الراقص
الفصل الثامن: الراقص
“حتى تتمكّنوا من استخدامنا”.
بدا الراقص وكأنه يرى من خلالي. يكاد طولي يضاهي طوله، وهو أمر نادر الحدوث. لكنه ضخم البنية و متقدم في السن بشكل رهيب، ربما في الأربعينات من عمره. يتخلّل الشيب صدغيه. وتزين عنقه عشرات الندوب المتماثلة. سبق ورأيت ندوبًا كتلك، إنّها عضّات أفاعي الحُفَر. تتدلّى ذراعه اليسرى بلا حراك، دليل على تلف في الأعصاب. لكن عينيه تأسِراني، فهما أكثر بريقًا من المعتاد. تشعّان بأنماط من اللون الأحمر الحقيقي، لا الأحمر الصدئ. و ترتسم على وجهه ابتسامة أبوية.
يتوقّف المصعد. تفتح الأبواب. ولا أستطيع رؤية أي شيء. خلف النظّارات، تضيق حدقتا عيني للتكيّف مع الضوء. عندما أتمكّن أخيرًا من فتح عيني، أتوقّع رؤية مصباح متوهّج ضخم أو شعلة، مصدر للضوء. لكنّني لا أرى شيئًا. الضوء منتشر، من مصدر بعيد مستحيل.
قال الراقص بلطف: “لا بدّ أنّك تتساءل من نكون”. كان ضخمًا، لكن صوته كان هادئًا. كان معه ثمانية من الحمر، جميعهم رجال باستثناء هارموني، وكانوا يراقبونه بنظرات ملؤها الإعجاب. إنهم جميعًا عمّال مناجم على ما أظن، فلكلٍّ منهم يدان قويتان تحملان ندوب أبناء جلدتنا. وكانوا يتحركون برشاقة شعبنا. لا شكّ أنّ بعضهم كانوا من الوثّابين والمتفاخرين، كما كنّا نسمّي أولئك الذين يقومون بالجري على الجدران ويؤدّون الشقلبات أثناء تأدية الرقصات. تُرى هل كان بينهم أي من غطّاسي الجحيم؟
أقاطعه: “ادخل في صلب الموضوع”. “تريد منّي شيئًا”.
تكلمت هارموني ببطء، متلاعبة بالكلمات على طرف لسانها: “إنه لا يتساءل”. ثمّ تضغط على يد الراقص وهي تدور من حوله لتنظر إليّ. وتضيف: “لقد خمّن هذا الوغد اللعين الأمر منذ ساعة”.
إذًا يجب أن يكون لقياس نسبة ذكائي، ممّا يعني أنّ هناك خدعة ما. الطريقة الوحيدة التي يمكن للعبة أن تختبر بها ذكائي هي إذا كانت كلتا البطاقتين تحملان منجلًا. هذا هو المتغيّر الوحيد الذي يمكن التلاعب به. بسيط. أحدّق في عيني الراقص الوسيمتين. إنّها لعبة مغشوشة، وقد اعتدت على مثل هذه الألعاب، وعادة ما أتّبع القواعد. لكن ليس هذه المرّة.
يبتسم الراقص بهدوء لها “آه”. “بالطبع خمّن ذلك، وإلّا لما طلب منّا آريس المخاطرة بإخراجه إلى هنا. هل تعرف أين ‘هنا’ يا دارو؟”
……
أتمتم قائلًا: “لا يهمّ”. أنظر حولي إلى الجدران والرجال والأضواء المتأرجحة. كلّ شيء بارد، وقذر جدًّا. “ما يهمّ هو…” لكنّني لم أستطيع إنهاء جملتي. قطعت ذكرى إيو صوتي. “ما يهمّ هو أنّك تريد منّي شيئًا”.
تكلمت هارموني ببطء، متلاعبة بالكلمات على طرف لسانها: “إنه لا يتساءل”. ثمّ تضغط على يد الراقص وهي تدور من حوله لتنظر إليّ. وتضيف: “لقد خمّن هذا الوغد اللعين الأمر منذ ساعة”.
قال الراقص: “نعم، هذا مهمٌّ”. ثم وضع يده على كتفي. وقال: “لكنّ يمكن لهذا أن ينتظر. أنا مندهش من أنّك ما زلت واقفًا. الجروح التي على ظهرك ملوّثة، وستحتاج إلى مضاد للبكتيريا ومجدّد للبشرة للحد من تشكل الندوب”.
“لا أنتمي لأحد سوى هارموني وشعبي. أنا مثلك يا دارو، وُلدت في عشيرة من حفّاري الأرض، عمّال مناجم من مستوطنة تايروس. الفرق الوحيد هو أنّني أعرف المزيد عن العالم”. يقطّب جبينه عند رؤية التعابير التي تدل على نفاد صبري. “تظنّني إرهابيًّا. أنا لست كذلك”.
أقول وأنا أحدّق في قطرتي الدم اللتين تسيلان من طرف قميصي على الأرض: “الندوب لا تهمّ”. لقد انفتحت جروحي عندما خرجت من القبر. أسأل: “إيو… ماتت، أليس كذلك؟”
“نعم، لقد ماتت. لم نتمكّن من إنقاذها يا دارو”.
أجد جدارًا من الزجاج، جدارًا كبيرًا يسمح بدخول أشعة الشمس لتشرق على طول آلة سوداء قصيرة ذات مفاتيح بيضاء، تعزف من تلقاء نفسها في غرفة طويلة ذات ثلاثة جدران وصف طويل من النوافذ الزجاجية. كلّ شيء كان أملسًا. خلف الآلة، خلف الزجاج، يكمن شيء لا أفهمه. أتعثّر نحو النافذة، نحو الضوء، وأسقط على ركبتي، وأضغط يدي على الحاجز. أطلق أنينًا طويلًا.
أسأل: “لما لا؟”
قال الراقص: “نعم، هذا مهمٌّ”. ثم وضع يده على كتفي. وقال: “لكنّ يمكن لهذا أن ينتظر. أنا مندهش من أنّك ما زلت واقفًا. الجروح التي على ظهرك ملوّثة، وستحتاج إلى مضاد للبكتيريا ومجدّد للبشرة للحد من تشكل الندوب”.
“ببساطة لم نستطع”.
ترجمة [Great Reader]
“لما لا؟”. كررت سؤالي بنبرة حادة، محدقًا به وبأتباعه، ومشددًا على كل كلمة. “لقد أنقذتموني، كان بإمكانكم إنقاذها. انها الشخص الذي كنتم ترغبون به. الشهيدة اللعينة. لقد اهتمّت بكلّ هذا. أم أنّ آريس يحتاج إلى الأبناء فقط، لا البنات؟”
أبصق عليهم وأهزّ هارموني مرة واحدة ثمّ أرميها جانبًا. تجثو على الأرض وهي تسعل، ثمّ يلمع سكين في يدها بينما تنهض. يتعثّر الراقص ويقف بيننا “توقّفا! كلاكما! دارو، أرجوك!”.
تثاءبت هارموني قائلة: “الشهداء كُثُر ولا قيمة لهم”.
“سألعب”.
أنزلق إلى الأمام كالأفعى وأطبق يدي على عنقها. تتصاعد موجات غضب على وجهي حتى يتخدر، وأشعر بالدموع تتجمّع خلف عيني. أسمع أزيز الحراقات وهي تُجهَّز من حولي. وتلامس فوهة باردة من بينهم مؤخرة عنقي.
أتذمّر قائلًا: “أنت تروي قصصًا خيالية”. “لا يوجد نصف هذا العدد من المستوطنات “.
“دعها وشأنها!”. يصيح أحدهم “افعلها يا فتى!”.
تتحوّل ملامح وجه الراقص الوسيم إلى ابتسامة متعبة، وعندها فقط أدرك كم هي واهنة ذراعه الميتة — انها أنحل من ذراعه اليمنى القوية، ومنحنية كجذر زهرة. لكن على الرغم من الطرف الذابل، الا أن الراقص يمتلك تهديدا مجنونا، وهو نوع أقلّ وضوحًا من ذلك الموجود في هارموني. يظهر ذلك عندما أضحك منه، عندما أزدريه وأزدري أحلامه.
أبصق عليهم وأهزّ هارموني مرة واحدة ثمّ أرميها جانبًا. تجثو على الأرض وهي تسعل، ثمّ يلمع سكين في يدها بينما تنهض. يتعثّر الراقص ويقف بيننا “توقّفا! كلاكما! دارو، أرجوك!”.
أقول: “بطاقة الحمل بدت شهيّة جدًّا لدرجة أنّني لم أستطع مقاومة أكلها”.
تبصق هارموني علي من خلف الراقص قائلة: “كانت فتاتك حالمة يا فتى”. “لا قيمة لها كشعلة فوق الماء…”.
غدا وبعد غد استراحة لذا لن تكون هناك فصول.
يصيح الراقص: “هارموني، اخرسي أيتها اللعينة”. “ضعوا تلك الأشياء اللعينة جانبًا”. يخفت صوت الحراقات. يسود صمت متوتّر، ثمّ ينحني الراقص ليتحدّث معي. يخفض صوته، وأنا ألهث بسرعة. “دارو، نحن أصدقاء. نحن أصدقاء. الآن، لا أستطيع الإجابة نيابة عن آريس — لماذا لم يستطع مساعدتنا في إنقاذ فتاتك؛ أنا مجرّد مساعد من مساعديه. لا أستطيع محو الألم. لا أستطيع إعادة زوجتك إليك. لكن، دارو، انظر إليّ. انظر إليّ يا غطّاس الجحيم”.
“سألعب”.
أفعل ذلك. أنظر مباشرة إلى تلك العينين الحمراوين الدمويتين. يقول: “لا أستطيع فعل الكثير من الأشياء، لكن يمكنني منحك العدالة”.
أقول: “تتصرّف وكأنّ عمّي اللعين مدين لك بشيء ما”.
يتجه الراقص نحو هارموني ويهمس بشيء ما لها، من المحتمل أنّه يخبرها بأنّنا يجب أن نكون أصدقاء. لن نكون كذلك. لكنّني أعد بألّا أخنقها وهي تعد بألّا تطعنني.
أفعل ذلك. أنظر مباشرة إلى تلك العينين الحمراوين الدمويتين. يقول: “لا أستطيع فعل الكثير من الأشياء، لكن يمكنني منحك العدالة”.
تبقى صامتة وهي ترشدني بعيدًا عن الآخرين عبر ممرّات معدنية ضيّقة إلى باب صغير يُفتح بلفّ مقبض. يتردّد صدى أقدامنا بين الممرّات الصدئة. الغرفة صغيرة ومليئة بالطاولات والمستلزمات الطبّية. تطلب منّي خلع ملابسي والجلوس على إحدى الطاولات الباردة حتى تتمكّن من تنظيف جروحي.
أجفل عند سماع هذه الفكرة.
يداها لم تكونا لطيفتين وهما تفركان الأوساخ من ظهري الممزّق. أحاول ألّا أصرخ.
أجفل وألتفت إليه. لا. هذا ليس اسمها. انها ليست رمزهم. انها لا تنتمي إلى هؤلاء اللصوص ذوي الأسماء المنمّقة.
تقول وهي تكشط صخرة من جرح عميق: “أنت أحمق”. ألهث من الألم وأحاول قول شيء ما، لكنّها تغرز إصبعها في ظهري، قاطعةً كلامي. “الحالمون مثل زوجتك محدودون يا غطّاس الجحيم الصغير”. تتأكّد من أنّني لا أتكلّم. “افهم ذلك. القوة الوحيدة التي يملكونها تكمن في الموت. كلّما كان موتهم أصعب، كان صوتهم أعلى، وصداه أعمق. لكنّ زوجتك قد أدّت غرضها”.
يأخذني الراقص إلى أسفل ممرّ متهالك إلى مصعد معدني أسطواني. إنّه شيء صدئ وثقيل يصدر صريرًا بينما نرتفع باطّراد نحو الأعلى.
غرضها. تبدو الكلمة غير مبالية، بعيدة وحزينة، وكأنّ فتاتي ذات الابتسامات والضحكات لم تُخلَق لشيء سوى الموت. كلمات هارموني تم نقشها في روحي ، أحدّق في الشبكة المعدنية قبل أن ألتفت لأنظر في عينيها الغاضبتين.
يقول الراقص: “لقد حاولت الموت من قبل”. “هل تريد أن تفعل ذلك مرّة أخرى؟”.
أسأل: ” وما الغرض منك اذن؟”.
“الآن بعد أن أنزلك؟ أتمنّى ألّا يفعلوا ذلك. أعطيناه جهاز تشويش لإيقاف كاميراتهم القديمة. لقد أدى عمله كشبح”.
ترفع يديها الملطّختين بالتراب والدم. “نفس غرضك يا غطّاس الجحيم الصغير. جعل الحلم يصبح حقيقة”.
“أريد أن أقتل أغسطس”. أقولها وأنا أتذكّر وجه ذلك الذهبي البارد وهو يأمر بقتل زوجتي. كان بعيدًا جدًّا، غير مبالٍ. “هو لن يعيش بينما إيو ميتة”. أفكّر في القاضي بودجينوس ودان القبيح. سأقتلهما أيضًا.
بعد أن تنظّف هارموني ظهري من الأوساخ وتعطيني جرعة من المضادّات الحيوية، تأخذني إلى غرفة بجوار مولّدات كهربائية هدّارة. الغرفة الصغيرة مليئة بالأسرّة ومرش سائل. تتركني وحدي.
ترفع يديها الملطّختين بالتراب والدم. “نفس غرضك يا غطّاس الجحيم الصغير. جعل الحلم يصبح حقيقة”.
الدش شيء مرعب. على الرغم من أنّه ألطف من هواء “المغاسل”، إنّني أشعر تارة أنّني أغرق، وتارة أخرى أجد مزيجًا من النشوة والعذاب. أدرت مقبض الحرارة حتى تصاعد البخار الكثيف و اخترق الألم ظهري.
أقاطعه: “ادخل في صلب الموضوع”. “تريد منّي شيئًا”.
بعد أن أصبح نظيفًا، أرتدي الملابس الغريبة التي وضعوها لي. إنّها ليست بذلة عمل أو نسيجًا منزليّ الصنع كما اعتدت أن أرتدي. القماش أنيق وراقٍ، كأنّه شيء يرتديه شخص من لون مختلف.
يقول الراقص: “الآن فهمت”. “لقد خُدعنا”.
يدخل الراقص الغرفة وأنا في منتصف عملية ارتداء ملابسي. تجرّ قدمه اليسرى خلفه، بالكاد تصلح للاستخدام مثل ذراعه اليسرى. ومع ذلك، لا يزال رجلًا مثيرًا للإعجاب، أضخم من بارلو، وأكثر وسامة منّي على الرغم من عمره والندوب التي خلفتها العضّات على رقبته. يحمل وعاءً من الصفيح ويجلس على أحد الأسرّة التي تصدر صريرًا تحت وطأة وزنه.
“ببساطة لم نستطع”.
“لقد أنقذنا حياتك يا دارو. لذا فإنّ حياتك ملكنا، ألا توافق على ذلك؟”.
الحمر الدونيون. لم أسمع بهذا المصطلح من قبل.
“عمّي هو من أنقذ حياتي” أقول.
غدا وبعد غد استراحة لذا لن تكون هناك فصول.
يشخر الراقص قائلًا: “ذلك السكّير؟”. “أفضل ما فعله هو إخبارنا عنك. وكان يجب أن يفعل ذلك عندما كنت طفلًا، لكنّه أبقى أمرك سرًّا. لقد عمل مخبرًا لصالحنا منذ ما قبل وفاة والدك، هل تعلم؟”.
“أريد أن أقتل أغسطس”. أقولها وأنا أتذكّر وجه ذلك الذهبي البارد وهو يأمر بقتل زوجتي. كان بعيدًا جدًّا، غير مبالٍ. “هو لن يعيش بينما إيو ميتة”. أفكّر في القاضي بودجينوس ودان القبيح. سأقتلهما أيضًا.
“هل شنقوه الآن؟”.
إن وجدتم أيّ أخطاء لغوية أو إملائية أو نحوية أو صرفية أو غيرها، فلا تترددوا في الإشارة إليها في قسم التعليقات. ملاحظاتكم محل تقدير كبير، وتساعدني على تقديم عمل أدق وأفضل جودة. شكرًا لقراءتكم واهتمامكم!
“الآن بعد أن أنزلك؟ أتمنّى ألّا يفعلوا ذلك. أعطيناه جهاز تشويش لإيقاف كاميراتهم القديمة. لقد أدى عمله كشبح”.
أسأل: “ألست كذلك؟”.
عمّي نارول. رئيس العمال، لكنّه سكّير كالأحمق. كنت دائمًا أظنّه ضعيفًا. ولا يزال كذلك. لا يوجد رجل قويّ يشرب مثله أو يكون بهذا القدر من المرارة. لكنّه لم يستحقّ الازدراء الذي أظهرته له قطّ. ولكن لماذا لم ينقذ إيو؟.
تكلمت هارموني ببطء، متلاعبة بالكلمات على طرف لسانها: “إنه لا يتساءل”. ثمّ تضغط على يد الراقص وهي تدور من حوله لتنظر إليّ. وتضيف: “لقد خمّن هذا الوغد اللعين الأمر منذ ساعة”.
أقول: “تتصرّف وكأنّ عمّي اللعين مدين لك بشيء ما”.
يصيح الراقص: “هارموني، اخرسي أيتها اللعينة”. “ضعوا تلك الأشياء اللعينة جانبًا”. يخفت صوت الحراقات. يسود صمت متوتّر، ثمّ ينحني الراقص ليتحدّث معي. يخفض صوته، وأنا ألهث بسرعة. “دارو، نحن أصدقاء. نحن أصدقاء. الآن، لا أستطيع الإجابة نيابة عن آريس — لماذا لم يستطع مساعدتنا في إنقاذ فتاتك؛ أنا مجرّد مساعد من مساعديه. لا أستطيع محو الألم. لا أستطيع إعادة زوجتك إليك. لكن، دارو، انظر إليّ. انظر إليّ يا غطّاس الجحيم”.
“إنّه مدين لشعبه”.
“لا أنتمي لأحد سوى هارموني وشعبي. أنا مثلك يا دارو، وُلدت في عشيرة من حفّاري الأرض، عمّال مناجم من مستوطنة تايروس. الفرق الوحيد هو أنّني أعرف المزيد عن العالم”. يقطّب جبينه عند رؤية التعابير التي تدل على نفاد صبري. “تظنّني إرهابيًّا. أنا لست كذلك”.
أضحك من ذلك المصطلح “شعبه”. “هناك عائلة. هناك عشيرة. قد يكون هناك حتى مجمّع ومنجم، لكن شعب؟ شعب. وأنت تتصرّف وكأنّك ممثّلي، وكأنّ لك الحقّ في حياتي. لكنّك مجرّد أحمق، كلّكم كذلك يا أبناء آريس”.
“حتى تتمكّنوا من استخدامنا”.
صوتي يقطر بالاستعلاء. “حمقى لا يستطيعون فعل شيء سوى تفجير الأشياء. مثل الأطفال الذين يركلون أعشاش أفاعي الحفر في نزوة غضب”.
“لقد أخبرتني أنّ بوسعك أن تمنحني إيّاه”.
هذا ما أريد أن أفعله. أريد أن أركل، أن أنفجر. لهذا السبب أهينه، لهذا السبب أبصق على الأبناء على الرغم من عدم وجود سبب حقيقيّ لكرههم.
يشعل الراقص لفافة تبغ ويعطيني واحدة أخرى. تبدأ المولّدات الكهربائية في الطنين من جديد، وتملأني لفافة التبغ بضباب مماثل بينما يتصاعد دخانها عبر رئتي.
تتحوّل ملامح وجه الراقص الوسيم إلى ابتسامة متعبة، وعندها فقط أدرك كم هي واهنة ذراعه الميتة — انها أنحل من ذراعه اليمنى القوية، ومنحنية كجذر زهرة. لكن على الرغم من الطرف الذابل، الا أن الراقص يمتلك تهديدا مجنونا، وهو نوع أقلّ وضوحًا من ذلك الموجود في هارموني. يظهر ذلك عندما أضحك منه، عندما أزدريه وأزدري أحلامه.
تتحوّل ملامح وجه الراقص الوسيم إلى ابتسامة متعبة، وعندها فقط أدرك كم هي واهنة ذراعه الميتة — انها أنحل من ذراعه اليمنى القوية، ومنحنية كجذر زهرة. لكن على الرغم من الطرف الذابل، الا أن الراقص يمتلك تهديدا مجنونا، وهو نوع أقلّ وضوحًا من ذلك الموجود في هارموني. يظهر ذلك عندما أضحك منه، عندما أزدريه وأزدري أحلامه.
“مخبرونا موجودون لتزويدنا بالمعلومات ومساعدتنا في العثور على المتميّزين حتى نتمكّن من استخلاص أفضل ما في الحمر من المناجم”.
يشخر الراقص قائلًا: “ذلك السكّير؟”. “أفضل ما فعله هو إخبارنا عنك. وكان يجب أن يفعل ذلك عندما كنت طفلًا، لكنّه أبقى أمرك سرًّا. لقد عمل مخبرًا لصالحنا منذ ما قبل وفاة والدك، هل تعلم؟”.
“حتى تتمكّنوا من استخدامنا”.
قال الراقص: “نعم، هذا مهمٌّ”. ثم وضع يده على كتفي. وقال: “لكنّ يمكن لهذا أن ينتظر. أنا مندهش من أنّك ما زلت واقفًا. الجروح التي على ظهرك ملوّثة، وستحتاج إلى مضاد للبكتيريا ومجدّد للبشرة للحد من تشكل الندوب”.
يبتسم الراقص ابتسامة متكلّفة ويرفع الوعاء من على السرير. “سنلعب لعبة لنرى ما إذا كنت أحد هؤلاء المتميّزين يا دارو. إذا فزت، سآخذك لترى شيئًا لم يره سوى القليل من الحمر الدونيين”.
تبقى صامتة وهي ترشدني بعيدًا عن الآخرين عبر ممرّات معدنية ضيّقة إلى باب صغير يُفتح بلفّ مقبض. يتردّد صدى أقدامنا بين الممرّات الصدئة. الغرفة صغيرة ومليئة بالطاولات والمستلزمات الطبّية. تطلب منّي خلع ملابسي والجلوس على إحدى الطاولات الباردة حتى تتمكّن من تنظيف جروحي.
الحمر الدونيون. لم أسمع بهذا المصطلح من قبل.
بعد أن أصبح نظيفًا، أرتدي الملابس الغريبة التي وضعوها لي. إنّها ليست بذلة عمل أو نسيجًا منزليّ الصنع كما اعتدت أن أرتدي. القماش أنيق وراقٍ، كأنّه شيء يرتديه شخص من لون مختلف.
“وإذا خسرت؟”.
“سيملأني. ساعدني في قتل الحاكم الأعلى “.
“إذًا أنت لست متميّزًا، وسيفوز الذهبيون مرّة أخرى”.
أسأل: ” وما الغرض منك اذن؟”.
أجفل عند سماع هذه الفكرة.
تثاءبت هارموني قائلة: “الشهداء كُثُر ولا قيمة لهم”.
يمدّ وعاءً ويشرح القواعد. “هناك بطاقتان في الوعاء. إحداهما تحمل منجل الحاصد. والأخرى عليها حمَل. اختر المنجل وستخسر. اختر الحمَل وستفوز”. إلّا أنّني ألاحظ تغيّرًا في نبرة صوته عندما يقول هذه الجملة الأخيرة. هذا اختبار. ممّا يعني أنّه لا مجال للحظّ فيه.
يبتسم الراقص بهدوء لها “آه”. “بالطبع خمّن ذلك، وإلّا لما طلب منّا آريس المخاطرة بإخراجه إلى هنا. هل تعرف أين ‘هنا’ يا دارو؟”
إذًا يجب أن يكون لقياس نسبة ذكائي، ممّا يعني أنّ هناك خدعة ما. الطريقة الوحيدة التي يمكن للعبة أن تختبر بها ذكائي هي إذا كانت كلتا البطاقتين تحملان منجلًا. هذا هو المتغيّر الوحيد الذي يمكن التلاعب به. بسيط. أحدّق في عيني الراقص الوسيمتين. إنّها لعبة مغشوشة، وقد اعتدت على مثل هذه الألعاب، وعادة ما أتّبع القواعد. لكن ليس هذه المرّة.
“قلت أنّني سأمنحك العدالة. الانتقام شيء فارغ يا دارو”.
“سألعب”.
تثاءبت هارموني قائلة: “الشهداء كُثُر ولا قيمة لهم”.
أمدّ يدي في الوعاء وأسحب بطاقة، وأحرص على ألّا يرى وجهها أحد سواي. إنّه منجل. لا تزيغ عينا الراقص عنّي.
أقول وأنا أحدّق في قطرتي الدم اللتين تسيلان من طرف قميصي على الأرض: “الندوب لا تهمّ”. لقد انفتحت جروحي عندما خرجت من القبر. أسأل: “إيو… ماتت، أليس كذلك؟”
أقول: “لقد فزت”.
يمدّ وعاءً ويشرح القواعد. “هناك بطاقتان في الوعاء. إحداهما تحمل منجل الحاصد. والأخرى عليها حمَل. اختر المنجل وستخسر. اختر الحمَل وستفوز”. إلّا أنّني ألاحظ تغيّرًا في نبرة صوته عندما يقول هذه الجملة الأخيرة. هذا اختبار. ممّا يعني أنّه لا مجال للحظّ فيه.
يمدّ يده نحو البطاقة ليرى وجهها، لكنّني أدفعها في فمي قبل أن يتمكّن من إمساكها. لم يرَ أبدًا ما سحبته. يراقبني الراقص وأنا أمضغ الورقة. أبتلعها وأسحب البطاقة المتبقّية من الوعاء وأرميها إليه. إنّه منجل.
تبصق هارموني علي من خلف الراقص قائلة: “كانت فتاتك حالمة يا فتى”. “لا قيمة لها كشعلة فوق الماء…”.
أقول: “بطاقة الحمل بدت شهيّة جدًّا لدرجة أنّني لم أستطع مقاومة أكلها”.
أزمجر: “اسمها إيو”. “وهي تنتمي إلى ليكوس”.
“مفهوم تمامًا”.
“ببساطة لم نستطع”.
يلمع اللون الأحمر في عينيه ويضع الوعاء جانبًا. تعود إليه دفء شخصيّته، وكأنّه لم يكن أبدًا مصدر تهديد.
“شيء من هذا القبيل. يفضّل الذهبيون أن ننسى التاريخ. ومعظمنا قد نسيه، أو لم نتعلّمه أبدًا. لكنّني أعرف كيف صعد الذهبيون إلى السلطة منذ مئات السنين. يسمّونها بالغزو. لقد ذبحوا كلّ من عارضهم. ذبحوا مدنًا وقارّات. قبل سنوات ليست ببعيدة، حوّلوا عالمًا بأكمله إلى رماد — ريا. لقد قصفه سيد الرماد نوويًّا حتى أُبيد. لقد استمدوا تصرفاتهم من غضب آريس. والآن نحن أبناء ذلك الغضب”.
“هل تعلم لماذا نطلق على أنفسنا أبناء آريس يا دارو؟ بالنسبة للرومان، كان مارس إله الحرب — إله المجد العسكري، والدفاع عن المواقد والبيوت. مع أنه رجل شريف وما إلى ذلك. لكن مارس محتال. إنّه نسخة رومانسية من الإله اليوناني آريس”.
“لما لا؟”. كررت سؤالي بنبرة حادة، محدقًا به وبأتباعه، ومشددًا على كل كلمة. “لقد أنقذتموني، كان بإمكانكم إنقاذها. انها الشخص الذي كنتم ترغبون به. الشهيدة اللعينة. لقد اهتمّت بكلّ هذا. أم أنّ آريس يحتاج إلى الأبناء فقط، لا البنات؟”
يشعل الراقص لفافة تبغ ويعطيني واحدة أخرى. تبدأ المولّدات الكهربائية في الطنين من جديد، وتملأني لفافة التبغ بضباب مماثل بينما يتصاعد دخانها عبر رئتي.
يلمع اللون الأحمر في عينيه ويضع الوعاء جانبًا. تعود إليه دفء شخصيّته، وكأنّه لم يكن أبدًا مصدر تهديد.
يقول: “كان آريس وغدًا، راعيًا شرّيرًا للغضب والعنف وسفك الدماء والمذابح”.
أقول: “بطاقة الحمل بدت شهيّة جدًّا لدرجة أنّني لم أستطع مقاومة أكلها”.
“إذًا بتسمية أنفسكم باسمه، أنتم تشيرون إلى حقيقة الأشياء داخل المجتمع. لطيف”.
غرضها. تبدو الكلمة غير مبالية، بعيدة وحزينة، وكأنّ فتاتي ذات الابتسامات والضحكات لم تُخلَق لشيء سوى الموت. كلمات هارموني تم نقشها في روحي ، أحدّق في الشبكة المعدنية قبل أن ألتفت لأنظر في عينيها الغاضبتين.
“شيء من هذا القبيل. يفضّل الذهبيون أن ننسى التاريخ. ومعظمنا قد نسيه، أو لم نتعلّمه أبدًا. لكنّني أعرف كيف صعد الذهبيون إلى السلطة منذ مئات السنين. يسمّونها بالغزو. لقد ذبحوا كلّ من عارضهم. ذبحوا مدنًا وقارّات. قبل سنوات ليست ببعيدة، حوّلوا عالمًا بأكمله إلى رماد — ريا. لقد قصفه سيد الرماد نوويًّا حتى أُبيد. لقد استمدوا تصرفاتهم من غضب آريس. والآن نحن أبناء ذلك الغضب”.
نقف في غرفة ذات تصميم غريب، لا تشبه أي شيء تخيّلته. هناك مادة تحت أقدامنا، صلبة ولكنّها ليست معدنًا ولا صخرًا. خشب. أعرفه من صور الأرض في مكعب العرض المجسّم. تفترش فوقه سجّادة ذات ألف لون، انها ناعمة تحت قدمي. الجدران المحيطة مكونة من خشب أحمر، منقوشة بأشجار وغزلان. موسيقى هادئة تعزف من بعيد. أتبع اللحن أعمق داخل الغرفة، باتّجاه الضوء.
أسأل بصوت خافت: “هل أنت آريس؟”. عوالم. لقد دمّروا عوالم. لكن ريا أبعد كثيرًا عن الأرض من المريخ. إنّه أحد أقمار زحل على ما أعتقد. لماذا يقصفون عالمًا بعيدا كهذا بسلاح نووي؟.
يتوقّف مصعدنا ونخرج إلى نفق صغير. نتّبعه ونصل إلى مصعد آخر من معدن أكثر أناقة وأفضل صيانة. يحرسه اثنان من أبناء آريس ومعهما حراقات. وسرعان ما نرتفع إلى الأعلى مرّة أخرى.
يجيب: “لا. أنا لست آريس”.
أمدّ يدي في الوعاء وأسحب بطاقة، وأحرص على ألّا يرى وجهها أحد سواي. إنّه منجل. لا تزيغ عينا الراقص عنّي.
“لكنّك تنتمي إليه”.
“هي لن تعود، لكن جمالها وصوتها سيتردّدان حتى نهاية الزمان. لقد آمنت بشيء يتجاوز نفسها، وموتها أعطى صوتها قوة لم تكن تملكها عندما كانت على قيد الحياة. كانت نقيّة، مثل والدك. نحن، أنت وأنا” — يلامس صدري بظهر سبّابته — “قذران. لقد خُلقنا للدماء. أيادي خشنة. قلوب قذرة. نحن مخلوقات أدنى في المخطّط الكبير للأشياء، لكن بدوننا نحن رجال الحرب، لن يسمع أحد سوى أهل ليكوس أغنية إيو. بدون أيادينا الخشنة، لن تُبنَى أحلام أصحاب القلوب النقيّة أبدًا” .
“لا أنتمي لأحد سوى هارموني وشعبي. أنا مثلك يا دارو، وُلدت في عشيرة من حفّاري الأرض، عمّال مناجم من مستوطنة تايروس. الفرق الوحيد هو أنّني أعرف المزيد عن العالم”. يقطّب جبينه عند رؤية التعابير التي تدل على نفاد صبري. “تظنّني إرهابيًّا. أنا لست كذلك”.
أقول وأنا أحدّق في قطرتي الدم اللتين تسيلان من طرف قميصي على الأرض: “الندوب لا تهمّ”. لقد انفتحت جروحي عندما خرجت من القبر. أسأل: “إيو… ماتت، أليس كذلك؟”
أسأل: “ألست كذلك؟”.
أسأل: ” وما الغرض منك اذن؟”.
يميل إلى الخلف ويسحب نفسًا من لفافة تبغه. يشرح: “تخيّل وجود طاولة مغطّاة بالبراغيث”. “تقفز البراغيث وتقفز إلى ارتفاعات غير معروفة. ثم يأتي رجل ويقلب جرة زجاجية فوق البراغيث. تقفز البراغيث وتصطدم بسقف الوعاء ولن تستطيع الذهاب أبعد. ثمّ يرفع الرجل الوعاء، ومع ذلك لا تقفز البراغيث أعلى ممّا اعتادت عليه، لأنّها تعتقد أنّه لا يزال هناك سقف زجاجيّ”.
“مفهوم تمامًا”.
يزفر دخانًا. أرى عينيه تتوهّجان من خلاله مثل طرف لفافة تبغه المتوهّجة. “نحن البراغيث التي تقفز عاليًا. والآن دعني أريك إلى أي مدى”.
أزمجر: “اسمها إيو”. “وهي تنتمي إلى ليكوس”.
يأخذني الراقص إلى أسفل ممرّ متهالك إلى مصعد معدني أسطواني. إنّه شيء صدئ وثقيل يصدر صريرًا بينما نرتفع باطّراد نحو الأعلى.
“سألعب”.
“يجب أن تعلم أنّ زوجتك لم تمت عبثًا يا دارو. لقد اخترق الخضر الذين يساعدوننا البثّ. لقد اقتحمناه وبثثنا النسخة الحقيقية على كلّ مكعب عرض مجسّم على كوكبنا. لقد سمع الكوكب، وعشائر مئة ألف مستوطنة تعدين، وأولئك الذين في المدن، أغنية زوجتك”.
“عمّي هو من أنقذ حياتي” أقول.
أتذمّر قائلًا: “أنت تروي قصصًا خيالية”. “لا يوجد نصف هذا العدد من المستوطنات “.
إذًا يجب أن يكون لقياس نسبة ذكائي، ممّا يعني أنّ هناك خدعة ما. الطريقة الوحيدة التي يمكن للعبة أن تختبر بها ذكائي هي إذا كانت كلتا البطاقتين تحملان منجلًا. هذا هو المتغيّر الوحيد الذي يمكن التلاعب به. بسيط. أحدّق في عيني الراقص الوسيمتين. إنّها لعبة مغشوشة، وقد اعتدت على مثل هذه الألعاب، وعادة ما أتّبع القواعد. لكن ليس هذه المرّة.
يتجاهلني. “لقد سمعوا أغنيتها ويطلقون عليها اسم بيرسيفوني بالفعل”.
إن وجدتم أيّ أخطاء لغوية أو إملائية أو نحوية أو صرفية أو غيرها، فلا تترددوا في الإشارة إليها في قسم التعليقات. ملاحظاتكم محل تقدير كبير، وتساعدني على تقديم عمل أدق وأفضل جودة. شكرًا لقراءتكم واهتمامكم!
أجفل وألتفت إليه. لا. هذا ليس اسمها. انها ليست رمزهم. انها لا تنتمي إلى هؤلاء اللصوص ذوي الأسماء المنمّقة.
“لما لا؟”. كررت سؤالي بنبرة حادة، محدقًا به وبأتباعه، ومشددًا على كل كلمة. “لقد أنقذتموني، كان بإمكانكم إنقاذها. انها الشخص الذي كنتم ترغبون به. الشهيدة اللعينة. لقد اهتمّت بكلّ هذا. أم أنّ آريس يحتاج إلى الأبناء فقط، لا البنات؟”
أزمجر: “اسمها إيو”. “وهي تنتمي إلى ليكوس”.
“حتى تتمكّنوا من استخدامنا”.
“إنها تنتمي إلى شعبها الآن يا دارو. وهم يتذكّرون الحكايات القديمة عن إلهة سرقت من عائلتها على يد إله الموت. ومع ذلك، حتى عندما سُرقت، لم يستطع الموت الاحتفاظ بها إلى الأبد. كانت العذراء، إلهة الربيع التي قُدّر لها أن تعود بعد كلّ شتاء. الجمال المتجسّد يمكن أن يلامس الحياة حتى من القبر؛ هكذا يفكّرون في زوجتك”.
أقول لإنهاء المحادثة: “هي لن تعود”. من العبث الجدال مع هذا الرجل. إنه يستمرّ في الحديث وحسب.
“هل شنقوه الآن؟”.
يتوقّف مصعدنا ونخرج إلى نفق صغير. نتّبعه ونصل إلى مصعد آخر من معدن أكثر أناقة وأفضل صيانة. يحرسه اثنان من أبناء آريس ومعهما حراقات. وسرعان ما نرتفع إلى الأعلى مرّة أخرى.
“لكنّك تنتمي إليه”.
“هي لن تعود، لكن جمالها وصوتها سيتردّدان حتى نهاية الزمان. لقد آمنت بشيء يتجاوز نفسها، وموتها أعطى صوتها قوة لم تكن تملكها عندما كانت على قيد الحياة. كانت نقيّة، مثل والدك. نحن، أنت وأنا” — يلامس صدري بظهر سبّابته — “قذران. لقد خُلقنا للدماء. أيادي خشنة. قلوب قذرة. نحن مخلوقات أدنى في المخطّط الكبير للأشياء، لكن بدوننا نحن رجال الحرب، لن يسمع أحد سوى أهل ليكوس أغنية إيو. بدون أيادينا الخشنة، لن تُبنَى أحلام أصحاب القلوب النقيّة أبدًا” .
يأخذني الراقص إلى أسفل ممرّ متهالك إلى مصعد معدني أسطواني. إنّه شيء صدئ وثقيل يصدر صريرًا بينما نرتفع باطّراد نحو الأعلى.
أقاطعه: “ادخل في صلب الموضوع”. “تريد منّي شيئًا”.
أسأل: “ألست كذلك؟”.
يقول الراقص: “لقد حاولت الموت من قبل”. “هل تريد أن تفعل ذلك مرّة أخرى؟”.
أقول: “لقد فزت”.
“أريد…” ماذا أريد؟.
تبقى صامتة وهي ترشدني بعيدًا عن الآخرين عبر ممرّات معدنية ضيّقة إلى باب صغير يُفتح بلفّ مقبض. يتردّد صدى أقدامنا بين الممرّات الصدئة. الغرفة صغيرة ومليئة بالطاولات والمستلزمات الطبّية. تطلب منّي خلع ملابسي والجلوس على إحدى الطاولات الباردة حتى تتمكّن من تنظيف جروحي.
“أريد أن أقتل أغسطس”. أقولها وأنا أتذكّر وجه ذلك الذهبي البارد وهو يأمر بقتل زوجتي. كان بعيدًا جدًّا، غير مبالٍ. “هو لن يعيش بينما إيو ميتة”. أفكّر في القاضي بودجينوس ودان القبيح. سأقتلهما أيضًا.
أقول: “تتصرّف وكأنّ عمّي اللعين مدين لك بشيء ما”.
يتنهّد قائلًا: “الانتقام إذًا”.
“إذًا أنت لست متميّزًا، وسيفوز الذهبيون مرّة أخرى”.
“لقد أخبرتني أنّ بوسعك أن تمنحني إيّاه”.
أبصق عليهم وأهزّ هارموني مرة واحدة ثمّ أرميها جانبًا. تجثو على الأرض وهي تسعل، ثمّ يلمع سكين في يدها بينما تنهض. يتعثّر الراقص ويقف بيننا “توقّفا! كلاكما! دارو، أرجوك!”.
“قلت أنّني سأمنحك العدالة. الانتقام شيء فارغ يا دارو”.
“أريد…” ماذا أريد؟.
“سيملأني. ساعدني في قتل الحاكم الأعلى “.
“إذًا بتسمية أنفسكم باسمه، أنتم تشيرون إلى حقيقة الأشياء داخل المجتمع. لطيف”.
“دارو، أنت تضع نصب عينيك هدفًا متدنيًا جدًّا”. يزداد المصعد سرعة. تطقطق أذناي. إلى الأعلى والأعلى والأعلى. إلى أي مدى سيرتفع هذا المصعد؟
ترفع يديها الملطّختين بالتراب والدم. “نفس غرضك يا غطّاس الجحيم الصغير. جعل الحلم يصبح حقيقة”.
“الحاكم الأعلى هو مجرّد واحد من أهمّ الذهبيين على المريخ”.
صوتي يقطر بالاستعلاء. “حمقى لا يستطيعون فعل شيء سوى تفجير الأشياء. مثل الأطفال الذين يركلون أعشاش أفاعي الحفر في نزوة غضب”.
يعطيني الراقص زوجًا من النظّارات الملوّنة. أرتديها بتردّد بينما يدقّ قلبي في صدري. نحن نتّجه إلى السطح. “يجب عليك أن توسّع من مداركك”.
تبصق هارموني علي من خلف الراقص قائلة: “كانت فتاتك حالمة يا فتى”. “لا قيمة لها كشعلة فوق الماء…”.
يتوقّف المصعد. تفتح الأبواب. ولا أستطيع رؤية أي شيء. خلف النظّارات، تضيق حدقتا عيني للتكيّف مع الضوء. عندما أتمكّن أخيرًا من فتح عيني، أتوقّع رؤية مصباح متوهّج ضخم أو شعلة، مصدر للضوء. لكنّني لا أرى شيئًا. الضوء منتشر، من مصدر بعيد مستحيل.
أسأل بصوت خافت: “هل أنت آريس؟”. عوالم. لقد دمّروا عوالم. لكن ريا أبعد كثيرًا عن الأرض من المريخ. إنّه أحد أقمار زحل على ما أعتقد. لماذا يقصفون عالمًا بعيدا كهذا بسلاح نووي؟.
شيءٌ في داخلي، غريزة بشرية تعرف هذه الطاقة، هذا الأصل البدائي للحياة. الشمس. ضوء النهار. ترتجف يداي وأخطو مع الراقص خارج المصعد. انه لا يتكلّم. أشكّ في أنّني كنت سأسمعه حتى لو فعل.
“الحاكم الأعلى هو مجرّد واحد من أهمّ الذهبيين على المريخ”.
نقف في غرفة ذات تصميم غريب، لا تشبه أي شيء تخيّلته. هناك مادة تحت أقدامنا، صلبة ولكنّها ليست معدنًا ولا صخرًا. خشب. أعرفه من صور الأرض في مكعب العرض المجسّم. تفترش فوقه سجّادة ذات ألف لون، انها ناعمة تحت قدمي. الجدران المحيطة مكونة من خشب أحمر، منقوشة بأشجار وغزلان. موسيقى هادئة تعزف من بعيد. أتبع اللحن أعمق داخل الغرفة، باتّجاه الضوء.
يبتسم الراقص بهدوء لها “آه”. “بالطبع خمّن ذلك، وإلّا لما طلب منّا آريس المخاطرة بإخراجه إلى هنا. هل تعرف أين ‘هنا’ يا دارو؟”
أجد جدارًا من الزجاج، جدارًا كبيرًا يسمح بدخول أشعة الشمس لتشرق على طول آلة سوداء قصيرة ذات مفاتيح بيضاء، تعزف من تلقاء نفسها في غرفة طويلة ذات ثلاثة جدران وصف طويل من النوافذ الزجاجية. كلّ شيء كان أملسًا. خلف الآلة، خلف الزجاج، يكمن شيء لا أفهمه. أتعثّر نحو النافذة، نحو الضوء، وأسقط على ركبتي، وأضغط يدي على الحاجز. أطلق أنينًا طويلًا.
تقول وهي تكشط صخرة من جرح عميق: “أنت أحمق”. ألهث من الألم وأحاول قول شيء ما، لكنّها تغرز إصبعها في ظهري، قاطعةً كلامي. “الحالمون مثل زوجتك محدودون يا غطّاس الجحيم الصغير”. تتأكّد من أنّني لا أتكلّم. “افهم ذلك. القوة الوحيدة التي يملكونها تكمن في الموت. كلّما كان موتهم أصعب، كان صوتهم أعلى، وصداه أعمق. لكنّ زوجتك قد أدّت غرضها”.
يقول الراقص: “الآن فهمت”. “لقد خُدعنا”.
يقول: “كان آريس وغدًا، راعيًا شرّيرًا للغضب والعنف وسفك الدماء والمذابح”.
خلف الزجاج تمتدّ مدينة.
يميل إلى الخلف ويسحب نفسًا من لفافة تبغه. يشرح: “تخيّل وجود طاولة مغطّاة بالبراغيث”. “تقفز البراغيث وتقفز إلى ارتفاعات غير معروفة. ثم يأتي رجل ويقلب جرة زجاجية فوق البراغيث. تقفز البراغيث وتصطدم بسقف الوعاء ولن تستطيع الذهاب أبعد. ثمّ يرفع الرجل الوعاء، ومع ذلك لا تقفز البراغيث أعلى ممّا اعتادت عليه، لأنّها تعتقد أنّه لا يزال هناك سقف زجاجيّ”.
……
أقول: “بطاقة الحمل بدت شهيّة جدًّا لدرجة أنّني لم أستطع مقاومة أكلها”.
لمن تابع معنا حتى هنا واعجبته القصة فليترك تعليقا على صفحة الرواية الرئيسية فذلك يشجعني كي استمر.
يمدّ يده نحو البطاقة ليرى وجهها، لكنّني أدفعها في فمي قبل أن يتمكّن من إمساكها. لم يرَ أبدًا ما سحبته. يراقبني الراقص وأنا أمضغ الورقة. أبتلعها وأسحب البطاقة المتبقّية من الوعاء وأرميها إليه. إنّه منجل.
غدا وبعد غد استراحة لذا لن تكون هناك فصول.
“يجب أن تعلم أنّ زوجتك لم تمت عبثًا يا دارو. لقد اخترق الخضر الذين يساعدوننا البثّ. لقد اقتحمناه وبثثنا النسخة الحقيقية على كلّ مكعب عرض مجسّم على كوكبنا. لقد سمع الكوكب، وعشائر مئة ألف مستوطنة تعدين، وأولئك الذين في المدن، أغنية زوجتك”.
إن وجدتم أيّ أخطاء لغوية أو إملائية أو نحوية أو صرفية أو غيرها، فلا تترددوا في الإشارة إليها في قسم التعليقات. ملاحظاتكم محل تقدير كبير، وتساعدني على تقديم عمل أدق وأفضل جودة. شكرًا لقراءتكم واهتمامكم!
أبصق عليهم وأهزّ هارموني مرة واحدة ثمّ أرميها جانبًا. تجثو على الأرض وهي تسعل، ثمّ يلمع سكين في يدها بينما تنهض. يتعثّر الراقص ويقف بيننا “توقّفا! كلاكما! دارو، أرجوك!”.
ترجمة [Great Reader]
يبتسم الراقص ابتسامة متكلّفة ويرفع الوعاء من على السرير. “سنلعب لعبة لنرى ما إذا كنت أحد هؤلاء المتميّزين يا دارو. إذا فزت، سآخذك لترى شيئًا لم يره سوى القليل من الحمر الدونيين”.
أبصق عليهم وأهزّ هارموني مرة واحدة ثمّ أرميها جانبًا. تجثو على الأرض وهي تسعل، ثمّ يلمع سكين في يدها بينما تنهض. يتعثّر الراقص ويقف بيننا “توقّفا! كلاكما! دارو، أرجوك!”.
