«يبدو أن ذلك الشبح قد اختفى.»
حين عاد يانغ جيان متوجسًا من الطريق نفسه، لم يرَ أثرًا للشبح الذي كان يلاحقه.
لعل هذا ما يُقال عنه النجاة من مهلكة تعقبها بشائر خير.
فتح ذلك الباب الكبير ودلف إلى الداخل، فتسمر يانغ جيان في مكانه فجأة مذهولًا.
رواق مألوف.
التفت إلى الخلف ليرى أنه الفصل الدراسي نفسه الذي فر منه سابقًا.
لقد عاد إلى خارج باب الفصل في الطابق الخامس.
«ما الذي يجري؟ ألم يكن ذلك الباب يؤدي إلى دورة المياه؟» أحس يانغ جيان بأن الأمر يزداد غرابة وتنافيًا مع العقل.
كُح، كُح كُح!
ارتفع فجأة صوت سعال واهن ومفعم بالألم.
«هذا أنت… كيف تخرج من داخل الفصل؟»
كان رجل نحيل شاحب الوجه يرتدي معطفًا شتويًا يجلس متكئًا على جدار الرواق، ويرقب يانغ جيان بعينين غائرتين تكسوهما خيوط حمراء بنظرة يشوبها الحذر.
«تشو تشنغ؟» بهت يانغ جيان للحظة ثم أجاب: «لا أعلم كيف حدث هذا بدوري. حين غادرت معهم سابقًا، سحبني شبح إلى داخل دورة المياه، وبعد لأي عثرت على طريق الخروج، وحين دفعت الباب وجدت نفسي قد عدت إلى هنا.»
«حقًا؟ هذا بسبب النطاق الشبحي؛ يبدو أن ذلك الشيء يأبى ترككم ترحلون.»
تحركت نظرات تشو تشنغ قليلًا وتابع: «لكن النطاق الشبحي لا يضم عادة سوى شبح واحد، وذلك الشبح هو العجوز ذو الرداء الأسود الطويل، غير أنه غادر سابقًا. ما واجهته أنت هو تابع شبحي على الأرجح.»
تقدم يانغ جيان وسأل: «ما هو التابع الشبحي؟»
أوضح تشو تشنغ: «هو كائن يتشكل بعد موت من يقتلهم الشبح الشرس داخل النطاق الشبحي. يخضع بالكامل للشبح ويأتمر بأمره دون قيد أو شرط، تمامًا كالعبد؛ لذا سُمي بالتابع الشبحي. ورغم أنه لا يبلغ مستوى رعب الشبح الشرس، فإنه يشكل خطرًا جسيمًا على من هم في مثل حالكم من البشر العاديين… كُح كُح! لم يمضِ على نشوء هذا النطاق الشبحي إلا القليل، ومع ذلك ظهرت التوابع الشبحية بالفعل. نجاتك وخروجك حيًا أمر يدعو للدهشة حقًا لفرط حظك.»
«لكن ليس هذا وقت الخوض في هذا الحديث، وظهورك هنا جاء في وقته تمامًا.»
أخرج من جيب معطفه جهازًا يشبه جهاز الاتصال اللاسلكي.
«هذا هاتف تحديد مواقع بالأقمار الصناعية. خذه وارحل فورًا. إن استطعت الخروج من هذا المكان اللعين، فسيتواصل معك أحدهم لاحقًا، وما عليك إلا نقل حقيقة الأوضاع هنا إلى من يقابلك بأمانة.»
هكذا قال تشو تشنغ، وبدت على ملامحه علامات الألم.
سأله يانغ جيان: «وأنت يا أخي، ماذا عنك؟»
أجاب تشو تشنغ: «بلغتُ أقصى طاقتي. أثناء محاولتي تعطيل ذلك العجوز استنزفت قدرًا هائلًا من قوة الشبح، وذلك الشيء على وشك الاستيقاظ الآن. من يستطيع ترويض قوى الأشباح الشرسة يُدعى مروّض أشباح، لكن الشبح ينخر في جسد الإنسان بالمقابل تدريجيًا. وجود كائن مثلي لا هو بالإنسان ولا بالشبح على قيد الحياة عذاب مستمر في الأصل… آه!»
وقبل أن يكمل حديثه، أطلق صرخة ألم مروعة وسقط على الأرض يتلوى.
وأثناء تخبطه وتلويه، انفرج معطفه الفضفاض.
جفل يانغ جيان من هول المشهد؛ فخلف المعطف بطن منتفخ للغاية كأنه لامرأة حبلى على وشك الوضع، وبدا جلد البطن شبه شفاف، وتكور في داخله الرضيع بحجم طفل في الثالثة من عمره.
كان الرضيع بالكامل بلون رمادي مائل إلى الزرقة، وله أظافر حادة، وعيناه حالكتان كالحبر تخفوان بلا بؤبؤين. راح يتلوى داخل البطن ويمزق الأحشاء كأنه يسعى لشق جدار البطن والخروج منه.
«ما… ما هذا؟»
«الرضيع… الرضيع الشبحي. هكذا دُوّن في السجلات.»
تحامل تشو تشنغ على آلامه المبرحة بصعوبة وقال: «في البداية، حين استقر في بطني، لم يكن حجمه يتجاوز عقلة الإبهام. ومع كل استخدام لقوة الشبح الشرس كان ينمو قليلًا، وحتى لو لم أستخدمها فإنه يستمر في النمو. التهم كل ما في بطني، وفي كل يوم أتحمل آلام نهشه لجسدي، حتى بت أعجز عن النوم ليلًا من شدة الوجع…»
«التهم هذا الرضيع الشبحي معظم جسدي الآن، ولم يبقَ سوى هذا البطن الخاوي؛ لو كان غيري من عامة الناس لقضى نحبه منذ زمن، غير أنني عاجز عن الموت. الموت بالنسبة لي راحة وخلاص، في حين أن البقاء على قيد الحياة محض عذاب وألم.
«ارحل! خذ هذا الهاتف وارحل!»
مد يده وألقى بالهاتف بعيدًا وصاح: «إن لم ترحل فسيخرج هذا الرضيع الشبحي، وعندها سيكون في المكان شبحان اثنان، وسيغدو خروجكم أشد استحالة!»
التقط يانغ جيان الهاتف، ونظر إلى حالته المأساوية، فلم يتمالك أن تحسس ظهر كفه؛ لقد ذاق لتوّه مرارة ذلك العذاب بدوره.
مروّض أشباح؟
أيعقل أنه صار كائنًا يشبه تشو تشنغ؟
«أعتذر إليكم، لقد خيبت آمالكم. مستوى ذلك العجوز كان بالغ الخطورة ولم أكن ندًا له… عجزت عن تقييد ذلك الشبح العجوز لإخراجكم أيها الطلاب. ما تبقى يقع على عاتقكم وحدكم الآن.»
رأى تشو تشنغ يانغ جيان يلتقط الهاتف، فارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة.
قال يانغ جيان: «ما دمت تعلم كل هذا، فلمَ بقيت من البداية؟ لو أردت المغادرة سابقًا لخرجت سالمًا دون شك، وما كان ثمة داعٍ للبقاء لتموت معنا.»
«لأنني المسؤول عن مدينة داتشانغ. لا يقف في وجه الأشباح إلا أمثالنا، ولو آثرنا السلامة وجبنا لضاع هذا العالم… لم أمارس هذا العمل من أجل نفسي، بل لأجل أمن هذه المدينة وسلامتها.»
اختلجت شفتا تشو تشنغ، واشتدت وطأة الألم عليه، وأحس بأنه بلغ حافة الانهيار، فصرخ فجأة: «ما بالك تتسمر هنا؟ ارحل! ارحل فورًا!»
ارتعد يانغ جيان، ولم يجرؤ على المكوث أكثر، فأحكم قبضته على الهاتف واستدار ليركض هاربًا.
صرخ تشو تشنغ وسط تخبطه المتألم بعبارة أخرى: «تذكر! احذر من ذلك الطالب الذي يُدعى فانغ جينغ في صفك! التقيته سابقًا وبدا غريب الأطوار للغاية وغير سوي… لا يشبه البشر تمامًا، لكني لست متأكدًا. الأفضل أن تبتعد عنه قدر الإمكان. سجلت كل ما يخصه وسيأتي من يحقق في أمره لاحقًا، وإياك أن تصدق ترهاته عن المستقبل أو ما شابه ذلك؛ يستحيل تمامًا أن يعود إنسان من المستقبل إلى الحاضر، وقد أجرى معهد الأبحاث تجارب على هذا النحو من قبل!»
«ماذا؟»
أصابت الدهشة يانغ جيان فالتفت خلفه لينظر.
«آه!»
ما إن أدار رأسه حتى دوّت صرخة مروعة؛ رأى بطن تشو تشنغ يُبقر عنوة، وبرزت منه ذراع الرضيع بلون رمادي مائل للزرقة، ثم اتسعت الفتحة الممزقة أكثر فأكثر… وطل رأس ذلك الرضيع الشبحي، وأخذ يتلفت حوله بفضول كأنه وليد جديد خرج للدنيا.
غير أن عينيه الحالكتين كانتا تفيضان بغرابة مريبة وخبث دفين.
اهرب!
فزع يانغ جيان في داخله، واستدار مسرعًا ليركض هارباً.
«وااااه…»
ما إن هبط درجات السلم حتى تردد في الرواق خلفه صراخ غريب ومخيف يطلقه ذلك الرضيع الشبحي، كأنه يعلن للعالم وصوله وظهوره.
زحف الرضيع الشبحي رويدًا رويدًا خارجًا من جسد تشو تشنغ، وانكمش بطن الأخير المنتفخ فجأة كبالون فرغ هواؤه ليغدو هامدًا ضامرًا.
لم تنزف دماء، ولم تظهر أي أحشاء، بل بعض اللحم المتغير إلى السواد فقط.
تمامًا كما ذكر تشو تشنغ سابقًا؛ فقد نهش الرضيع الشبحي أعضاءه الداخلية بالكامل منذ زمن.
«أمي… أبي… أعتذر إليكما…»
خبت النضرة في عيني تشو تشنغ تدريجيًا وغار بريقهما، فمال برأسه جانبًا وخبت جذوة الحياة فيه، لكن عينيه ظلتا تحدقان مباشرة نحو الرضيع الشبحي وهو يزحف ببطء في الاتجاه الذي فر نحوه يانغ جيان.
الطابق الراب، ثم الطابق الثالث…
«حمداً لله، لم أضل طريقي.»
نزل يانغ جيان الدرج مسرعًا، وغمرته فرحة عارمة.
وجد أن الردهات لم تعد تغشاها حلكة الظلام؛ ورغم قتامة المكان إلا أن كل شيء بات مرئيًا بجلاء، ولم يتكرر ذلك الضياع والالتفاف العبثي في المكان نفسه.
لا ظلام مطبق، ولا توهان؛ وإذا سارت الأمور طبيعية، فلن يستغرق الخروج من المدرسة سوى بضع دقائق معدودة.
وحين بلغ الطابق الثاني، رأى في الرواق تشانغ وي ومياو شياوشان وبعض زملائهم يروحون ويجيئون بملامح يكسوها الرعب. حملوا هواتفهم بمصابيح مشتعلة، يسيرون من طرف الرواق إلى طرفه الآخر، ثم يدورون ليعودوا أدراجهم.
كرروا هذه الحركة مرات ومرات.
كأن شيئًا قد سحر عقولهم وجعلهم عاجزين عن الخروج إلى الأبد.
«لا، هذا غير صحيح! ليس النطاق الشبحي هو من زال، ولا الظلام هو من تراجع، بل أنا من صرت قادرًا على اختراق هذا الوهم ورؤية الحقيقة…» تبدلت ملامح يانغ جيان قليلًا، ونظر إلى تلك العين الحمراء في ظهر كفه.
أهذه هي قدرة مروّض الأشباح إذن؟
بناءً على ذلك، فهذه العين هي شبح بدروها.
تذكر ما قاله تشو تشنغ للتو: الرضيع الشبحي في بطنه كان في البدايه بحجم الظفر الصغير، ثم نما لاحقًا حتى بلغ ذلك الحجم.
إن كان الأمر كذلك، فإلى أي هيئة ستؤول هذه العين الشبحية مع الوقت؟
وهل ستتحول هي الأخرى إلى شبح شرس يلتهمه؟
عندما تذكر مآل تشو تشنغ، سرت برودة في ظهره واقشعر بدنه، ورمق العين على ظهر كفه بنظرة ملؤها الفزع والرعب.
تلاشت فرحته برؤية النطاق الشبحي في لمح البصر دون أن تترك أثرًا.
«حتى لو كان مقدرًا أن أهلك على يد هذه العين، فهذا أمر مؤجل، والأولوية الآن للخروج من هنا.»
ضغط يانغ جيان على أسنانه كابحًا أفكاره المشوشة، ثم تقدم بخطى واسعة نحو تشانغ وي ورفاقه.
لكن في أعين تشانغ وي ومن معه، لم يكن يحيط بهم سوى الظلام الحالك.
ضوء المصباح في الهاتف لم يكن ينير أكثر من متر واحد فقط، وما وراء ذلك محجوب تمامًا.
قالت مياو شياوشان من جانبهم بنبرة متوترة: «تشانغ وي، نسير منذ نصف ساعة ولم نخرج بعد، هل سنظل محتجزين هنا طوال حياتنا؟»
قال طالب آخر بحذر شديد: «قال تشو تشنغ إن هذا نطاق شبحي، فهل تدرون ما هو النطاق الشبحي أصلًا؟ أيعقل أن ثمة أشباحًا حقيقية؟ وهل ما جرى في الفصل كان حادثة خوارق؟ إن كان هناك شبح حقًا، فربما لن نستطيع الخروج أبدًا.»
أجاب تشانغ وي بملامح جادة للغاية: «اطمئنوا، كيف نظل طوال حياتنا هنا؟ هذا أمر مستحيل قطعًا! صدقوني، سنموت جوعًا هنا بعد بضعة أيام، ولن يستغرق الأمر العمر كله!»
«…»
أفي مثل هذا الوقت تطلق مثل هذه السخافات؟
وفجأة.
طَق طَق، طَق طَق!
انبعثت سلسلة من وقع الخطوات من قلب الظلام.
«من… من هناك في الأمام؟»
توتر تشانغ وي في لحظة، وفزع الباقون واقشعرت أبدانهم من شدة الرعب.
«لا تقلقوا، هذا أنا، يانغ جيان.»
جاء صوت يانغ جيان من وسط العتمة.
صاح تشانغ وي: «توقف مكانك! إياك… إياك أن تقترب! تدعي أنك يانغ جيان، فهل تثبت ذلك؟ ماذا لو كنت شبحًا متنكرًا في هيئته؟»
قال يانغ جيان: «يا تشانغ وي، أفي مثل هذا الوقت تجادل وتطيل الكلام؟ المكان غاية في الخطورة، وبوسعي إخراجكم من هنا؛ إذا تبعتموني فلن تضلوا الطريق.»
جاء يانغ جيان إلى هنا قاصدًا إنقاذ تشانغ وي والآخرين؛ فلولا تدخله لكان الهلاك مصيرهم المحتوم في هذا المكان بلا ريب. ورغم عدائه مع فانغ جينغ، إلا أنه لا يحمل ضغينة لهؤلاء.
وفوق ذلك، بات في النطاق الشبحي شبحان شرسان، ودرجة الرعب المتوقعة باتت تفوق كل تصور.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.