوضى من السواد الحالك، تمزقها خصلات بيضاء كرماد العظام المحترقة، وكأن قسوة الزمن قد التهمت شبابه وتركت بصمة الموت فوق رأسه.
التفت آزر، وكان هان يقف عند الباب، وجهه متعب، والدم على ملابسه.
لكن ما شلّ أوصاله حقًا، وأخرس كل فكرة في عقله… كانتا العينين.
استدار ببطء وقفل عائدًا بخطوات هادئة، ثم أطلق تنهيدة عميقة أذابت برودة الهواء حوله، وهمس لنفسه:
لم تعودا مجرد عينين بشريتين، بل بؤرتين من السواد المطلق، هاوية سحيقة تبتلع النور ولا تعكس شيئًا سوى بريقٍ معدني جليدي… بريق الموت، الخالص، البارد، الذي لا يعرف الرحمة ولا الشفقة.
لم يجب، وخطا خطوة أخرى. ارتفع السيف، ثم طعن، لكن كان آزر أسرع، ضرب معصمه، فأفلت السلاح، ثم أمسك عنقه ودفعه إلى الأرض. صرخ الرجل:
تجمّد جسده بالكامل في مكانه، ونسي كيف يرمش، بينما سرت قشعريرة صقيعية مزّقت أوردته حتى عمق عظامه، وكأن كيانًا من العالم السفلي قد مرّ عبر روحه في تلك اللحظة، ليسلبه ما تبقى من دفء.
اقترب آزر، ورأه أحد الرجال
— آزر؟
— ماذا ستفعل؟
لم يتوقف آزر، نظر إليه فقط، ثم تابع نحو مبنى السجلات.
ناداه هان:
اقترب آزر من الصندوق. فارغ، فتح الثاني، السجلات القديمة اختفت، الثالث، فارغ. والرابع، لم يبقَ فيه إلا ورقة ممزقة. قرأها، ولم يرَ اسم يوهان، لكن وجد كلمات: الطريق الغربي، الشجرة، الحجر، العودة ممنوعة. رفع آزر الورقة، وتحتها كانت كتابة أخرى، أصغر: لا يُعتمد هذا السجل إلا بعد مقارنته بأصل الطريق.
— بحثت عنك بعد أن انهار الجناح.
لم يجب آزر، لم يكن هناك شيء لقوله، وبعد ثوانٍ عاد هان إلى قتاله.
أما آزر فدخل الأرشيف.
— ابتعد!
لم يتبقَّ فيه الكثير.
الرفوف مكسورة، الأوراق على الأرض، والصناديق القديمة مفتوحة.
لكن شيئًا واحدًا بقي واضحًا، كان رجال النجم الساقط يجمعون السجلات في صناديق محددة.
آزر توقف.
لم يكونوا يجمعون سجلات الزراعة، ولا الأدوية، ولا خرائط المدن.
كانت كلها تحمل عناوين مختلفة: الطرق القديمة، الممرات غير المسجلة، المواضع المغلقة، سجلات يوهان.
— هذه المرة أنا من سيجد الإجابة.
اقترب آزر، ورأه أحد الرجال
سكت هان، ثم قال:
— ابتعد!
استدار ببطء وقفل عائدًا بخطوات هادئة، ثم أطلق تنهيدة عميقة أذابت برودة الهواء حوله، وهمس لنفسه:
لم يرد، ونظر إلى الصندوق الأخير.
كان فارغًا، وعلى غطائه كلمة واحدة: يوهان.
مد آزر يده نحوه، واعترض الرجل، تصادمت السيوف.
ضربة، ثم أخرى.
استخدم آزر المدد، وهذه المرة تحرك بسهولة أكبر من السابق، لم يحتج إلى التفكير في كل حركة، جسده كان يفعلها بشكل غريزي.
دفع الرجل بعيدًا، ثم اندفع، وهرب مع الباقين بالسجلات
نظر آزر إليه.
اقترب آزر من الصندوق.
فارغ، فتح الثاني، السجلات القديمة اختفت، الثالث، فارغ.
والرابع، لم يبقَ فيه إلا ورقة ممزقة.
قرأها، ولم يرَ اسم يوهان، لكن وجد كلمات:
الطريق الغربي، الشجرة، الحجر، العودة ممنوعة.
رفع آزر الورقة، وتحتها كانت كتابة أخرى، أصغر:
لا يُعتمد هذا السجل إلا بعد مقارنته بأصل الطريق.
ظل آزر ساكنًا.
توقف، كان يعرف الآن أن بعض ما قرأوه في الطائفة لم يكن كذبًا بالكامل، وبعضه لم يكن حقيقة بالكامل.
كانت هناك سجلات صحيحة اختلطت بأخرى ناقصة.
ربما عمدًا، وربما لأن أجيالًا من الناس كتبت ما ظنته حقيقة، وهان كان واحدًا ممن عاشوا فوق هذا الخليط.
لم يكن آزر يعرف بعد أي جزء منه ينتمي إلى أي جهة.
خرج من الغرفة.
أغلق الورقة، ثم التقط مجلدًا بقى في زاوية بعيدة، لم يكن عن الطريق.
وعلى غلافه: دليل الطوائف والأقاليم.
جلس على الأرض.
وفتح الكتاب، كانت الصفحات مرتبة بحسب المناطق.
المناطق التسع الكبرى، ومدد أكثر كثافة كلما اتجه المرء إلى الداخل.
مدن كبيرة، طوائف، طرق تجارية، أراضٍ برية لا تصلها العربة، وحروب قديمة بين الطوائف.
تطلّع آزر في عمق عينيه بجمودٍ تام، وأجابه بصوت خافت خالي من أي انفعال:
قرأ عن لين: مدينة حدودية، لا تنتمي إلى قلب أي قوة كبيرة، لكنها تقع عند تقاطع عدة طرق.
ثم قرأ عن طائفة السحابة الشمالية: طائفة إقليمية، قوتها محدودة، لكنها تملك نفوذًا على الطرق التجارية القريبة.
قرأ عن خصومها: طائفة النجم الساقط، طائفة جبل السيف، طائفة المرآة الرمادية، وطائفة النهر العميق.
ابتسم هان ابتسامة صغيرة متعبة.
توقف عند الاسم الأخير، فتح الصفحات.
لم تكن الطائفة الأقوى، ولا الأكبر، لكنها كانت مختلفة.
كان تلاميذها يتعاملون مع مدن كثيرة خارج حدودها، مكتبتها مفتوحة لعدة مستويات من التلاميذ.
وكان بإمكان الخارجي أن يحصل على موارد إضافية عبر المهمات والنقاط، بدلا من أن يبقى معتمدًا بالكامل على مشرف واحد.
قرأ أكثر، ثم عاد إلى الخريطة، تقع في الجنوب الغربي، على طريق يصل إلى مدن أكبر.
لم يجب آزر، لم يكن هناك شيء لقوله، وبعد ثوانٍ عاد هان إلى قتاله. أما آزر فدخل الأرشيف.
لم يرفع آزر عينيه عن الصفحة، ثم قال هان من خلفه:
— عن يان.
— ستذهب؟
اقترب آزر، ورأه أحد الرجال
التفت آزر، وكان هان يقف عند الباب، وجهه متعب، والدم على ملابسه.
خلفه كانت السحابة الشمالية تحتضر، وأمامه كان طريق آخر. لم يعد يملك قرية، ولا أهلًا، ولا أصدقاء. لكن بقي له شيء واحد. السؤال. وكان يعرف الآن أن السؤال وحده لا يكفي. لذلك، هذه المرة… كان ذاهبًا يبحث عن القوة.
— لم يبقَ الكثير هنا.
— طائفة النهر العميق.
أغلق آزر الكتاب.
