Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

المُتَحَرِّر 34

القناع الشيطاني
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

القناع الشيطاني

ظل آزر واقفًا أمام بوابة الطائفة.

لم يغضب آزر، الكرامة المجروحة رفاهية لا يملكها، رفض الحارس لم يكن إهانة شخصية، بل حقيقة عالمية باردة: هو لا يملك قيمة هنا. ابتعد عن البوابة بخطوات صامتة، وجلس تحت ظل شجرة بعيدة، ثم أخرج الكتاب الذي أخذه من الطائفة السابقة.

صوت الشلال المنحدر من الجبل يطغى على كل شيء، ورذاذه المستمر يغسل الجدران الحجرية الداكنة.
كان المارة يفسحون الطريق بانحناءات خفيفة ومحترمة كلما مرّ تلميذ بعباءة الطائفة، وكأن الهواء الذي يتنفسونه هنا ملك خالص لأصحاب العباءات الزرقاء.

لكن آزر لم يزعجه هذا الاستعراض المتعالي، بل ما أزعجه حقًا هو حقيقة وقوفه في الخارج، عاجزًا، ولا يملك وسيلة للدخول.

أجاب آزر بهدوء، متجاهلًا النظرة:

لاحظه أحد الحراس، اقترب بخطوات متمهلة، وتفحصه من شعره المغبر المتشابك إلى حذائه الممزق.
تجعد أنف الحارس قليلًا، وكأنه يشم رائحة الفقر والوحل تنبعث منه، نظر إليه بتعالٍ مختلط بالضجر، كنظرة سيد إلى متسول يفسد عليه منظر البوابة.

رفعت يوري رأسها من الأرض، تنظر إليه بذهول. كان الدم يقطر من شعره الأسود ويبدو خطيرا، لكن رغم الفوضى والوحل، تسمرت عيناها على ملامحه. كان وجهه شاحبًا ومنحوتًا بقسوة، لكنه امتلك جمالًا موحشًا، غامضًا، وكأنه لا ينتمي لعالمهم. خصلاته البيضاء المتناثرة زادته هيبة، وعيناه الداكنتان كانتا تحملان سكونًا عميقًا.

— ماذا تريد يا هذا؟

— التسجيل؟ الاختبارات انتهت منذ أسبوع. عُد بعد ثلاثة أشهر، هذا إن بقيت حيًا حتى ذلك الوقت.

أجاب آزر بهدوء، متجاهلًا النظرة:

— ماذا؟ لن أتركك! صرخت والدموع تملأ عينيها.

— أريد التسجيل كتلميذ خارجي.

توارى آزر خلف صخرة بمهارة، ثم ركعت الفتاة تتفحص الأرض بتركيز، بينما وقف الشاب مستندًا على سيفه، يحاول ادعاء الثقة.

أفلتت من الحارس ضحكة ساخرة، ضحكة خشنة لرجل اعتاد تحطيم آمال الحالمين السذج.

استدعى آزر قناعه ببراعة شيطانية، أخفى برودته خلف نظرة متعبة، ثم هز رأسه نفيًا ببطء شديد، وكأنه بطل أثقلته جراحه.

— التسجيل؟ الاختبارات انتهت منذ أسبوع.
عُد بعد ثلاثة أشهر، هذا إن بقيت حيًا حتى ذلك الوقت.

فوق الصخرة، كانت يد آزر لا تزال ممدودة في الهواء، خفضها ببطء، وعيناه لا تحملان ذرة ندم.

لم يتحرك آزر، تطلع إليه الحارس بضيق، وقد بدأ يفقد صبره.

— يوري!

— هل أنت أصم أم غبي؟ قلت لك لا يوجد مكان لك الآن.

استدار الحارس وعاد إلى موقعه، نافضًا يده وكأنه يطرد ذبابة.

— ألا توجد طريقة أخرى؟

أغلق الكتاب ببطء. حاجز جسدي إذن، لكن ما أثار حنقه أن الكتاب لم يذكر كيف يتم العبور أو أين تقع تلك المناطق. كالعادة، إجابة واحدة تفتح بابًا لأسئلة أكبر وأكثر تعقيدًا.

تنهد الحارس بقلة حيلة مستفزة، وأشار بطرف رمحه نحو ثياب آزر الملطخة بوحل الطريق ودماء قديمة.

اقترب من المخرج، واتسعت عيناه بشرارة أمل أضاءت ظلمات صدره. شقت شفتيه ابتسامة صادقة رغماً عنه، واجتاحته موجة طغى فيها الفرح على التعب، وكأن قدميه لم تعودا تلمسان الأرض، كان يركض نحو النور، يشهق الهواء بعمق، ويعانق الحياة من جديد.

— انظر لنفسك أولًا! ابحث عن ثوب لا يجعلك تبدو كجثة نُبشت للتو، وثانيًا… الطائفة لا تستثني أحدًا إلا لو كان يملك من القوة والمال ما يجبرها على النظر إليه.
وأنت… أنت لا تملك شيئًا سوى القرف.
لذا اغرب عن وجهي ايها الحثالة.

تراجع يوتو خطوتين وهو يلهث بعنف، لكنه نجا.. لقد اجتاز الالتحام الأول المميت.

استدار الحارس وعاد إلى موقعه، نافضًا يده وكأنه يطرد ذبابة.

أعاد آزر الكتاب إلى حقيبته ونهض. لم يتبعهما بدافع الفضول، بل لأنهما يملكان ما يفتقر إليه: الانتماء والموارد، وحيث يذهب تلاميذ الطائفة خلسة، توجد دائمًا فرصة.

لم يغضب آزر، الكرامة المجروحة رفاهية لا يملكها، رفض الحارس لم يكن إهانة شخصية، بل حقيقة عالمية باردة: هو لا يملك قيمة هنا.
ابتعد عن البوابة بخطوات صامتة، وجلس تحت ظل شجرة بعيدة، ثم أخرج الكتاب الذي أخذه من الطائفة السابقة.

سمعت يوري الزمجرة تقترب خلفها، تعثرت وسقطت بقوة على وجهها. استدارت برعب، لترى فك الوحش ينقض عليها… وقبل أن تنغرز الأنياب، اندفع ظل أسود من الجانب وارتطم بالوحش بقوة أطاحت به.

تحدثت الصفحات عن المناطق التسع للعالم، وهو الآن في المنطقة التاسعة، الأفقر في كثافة المدد.
توقف إصبعه عند سطر بعينه:
“ولا يستطيع المزارع العبور إلى المنطقة الثامنة إلا بعد بلوغ مرحلة التكوين على الأقل، وإلا مزق ضغط المدد جسده.”

لكن في تلك اللحظة… شق الهواء صوت حاد كصفير الموت.

أغلق الكتاب ببطء.
حاجز جسدي إذن، لكن ما أثار حنقه أن الكتاب لم يذكر كيف يتم العبور أو أين تقع تلك المناطق.
كالعادة، إجابة واحدة تفتح بابًا لأسئلة أكبر وأكثر تعقيدًا.

رتب المعطيات في رأسه: ريو اختفى، الحجر لم يعد له فائدة، وسجلات الطريق السري سُرقت. أما موهبته… فهي لا تشفع له. ابتسم آزر بمرارة جافة، لم يعتقه هان بدافع الشفقة، بل لأنه ببساطة فقد قيمته. ولم يعد حتى بيدقًا يستحق عناء التحطيم، بل مجرد ورقة محترقة أُلقيت في الريح.

أسند رأسه إلى جذع الشجرة الخشن، وعاد إليه السؤال الذي ينهش عقله منذ أيام:
لماذا تركه هان يرحل بتلك السهولة؟

— ألا توجد طريقة أخرى؟

رتب المعطيات في رأسه: ريو اختفى، الحجر لم يعد له فائدة، وسجلات الطريق السري سُرقت.
أما موهبته… فهي لا تشفع له.
ابتسم آزر بمرارة جافة، لم يعتقه هان بدافع الشفقة، بل لأنه ببساطة فقد قيمته.
ولم يعد حتى بيدقًا يستحق عناء التحطيم، بل مجرد ورقة محترقة أُلقيت في الريح.

خرجت الظلال من بين الضباب الكثيف. خمسة ذئاب جبلية ضخمة، عيونها الصفراء تلمع بشراسة.

في تلك اللحظة، التقطت عيناه حركة مريبة على الطريق.
شاب وفتاة يرتديان عباءات طائفة النهر العميق، يتلفتان بحذر قبل أن يتجها سرًا نحو الممرات الشرقية الجبلية الوعرة.

— لا داعي للشكر، قالها بنبرة خفيضة، زادت من تأثرها به.

أعاد آزر الكتاب إلى حقيبته ونهض.
لم يتبعهما بدافع الفضول، بل لأنهما يملكان ما يفتقر إليه: الانتماء والموارد، وحيث يذهب تلاميذ الطائفة خلسة، توجد دائمًا فرصة.

لم تكن خطته أبدًا أن يتركه يعيش، لم يكن هناك متسع لمنقذَين في هذه المسرحية. لو نجا يوتو، لكانت يوري مدينة لهما، وربما كان الفتى سيكشف تلاعب آزر بالبيئة. الموتى وحدهم لا يشاركونك الجائزة.

قاده التتبع إلى وادي الأنياب، غابة سوداء موحشة يغطيها ضباب أخضر شاحب، وتفوح من بين أشجارها رائحة الدم المتعفن والرطوبة.

ترك الجثة، وتسلق صخرة عالية بحذر. هناك، في الأعلى، أخرج من جيبه حجرًا رماديًا صغيرًا، أملس وحاد الحواف، وزنه في يده للحظة، ثم انتظر.

توارى آزر خلف صخرة بمهارة، ثم ركعت الفتاة تتفحص الأرض بتركيز، بينما وقف الشاب مستندًا على سيفه، يحاول ادعاء الثقة.

ظل آزر راكعًا يلهث بعنف، والدم الحار يقطر من جراحه. لم يكن الألم مصطنعًا، لقد جازف حقًا لتبدو مسرحيته حقيقية.

— إذا كان هذا أثرًا لحيوان عادي، فأنتِ من سيدفع ثمن طعام الليلة يا يوري.

مضت نحو الطريق الآمن، تلتفت كل بضع خطوات لتختلس النظر إليه. وبينما تنادي على يوتو بصوت خافت، راقبها آزر حتى اختفت تمامًا.

أشارت بضيق إلى خدوش عميقة مزقت لحاء شجرة قريبة.

توارى آزر خلف صخرة بمهارة، ثم ركعت الفتاة تتفحص الأرض بتركيز، بينما وقف الشاب مستندًا على سيفه، يحاول ادعاء الثقة.

— مخالب بهذا الحجم؟ مستحيل، هما اثنان على الأقل.

— التسجيل؟ الاختبارات انتهت منذ أسبوع. عُد بعد ثلاثة أشهر، هذا إن بقيت حيًا حتى ذلك الوقت.

— حسنًا إذن، لنجد هذين الوغدين وننتزع أنيابهما.

— حسنًا إذن، لنجد هذين الوغدين وننتزع أنيابهما.

تراجع آزر بهدوء، وعيناه تمسحان المكان، لاحظ اتجاه الريح المندفع نحو عمق الوادي، وعلى بُعد خطوات، وجد جثة غزال صغير مزقتها الوحوش حديثًا.
لم يتردد، سحب سكينه وشق بطن الغزال متجاهلًا لزوجة الدماء، ثم سحب الجثة في قوس واسع عكس اتجاه الريح، ليصنع مسارًا خفيًا يطوق التلميذين ويدفع أي وحش جائع نحوهما مباشرة.

شعرت يوري بحرارة مفاجئة تسري في وجهها، واحمرت وجنتاها رغم الرعب الذي عاشته للتو؛ كان مزيجًا من الانبهار بصبي وسيم ظهر من العدم لينقذها، والامتنان الأعمى. ثم سألت بصوت مهزوز وناعم، وعيناها لا تفارقان وجهه:

ترك الجثة، وتسلق صخرة عالية بحذر.
هناك، في الأعلى، أخرج من جيبه حجرًا رماديًا صغيرًا، أملس وحاد الحواف، وزنه في يده للحظة، ثم انتظر.

— هل أنت… من الطائفة؟

لم يمر وقت طويل حتى شق زئير خشن يحمل جوعًا بدائيًا سكون الغابة.
توقف يوتو ويوري فجأة، ثم تلاه زئير ثانٍ، وثالث، ورابع.

لم يمر وقت طويل حتى شق زئير خشن يحمل جوعًا بدائيًا سكون الغابة. توقف يوتو ويوري فجأة، ثم تلاه زئير ثانٍ، وثالث، ورابع.

خرجت الظلال من بين الضباب الكثيف.
خمسة ذئاب جبلية ضخمة، عيونها الصفراء تلمع بشراسة.

— يوري!

— خمسة؟!

تحدثت الصفحات عن المناطق التسع للعالم، وهو الآن في المنطقة التاسعة، الأفقر في كثافة المدد. توقف إصبعه عند سطر بعينه: “ولا يستطيع المزارع العبور إلى المنطقة الثامنة إلا بعد بلوغ مرحلة التكوين على الأقل، وإلا مزق ضغط المدد جسده.”

صرخ يوتو وتراجع خطوة لا إرادية.

رتب المعطيات في رأسه: ريو اختفى، الحجر لم يعد له فائدة، وسجلات الطريق السري سُرقت. أما موهبته… فهي لا تشفع له. ابتسم آزر بمرارة جافة، لم يعتقه هان بدافع الشفقة، بل لأنه ببساطة فقد قيمته. ولم يعد حتى بيدقًا يستحق عناء التحطيم، بل مجرد ورقة محترقة أُلقيت في الريح.

رفعت يوري قوسها، ويدها ترتجف بوضوح.

توارى آزر خلف صخرة بمهارة، ثم ركعت الفتاة تتفحص الأرض بتركيز، بينما وقف الشاب مستندًا على سيفه، يحاول ادعاء الثقة.

— هذا… هذا مستحيل…

— ألا توجد طريقة أخرى؟

فوق الصخرة، راقب آزر بصمت..
كان قد راهن على استدراج قطيع كامل، وقد نجح.

وحشان من القطيع تجاهلا جثة يوتو وانطلقا بجنون خلف يوري.

بدأ القتال بيأس، أطلقت يوري سهمًا اخترق كتف ذئب، فاندفع يوتو يشق طريقه بسيفه محاولًا حمايتها بجسده.
تلقى ضربة عنيفة أسقطته أرضًا، فصرخت يوري وأطلقت سهمًا آخر أسقط أحد الوحوش.

— سأفكر في الأمر، أجاب بتواضع متقن حد الكمال.

نهض يوتو بصعوبة، يلهث والدم يغطي وجهه.
نظر إلى الوحوش الأربعة، ثم إلى يوري، وأتخذ قراره.

— خمسة؟!

— يوري!

استدعى آزر قناعه ببراعة شيطانية، أخفى برودته خلف نظرة متعبة، ثم هز رأسه نفيًا ببطء شديد، وكأنه بطل أثقلته جراحه.

صرخ بصوت مبحوح:

كان هذا هو الوقت المناسب.

— عندما أفتح الثغرة… اركضي!

لم يرَ يوتو سوى ومضة رمادية خاطفة انطلقت من الأعلى، تجمد في مكانه، متصلبًا. خفض عينيه ببطء ليرى ثقبًا ينزف بغزارة في صدره، وشيئًا صلبًا استقر بين ضلوعه. سقط على ركبتيه، وقبل أن يستوعب من أين جاءته الضربة، انقضت عليه الوحوش الثلاثة.

— ماذا؟ لن أتركك!
صرخت والدموع تملأ عينيها.

اقترب من المخرج، واتسعت عيناه بشرارة أمل أضاءت ظلمات صدره. شقت شفتيه ابتسامة صادقة رغماً عنه، واجتاحته موجة طغى فيها الفرح على التعب، وكأن قدميه لم تعودا تلمسان الأرض، كان يركض نحو النور، يشهق الهواء بعمق، ويعانق الحياة من جديد.

— لا تجادلي بحق الجحيم! اركضي!

لكن آزر لم يزعجه هذا الاستعراض المتعالي، بل ما أزعجه حقًا هو حقيقة وقوفه في الخارج، عاجزًا، ولا يملك وسيلة للدخول.

اندفع يوتو نحو الذئاب بصرخة انتحارية، تلقى مخلبًا غاص في ذراعه، لكنه دفع سيفه في صدر أقرب وحش، صانعًا فجوة.

— لقد أنقذت حياتي… خذ هذا أرجوك.

— الآن!!

— مخالب بهذا الحجم؟ مستحيل، هما اثنان على الأقل.

مرت يوري من الثغرة، وركضت نحو أطراف الغابة، تبكي دون أن تجرؤ على الالتفات.

قاده التتبع إلى وادي الأنياب، غابة سوداء موحشة يغطيها ضباب أخضر شاحب، وتفوح من بين أشجارها رائحة الدم المتعفن والرطوبة.

تراجع يوتو خطوتين وهو يلهث بعنف، لكنه نجا.. لقد اجتاز الالتحام الأول المميت.

رتب المعطيات في رأسه: ريو اختفى، الحجر لم يعد له فائدة، وسجلات الطريق السري سُرقت. أما موهبته… فهي لا تشفع له. ابتسم آزر بمرارة جافة، لم يعتقه هان بدافع الشفقة، بل لأنه ببساطة فقد قيمته. ولم يعد حتى بيدقًا يستحق عناء التحطيم، بل مجرد ورقة محترقة أُلقيت في الريح.

لمعت الثغرة أمامه كنسيمِ حياة، ثم استدار بخفة وانطلق راكضًا بكل ما أوتي من قوة، تضرب قدمه الأرض بنسقٍ متسارع، ومع كل متر يقطعه كانت برودة الخوف تتلاشى، ليتسلل بدلاً منها دفء غريب يسري في عروقه..
دفء الحرية.

صرخ يوتو وتراجع خطوة لا إرادية.

اقترب من المخرج، واتسعت عيناه بشرارة أمل أضاءت ظلمات صدره.
شقت شفتيه ابتسامة صادقة رغماً عنه، واجتاحته موجة طغى فيها الفرح على التعب، وكأن قدميه لم تعودا تلمسان الأرض، كان يركض نحو النور، يشهق الهواء بعمق، ويعانق الحياة من جديد.

وما إن غابت عن ناظريه، حتى سقط القناع.

لكن في تلك اللحظة… شق الهواء صوت حاد كصفير الموت.

ظل آزر واقفًا أمام بوابة الطائفة.

لم يرَ يوتو سوى ومضة رمادية خاطفة انطلقت من الأعلى، تجمد في مكانه، متصلبًا.
خفض عينيه ببطء ليرى ثقبًا ينزف بغزارة في صدره، وشيئًا صلبًا استقر بين ضلوعه.
سقط على ركبتيه، وقبل أن يستوعب من أين جاءته الضربة، انقضت عليه الوحوش الثلاثة.

— لا تجادلي بحق الجحيم! اركضي!

فوق الصخرة، كانت يد آزر لا تزال ممدودة في الهواء، خفضها ببطء، وعيناه لا تحملان ذرة ندم.

— انظر لنفسك أولًا! ابحث عن ثوب لا يجعلك تبدو كجثة نُبشت للتو، وثانيًا… الطائفة لا تستثني أحدًا إلا لو كان يملك من القوة والمال ما يجبرها على النظر إليه. وأنت… أنت لا تملك شيئًا سوى القرف. لذا اغرب عن وجهي ايها الحثالة.

وحشان من القطيع تجاهلا جثة يوتو وانطلقا بجنون خلف يوري.

في تلك اللحظة، التقطت عيناه حركة مريبة على الطريق. شاب وفتاة يرتديان عباءات طائفة النهر العميق، يتلفتان بحذر قبل أن يتجها سرًا نحو الممرات الشرقية الجبلية الوعرة.

كان هذا هو الوقت المناسب.

قاده التتبع إلى وادي الأنياب، غابة سوداء موحشة يغطيها ضباب أخضر شاحب، وتفوح من بين أشجارها رائحة الدم المتعفن والرطوبة.

سمعت يوري الزمجرة تقترب خلفها، تعثرت وسقطت بقوة على وجهها.
استدارت برعب، لترى فك الوحش ينقض عليها… وقبل أن تنغرز الأنياب، اندفع ظل أسود من الجانب وارتطم بالوحش بقوة أطاحت به.

— إذا كان هذا أثرًا لحيوان عادي، فأنتِ من سيدفع ثمن طعام الليلة يا يوري.

نهض آزر فورًا.
انقض الوحش مجددًا، فتفادى آزر الفك، لكن المخالب مزقت كتفه.
ألم حارق اجتاحه، لكنه كبح صرخته، واندفع للأمام غارسًا سكينه بكل قوته في حلق الوحش.

اندفع يوتو نحو الذئاب بصرخة انتحارية، تلقى مخلبًا غاص في ذراعه، لكنه دفع سيفه في صدر أقرب وحش، صانعًا فجوة.

لكن الوحش الثاني هجم من الخلف وغرز أنيابه في خاصرة آزر.
سقط آزر على ركبة واحدة متأوهًا، وبيده الملطخة بالدم، ضرب عين الوحش ليعميه، وبيده الأخرى طعن عنقه مرارًا وتكرارًا، حتى انكسر نصل السكين داخل اللحم وسكن الوحش.

ترددت، وازدادت حمرتها وهي تتأمل ثيابه الرثة. ثم… أشرق في عينيها بريق فكرة.

ظل آزر راكعًا يلهث بعنف، والدم الحار يقطر من جراحه.
لم يكن الألم مصطنعًا، لقد جازف حقًا لتبدو مسرحيته حقيقية.

في تلك اللحظة، التقطت عيناه حركة مريبة على الطريق. شاب وفتاة يرتديان عباءات طائفة النهر العميق، يتلفتان بحذر قبل أن يتجها سرًا نحو الممرات الشرقية الجبلية الوعرة.

رفعت يوري رأسها من الأرض، تنظر إليه بذهول.
كان الدم يقطر من شعره الأسود ويبدو خطيرا، لكن رغم الفوضى والوحل، تسمرت عيناها على ملامحه.
كان وجهه شاحبًا ومنحوتًا بقسوة، لكنه امتلك جمالًا موحشًا، غامضًا، وكأنه لا ينتمي لعالمهم.
خصلاته البيضاء المتناثرة زادته هيبة، وعيناه الداكنتان كانتا تحملان سكونًا عميقًا.

— مخالب بهذا الحجم؟ مستحيل، هما اثنان على الأقل.

شعرت يوري بحرارة مفاجئة تسري في وجهها، واحمرت وجنتاها رغم الرعب الذي عاشته للتو؛
كان مزيجًا من الانبهار بصبي وسيم ظهر من العدم لينقذها، والامتنان الأعمى.
ثم سألت بصوت مهزوز وناعم، وعيناها لا تفارقان وجهه:

قالتها يوري وهي تبتلع ريقها، وتنظر بخوف نحو طريق الغابة المظلم، متمسكة بأمل زائف.

— هل أنت… من الطائفة؟

— إذا كان هذا أثرًا لحيوان عادي، فأنتِ من سيدفع ثمن طعام الليلة يا يوري.

استدعى آزر قناعه ببراعة شيطانية، أخفى برودته خلف نظرة متعبة، ثم هز رأسه نفيًا ببطء شديد، وكأنه بطل أثقلته جراحه.

— عندما أفتح الثغرة… اركضي!

— شكرًا لك…

لم يتحرك آزر، تطلع إليه الحارس بضيق، وقد بدأ يفقد صبره.

قالتها يوري وهي تبتلع ريقها، وتنظر بخوف نحو طريق الغابة المظلم، متمسكة بأمل زائف.

— ماذا؟ لن أتركك! صرخت والدموع تملأ عينيها.

— يوتو سيكون هنا في أي لحظة، لقد كان خلفي تمامًا…

نهض آزر فورًا. انقض الوحش مجددًا، فتفادى آزر الفك، لكن المخالب مزقت كتفه. ألم حارق اجتاحه، لكنه كبح صرخته، واندفع للأمام غارسًا سكينه بكل قوته في حلق الوحش.

نظر إليها آزر بعينين حملتا الشفقة، ولم يقل شيئًا لكسر أملها.

— يوتو سيكون هنا في أي لحظة، لقد كان خلفي تمامًا…

— لا داعي للشكر، قالها بنبرة خفيضة، زادت من تأثرها به.

وفي وسط رائحة الموت الصارخة، تمتم بصوتٍ أجش يمزق صمت الوادي:

أخرجت كيسًا صغيرًا من النقود الفضية ومدته إليه.

لم يغضب آزر، الكرامة المجروحة رفاهية لا يملكها، رفض الحارس لم يكن إهانة شخصية، بل حقيقة عالمية باردة: هو لا يملك قيمة هنا. ابتعد عن البوابة بخطوات صامتة، وجلس تحت ظل شجرة بعيدة، ثم أخرج الكتاب الذي أخذه من الطائفة السابقة.

— لقد أنقذت حياتي… خذ هذا أرجوك.

لاحظه أحد الحراس، اقترب بخطوات متمهلة، وتفحصه من شعره المغبر المتشابك إلى حذائه الممزق. تجعد أنف الحارس قليلًا، وكأنه يشم رائحة الفقر والوحل تنبعث منه، نظر إليه بتعالٍ مختلط بالضجر، كنظرة سيد إلى متسول يفسد عليه منظر البوابة.

أبعد آزر يدها بلطف.

ظل آزر واقفًا أمام بوابة الطائفة.

— قلت لكِ، لا أحتاجه.

— ألا توجد طريقة أخرى؟

ترددت، وازدادت حمرتها وهي تتأمل ثيابه الرثة.
ثم… أشرق في عينيها بريق فكرة.

— لا تجادلي بحق الجحيم! اركضي!

— إذن… أبي هو الشيخ لاو في طائفة النهر العميق.
يمكنني أن أطلب منه التوصية بك لدخول الطائفة، لقد رأيت كيف تقاتل… بل كيف أنقذتني.
ستُقبل بالتأكيد.

— أريد التسجيل كتلميذ خارجي.

باغتت تلك المفاجأة السارة أزر لتربك حساباته

لكن وسط هذه العتمة، اصطدمت خطته بمفاجأة سارة.. جاءه الحظ بغتة، كهديةٍ سوداوية أربكت يد الجزار وألغت حاجته للدم.

كانت حساباته أبسط من ذلك بكثير؛ غايةٌ لا تتجاوز نهب مواردهم، واعتصار كل ما يمكن جنيه من غنائم، بل إن نصل الغدر كان متأهباً بالفعل لشق طريق الدم وإنهاء حياتها ببرود تام.

مضت نحو الطريق الآمن، تلتفت كل بضع خطوات لتختلس النظر إليه. وبينما تنادي على يوتو بصوت خافت، راقبها آزر حتى اختفت تمامًا.

لكن وسط هذه العتمة، اصطدمت خطته بمفاجأة سارة.. جاءه الحظ بغتة، كهديةٍ سوداوية أربكت يد الجزار وألغت حاجته للدم.

شعرت يوري بحرارة مفاجئة تسري في وجهها، واحمرت وجنتاها رغم الرعب الذي عاشته للتو؛ كان مزيجًا من الانبهار بصبي وسيم ظهر من العدم لينقذها، والامتنان الأعمى. ثم سألت بصوت مهزوز وناعم، وعيناها لا تفارقان وجهه:

— سأفكر في الأمر، أجاب بتواضع متقن حد الكمال.

بدأ القتال بيأس، أطلقت يوري سهمًا اخترق كتف ذئب، فاندفع يوتو يشق طريقه بسيفه محاولًا حمايتها بجسده. تلقى ضربة عنيفة أسقطته أرضًا، فصرخت يوري وأطلقت سهمًا آخر أسقط أحد الوحوش.

ابتسمت يوري براحة وإعجاب.

باغتت تلك المفاجأة السارة أزر لتربك حساباته

— بعد ثلاثة أيام… سأنتظرك أمام البوابة.

— إذن… أبي هو الشيخ لاو في طائفة النهر العميق. يمكنني أن أطلب منه التوصية بك لدخول الطائفة، لقد رأيت كيف تقاتل… بل كيف أنقذتني. ستُقبل بالتأكيد.

مضت نحو الطريق الآمن، تلتفت كل بضع خطوات لتختلس النظر إليه.
وبينما تنادي على يوتو بصوت خافت، راقبها آزر حتى اختفت تمامًا.

— إذن… أبي هو الشيخ لاو في طائفة النهر العميق. يمكنني أن أطلب منه التوصية بك لدخول الطائفة، لقد رأيت كيف تقاتل… بل كيف أنقذتني. ستُقبل بالتأكيد.

وما إن غابت عن ناظريه، حتى سقط القناع.

استدعى آزر قناعه ببراعة شيطانية، أخفى برودته خلف نظرة متعبة، ثم هز رأسه نفيًا ببطء شديد، وكأنه بطل أثقلته جراحه.

تلاشت نظرة البطل المنهك، وحل مكانها صقيع خانق.
استدار وعاد بخطوات هادئة، غير عابئ بجراحه، نحو عمق الوادي.

— ماذا؟ لن أتركك! صرخت والدموع تملأ عينيها.

كانت الذئاب قد رحلت.
انحنى آزر بجوار جثة يوتو الممزقة التي فقدت ملامحها البشرية.
مد يده بثبات، وسحب الشيء الذي اخترق صدر الفتى.

ترك الجثة، وتسلق صخرة عالية بحذر. هناك، في الأعلى، أخرج من جيبه حجرًا رماديًا صغيرًا، أملس وحاد الحواف، وزنه في يده للحظة، ثم انتظر.

كان الحجر الرمادي الأملس.
السلاح الذي أطلقه لينهي حياة الفتى قبل أن ينجو.

— أريد التسجيل كتلميذ خارجي.

لم تكن خطته أبدًا أن يتركه يعيش، لم يكن هناك متسع لمنقذَين في هذه المسرحية.
لو نجا يوتو، لكانت يوري مدينة لهما، وربما كان الفتى سيكشف تلاعب آزر بالبيئة.
الموتى وحدهم لا يشاركونك الجائزة.

— يوري!

أخرج آزر قطعة قماش، مسح دماء يوتو عن الحجر ببرود تام، ودسه في حقيبته.
ثم نقل نظره إلى كيس النقود الغارق في بركة الدم.
التقطه دون ذرة تردد، ودسه في جيبه.

— خمسة؟!

تجرّد آزر من ثقل المعركة، وانتصب واقفًا وسط الخراب.
.رفع وجهه الملطخ بالدماء نحو سماءٍ تختنق بسحبٍ بلون الجثث، سماءٍ باردة لا تكترث أبدًا لمن يُذبح على أرضها ثم خفض بصره ببطء، ملقيًا نظرةً أخيرة على بقايا الفتى المهروسة في الوحل عند قدميه.

— أريد التسجيل كتلميذ خارجي.

وفي وسط رائحة الموت الصارخة، تمتم بصوتٍ أجش يمزق صمت الوادي:

أشارت بضيق إلى خدوش عميقة مزقت لحاء شجرة قريبة.

«في ساحات الهلاك هذه، بقاؤك حيًا ليس وسام شرفٍ لقوتك أو بأسك… أنت تتنفس الآن، فقط لأن منجل الموت وجد حنجرةً أخرى يمزقها ليُشبع نهمه بدلاً منك.»

لاحظه أحد الحراس، اقترب بخطوات متمهلة، وتفحصه من شعره المغبر المتشابك إلى حذائه الممزق. تجعد أنف الحارس قليلًا، وكأنه يشم رائحة الفقر والوحل تنبعث منه، نظر إليه بتعالٍ مختلط بالضجر، كنظرة سيد إلى متسول يفسد عليه منظر البوابة.

أدار ظهره للمذبحة، ومضى بخطىً ثقيلة تبتلعها أحشاء الضباب الكثيف.
ساحبًا سيفه خلفه، وظل دمه الحار يعانق دماء الوحوش، تقاطر من نصله المسلول ببطءٍ مرعب، ليعمّد تراب الوادي الملعون بقداسٍ من الموت، تاركًا خلفه دماءً تدق طبول نهايةٍ لم يشهد عليها سوى الغربان..

— قلت لكِ، لا أحتاجه.

خرجت الظلال من بين الضباب الكثيف. خمسة ذئاب جبلية ضخمة، عيونها الصفراء تلمع بشراسة.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط