بما أن الحادثة وقعت وسط المدينة، فقد كان صداها كبيرًا.
لم تمضِ عشر دقائق حتى وصلت مركبات خاصة إلى المكان مباشرة.
والمسؤول عن هذه القضية هو ليو جيان مينغ، القائد ليو.
كان يعاني صداعًا في الآونة الأخيرة. هو في أوائل الثلاثينيات، في سن يفترض أن يكون فيها في أوج نشاطه، لكنه حين نزل من السيارة بدا وجهه جادًّا وعابسًا، ومع ذلك لم يستطع إخفاء شيء من الإرهاق عن وجهه.
«أخلوا المكان فورًا، واعزلوا كل من لا علاقة له بالأمر.»
«حاضر، أيها القائد.»
كان القائد ليو سريع التصرف حاسمًا، فأصدر الأمر فورًا.
جاء أحد الأفراد وقال: «أيها القائد، اكتُشف وجود يانغ جيان بين الحشد، ويبدو أنه شاهد ما جرى منذ البداية. هل نذهب ونسأله؟»
يانغ جيان؟
فوجئ القائد ليو قليلًا.
لم تكن دهشته من مصادفة يانغ جيان، بل لأن ظهوره جعله يدرك فورًا أن هذه الحادثة على الأرجح تتعلق بأشياء غير نظيفة.
وبعبارة أخرى، من المرجح أن تكون حادثة خارقة.
ومتى واجهوا حادثة خارقة فلا يحق لهم التدخل، ولا قدرة لهم عليه، ولا يملكون إلا رفع تقرير إلى الجهات الأعلى.
«يانغ جيان، مرحبًا، التقينا مرة أخرى.»
قرر القائد ليو أن يذهب ويسلّم عليه على أي حال، فمشى نحو يانغ جيان الواقف عند جانب الطريق، وحيّاه تحية عسكرية ثم قال له ذلك.
قال يانغ جيان: «القائد ليو، يبدو أن أمامك عملًا كثيرًا من جديد. ومع أن خسائر الحادثة في الأرواح ليست كبيرة، فإن أثرها كبير، فهي… أخطر بكثير من حادثة اختفاء الناس في المركز التجاري السابقة.»
سأل القائد ليو: «هل تعرف حجم الخسائر؟»
«لا أعرف.»
قال يانغ جيان: «أبلغ المسؤول الجديد تشاو كاي مينغ ليأتي ويتولى الأمر، فهذا ليس مما تقدر على مواجهته.»
قال القائد ليو بابتسامة مريرة: «أهي حادثة خارقة من جديد؟»
«لكن المسؤول الجديد يصعب التعامل معه قليلًا، وحتى لو أُبلغ فلن يصل قريبًا. إن أمكن، هل تساعد؟ لا أطلب حل الحادثة، بل أريد فقط إنقاذ عدد أكبر قليلًا من الناس، وهذا يكفي.»
قال يانغ جيان: «في بلادنا مثل يقول: من كان في منصب تولّى شؤونه. وداتشانغ الآن في عهدة تشاو كاي مينغ، فلا يصح أن أتدخل بتهور. وإن تأزم الوضع فستقع المسؤولية عليّ… ثم إن تدخلي المباشر في شأن غيري فيه شيء من التعدي على اختصاصه. أظنك تفهم قصدي يا قائد ليو.»
أومأ القائد ليو برأسه علامة الفهم.
وقد تولّى هو أيضًا قضايا من قبل، ويعرف بالطبع أن للقضية الواحدة مسؤولًا واحدًا، وأن غيره لا يحسن به التدخل.
لكن كلام يانغ جيان لم يكن إلا مجاملة.
فهو لا يريد التدخل في حادثة خارقة بلا سبب.
حين رأى القائد ليو أن يانغ جيان لا يريد الدخول في الحادثة غادر سريعًا، فقد كان عليه أن يشرف على أعمال الإنقاذ والإغاثة، وكان مشغولًا جدًا.
لكن هذا الانشغال المرهق لم يفد إلا قليلًا.
وفي هذه الأثناء لم يحتمل موظف آخر ذلك الخوف، فقفز من الطابق الخامس عشر وهو يبكي ويصيح، وظل يصيح وهو يقفز بأنه لا يريد أن يموت ويطلب النجدة وما أشبه.
ذلك اليأس كان كل إنسان قادرًا على الإحساس به.
«بوم!»
حين وصل إلى الأرض كان قد صار جثة، وتطاير الدم، واختلط اللحم بالدم، ولا يُحتمل النظر إليه.
وكان بعضهم لا يجرؤ على القفز، لكن شيئًا ما سرعان ما جرّه بقوة إلى داخل مبنى المكاتب المعتم.
دوّت الصرخات المنهارة من جديد، ثم اختفت سريعًا.
وقد خمّن بعضهم ما حدث.
كانت تلك صرخات ما قبل الموت.
أما من بدؤوا يفكرون فقد لاحظوا أن في الأمر شيئًا غير سليم.
لو كان حريقًا فلماذا لا توجد نار؟
ولو كان في الداخل مجرمون يرتكبون جريمة فلماذا لا توجد حركة؟
ما الذي يجري في الداخل بالضبط؟
ما الذي يدفع أناسًا رغبتهم في النجاة قوية إلى القفز؟
ما داموا يجرؤون على القفز من الطابق الخامس عشر، أفلا يعني هذا أن اليأس والرعب في الداخل أشد من القفز منه؟
بعد قليل.
قلّت الصرخات أكثر فأكثر.
تغيّرت ملامح يانغ جيان قليلًا: «أوشكوا أن يموتوا جميعًا.»
وفجأةً، في هذه اللحظة، رأى شخصًا يخرج من مبنى المكاتب ويقف عند النافذة الزجاجية، لكن من هذه الزاوية لا يظهر بصعوبة إلا رأسه مع أعلى جسده، أما بقية جسده فلا يُرى إطلاقًا.
كان ذلك الشخص غريبًا، يقف بلا حراك وفي هدوء تام، لا يشبه أولئك الذين انهاروا وصرخوا قبل قليل.
وكان وجهه متبلدًا، وجلده أخضر مسودّ كجثة تُركت عدة أيام، لا أثر فيه لهيئة إنسان عادي، لا حياة ولا نشاط، ساكن كالموت، يحمل رهبة وبرودة غير مفهومتين.
«هل هذا هو الشبح؟»
شعر يانغ جيان في تلك اللحظة أن عين الشبح تكاد تنفتح من تلقاء نفسها، لكنه ضبط هذه الحركة.
وقف ذلك الشخص أمام النافذة برهة، ثم استدار سريعًا وابتعد، واختفى في الطابق الخامس عشر.
لكن في اللحظة التي استدار فيها، وقعت عينا يانغ جيان على عينيه دون قصد.
سوداوان كالحبر… بلا حدقتين، كأنهما فجوتان سوداوان مظلمتان، غريبتان وشريرتان.
ورغم أنها نظرة عابرة، فقد انتفض يانغ جيان فجأة.
«إنه هو!»
عرف هذا الشبح.
إنه الرضيع الشبحي الذي خرج من جسد تشو تشنغ.
نعم، لا خطأ في ذلك.
العينان السوداوان الفارغتان، والجلد الأخضر المسودّ، لا شك أنه الرضيع الشبحي.
تعامل يانغ جيان معه مرتين، ولا يمكن أن يخطئ.
في المرة الأولى كان قد انبعث للتو، فقتل تشو تشنغ وزحف من بطنه، وكانت هيئته هيئة رضيع، وفي المرة الثانية كانت في بيت وانغ شانشان.
كان الرضيع الشبحي حينها قد نما حتى صار بهيئة طفل، يستطيع الوقوف والمشي.
أما الآن… فهيئته بوضوح هيئة شاب.
الغلالة الداكنة بلون أخضر مسودّ التي غطّت الطابق كله هي نفسها النطاق الشبحي الذي كان الرضيع الشبحي يُنشئه في اللقاء الأخير، لكنه كان حينها في بدايته فقط، بعيدًا جدًا عن أن يكون نطاقًا شبحيًا.
أما الآن فقد صار قريبًا جدًا من امتلاك نطاق شبحي.
«إن تُرك هذا الرضيع الشبحي ينمو على هذا النحو، فأخشى أنه لن يعود ممكنًا البقاء في داتشانغ.»
ومع أن يانغ جيان لم يتدخل في الحادثة، فإنه حين تأكد من سرعة نمو الرضيع الشبحي أحسّ ببرد قارس يخترق عظامه،
هذا الشبح يزداد رعبًا.
«لنغادر هذا المكان.»
قال ذلك لجيانغ يان المختبئة خلفه، التي لا تجرؤ على الابتعاد.
وبعد أن عرف هوية هذا الشبح لم يعد هناك داعٍ لمواصلة المشاهدة.
لكن في هذه اللحظة.
رافق هدير محرك سيارة صوت: «دووم!»
اندفعت مركبة خاصة قوية المحرك كأنها وحش من تقاطع مجاور، فاصطدمت بسيارة كانت تنعطف وأزاحتها، وصعدت إلى رصيف المشاة عند التقاطع دون أن تخفف سرعتها، متجهة نحو يانغ جيان.
توقفت خطوات يانغ جيان، وانفتحت عين الشبح مباشرة.
ظهرت خلفه صورة ظلّية بلا رأس، وبدت كأنها توشك أن تنفصل عن الأرض وتنهض.
«هل هي قادمة إليّ؟»
أحسّ أن هذه المركبة تستهدفه بدقة بالغة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.