قال هان بعد لحظة:
— أعرف.
خفض آزر عينيه. للمرة الأولى لم يبدُ الأمر مجرد إهمال، ربما كان هناك شيء آخر.
— هل وجدت ما تبحث عنه؟
نظر آزر إليه.
نظر إلى الصندوق الفارغ.
استدار الرجل بملامح يكسوها الذعر، وصاح بنبرة متوسلة:
— لا.
«الفراغ لا يُملأ بالدماء… أشدّ أشكال العدم قسوة ليس أن تسلب حياة أحدهم، بل أن تقتل وتنتظر، فلا تجد في داخلك حتى صدى للذنب.»
سكت هان، ثم قال:
— ستذهب؟
— سجلات الطريق أهم مما تظن.
— سجلات الطريق أهم مما تظن.
رفع آزر عينيه.
— أعرف ماذا؟
— لماذا؟
— هذه المرة أنا من سيجد الإجابة.
تردد هان.
تردد هان هذه المرة أطول، ولم يجب فورًا، ثم قال:
— لأن من يملكها يعرف أين ظهرت الأشياء قبل أن تظهر الآن.
— سأغادر.
نظر آزر إليه.
نظر آزر إليه.
— ولهذا جاءوا.
أجاب آزر بهدوء:
أومأ هان.
لم يستوعب الرجل مغزى الكلمات، وقبل أن يُدرك ما يحدث، كان آزر قد غرس النصل بثبات في منتصف صدره.
— نعم.
— لا أعرف.
بقي الصمت بينهما، ثم قال آزر:
لو بقي هنا، ماذا سيحدث؟ الطائفة تنهار من حوله، ولو عاد إلى الممر، فسيجد ريو هناك. والميراث، والطريق، وكل الأسرار التي ظن أنه اقترب منها. لكنه لم يكن يملك شيئًا. لا مالًا، لا طائفة، لا معلمًا، ولا حتى مكانًا يعود إليه.
— هل كنت تعرف؟
تطلّع آزر في عمق عينيه بجمودٍ تام، وأجابه بصوت خافت خالي من أي انفعال:
نظر هان إليه.
قال هان بعد لحظة:
— أعرف ماذا؟
لم تعودا مجرد عينين بشريتين، بل بؤرتين من السواد المطلق، هاوية سحيقة تبتلع النور ولا تعكس شيئًا سوى بريقٍ معدني جليدي… بريق الموت، الخالص، البارد، الذي لا يعرف الرحمة ولا الشفقة.
— عن يان.
— اسمعني، لم نكن نقصد قتلهما.
تردد هان هذه المرة أطول، ولم يجب فورًا، ثم قال:
ظل آزر واقفًا في المكان الذي ترك فيه والديه.
— كنت أعرف أنه يدبر أشياء، لكن ليس كل شيء.
تردد هان هذه المرة أطول، ولم يجب فورًا، ثم قال:
لم يزد، وآزر لم يسأله المزيد، فهم أن الإجابة ناقصة، وأنها كل ما سيحصل عليه.
— اسمعني، لم نكن نقصد قتلهما.
قال هان بعد لحظة:
— عن يان.
— ماذا ستفعل؟
لم تعودا مجرد عينين بشريتين، بل بؤرتين من السواد المطلق، هاوية سحيقة تبتلع النور ولا تعكس شيئًا سوى بريقٍ معدني جليدي… بريق الموت، الخالص، البارد، الذي لا يعرف الرحمة ولا الشفقة.
وقف آزر، وأمسك الكتاب.
لم يرفع آزر عينيه عن الصفحة، ثم قال هان من خلفه:
— سأغادر.
يداه استقرتا على ركبتيه، ولم ترتجفا. نظر إليهما كمن ينظر إلى شيء لا يخصه.
— إلى أين؟
لم يزد، وآزر لم يسأله المزيد، فهم أن الإجابة ناقصة، وأنها كل ما سيحصل عليه.
أغلق الكتاب.
لم يبتسم آزر، وقال:
— طائفة النهر العميق.
— انتظر!
نظر هان إلى الإسم المكتوب على الغلاف، ثم إلى آزر.
— هذه المرة أنا من سيجد الإجابة.
— ولماذا؟
نظر آزر إليه.
أجاب آزر بهدوء:
— أخيرًا عدت إلى إجابتك القديمة.
— لأنني لا أملك شيئًا، وأحتاج إلى أن أتعلم.
تردد هان هذه المرة أطول، ولم يجب فورًا، ثم قال:
نظر هان إلى شعره الأبيض، ثم إلى عينيه، ولم يسأله عمّا حدث، ربما لم يكن حتى بحاجة إلى السؤال.
قال فقط:
لم يزد، وآزر لم يسأله المزيد، فهم أن الإجابة ناقصة، وأنها كل ما سيحصل عليه.
— هل تعتقد أنهم سيقبلونك؟
اقترب آزر من الصندوق. فارغ، فتح الثاني، السجلات القديمة اختفت، الثالث، فارغ. والرابع، لم يبقَ فيه إلا ورقة ممزقة. قرأها، ولم يرَ اسم يوهان، لكن وجد كلمات: الطريق الغربي، الشجرة، الحجر، العودة ممنوعة. رفع آزر الورقة، وتحتها كانت كتابة أخرى، أصغر: لا يُعتمد هذا السجل إلا بعد مقارنته بأصل الطريق.
— لا أعرف.
استدار ببطء وقفل عائدًا بخطوات هادئة، ثم أطلق تنهيدة عميقة أذابت برودة الهواء حوله، وهمس لنفسه:
ابتسم هان ابتسامة صغيرة متعبة.
— ستذهب؟
— أخيرًا عدت إلى إجابتك القديمة.
ماذا أفعل؟
لم يبتسم آزر، وقال:
لم يجب، وخطا خطوة أخرى. ارتفع السيف، ثم طعن، لكن كان آزر أسرع، ضرب معصمه، فأفلت السلاح، ثم أمسك عنقه ودفعه إلى الأرض. صرخ الرجل:
— هذه المرة أنا من سيجد الإجابة.
اقترب آزر، ورأه أحد الرجال
استدار نحو الباب، ثم توقف.
رفع يده، والمدد تحرك فيها بهدوء، دورة واحدة، ثم عاد إلى داخله.
الاستقرار.
وصل إليه دون أن يعرف كيف، ولم يكن يعرف كيف يعبر بعده.
خلفه كانت السحابة الشمالية تحتضر، وأمامه كان طريق آخر. لم يعد يملك قرية، ولا أهلًا، ولا أصدقاء. لكن بقي له شيء واحد. السؤال. وكان يعرف الآن أن السؤال وحده لا يكفي. لذلك، هذه المرة… كان ذاهبًا يبحث عن القوة.
رفع آزر الكتاب تحت ذراعه، ونظر مرة أخيرة إلى الأرشيف.
إلى السجلات المفقودة، وإلى المكان الذي كان يعتقد أنه سيتلقى منه الحقيقة.
ثم غادر.
توقّف آزر، ونظر إلى السيف، ثم إلى الرجل. كان يستطيع الرحيل، ويمكنه أن يتركهما، لكن صورة أبيه مرت في رأسه، ثم الجناح المنهار. وأخيرا… أمه
خلفه كانت السحابة الشمالية تحتضر، وأمامه كان طريق آخر.
لم يعد يملك قرية، ولا أهلًا، ولا أصدقاء.
لكن بقي له شيء واحد.
السؤال.
وكان يعرف الآن أن السؤال وحده لا يكفي.
لذلك، هذه المرة… كان ذاهبًا يبحث عن القوة.
ثم توقف.
استدار الرجل بملامح يكسوها الذعر، وصاح بنبرة متوسلة:
