أيقظت صرخة تشو تشنغ جميع من في الصف.
ورغم أن هول المباغتة قد شلّ عقولهم، إلا أن التشبث بالحياة غريزة في كل كائن حي.
«من أراد النجاة فليتبعني!»
صاح فانغ جينغ أولًا، ثم اندفع في المقدمة بسرعة خاطفة، متجهًا مباشرة نحو الباب الخلفي للصف.
كانوا في الطابق الخامس، ومغادرة المدرسة تقتضي النزول أولًا؛ ولو كانوا في الطابق الثاني أو الأول، لقفز من النافذة دون تردد حتمًا.
لكن القفز من الطابق الخامس لا يختلف عن الانتحار في شيء.
حرك تصرف فانغ جينغ في الهروب بقية الطلاب بقوة، وما إن استعادوا رشدهم حتى تبعوه غريزيًا مندفعين خارج الصف.
لم يتردد يانغ جيان هو الآخر، وغادر المكان في الحال.
ساوره حدس بأن تشو تشنغ لن يستطيع تعطيل ذلك العجوز لوقت طويل.
«طَخ…»
انهارت الأرضية المتآكلة بفعل وطأة الأقدام المتدافعة، وسقط عدد من الطلاب مباشرة إلى الأسفل.
«تشانغ وي! مياو شياوشان!»
فزع يانغ جيان، وتفادى موضع الانهيار مسرعًا.
«تفو، أنا بخير! تبًا، أي وغد دفعني قبل قليل؟ سأقاضيه بتهمة الشروع في القتل!» تلمس تشانغ وي مؤخرته وهو يشهق من شدة الألم.
لحسن الحظ لم يتجاوز السقوط حدود الصف الواقع في الطابق الأسفل، فارتفاع ثلاثة أمتار تقريبًا لا يودي بحياة إنسان.
لكن طرف عين تشانغ وي التفت ليتفقد بقية الساقطين، فارتعش جفنه فزعًا.
استلقت إحدى الطالبات على الأرض شاخصة العينين، والدم يتدفق بغزارة من عنقها بينما تصدر حنجرتها حشرجة متقطعة كأن الروح لم تفارقها بعد؛ ورأى يانغ جيان قضيب حديد ملطخًا بالدماء يخترق عنقها بالكامل.
كانت تلك الطالبة من المتميزات دراسيًا وذات مظهر حسن، ولم يخطر ببال أحد أن تلقى هذا المصير المفجع.
إصابة بالغة كهذه تجعل الإسعاف مستحيلًا، فكيف بالوضع الراهن؟
«انهضوا جميعًا واخرجوا من هنا، لا تضيعوا الوقت!»
صاح يانغ جيان محذرًا، ثم مضى دون أن يملك رفاهية الالتفات إلى مصائر الآخرين.
صاح تشانغ وي ساخطًا: «يا يانغ جيان، سأغادر هذا المكان اللعين دون أن تأمرني بذلك! سحقًا، أتهرب هكذا؟ إياك أن تطلب مني مقاطع بعد اليوم!»
اندفع حشد الطلاب في تلك اللحظة كالمجانين، مقتحمين الممرات ونازلين الدرج على عجل، كأنهم قطيع أرانب برية مذعورة تتراكض في كل اتجاه.
طابق، طابقان، ثلاثة طوابق…
وبدا أمل النجاة والخروج من هنا وشيك التحقق.
لكن ما إن بلغ فانغ جينغ منعطف منتصف الدرج، حتى انطلق صوت طنين خافت: «زِز»، وانطفأت مصابيح الدرج في لمح البصر، ليغرق السلم بأكمله في ظلام دامس.
كان ذلك الظلام حالكًا لا يرى المرء فيه كف يده، ولم يظهر من النوافذ أي بصيص نور على الإطلاق.
«آه!»
وما إن انقطعت الكهرباء حتى تعالت صرخات بعض الطالبات من شدة الفزع.
تصبب العرق البارد على وجه فانغ جينغ وحدّث نفسه: «اللعنة، أبلغ تشو تشنغ حده الأقصى؟ أيعقل أن النطاق الشبحي قد ظهر من جديد؟ أي رتبة يحملها ذلك العجوز بين الأشباح؟ إنه مرعب حقًا.»
لم يجرؤ على إطالة الوقوف في العتمة، فالتفت وصاح بالجميع: «أسرعوا في التقدم، لا تتوقفوا!»
لم يكن حريصًا على إنقاذ هؤلاء، لكنه أدرك أن موتهم داخل النطاق الشبحي سيزيده رعبًا وخطورة.
واصلوا النزول على الدرج تلمسًا في الظلام، ولم يكن الأمر عسيرًا عليهم لمعرفتهم بتفاصيل المكان.
لكن فانغ جينغ توقف فجأة بعد خطوات؛ إذ استشعر خللًا مريبًا.
ولم يكن وحده، بل فطن يانغ جيان في الخلف إلى الأمر عينه؛ فتصلب جسده بعدما أدرك أن عدد درجات السلم التي هبطوها تجاوز ارتفاع خمسة طوابق بكثير، ومع ذلك لا تزال هناك درجات إضافية في الأمام.
«توقفوا جميعًا! لا تتقدموا!»
حين توقف فانغ جينغ في المقدمة، حذا حذوه الباقون في الخلف تلقائيًا.
وفي مثل هذا الظرف، غدا هذا الفتى المحاط بالألغاز والأكثر ثباتًا ركيزة يعتمد عليها هذا الجمع المذعور.
سألت إحدى الطالبات بصوت مرتعش: «فانغ جينغ، ما الخطب؟ لمَ توقفنا؟»
وقال أحد الطلاب بذعر: «إن كنت لن تمشي فسأمضي وحدي، لا أريد البقاء هنا انتظارًا للموت!»
وتابع سيره في العتمة تحت وطأة الخوف، وسرعان ما ابتلعه الظلام.
وقالت طالبة أخرى والدموع تخنق صوتها: «يا فانغ جينغ، لا تضللنا، فهذا أمر يهدد أرواحنا.»
صرخ فانغ جينغ بغضب: «أي تقدم هذا بعد الآن! ألم تعدوا درجات السلم التي قطعتموها من الطابق الخامس حتى هنا؟»
«الجميع يفر بحياته، فمن ذا الذي يملك الذهن لعد الأدراج!»
في حمأة الهرب العشوائي يعجز المرء عن الالتفات لمثل هذه التفاصيل، فليس كل إنسان يتمتع برباطة جأش.
صمت يانغ جيان برهة ثم قال: «قبل انقطاع الضوء كنا قد بلغنا الطابق الثالث، وواصلنا السير نحو منتصف الطابق الثاني؛ وهناك انطفأت المصابيح. كان النزول طابقًا واحدًا يكفي للخروج، لكننا نزلنا منذ لحظة انطفاء النور ما لا يقل عن ثلاثة طوابق، بل أربعة. وبعبارة أخرى، نحن الآن تحت الأرض.»
«لكن هذا المبنى الدراسي لا يحتوي على قبو أصلًا.»
رد أحدهم من قلب العتمة: «تبًا يا يانغ جيان، لا تتحدث بمثل هذا الرعب في هذا التوقيت الحرج!»
«فما العمل الآن؟ أنمضي أم نقف؟»
«هل نجرب النزول بضعة طوابق أخرى؟ لعل يانغ جيان أخطأ في الحساب.»
وفي أثناء تداولهم للأمر، لمع خيط ضوء خافت وسط الظلام؛ إذ رفعت إحدى الطالبات هاتفها بيد مرتعشة وأضاءت كشافه.
أما زالت الهواتف تعمل؟
استبشر الجميع خيفة وسارعوا إلى إخراج هواتفهم وإشعال أضوائها.
أضاءت في التو أكثر من عشر حزم ضوئية، غير أنها بدت ضئيلة للغاية مقارنة بعدد طلاب الصف؛ فهل تفرقت بقية الجمع وتشتتوا؟
والأغرب من ذلك أن هذا الضوء لم يكن بقوته المعتادة، كأن الظلام المحيط يخنقه ويكبحه، فلا ينير إلا مسافة تقل عن متر واحد فقط.
وما وراء ذلك المتر لم يكن سوى ظلام ثقيل كالحبر المسكوب.
سواد جاثم يكتم الأنفاس، كأن من يخطو فيه سيبتلع ويضيع إلى الأبد.
«سنواصل النزول.»
أطبق فانغ جينغ على أسنانه؛ إذ لم يجد حيلة أخرى أمامه.
ليس هذا بالكيان الذي تقهره قدرة فردية، ولم يبقَ سوى الرجاء بألا يكون تشو تشنغ قد هلك، وأن يستطيع تعطيل ذلك الشبح ثانية لتمزيق هذا النطاق الشبحي.
وإلا فسيضل الجميع طريقهم في هذا النطاق إلى الأبد، ولن يخرجوا منه طوال حياتهم.
استأنفوا الهبوط على الدرجات.
وهذه المرة لم يعد فانغ جينغ وحده من يحسب الأدوار، بل شاركه طلاب كثيرون في العد.
طابق، طابقان، ثلاثة…
وكلما ازداد العد اشتد الذعر في الصدور؛ وحين بلغوا الطابق الخامس ورأوا امتداد الدرج أمامهم دون نهاية، تسمرت أقدامهم جميعًا. سرت البرودة في أطرافهم، واعتلى الرعب وجوههم بلا استثناء، حتى انهارت إحدى الطالبات وجلست على الأرض تجهش بالبكاء.
«لـ… لقد قطعنا خمسة طوابق بالفعل.»
«حسابي خمسة طوابق أيضًا… هلكنا، لن نخرج من هنا أبدًا.»
سادت الحيرة والعجز بين الجميع.
وامتقع وجه فانغ جينغ هو الآخر، عاجزًا عن التقدم خطوة إضافية. تملكه سخط عارم؛ أيكتب عليه أن يهلك في هذا المكان هكذا بلا فهم؟
وصاح فجأة بنبرة عنيفة ملؤها الغيظ: «يانغ جيان، ألم تمت بعد أيها اللعين؟»
رد يانغ جيان ببرود: «يا فانغ جينغ، لم أسيء إليك في شيء، فلا تتمنَّ موتي هكذا.»
التفت فانغ جينغ واخترق صفوف الطلاب، ثم أطبق بيده على ياقة يانغ جيان وقال بحدة: «ما دمت حيًا فقُد الطريق! إن كان ثمة من ينجو من هنا فهو أنت؛ بإمكاناتك يستحيل أن تهلك في هذا المكان اللعين.»
قال يانغ جيان: «أنت أعلم مني بما يجري، وإن عجزت أنت عن الخروج فما حيلتي أنا؟»
احتدت ملامح فانغ جينغ وقال بتشنج: «أنت تخفي شيئًا حتمًا، أفصح عما عندك ولا تراوغ!»
أغلقت السبل في وجهه، ولم يعد أمامه سوى التشبث بيانغ جيان؛ فإن كان هذا الفتى سيبلغ تلك المكانة العظيمة في المستقبل، فلن يلقى حتفه هنا إطلاقًا.
لقد راقب تصرفات يانغ جيان منذ البداية وحتى هذه اللحظة.
ففي لحظات معدودة استنبط قواعد شبح طرق الباب، ثم رصد بدقة عدد طوابق الدرج أثناء الفرار.
لا ريب في أنه فتى يتمتع بقدرة خارقة ومفزعة على التكيف.
فالإنسان العادي يضل صوابه ويفقد رشده لمجرد مواجهة نطاق شبحي وشبح شرس، فكيف يحافظ على هذا الهدوء والاتزان؟
إنها موهبة فطرية.
في الأيام العادية لا تسمن هذه الموهبة ولا تغني من جوع، وربما لا يستعملها صاحبها طوال دهره؛ لكن مع انقلاب حال العالم وتبدله، ترفع هذه المزية فرص البقاء، بل وتمنح صاحبها تفوقًا حاسمًا في التعامل مع الأشباح إن صار مروّض أشباح.
قال يانغ جيان: «سؤالك لي لا جدوى منه يا فانغ جينغ؛ فهذه أول مرة أصادف فيها أمرًا كهذا، ولو كنت أملك سبيلًا للخروج لما بقيت هنا. فالبقاء في هذا المكان ثانية واحدة يعرضنا لمواجهة ذلك الكائن، أتظنني راغبًا في الموت؟»
انقبض قلب فانغ جينغ، وأدرك حينها أن يانغ جيان في هذه المرحلة لا يزال مبتدئًا يجهل كل شيء.
شعر بسخافة موقفه؛ كيف يلجأ إلى استجدائه في هذا الوقت؟
أبلغ أثر يانغ جيان المستقبلي في نفسه هذا الحد؟
«فـ… فانغ جينغ، المصيبة حلت، انظر إلى هناك…» أشار أحد الطلاب بسبابة مرتعشة نحو باب دورة المياه.
فبين الطابقين الثالث والثاني في مبنى الفصول توجد دورة مياه.
«تبًا، درنا دورة كاملة وعدنا إلى منتصف الطابق الثاني! هلكنا حقًا هذه المرة.»
«لا، ليس هذا… انظروا خلف الباب، يلوح خيال شخص هناك!» وجه الطالب كشاف هاتفه المرتعد نحو ذلك الموضع.
تراجع الجميع إلى الوراء في ذعر هائل.
خلف الزجاج المثبت على باب دورة المياه، برز شبح هيئة بشرية فارعة الطول تحت حزمة الضوء الباهتة.
استجمع أحدهم شجاعته وهتف: «مـ… من بالداخل؟»
علّ القابع في الداخل يكون أحد الزملاء.
انطلق صوت صرير ممتد مع انفتاح الباب، وبرز من داخل دورة المياه المظلمة ذراع شاحب شحوب الموت، استند بكفه إلى حافة الباب ودفعه ببطء إلى الخارج.
«ليس إنسانًا… هذا شبح آخر!»
تقلص بؤبؤا عيني فانغ جينغ رعبًا في التو، لكن ملامحه سرعان ما تحولت إلى قسوة وضراوة مباغتة.
«يانغ جيان، ما دمت تجهل كل شيء، فادخل أنت إلى هناك!»
أطبق بيده على يانغ جيان على حين غرة، ودفعه بقوة إلى داخل دورة المياه.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.