Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

المُتَحَرِّر 34

القناع الشيطاني
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

القناع الشيطاني

ظل آزر واقفًا أمام بوابة الطائفة.

كان الحجر الرمادي الأملس. السلاح الذي أطلقه لينهي حياة الفتى قبل أن ينجو.

صوت الشلال المنحدر من الجبل يطغى على كل شيء، ورذاذه المستمر يغسل الجدران الحجرية الداكنة.
كان المارة يفسحون الطريق بانحناءات خفيفة ومحترمة كلما مرّ تلميذ بعباءة الطائفة، وكأن الهواء الذي يتنفسونه هنا.. ملك خالص لأصحاب العباءات الزرقاء.

— ألا توجد طريقة أخرى؟

لكن آزر لم يزعجه هذا الاستعراض المتعالي، لكن ما أزعجه حقًا هو حقيقة وقوفه في الخارج، عاجزًا، ولا يملك وسيلة للدخول.

نهض آزر فورًا. انقض الوحش مجددًا، فتفادى آزر الفك، ولكن المخالب مزقت كتفه.

لاحظه أحد الحراس.
اقترب بخطوات متمهلة، وتفحصه من شعره المغبر المتشابك إلى حذائه الممزق.
تجعد أنف الحارس قليلًا، وكأنه كان يشم رائحة الفقر والوحل تنبعث منه.
نظر إليه بتعالٍ مختلط بالضجر، كنظرة سيد إلى متسول يفسد عليه منظر البوابة.

تحدثت الصفحات عن المناطق التسع للعالم، وهو الآن في المنطقة التاسعة، الأفقر في كثافة المدد. توقف إصبعه عند سطر بعينه:

— ماذا تريد يا هذا؟

أجاب آزر بهدوء، متجاهلًا النظرة:

لو نجا يوتو، لكانت يوري مدينة لهما، وربما كان الفتى سيكشف تلاعب آزر بالبيئة. وايضا لأن الموتى وحدهم لا يشاركونك الجائزة.

— أريد التسجيل كتلميذ خارجي.

ترك الجثة، ثم تسلق صخرة عالية بحذر. وهناك، في الأعلى، أخرج من جيبه حجرًا رماديًا صغيرًا، أملس وحاد الحواف، وزنه في يده للحظة، ثم انتظر..

أفلتت من الحارس ضحكة ساخرة، ضحكة خشنة لرجل اعتاد تحطيم آمال الحالمين السذج.

ثم خفض بصره ببطء، ملقيًا نظرةً أخيرة على بقايا الفتى المهروسة في الوحل عند قدميه.

— هاهاها التسجيل؟ الاختبارات انتهت منذ أسبوع.
عُد بعد ثلاثة أشهر، هذا.. إن بقيت حيًا حتى ذلك الوقت.

— لا داعي للشكر، قالها بنبرة خفيضة، زادت من تأثرها به.

لم يتحرك آزر.
تطلع إليه الحارس بضيق، وقد بدأ يفقد صبره.

صرخ بصوت مبحوح:

— هل أنت أصم أم غبي؟ قلت لك لا يوجد مكان لك هنا.

قالتها يوري وهي تبتلع ريقها، وتنظر بخوف نحو طريق الغابة المظلم، متمسكة بأمل زائف.

— ألا توجد طريقة أخرى؟

تراجع آزر بهدوء، وعيناه تمسحان المكان. لاحظ اتجاه الريح المندفع نحو عمق الوادي.. وعلى بُعد خطوات، وجد جثة غزال صغير مزقتها الوحوش حديثًا.

تنهد الحارس بقلة حيلة مستفزة، وأشار بطرف رمحه نحو ثياب آزر الملطخة بوحل الطريق والدماء قديمة.

وما إن غابت عن ناظريه، حتى سقط القناع.

— انظر لنفسك أولًا! ابحث عن ثوب لا يجعلك تبدو كجثة نُبشت للتو!
وثانيًا… الطائفة لا تستثني أحدًا إلا لو كان يملك من القوة والمال ما يجبرها على النظر إليه.
وأنت… أنت لا تملك شيئًا سوى القرف.

وفي وسط رائحة الموت الصارخة، تمتم بصوتٍ أجش يمزق صمت الوادي:

— لذا اغرب عن وجهي ايها الحثالة!

اقترب من المخرج، واتسعت عيناه بشرارة أمل أضاءت ظلمات صدره. شقت شفتيه ابتسامة صادقة رغماً عنه، واجتاحته موجة طغى فيها الفرح على التعب، وكأن قدميه لم تعودا تلمسان الأرض. بل… كان يركض نحو النور، يشهق الهواء بعمق، ويعانق الحياة من جديد.

استدار الحارس وعاد إلى موقعه، نافضًا يده وكأنه يطرد ذبابة.

ولم تكن خطته أبدًا أن يتركه يعيش، لم يكن هناك متسع لمنقذَين في هذه المسرحية.

لم يغضب آزر، فالكرامة المجروحة رفاهية لا يملكها.
رفض الحارس لم يكن إهانة شخصية، بل حقيقة عالمية باردة:
هو لا يملك قيمة هنا.

استدار الحارس وعاد إلى موقعه، نافضًا يده وكأنه يطرد ذبابة.

ابتعد عن البوابة بخطوات صامتة، ثم جلس تحت ظل شجرة بعيدة، وأخرج الكتاب الذي أخذه من الطائفة السابقة.

نظر إليها آزر بعينين حملتا الشفقة، ولم يقل شيئًا لكسر أملها.

تحدثت الصفحات عن المناطق التسع للعالم، وهو الآن في المنطقة التاسعة، الأفقر في كثافة المدد.
توقف إصبعه عند سطر بعينه:

سقط على ركبتيه، وقبل أن يستوعب من أين جاءته الضربة، انقضت عليه الوحوش الثلاثة.

“ولا يستطيع المزارع العبور إلى المنطقة الثامنة إلا بعد بلوغ مرحلة التكوين على الأقل، وإلا… مزق ضغط المدد جسده.”

بدأ القتال بيأس. أطلقت يوري سهمًا اخترق كتف ذئب، فاندفع يوتو يشق طريقه بسيفه محاولًا حمايتها بجسده. تلقى ضربة عنيفة أسقطته أرضًا، فصرخت يوري وأطلقت سهمًا آخر أسقط أحد الوحوش.

أغلق الكتاب ببطء.
حاجز جسدي إذن.. ولكن ما أثار حنقه حقا.
هو أن الكتاب لم يذكر كيف يتم العبور أو أين تقع تلك المناطق.

ولم تكن خطته أبدًا أن يتركه يعيش، لم يكن هناك متسع لمنقذَين في هذه المسرحية.

كالعادة، إجابة واحدة تفتح بابًا لأسئلة أكبر وأكثر تعقيدًا.

— شكرًا لك…

أسند رأسه إلى جذع الشجرة الخشن، وعاد إليه السؤال الذي ينهش عقله منذ أيام:

ترك الجثة، ثم تسلق صخرة عالية بحذر. وهناك، في الأعلى، أخرج من جيبه حجرًا رماديًا صغيرًا، أملس وحاد الحواف، وزنه في يده للحظة، ثم انتظر..

لماذا تركه هان يرحل بتلك السهولة؟

— بعد ثلاثة أيام… سأنتظرك أمام بوابة الطائفة.

رتب المعطيات في رأسه:
ريو اختفى، الحجر لم يعد له فائدة، وسجلات الطريق السري سُرقت.
أما موهبته… فهي لا تشفع له.

لكن الوحش الثاني هجم من الخلف وغرز أنيابه في خاصرة آزر. سقط آزر على ركبة واحدة متأوهًا، وبيده الملطخة بالدم، ضرب عين الوحش ليعميه، وبيده الأخرى طعن عنقه مرارًا وتكرارًا. حتى انكسر نصل السكين داخل اللحم… وسكن الوحش.

ابتسم آزر بمرارة جافة.
لم يعتقه هان بدافع الشفقة، بل لأنه ببساطة فقد قيمته.
لم يعد حتى بيدقًا يستحق عناء التحطيم، بل مجرد ورقة محترقة أُلقيت في الريح.

اقترب من المخرج، واتسعت عيناه بشرارة أمل أضاءت ظلمات صدره. شقت شفتيه ابتسامة صادقة رغماً عنه، واجتاحته موجة طغى فيها الفرح على التعب، وكأن قدميه لم تعودا تلمسان الأرض. بل… كان يركض نحو النور، يشهق الهواء بعمق، ويعانق الحياة من جديد.

وفي تلك اللحظة، التقطت عيناه حركة مريبة على الطريق.
شاب وفتاة يرتديان عباءات طائفة النهر العميق، يتلفتان بحذر قبل أن يتجها سرًا نحو الممرات الشرقية الجبلية الوعرة.

سقط على ركبتيه، وقبل أن يستوعب من أين جاءته الضربة، انقضت عليه الوحوش الثلاثة.

أعاد آزر الكتاب إلى حقيبته ونهض.

ابتسمت يوري براحة وإعجاب.

لم يتبعهما بدافع الفضول، لكن لأنهما يملكان ما يفتقر إليه:

لم يتبعهما بدافع الفضول، لكن لأنهما يملكان ما يفتقر إليه:

الانتماء والموارد… وحيث يذهب تلاميذ الطائفة خلسة، توجد دائمًا فرصة.

خرجت الظلال من بين الضباب الكثيف. خمسة ذئاب جبلية ضخمة، عيونها الصفراء تلمع بشراسة.

قاده التتبع إلى وادي الأنياب.
غابة سوداء موحشة يغطيها ضباب أخضر شاحب، وتفوح من بين أشجارها رائحة الدم المتعفن والرطوبة.

ولم تكن خطته أبدًا أن يتركه يعيش، لم يكن هناك متسع لمنقذَين في هذه المسرحية.

توارى آزر خلف صخرة بمهارة، ثم ركعت الفتاة تتفحص الأرض بتركيز، بينما وقف الشاب مستندًا على سيفه، يحاول ادعاء الثقة.

لماذا تركه هان يرحل بتلك السهولة؟

— إذا كان هذا أثرًا لحيوان عادي، فأنتِ من سيدفع ثمن طعام الليلة يا يوري.

“ولا يستطيع المزارع العبور إلى المنطقة الثامنة إلا بعد بلوغ مرحلة التكوين على الأقل، وإلا… مزق ضغط المدد جسده.”

أشارت بضيق إلى خدوش عميقة مزقت لحاء شجرة قريبة.

— حسنًا إذن، فالنجد هذين الوغدين وننتزع أنيابهما!

— مخالب بهذا الحجم؟ مستحيل يوتو، هما اثنان على الأقل.

ثم سألت بصوت مهزوز وناعم، وعيناها لا تفارقان وجهه:

— حسنًا إذن، فالنجد هذين الوغدين وننتزع أنيابهما!

أعاد آزر الكتاب إلى حقيبته ونهض.

تراجع آزر بهدوء، وعيناه تمسحان المكان.
لاحظ اتجاه الريح المندفع نحو عمق الوادي.. وعلى بُعد خطوات، وجد جثة غزال صغير مزقتها الوحوش حديثًا.

ولكن وسط هذه العتمة، اصطدمت خطته بمفاجأة سارة.. جاءه الحظ بغتة، كهديةٍ سوداوية أربكت يد الجزار وألغت حاجته للدم.

لم يتردد.
سحب سكينه وشق بطن الغزال متجاهلًا لزوجة الدماء، ثم سحب الجثة في قوس واسع عكس اتجاه الريح، ليصنع مسارًا خفيًا يطوق التلميذين ويدفع أي وحش جائع نحوهما مباشرة.

كان وجهه شاحبًا ومنحوتًا بقسوة، لكنه امتلك جمالًا موحشًا، غامضًا، وكأنه لا ينتمي لهذا العالم. خصلاته البيضاء المتناثرة زادته هيبة، وعيناه الداكنتان كانتا تحملان سكونًا عميقًا.

ترك الجثة، ثم تسلق صخرة عالية بحذر.
وهناك، في الأعلى، أخرج من جيبه حجرًا رماديًا صغيرًا، أملس وحاد الحواف، وزنه في يده للحظة، ثم انتظر..

— عندما أفتح الثغرة… اركضي!

لم يمر وقت طويل.. حتى شق زئير خشن يحمل جوعًا بدائيًا سكون الغابة.

كانت الذئاب قد رحلت. انحنى آزر بجوار جثة يوتو الممزقة التي فقدت ملامحها البشرية.

توقف يوتو ويوري فجأة، ثم تلاه زئير ثانٍ، وثالث، ورابع.

— لقد أنقذت حياتي… خذ هذا أرجوك.

خرجت الظلال من بين الضباب الكثيف.
خمسة ذئاب جبلية ضخمة، عيونها الصفراء تلمع بشراسة.

كالعادة، إجابة واحدة تفتح بابًا لأسئلة أكبر وأكثر تعقيدًا.

— خمسة؟!

ثم أجاب بتواضع متقن حد الكمال:

صرخ يوتو وتراجع خطوة لا إرادية.

استدعى آزر قناعه، وببراعة شيطانية، أخفى برودته خلف نظرة متعبة، ثم هز رأسه نفيًا ببطء شديد، وكأنه بطل أثقلته جراحه.

رفعت يوري قوسها، ويدها ترتجف بوضوح.

— هل أنت… من الطائفة؟

— هذا… هذا مستحيل…

وحشان من القطيع تجاهلا جثة يوتو وانطلقا بجنون خلف يوري.

فوق الصخرة، راقب آزر بصمت..
كان قد راهن على استدراج قطيع كامل، وقد نجح!

قاده التتبع إلى وادي الأنياب. غابة سوداء موحشة يغطيها ضباب أخضر شاحب، وتفوح من بين أشجارها رائحة الدم المتعفن والرطوبة.

بدأ القتال بيأس.
أطلقت يوري سهمًا اخترق كتف ذئب، فاندفع يوتو يشق طريقه بسيفه محاولًا حمايتها بجسده.
تلقى ضربة عنيفة أسقطته أرضًا، فصرخت يوري وأطلقت سهمًا آخر أسقط أحد الوحوش.

صرخ بصوت مبحوح:

نهض يوتو بصعوبة، يلهث والدم يغطي وجهه.

— قلت لكِ، لا أحتاجه.

نظر إلى الوحوش الأربعة، ثم إلى يوري… وأتخذ قراره.

شعرت يوري بحرارة مفاجئة تسري في وجهها، واحمرت وجنتاها رغم الرعب الذي عاشته للتو؛ كان مزيجًا من الانبهار بصبي وسيم ظهر من العدم لينقذها، والامتنان الأعمى.

— يوري!

كالعادة، إجابة واحدة تفتح بابًا لأسئلة أكبر وأكثر تعقيدًا.

صرخ بصوت مبحوح:

صرخ يوتو وتراجع خطوة لا إرادية.

— عندما أفتح الثغرة… اركضي!

وفي تلك اللحظة، التقطت عيناه حركة مريبة على الطريق. شاب وفتاة يرتديان عباءات طائفة النهر العميق، يتلفتان بحذر قبل أن يتجها سرًا نحو الممرات الشرقية الجبلية الوعرة.

— ماذا؟ لن أتركك!
صرخت والدموع تملأ عينيها.

صوت الشلال المنحدر من الجبل يطغى على كل شيء، ورذاذه المستمر يغسل الجدران الحجرية الداكنة. كان المارة يفسحون الطريق بانحناءات خفيفة ومحترمة كلما مرّ تلميذ بعباءة الطائفة، وكأن الهواء الذي يتنفسونه هنا.. ملك خالص لأصحاب العباءات الزرقاء.

— لا تجادلي بحق الجحيم! اركضي!

— يوري!

اندفع يوتو نحو الذئاب بصرخة انتحارية!
تلقى مخلبًا غاص في ذراعه، لكنه دفع سيفه في صدر أقرب وحش، صانعًا فجوة.

— قلت لكِ، لا أحتاجه.

— الآن!!

لمعت الثغرة أمامه كنسيمِ حياة، ثم استدار بخفة وانطلق راكضًا بكل ما أوتي من قوة. تضرب قدمه الأرض بنسقٍ متسارع، ومع كل متر يقطعه كانت برودة الخوف تتلاشى، ليتسلل بدلاً منها دفء غريب يسري في عروقه.. دفء الحرية.

مرت يوري من الثغرة، وركضت نحو أطراف الغابة، تبكي دون أن تجرؤ على الالتفات.

كانت حساباته أبسط من ذلك بكثير؛ غايةٌ لا تتجاوز نهب مواردهم، واعتصار كل ما يمكن جنيه من غنائم، بل إن نصل الغدر كان متأهباً بالفعل لشق طريق الدم وإنهاء حياتها ببرود تام!

تراجع يوتو خطوتين وهو يلهث بعنف.

لم يمر وقت طويل.. حتى شق زئير خشن يحمل جوعًا بدائيًا سكون الغابة.

لكنه نجا.. لقد اجتاز الالتحام الأول المميت.

سقط على ركبتيه، وقبل أن يستوعب من أين جاءته الضربة، انقضت عليه الوحوش الثلاثة.

لمعت الثغرة أمامه كنسيمِ حياة، ثم استدار بخفة وانطلق راكضًا بكل ما أوتي من قوة.
تضرب قدمه الأرض بنسقٍ متسارع، ومع كل متر يقطعه كانت برودة الخوف تتلاشى، ليتسلل بدلاً منها دفء غريب يسري في عروقه..
دفء الحرية.

أغلق الكتاب ببطء. حاجز جسدي إذن.. ولكن ما أثار حنقه حقا. هو أن الكتاب لم يذكر كيف يتم العبور أو أين تقع تلك المناطق.

اقترب من المخرج، واتسعت عيناه بشرارة أمل أضاءت ظلمات صدره.
شقت شفتيه ابتسامة صادقة رغماً عنه، واجتاحته موجة طغى فيها الفرح على التعب، وكأن قدميه لم تعودا تلمسان الأرض.
بل… كان يركض نحو النور، يشهق الهواء بعمق، ويعانق الحياة من جديد.

لكن في تلك اللحظة… شق الهواء صوت حاد كصفير الموت.

اقترب من المخرج، واتسعت عيناه بشرارة أمل أضاءت ظلمات صدره. شقت شفتيه ابتسامة صادقة رغماً عنه، واجتاحته موجة طغى فيها الفرح على التعب، وكأن قدميه لم تعودا تلمسان الأرض. بل… كان يركض نحو النور، يشهق الهواء بعمق، ويعانق الحياة من جديد.

لم يرَ يوتو سوى ومضة رمادية خاطفة انطلقت من الأعلى.
تجمد في مكانه، متصلبًا.

خرجت الظلال من بين الضباب الكثيف. خمسة ذئاب جبلية ضخمة، عيونها الصفراء تلمع بشراسة.

خفض عينيه ببطء… ليرى ثقبًا ينزف بغزارة في صدره، وشيئًا صلبًا استقر بين ضلوعه.

— يوتو سيكون هنا في أي لحظة، لقد كان خلفي تمامًا…

سقط على ركبتيه، وقبل أن يستوعب من أين جاءته الضربة، انقضت عليه الوحوش الثلاثة.

توارى آزر خلف صخرة بمهارة، ثم ركعت الفتاة تتفحص الأرض بتركيز، بينما وقف الشاب مستندًا على سيفه، يحاول ادعاء الثقة.

وفوق الصخرة.. كانت يد آزر لا تزال ممدودة في الهواء، خفضها ببطء، وعيناه لا تحملان ذرة ندم.

لاحظه أحد الحراس. اقترب بخطوات متمهلة، وتفحصه من شعره المغبر المتشابك إلى حذائه الممزق. تجعد أنف الحارس قليلًا، وكأنه كان يشم رائحة الفقر والوحل تنبعث منه. نظر إليه بتعالٍ مختلط بالضجر، كنظرة سيد إلى متسول يفسد عليه منظر البوابة.

وحشان من القطيع تجاهلا جثة يوتو وانطلقا بجنون خلف يوري.

— حسنًا إذن، فالنجد هذين الوغدين وننتزع أنيابهما!

كان هذا هو الوقت المناسب.

كالعادة، إجابة واحدة تفتح بابًا لأسئلة أكبر وأكثر تعقيدًا.

سمعت يوري الزمجرة تقترب خلفها، ثم تعثرت وسقطت بقوة على وجهها.
استدارت برعب.. لترى فك الوحش ينقض عليها… وقبل أن تنغرز الأنياب، اندفع ظل أسود من الجانب وارتطم بالوحش بقوة أطاحت به!

كانت حساباته أبسط من ذلك بكثير؛ غايةٌ لا تتجاوز نهب مواردهم، واعتصار كل ما يمكن جنيه من غنائم، بل إن نصل الغدر كان متأهباً بالفعل لشق طريق الدم وإنهاء حياتها ببرود تام!

نهض آزر فورًا.
انقض الوحش مجددًا، فتفادى آزر الفك، ولكن المخالب مزقت كتفه.

— ألا توجد طريقة أخرى؟

ألم حارق اجتاحه.
لكنه كبح صرخته، واندفع للأمام غارسًا سكينه بكل قوته في حلق الوحش.

لماذا تركه هان يرحل بتلك السهولة؟

لكن الوحش الثاني هجم من الخلف وغرز أنيابه في خاصرة آزر.
سقط آزر على ركبة واحدة متأوهًا، وبيده الملطخة بالدم، ضرب عين الوحش ليعميه، وبيده الأخرى طعن عنقه مرارًا وتكرارًا.
حتى انكسر نصل السكين داخل اللحم… وسكن الوحش.

ظل آزر واقفًا أمام بوابة الطائفة.

ظل آزر راكعًا يلهث بعنف، والدم الحار يقطر من جراحه.
ولم يكن الألم مصطنعًا، لقد جازف حقًا لتبدو مسرحيته حقيقية.

ساحبًا سيفه خلفه، وظل دمه الحار يعانق دماء الوحوش، تقاطر من نصله المسلول ببطءٍ مرعب، ليعمّد تراب الوادي الملعون بقداسٍ من الموت، تاركًا خلفه دماءً تدق طبول نهايةٍ لم يشهد عليها سوى الغربان..

رفعت يوري رأسها من الأرض، تنظر إليه بذهول.
كان الدم يقطر من شعره الأسود ويبدو خطيرا.. لكن رغم الفوضى والوحل، تسمرت عيناها على ملامحه.

— انظر لنفسك أولًا! ابحث عن ثوب لا يجعلك تبدو كجثة نُبشت للتو! وثانيًا… الطائفة لا تستثني أحدًا إلا لو كان يملك من القوة والمال ما يجبرها على النظر إليه. وأنت… أنت لا تملك شيئًا سوى القرف.

كان وجهه شاحبًا ومنحوتًا بقسوة، لكنه امتلك جمالًا موحشًا، غامضًا، وكأنه لا ينتمي لهذا العالم.
خصلاته البيضاء المتناثرة زادته هيبة، وعيناه الداكنتان كانتا تحملان سكونًا عميقًا.

تراجع آزر بهدوء، وعيناه تمسحان المكان. لاحظ اتجاه الريح المندفع نحو عمق الوادي.. وعلى بُعد خطوات، وجد جثة غزال صغير مزقتها الوحوش حديثًا.

شعرت يوري بحرارة مفاجئة تسري في وجهها، واحمرت وجنتاها رغم الرعب الذي عاشته للتو؛
كان مزيجًا من الانبهار بصبي وسيم ظهر من العدم لينقذها، والامتنان الأعمى.

— سأفكر في الأمر.

ثم سألت بصوت مهزوز وناعم، وعيناها لا تفارقان وجهه:

لاحظه أحد الحراس. اقترب بخطوات متمهلة، وتفحصه من شعره المغبر المتشابك إلى حذائه الممزق. تجعد أنف الحارس قليلًا، وكأنه كان يشم رائحة الفقر والوحل تنبعث منه. نظر إليه بتعالٍ مختلط بالضجر، كنظرة سيد إلى متسول يفسد عليه منظر البوابة.

— هل أنت… من الطائفة؟

أعاد آزر الكتاب إلى حقيبته ونهض.

استدعى آزر قناعه، وببراعة شيطانية، أخفى برودته خلف نظرة متعبة، ثم هز رأسه نفيًا ببطء شديد، وكأنه بطل أثقلته جراحه.

توقف يوتو ويوري فجأة، ثم تلاه زئير ثانٍ، وثالث، ورابع.

— شكرًا لك…

— إذن… أبي هو الشيخ لاو في طائفة النهر العميق. يمكنني أن أطلب منه التوصية بك لدخول الطائفة، لقد رأيت كيف تقاتل… بل كيف أنقذتني.

قالتها يوري وهي تبتلع ريقها، وتنظر بخوف نحو طريق الغابة المظلم، متمسكة بأمل زائف.

نظر إلى الوحوش الأربعة، ثم إلى يوري… وأتخذ قراره.

— يوتو سيكون هنا في أي لحظة، لقد كان خلفي تمامًا…

لم يتردد. سحب سكينه وشق بطن الغزال متجاهلًا لزوجة الدماء، ثم سحب الجثة في قوس واسع عكس اتجاه الريح، ليصنع مسارًا خفيًا يطوق التلميذين ويدفع أي وحش جائع نحوهما مباشرة.

نظر إليها آزر بعينين حملتا الشفقة، ولم يقل شيئًا لكسر أملها.

وفوق الصخرة.. كانت يد آزر لا تزال ممدودة في الهواء، خفضها ببطء، وعيناه لا تحملان ذرة ندم.

— لا داعي للشكر، قالها بنبرة خفيضة، زادت من تأثرها به.

قاده التتبع إلى وادي الأنياب. غابة سوداء موحشة يغطيها ضباب أخضر شاحب، وتفوح من بين أشجارها رائحة الدم المتعفن والرطوبة.

أخرجت كيسًا صغيرًا من النقود الفضية ومدته إليه.

ثم سألت بصوت مهزوز وناعم، وعيناها لا تفارقان وجهه:

— لقد أنقذت حياتي… خذ هذا أرجوك.

— لذا اغرب عن وجهي ايها الحثالة!

أبعد آزر يدها بلطف.

ابتعد عن البوابة بخطوات صامتة، ثم جلس تحت ظل شجرة بعيدة، وأخرج الكتاب الذي أخذه من الطائفة السابقة.

— قلت لكِ، لا أحتاجه.

— انظر لنفسك أولًا! ابحث عن ثوب لا يجعلك تبدو كجثة نُبشت للتو! وثانيًا… الطائفة لا تستثني أحدًا إلا لو كان يملك من القوة والمال ما يجبرها على النظر إليه. وأنت… أنت لا تملك شيئًا سوى القرف.

ترددت، وازدادت حمرتها وهي تتأمل ثيابه الرثة.
ثم… أشرق في عينيها بريق فكرة.

«في ساحات الهلاك هذه، بقاؤك حيًا ليس وسام شرفٍ لقوتك أو بأسك… أنت تتنفس الآن، فقط لأن منجل الموت وجد حنجرةً أخرى يمزقها ليُشبع نهمه بدلاً منك»

— إذن… أبي هو الشيخ لاو في طائفة النهر العميق.
يمكنني أن أطلب منه التوصية بك لدخول الطائفة، لقد رأيت كيف تقاتل… بل كيف أنقذتني.

سقط على ركبتيه، وقبل أن يستوعب من أين جاءته الضربة، انقضت عليه الوحوش الثلاثة.

ستُقبل بالتأكيد.

وما إن غابت عن ناظريه، حتى سقط القناع.

باغتت تلك المفاجأة السارة أزر لتربك حساباته

استدار الحارس وعاد إلى موقعه، نافضًا يده وكأنه يطرد ذبابة.

كانت حساباته أبسط من ذلك بكثير؛
غايةٌ لا تتجاوز نهب مواردهم، واعتصار كل ما يمكن جنيه من غنائم، بل إن نصل الغدر كان متأهباً بالفعل لشق طريق الدم وإنهاء حياتها ببرود تام!

لم يتبعهما بدافع الفضول، لكن لأنهما يملكان ما يفتقر إليه:

ولكن وسط هذه العتمة، اصطدمت خطته بمفاجأة سارة.. جاءه الحظ بغتة، كهديةٍ سوداوية أربكت يد الجزار وألغت حاجته للدم.

وفوق الصخرة.. كانت يد آزر لا تزال ممدودة في الهواء، خفضها ببطء، وعيناه لا تحملان ذرة ندم.

ثم أجاب بتواضع متقن حد الكمال:

— الآن!!

— سأفكر في الأمر.

— هل أنت… من الطائفة؟

ابتسمت يوري براحة وإعجاب.

ساحبًا سيفه خلفه، وظل دمه الحار يعانق دماء الوحوش، تقاطر من نصله المسلول ببطءٍ مرعب، ليعمّد تراب الوادي الملعون بقداسٍ من الموت، تاركًا خلفه دماءً تدق طبول نهايةٍ لم يشهد عليها سوى الغربان..

— بعد ثلاثة أيام… سأنتظرك أمام بوابة الطائفة.

تنهد الحارس بقلة حيلة مستفزة، وأشار بطرف رمحه نحو ثياب آزر الملطخة بوحل الطريق والدماء قديمة.

مضت نحو الطريق الآمن.. تلتفت كل بضع خطوات لتختلس النظر إليه.
وبينما تنادي على يوتو بصوت خافت، راقبها آزر حتى اختفت تمامًا.

رفعت يوري قوسها، ويدها ترتجف بوضوح.

وما إن غابت عن ناظريه، حتى سقط القناع.

لماذا تركه هان يرحل بتلك السهولة؟

تلاشت نظرة البطل المنهك، وحل مكانها صقيع خانق.
استدار وعاد بخطوات هادئة، غير عابئ بجراحه، نحو عمق الوادي.

ثم.. مد يده بثبات، وسحب الشيء الذي اخترق صدر الفتى.

كانت الذئاب قد رحلت.
انحنى آزر بجوار جثة يوتو الممزقة التي فقدت ملامحها البشرية.

الانتماء والموارد… وحيث يذهب تلاميذ الطائفة خلسة، توجد دائمًا فرصة.

ثم.. مد يده بثبات، وسحب الشيء الذي اخترق صدر الفتى.

رتب المعطيات في رأسه: ريو اختفى، الحجر لم يعد له فائدة، وسجلات الطريق السري سُرقت. أما موهبته… فهي لا تشفع له.

كان الحجر الرمادي الأملس.
السلاح الذي أطلقه لينهي حياة الفتى قبل أن ينجو.

لكن آزر لم يزعجه هذا الاستعراض المتعالي، لكن ما أزعجه حقًا هو حقيقة وقوفه في الخارج، عاجزًا، ولا يملك وسيلة للدخول.

ولم تكن خطته أبدًا أن يتركه يعيش، لم يكن هناك متسع لمنقذَين في هذه المسرحية.

لم يتحرك آزر. تطلع إليه الحارس بضيق، وقد بدأ يفقد صبره.

لو نجا يوتو، لكانت يوري مدينة لهما، وربما كان الفتى سيكشف تلاعب آزر بالبيئة.
وايضا لأن الموتى وحدهم لا يشاركونك الجائزة.

وحشان من القطيع تجاهلا جثة يوتو وانطلقا بجنون خلف يوري.

أخرج آزر قطعة قماش، مسح دماء يوتو عن الحجر ببرود تام، ودسه في حقيبته.
ثم نقل نظره إلى كيس النقود الغارق في بركة الدم.
التقطه دون ذرة تردد، ودسه في جيبه.

— ماذا تريد يا هذا؟

تجرّد آزر من ثقل المعركة، وانتصب واقفًا وسط الخراب.

قاده التتبع إلى وادي الأنياب. غابة سوداء موحشة يغطيها ضباب أخضر شاحب، وتفوح من بين أشجارها رائحة الدم المتعفن والرطوبة.

رفع وجهه الملطخ بالدماء نحو سماءٍ تختنق بسحبٍ بلون الجثث، سماءٍ باردة.. لا تكترث أبدًا لمن يُذبح على أرضها.

تراجع يوتو خطوتين وهو يلهث بعنف.

ثم خفض بصره ببطء، ملقيًا نظرةً أخيرة على بقايا الفتى المهروسة في الوحل عند قدميه.

توارى آزر خلف صخرة بمهارة، ثم ركعت الفتاة تتفحص الأرض بتركيز، بينما وقف الشاب مستندًا على سيفه، يحاول ادعاء الثقة.

وفي وسط رائحة الموت الصارخة، تمتم بصوتٍ أجش يمزق صمت الوادي:

سقط على ركبتيه، وقبل أن يستوعب من أين جاءته الضربة، انقضت عليه الوحوش الثلاثة.

«في ساحات الهلاك هذه، بقاؤك حيًا ليس وسام شرفٍ لقوتك أو بأسك… أنت تتنفس الآن، فقط لأن منجل الموت وجد حنجرةً أخرى يمزقها ليُشبع نهمه بدلاً منك»

الانتماء والموارد… وحيث يذهب تلاميذ الطائفة خلسة، توجد دائمًا فرصة.

أدار ظهره للمذبحة، ومضى بخطىً ثقيلة تبتلعها أحشاء الضباب الكثيف.

— لا تجادلي بحق الجحيم! اركضي!

ساحبًا سيفه خلفه، وظل دمه الحار يعانق دماء الوحوش، تقاطر من نصله المسلول ببطءٍ مرعب، ليعمّد تراب الوادي الملعون بقداسٍ من الموت، تاركًا خلفه دماءً تدق طبول نهايةٍ لم يشهد عليها سوى الغربان..

— يوري!

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط