ما زال الوقت وضح النهار.
كان الشارع في منطقة تجارية مزدحمة يعجّ بالمارة الذين يروحون ويجيئون بلا انقطاع.
فجأةً سقط الزجاج من أعلى مبنى شاهق مجاور وتحطّم على الأرض، وتناثرت شظاياه في كل اتجاه وأصابت عددًا من المارة.
ابتعد الناس مسرعين، لكن الفضوليين رفعوا رؤوسهم في الوقت نفسه ونظروا إلى أعلى المبنى.
بدا الارتفاع في حدود الطابق الخامس عشر.
لم تكن الرؤية واضحة تمامًا، لكن أمكن رؤية أشخاص داخل مكاتب الطابق الخامس عشر يضربون الزجاج من الداخل بشتى الأدوات ضربًا جنونيًا.
زجاج المباني العالية كله زجاج مقسّى، يصعب كسره في الأحوال العادية، لكن أولئك الأشخاص في مبنى المكاتب أصابهم جنون لا يُعرف مصدره حتى حطّموا النافذة بالقوة. فسقطت الشظايا على الأرض وكادت تصيب المارة.
«يبدو أن أمرًا كبيرًا وقع. أهل ذلك الطابق كلهم يحطّمون النوافذ للنجاة. ألا يكون حريقًا؟»
«لا أرى دخانًا. لا يبدو أنه حريق.»
«غريب. فماذا يفعلون إذن؟ هل جُنّوا جميعًا؟ أم أن الشركة تغسل أدمغة موظفيها؟»
أخذ كثيرون يتحدثون ويتبادلون الآراء، وابتعدوا في الوقت نفسه عن المنطقة الخطرة مسرعين.
بعد قليل.
تجمّع حشد من المارة، ورفعوا رؤوسهم جميعًا ينظرون إلى ما يجري في الطابق الخامس عشر من هذا المبنى.
«لا تقتربوا، لا تقتربوا… النجدة، من ينقذني؟»
جلست موظفة في الشركة عند فتحة نافذة تبكي بيأس، ووجهها مليء بالخوف.
كانت تلوّح بيدها نحو داخل مبنى المكاتب كأنها تحاول إبعاد شيء ما، وفي الوقت نفسه تحاول مرارًا الابتعاد عن ذلك الطابق، حتى أُجبرت على إخراج معظم جسدها من النافذة ولم يبقَ إلا أن تقفز.
لكن في اللحظة التالية.
صرخت الموظفة فجأةً صرخة هستيرية، ومن دون أن يُعرف من أين جاءتها الشجاعة، تسلّقت النافذة لتقفز.
لكن قبل أن تقفز أمسك بها شيء ما، فانسحب جسدها كله إلى الداخل طائرًا إلى الخلف، واختفت في لحظة عن أعين المارة، ولم يُسمع إلا صرخة حادة مفجعة تتردد خافتة من داخل الطابق الخامس عشر.
كان سماعها يُقشعر له البدن.
وأخذ عدة موظفين آخرين من الشبان الأقوياء يحطّمون الزجاج كالمجانين، يريدون أن يتسلقوا عبر الفتحة إلى الطابق الأسفل.
لا أحد يعرف ما الذي جرى في الداخل حتى يدفع هؤلاء الناس إلى فعل أمر بهذه الخطورة في طابق بهذا الارتفاع.
«الجميع يصرخون طلبًا للنجدة، لا بد أن أمرًا خطيرًا جدًا وقع. أبلغوا الشرطة بسرعة!»
رأى بعض المتفرجين أن في الأمر شيئًا غير طبيعي، فأسرعوا إلى الإبلاغ.
لكن الأكثرية رفعوا رؤوسهم يشاهدون ما يحدث بفضول.
بل أخرج كثيرون هواتفهم وبدؤوا يصوّرون.
كان يانغ جيان واقفًا في تلك اللحظة عند جانب الطريق، يأكل الآيس كريم وقد عقد حاجبيه وهو ينظر إلى الطابق الذي وقعت فيه الحادثة.
بدا الطابق كله كأن الكهرباء انقطعت عنه، معتمًا تحيط به غلالة داكنة بلون أخضر مسودّ. لم تكن تشبه الدخان الكثيف ولا الضباب الكثيف، وبدت غريبة بعض الشيء. ومع أن الطابق الخامس عشر لم يكن بحيث لا يُرى فيه شيء، فإن من يقف في داخله وقد غمرته تلك الغلالة لا يرى من الأشياء إلا خطوطًا غير واضحة.
«حقًّا… حقًّا حدث شيء. كيف عرفت؟»
كانت جيانغ يان الواقفة بجانبه تمسك بذراعه ولا تفارقه خطوة، وقد اعتراها ذعر غير مفهوم.
«هو نوع من التحسس المتبادل بين من هم من النوع نفسه… لا أعرف كيف أصفه. يشبه الحاسة السادسة عند البشر، لكن حاستي هذه أقوى قليلًا.»
قضم يانغ جيان قطعة من الآيس كريم وواصل المشاهدة.
«لا أعرف إن كانت الطوابق الأخرى ستتأثر، لكن أهل الطابق الخامس عشر لن ينجو منهم أحد، سيموتون جميعًا. مستوى رعب هذا الشبح مرتفع جدًا، حتى إنه يستطيع التأثير في البيئة المحيطة.»
رفع رأسه وواصل المراقبة.
والتأثير في البيئة المحيطة يعني أن نطاقًا شبحيًا على وشك التكوّن.
ولو وُضع في ذلك الموقع الدولي لحُدّد مستواه على الأقل بالفئة B.
ارتجفت جيانغ يان: «وما زلت تنظر؟ ما دام الأمر لا يعنينا فلنذهب بسرعة، وإلا تورطنا وصار الأمر مشكلة.»
«لا، يجب أن أرى. أريد على الأقل أن أفهم شيئًا عن هذه الحادثة الخارقة، وإلا فإذا صادفناها مرة أخرى بالخطأ سنكون في ظلام تام لا نعرف عنها شيئًا.»
واصل يانغ جيان أكل الآيس كريم: «من النادر ألّا يحدث هذا لي أنا. وأحيانًا يكون التفرج على حدث، ولو كان كبيرًا، شعورًا لطيفًا.»
حين رأت جيانغ يان ملامح اليأس والخوف على موظفي الطابق الخامس عشر، تذكرت دون قصد ما مرّت به في المركز التجاري.
لم تشعر بأي رغبة في التفرج، لم يكن فيها إلا الخوف.
لكن غير المختص يتفرج على الحدث، أما المختص فيرى دقائق الأمر.
ضيّق يانغ جيان عينيه قليلًا وحدّث نفسه: «هذه حادثة خارقة تقع الآن بالفعل. كم حادثة وقعت في داتشانغ من قبل؟ التي صادفتها والتي لم أصادفها… أشعر بوضوح أن عدد الحوادث الخارقة يتزايد.»
«أخشى أن يكون الانفجار الشامل الذي لا يمكن كبحه، كما قال وانغ شياو مينغ، قد اقترب.»
«النظام السلمي سيُكسر، ولن يمضي وقت طويل حتى يخيّم على رؤوس الجميع اليأس الذي تجلبه الأشباح الشرسة.»
نظر إلى المارة فلم يرَ على وجوههم أي خوف أو حذر، فقد عدّوا الحادثة مجرد حادث عرضي ووقفوا يتفرجون.
من كان يتصور.
ما رأوه هو حادثة خارقة تقع فعلًا الآن.
«يجب أن أبدأ الاستعداد فورًا.»
قضم يانغ جيان قطعة أخرى من الآيس كريم: «سأرتب كل شيء في أقصر وقت ممكن، ثم… أتأهب للقتال من أجل النجاة.»
أحسّ كأن عاصفة توشك أن تهب وأن نهاية العالم تقترب.
ومع أن جميع الناس في المدينة لم يشعروا بشيء بعد، فإنه، بصفته مروّض أشباح يتعامل مع الحوادث الخارقة، قد لاحظ شيئًا.
المطر الغزير على وشك النزول
وأول ما يُحَسّ به ليس الأوراق التي يضربها المطر ولا الرعد الذي تسمعه الحيوانات، بل اليعاسيب التي تطير منخفضة قبل نزول المطر.
«آااه!»
دوّت في هذه اللحظة صرخة مفجعة يائسة.
لم يعد رجل قادرًا على احتمال ذلك الخوف، فقفز أخيرًا من النافذة المحطمة.
تقلّب جسده في الهواء عدة مرات، ثم ارتطم بالأرض بقوة.
من ارتفاع كهذا صار الجسد جثة في لحظة.
مشهد لا تطيق العين النظر إليه.
صرخ كثير من المتفرجين من شدة الفزع، واضطرب الحشد قليلًا، وأخذ الناس يتراجعون هاربين.
ظل يانغ جيان واقفًا عند جانب الطريق بلا حراك، يواصل أكل الآيس كريم ويشاهد هذا المنظر.
لم تعد جيانغ يان تجرؤ على المتابعة، فاختبأت خلف ظهره.
«القفز لا يؤدي إلا إلى موت أسرع. الفرصة الوحيدة أن يجمعوا شجاعتهم ويهربوا مواجهةً بينما الشبح مشغول بقتل غيرهم.»
قال يانغ جيان بهدوء: «في أي جماعة سيحالف الحظ بعضهم، فيُتركون كأنهم أسماك أفلتت من الشبكة.»
يبدو الأمر سهلًا.
لكن تنفيذه صعب.
لا فائدة من أن يندفع واحد أو اثنان بشجاعة للخروج مباشرة؛ لا بد من جماعة.
لكن هؤلاء اختبروا رعب الشبح الشرس، وقفز بعضهم من شدة اليأس، أما من بقي فلا ينتظر إلا الموت.
لكن في هذه اللحظة.
وصلت عدة مركبات خاصة من مختلف الطرق.
لم تلتزم بقواعد المرور، بل اقتحمت المكان مباشرة.
لم يرَ يانغ جيان في ذلك أي فائدة: «سرعة الدعم عالية فعلًا. لو كان حادثًا عاديًا لأمكن احتواؤه، لكن للأسف… هذه حادثة خارقة.»
حتى لو تدخّل مروّض أشباح فورًا، فإنقاذ الناس ضرب من الخيال.
والتسرع في التعامل مع الشبح الشرس قد يودي بحياة المروّض أيضًا.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.