الفصل المئة وتسعة: قصر شياوياو والمبجّل السماوي بودو
شهدت مقاطعة تشي نان، وهي أشد المقاطعات التسع في الأراضي الجنوبية قسوةً، مناخًا أسوأ حتى من مقاطعة شياننان. فكانت الرياح العاتية تهب فيها بين حين وآخر، وتجتاح المحاصيل الهزيلة التي بالكاد تنمو في تربتها الفقيرة.
ولولا مرور أحد فروع نهر شيا العظيم عبر مقاطعة تشي نان، لما عادت المنطقة صالحة لسكن الناس منذ زمن، ولما بقيت الأراضي الجنوبية مقسمة إلى تسع مقاطعات.
مسح جويي بان شي العرق عن وجهه، وقد ارتسمت على ملامحه الحيرة والشك، ثم قال:
«سيدي، يقيم قصر شياوياو في مقاطعة تشي نان منذ زمن طويل. فهل كان فعلًا على صلة بتمرد شيان ووتشانغ؟ أم تُرى أن الأمير شيانغ ذكره ليتنصل من مسؤوليته؟»
كان مناخ هذه المنطقة قاسيًا حتى على شخص مثله، بلغ عالم اندفاع التشي. وبالنظر إلى قدرة قصر شياوياو على البقاء في مكان بهذه المشقة، كان يصعب عليه أن يتصور أن أهله يضمرون كل تلك المطامع والمخططات.
ابتسم فانغ تشين ابتسامة خفيفة وقال:
«ليس لدى الأمير شيانغ مسؤولية كبيرة يتنصل منها. وسواء ذكر قصر شياوياو أم لم يذكره، فلن يتغير الأمر كثيرًا بالنسبة إليه. لقد ذكر القصر لأنه أراد أن يضع نهاية لهذه المسألة، حتى لا يعود القصر مستقبلًا إلى إثارة الفتن والتسبب في مزيد من الاضطرابات.»
ثم تابع:
«كان جدي قد أدرك منذ سنوات أن ثمة ما يثير الريبة في قصر شياوياو. وبعد أعوام من التحري، صار لدينا تصور عن أصل هذا القصر.»
أصل قصر شياوياو!
لم يستطع جويي بان شي منع نفسه من النظر إلى الطريق الجبلي غير البعيد. ففي نهايته يقع المقر الرئيسي لقصر شياوياو، وهو مكان يصعب على عامة الناس العثور عليه أصلًا.
فما أصل هذا القصر يا ترى؟
قال فانغ تشين وهو يتجه صعودًا إلى الجبل:
«ليسوا سوى بقايا أسرة حاكمة من إمبراطورية ما. انتهى بهم المطاف إلى شيا العظمى، وظلوا كامنين سنوات طويلة، ولم يكن غرضهم إلا اتخاذها قاعدةً لاستعادة دولتهم.»
تبادل جويي بان شي والآخرون نظرات مذهولة، وارتسمت في أعينهم دهشة ممزوجة بالرهبة. لم يتخيلوا قط أن وراء قصر شياوياو أصلًا كهذا!
وبعد نحو ربع ساعة، وصلوا إلى معبد طاوي تتصاعد من داخله خيوط الدخان العطرة. وكانت مبانيه الشامخة تبعث في النفس شعورًا بالوقار والهيبة.
قال جويي بان شي:
«سأطرق الباب.»
وهمّ بالتقدم، لكن فانغ تشين أشار إليه برفق أن يتوقف.
«لا داعي إلى طرق الباب. لا أحد هنا. لندخل ونلقِ نظرة.»
لا أحد هنا!
هل غادر أهل قصر شياوياو جميعًا؟
ارتسمت على وجه جويي بان شي مسحة من الحيرة. لم يكن يتوقع أن يتصرف القصر بهذه السرعة؛ فحتى لو وصلت إليه أخبار قدومهم، لاحتاج نقل الرسالة والعودة وقتًا.
وليتحقق من ظنه، وجّه ضربة بكفه فحطّم الباب، ثم دخل مع رجاله. وبعد أن تجولوا في أرجاء المكان، تأكدوا من خلوه تمامًا من البشر. لم يكن يُسمع في الأرجاء سوى زقزقة الطيور، فيما خيّم الصمت على كل ما عداها.
ازدادت نظرات كثير من حرس السيف الشجاع إلى فانغ تشين احترامًا. فقد اكتفى بالوقوف خارج الباب لحظةً حتى عرف أن المكان خالٍ؛ وكانت قدرة كهذه تتجاوز ما اعتادوه.
تقدم جويي بان شي إلى القاعة الأمامية، فوجد فانغ تشين واقفًا أمام تمثال المبجّل السماوي بودو، يتأمله بصمت. فاقترب منه وخفض صوته قائلًا:
«سيدي، لقد تأكدت من أن قصر شياوياو خالٍ تمامًا. لم يبقَ فيه أحد، ويبدو أنهم غادروا جميعًا.»
مرّت بضع لحظات، لكن فانغ تشين لم يجبه. ظل يحدق في التمثال دون أن ينبس بكلمة، فشعر جويي بان شي بشيء من الحرج. وأشار إلى رجاله أن يتولوا حراسة زوايا القاعة، ثم وقف جانبًا ينتظر بهدوء.
لكن ما لم يكن جويي بان شي يعلمه هو أن الروح السماوية لفانغ تشين كانت قد انفصلت عن جسده، وصارت معلقة في الهواء. وكان فانغ تشين ينظر إلى التمثال بدهشة بالغة.
فقد بدا التمثال، الذي لم يكن قبل لحظات سوى تمثال عادي، مختلفًا تمامًا في عينيه. كان يشع بوهج ذهبي خافت، وتتجه إليه خيوط بيضاء مرئية بالعين المجردة من جهات شتى، لتتدفق باستمرار إلى داخله.
«أيمكن أن تكون هذه قوة البخور التي يستمدها من عامة شعب شيا العظمى؟ أحقًا توجد قوة البخور هذه في عالمنا؟»
غمره الذهول وهو يتأمل المشهد.
ولو كانت هذه الخيوط البيضاء فعلًا قوة البخور، فهل يعني ذلك أن المبجّل السماوي بودو موجود حقًا؟ أهناك بالفعل كائن من هذا النوع سيادي أو خالد؟
وبينما كان غارقًا في دهشته، حدث ما هو أعجب.
تحركت عينا تمثال المبجّل السماوي بودو ببطء، ثم استقرتا على فانغ تشين!
«أيها الرفيق في طريق الزراعة، أأنت من أصحاب انبثاق الروح؟»
انطلق صوت المبجّل السماوي بودو ببطء.
لكنه ما لبث أن غيّر نبرته، وقد تسلل الشك إلى صوته:
«لا، ليس في جسدك سوى خمسة أوردة خالدة! أنت في المستوى الخامس من تنقية التشي فحسب!»
ثم تابع، وقد ازداد استغرابه:
«روحك قوية على نحو غير مألوف. هل تناولت في صغرك دواءً روحيًا من الدرجة المقدسة، مما ورد اسمه في قائمة الأدوية الروحية؟»
كبح فانغ تشين دهشته، وحاول أن يحافظ على هدوئه قدر الإمكان. لم تكن هذه أول مرة يواجه فيها أمرًا كهذا؛ فقد لاحظ الشيخ يون هي من قبل قوة روحه الاستثنائية أيضًا.
قال بصوت ينم عن شيء من الاحترام:
«أأنت المبجّل السماوي بودو؟»
«نعم، أنا المبجّل السماوي بودو نفسه.»
أصبح صوته أكثر صفاءً، وارتفعت نبرته حتى بدت مفعمة بالتعالي. ثم تفحص فانغ تشين من أعلى إلى أسفل وقال:
«لم أكن أتوقع أن يظهر في دولة تعبدني شخص مثلك، مختلف عن سائر الناس. أخبرني، ما الدواء الروحي الذي تناولته في صغرك؟»
ضم فانغ تشين قبضته إلى كفه تحيةً وقال:
«لم أتناول أي دواء روحي أيها المبجّل.»
«لم تتناول شيئًا.»
تسللت نبرة الشك إلى صوت المبجّل السماوي بودو. وبعد لحظات، بدا أنه قرر ألا يتعمق في الأمر، فقال بفتور:
«يبدو أن حظ الدولة التي تعيش فيها من الحظوة السماوية ليس قويًا؛ فهي لا تتجاوز المرتبة التاسعة. ومع ذلك، فإن ظهور مزارع مثلك فيها أمر نادر. يمكنك أن تُعدّ من رعاياي الخالدين، وبما أن لقاءنا اليوم قد جمعنا على غير موعد، فسأمنحك طريقةً للزراعة. فاحرص على ممارستها كما ينبغي.»
وبينما كان يتكلم، رفع المبجّل السماوي بودو يده ببطء، وأطلق علامة غير مرئية. وفي الحال، ظهرت في ذهن فانغ تشين طريقة للزراعة، وهي أيضًا من طرق تنقية التشي، وتمتد مستوياتها من المستوى الأول إلى المستوى الثاني عشر.
ثم قال المبجّل السماوي بودو:
«وسأمنحك كذلك مئة حجر روحي منخفض الدرجة.»
وأطلق علامة أخرى، فظهرت في ذهن فانغ تشين خريطة.
«اذهب إلى المكان المحدد على الخريطة، وستجد فيه مئة حجر روحي منخفض الدرجة. لكن بمستوى زراعتك الحالي، سيكون الوصول إليه صعبًا عليك. انتظر حتى تبلغ المستوى الثاني عشر من تنقية التشي، ثم فكّر في الذهاب.»
قال ذلك بنبرة هادئة.
ألقى فانغ تشين نظرة على الخريطة التي ظهرت في ذهنه. لم تكن كاملة، لكنها أشارت بالفعل إلى موقع محدد. غير أن اسم المكان لم يكن مألوفًا لديه؛ فقد كان يُدعى «غوي هان».
لكن حين دقق في التضاريس والجبال المحيطة بالموقع، انتفض قلبه دهشةً. فقد اتضح أن غوي هان يقع بالقرب من مملكة هانشوي!
قال المبجّل السماوي بودو:
«حسنًا، لا يمكنني البقاء طويلًا في عالم البشر. إلى اللقاء. وإذا صادفت تمثالي مرة أخرى في المستقبل، وكان لديك سؤال يتعلق بالزراعة، فيمكنك إخراج روحك ومخاطبتي.»
وما إن أنهى كلامه حتى عاد تمثال المبجّل السماوي بودو تدريجيًا إلى هيئته المعتادة.
لكن ما بقي في ذاكرة فانغ تشين أكد له أن ما رآه لم يكن وهمًا.
أعاد روحه إلى جسده فورًا، ثم التفت إلى جويي بان شي وقال:
«لنغادر.»
أهذا كل شيء؟ هل سيغادرون بهذه البساطة؟
شعر جويي بان شي بشيء من الذهول، لكنه تبع فانغ تشين من دون اعتراض.
وبعد أن نزلوا الجبل، استدار فانغ تشين وألقى نظرة على المكان الذي يقع فيه قصر شياوياو. كانت عيناه تنمان عن الحذر والريبة.
مزارع يتظاهر بأنه سيادي أيكون شخص كهذا من أهل الخير؟
كان الشيخ يون هي قد قال له من قبل إنه لا يعرف حتى ما إذا كان هناك خالدون حقًا في هذا العالم. أما المبجّل السماوي بودو، فقد كشف عن هويته بنفسه منذ أن خاطبه بقوله: «أيها الرفيق في طريق الزراعة، أأنت من أصحاب انبثاق الروح؟»
وبالمقارنة مع الشيخ يون هي، بدا المبجّل السماوي بودو أقرب إلى زعيم طائفة منحرفة!
أما طريقة تنقية التشي التي منحه إياها، فلم يكن فانغ تشين ينوي ممارستها، ولا منحها لغيره. فقد خشي أن تكون قد زُرعت فيها علامة خفية، وأن يتمكن بودو من استغلالها لفعل شيء سيئ.
وبعد وقت قصير من مغادرة فانغ تشين، تحرك تمثال المبجّل السماوي بودو مرة أخرى، وكأنه يتمتم لنفسه:
«دواء روحي من الدرجة المقدسة، من الأدوية الواردة في القائمة… ما إن يمارس طريقة تنقية التشي الخاصة بي، حتى أتمكن من معرفة موقعه الدقيق. ولعلني أستطيع أن أنتزع منه معلومات عن مكان نمو تلك الأدوية الروحية المقدسة.»
لم يعثر فانغ تشين خلال زيارته لقصر شياوياو على أولئك الذين أرادوا إثارة الاضطرابات في الأراضي الجنوبية واستغلالها لاستعادة دولتهم. لكنه اكتشف أن المبجّل السماوي بودو موجود فعلًا، وأنه على الأرجح مزارع عظيم ذو مستوى زراعي مرتفع.
«إذن، فإن الدول المختلفة التي تعبد المبجّل السماوي بودو تسهم باستمرار في إمداده بقوة البخور.»
«وفضلًا عن ذلك، فمن المحتمل أن تكون بعض الكائنات التي تعبدها دول أخرى هي في الواقع مزارعون يسلكون طرقًا مشابهة.»
«يبدو أن رئيس الدير تشينغهي والداوي لي وغيرهما لا يعرفون شيئًا عن هذا الأمر. وهذا يعني أن الطوائف التي ينتمون إليها لا تعرفه أيضًا. من الواضح أن هذا الطريق بالغ الخفاء؛ فلولا قدرة روحي على الانبثاق من الجسد، لما تمكنت من اكتشافه.»
شعر فانغ تشين بالدهشة وهو يفكر في غرابة طريق الخلود. فالمزارعون يمتلكون أساليب متنوعة، ولو لم يدخل هذا الطريق، لما استطاع طوال حياته أن يكتشف أمورًا كهذه.
كان الداوي لي نفسه مزارعًا، ومع ذلك فمن المؤكد أنه لا يعرف أن بعض المزارعين يستطيعون الاستعانة بقوة البخور في زراعتهم. وفي هذه الناحية، ما الفرق بينه وبين عامة البشر؟
سأل جويي بان شي:
«سيدي، هل نعلن مكافأة للقبض على أفراد قصر شياوياو؟»
هز فانغ تشين رأسه قليلًا.
«لا داعي إلى ذلك. سنواصل جولتنا في المقاطعات، ونعمل على تثبيت الأوضاع في الأراضي الجنوبية تثبيتًا كاملًا. وحتى لو كانت لدى قصر شياوياو مخططات أخرى، فلن يجد فرصة لتنفيذها.»
وخلال النصف شهر التالي، تنقّل فانغ تشين مع جويي بان شي ورجاله بين مناطق عديدة.
في كل مقاطعة، كان حاكمها يخرج لاستقباله بنفسه. وعند مغادرته، كان بعض الأشخاص يُودَعون السجن، وبعضهم يُعدَم؛ فلم تكن تلك الزيارات تمر من دون عواقب.
كان حاكم مقاطعة لي هو المثال الذي أراد فانغ تشين أن يردع به الآخرين. ولم يكن ينوي المساس ببقية حكام المقاطعات، حتى لا يؤدي ذلك إلى اضطرابات أكبر. لكن ما حدث في مقاطعة شياننان كان كافيًا ليكون عبرةً لهم جميعًا.
وإلى جانب ذلك، كان فانغ تشين يزيل في كل مكان أجنحة بعض المسؤولين ويجرّدهم من مصادر نفوذهم. ولذلك، فهم حكام المقاطعات الآخرون ما ينبغي لهم فعله في المرحلة التالية.
وحتى حين حاول بعض الجنرالات التدخل، كانوا يتراجعون بمجرد أن يشهدوا أساليب فانغ تشين.
كان بعض الناس يتوقعون أن يواجه التطهير الذي يقوده فانغ تشين مقاومة شديدة. لكنهم لم يتخيلوا أنه سيتمكن، في غضون نصف شهر فقط، ومن دون الاعتماد على أحد سوى نفسه، من قلب أوضاع الأراضي الجنوبية كلها رأسًا على عقب، وإعادة تطهيرها مرارًا!
ظل جويي بان شي ورجاله ملازمين لفانغ تشين طوال تلك المدة، وشهدوا كل ما حدث بأعينهم. وازداد احترامهم له، كما ازداد حذرهم من قدراته وأساليبه.
ولم يهمل فانغ تشين زراعته خلال النصف شهر هذا. فقد استنفد كل أوراق التعويذات ومسحوق الزنجفر الذي كان يحمله معه، ثم صنع دفعة جديدة من التعويذات، فارتفعت القوة الروحية في جسده ارتفاعًا ملحوظًا.
ولم يعد يفصله عن تكثيف الوريد الخالد السادس سوى القليل.
بالقرب من النبع الروحي، ارتفع في وقت قصير مقر واسع لعائلة فانغ، يفيض بالطاقة الروحية. وشُقّت منه طريق من الحجر الأزرق تمتد حتى الطريق الرسمي.
وكان النبع بمحاذاة الطريق، ولم تستأثر به عائلة فانغ؛ فظل السكان القريبون والمسافرون ووحوش الجبال قادرين على القدوم إليه وشرب مائه. بل إن الطريق الحجرية الجديدة جعلت الوصول إليه أيسر.
قال شيا سونغ، وهو يقترب ممتطيًا جواده برفقة عدد من إخوته وأخواته:
«يبدو أن مقر عائلة فانغ سيبقى هنا فعلًا.»
كان ينظر إلى الطريق الحجرية الزرقاء التي تشبه التنين الأزرق، وإلى المقر الذي يلوح من بعيد على مسافة بضعة ليّات، وارتسمت على وجهه مسحة من التعقيد.
قال أحد إخوته:
«أخي الأكبر، وصلتني أخبار تفيد بأن الدوق فانغ تنقّل خلال هذه المدة بين المقاطعات التسع. وقد أراق الكثير من الدماء؛ إذ بلغ عدد المسؤولين والمقاتلين الذين حكم عليهم بالموت أو قضى عليهم بأمره ثلاثمئة شخص على الأقل!»
قال شيا سونغ بنبرة معقدة:
«لهذا طلب منا أبي أن نتقرب من عائلة فانغ ونحافظ على علاقات جيدة معها. فبدلًا من القول إن الأراضي الجنوبية إقطاع أسرة الأمير شيانغ، ربما كان الأدق أن نقول إنها إقطاع عائلة فانغ.»
واصلوا حديثهم وهم يتجهون نحو مقر عائلة فانغ. وعندما مروا بالنبع الروحي، نزلوا عن خيولهم ليملؤوا أوعيتهم بالماء، وشربوا حتى ارتووا.
لم تكن القوة الروحية في ماء النبع ذات أثر كبير في عامة الناس، لكن الماء كان باردًا وعذبًا، كما أن شربه باستمرار يعود على الجسم ببعض النفع.
سأل أحدهم:
«أخي الأكبر، لماذا اختارت عائلة فانغ هذا المكان بالذات لبناء مقرها؟ سمعت أن الجبال هنا تعج بالوحوش البرية، بل إن فيها بعض الوحوش الروحية أيضًا.»
وقال آخر:
«أترى أن السبب هو هذا النبع الروحي؟»
هز شيا سونغ رأسه قليلًا.
«لا أظن ذلك. صحيح أن ماء النبع عذب وبارد، لكنه لا يكفي وحده لتفسير اختيار عائلة فانغ لهذا الموقع. الأرجح أنهم أعجبوا باعتدال المناخ في المنطقة، فالنبع يجعل الجو المحيط به ألطف بكثير.
أما الوحوش البرية، والوحوش الروحية التي يتحدث الناس عنها، فلا بد أن عائلة فانغ ترى أن لديها ما يكفي من القوة للتعامل معها.»
في تلك اللحظة، كانت أصغر بنات الأمير شيانغ جاثية عند حافة النبع، تغسل وجهها بمائه. وفجأة، رأت في الماء انعكاسًا لذئب عملاق!
كانت عيناه الخضراوان تحدقان فيها بوحشية، فصرخت مذعورة، واختل توازنها وسقطت في النبع.
لاحظ شيا سونغ والآخرون ما حدث على الفور. وما إن رأوا حجم الذئب حتى تسرب الرعب إلى قلوبهم.
أطلق الذئب زئيرًا، ثم اندفع نحوهم. وكانت الخيول التي يمتطونها قد فزعت بالفعل من منظره؛ فلم تعد تستجيب لراكبيها، بل أخذت تقفز وتضطرب حتى ألقت شيا سونغ وإخوته وأخواته عن ظهورها، ثم فرت هاربة.
صاح شيا سونغ:
«أنقذوا أختنا السادسة أولًا! سأتولى صدّه!»
ثم اندفع بسيفه نحو الذئب، بينما هرع الآخرون إلى النبع لإنقاذ أختهم. لكنهم، حين تمكنوا من انتشالها، رأوا شيا سونغ مغطى بالجراح، وقد كُسر سيفه بين أنياب الذئب.
قال أحدهم في ذهول:
«أخي الأكبر في المرحلة الوسطى من عالم اندفاع التشي، ومع ذلك لم يستطع مجاراة هذا الذئب! أيمكن أن يكون هو الوحش الروحي الذي يسكن الجبال؟!»
كان شيا سونغ قد سقط على الأرض، وجلس عاجزًا عن النهوض. أما الذئب فكان ينظر إليه من علٍ، ثم فتح فكيه استعدادًا لافتراسه.
وفجأة، دوّى زئير نمر في أرجاء الغابة الجبلية!
قفز نمر ضخم من بعيد، وكان أكبر من الذئب بعدة مرات. وحول عنقه امتدت حلقة من العلامات البيضاء التي تشبه ألسنة اللهب.
وفي اللحظة التالية، وقبل أن يتمكن الذئب من الرد، أطبق النمر بفكيه على عنقه وكسره.
قُتل الذئب في الحال، وبقيت في عينيه الخضراوين لمحة من الرعب قبل أن تخبو حركتهما.
بعد أن قتل الذئب، التفت النمر إلى شيا سونغ والآخرين، وأخذ ينظر إليهم بهدوء.
تمتم أحدهم وقد غمره الذهول:
«يا له من نمر! إنه ضخم للغاية!»
تجمد الجميع في أماكنهم، وقد غلب عليهم الرعب حتى عجزوا عن الحركة.
أما شيا سونغ، فكان وجهه شاحبًا، لكنه ظل يحدق في النمر وقال بصعوبة:
«أرجوك لا تؤذِ إخوتي وأخواتي. إن كنت تريد افتراس أحد، فافترسني أنا!»
فحتى الذئب العملاق لم يستطع مقاومة النمر، وقد أدرك شيا سونغ أنه لا يملك أي قدرة على مواجهته.
وفجأة، جاءهم صوت فتاة من بعيد:
«من أنتم؟ لن يفترسكم سيد النمر.»
اندفعت فانغ تشيشيو من بعيد، ثم قفزت قفزة واحدة وهبطت على ظهر النمر، ونظرت إلى شيا سونغ والآخرين من علٍ.
«هذا…»
أصاب الذهول شيا سونغ وإخوته وأخواته. لم يصدقوا ما رأوه بأعينهم.
أما النمر، فلما رأى ملامحهم المذعورة، ارتسمت عند طرف فمه ابتسامة خفيفة. ثم أدار رأسه، وأخذ يفركه برفق في فانغ تشيشيو، في حركة ودودة.
فهي أخت سيده فانغ تشين، وعمته القتالية!
تحولت دهشة الحاضرين إلى ذهول أكبر عندما رأوا مدى ألفة النمر بالفتاة.
نهض شيا سونغ مترنحًا، ونظر إليها بحذر وريبة، ثم سأل:
«آنسة، من تكونين؟»
عقدت فانغ تشيشيو حاجبيها قليلًا وقالت:
«أنا سألتكم أولًا، ولم تجيبوا عن سؤالي بعد. من أنتم؟»
«آه، صحيح!»
انتبه شيا سونغ إلى الأمر، فسارع إلى ضم قبضته إلى كفه تحيةً وقال:
«أنا شيا سونغ، من أسرة الأمير شيانغ. وهؤلاء إخوتي وأخواتي.»
ابتسمت فانغ تشيشيو ابتسامة خفيفة.
«إذن، أنتم من أسرةالأمير شيانغ. أنا فانغ تشيشيو، أخت فانغ تشين الصغرى.»
فانغ تشيشيو… أخت فانغ تشين الصغرى؟!
تبادل شيا سونغ والآخرون النظرات، ثم نظروا إلى الفتاة وإلى النمر. وفجأة، فهموا سبب اختيار عائلة فانغ لهذا المكان بالذات!
اتسعت عينا شيا سونغ، وغمره الذهول.
لقد أخضعت عائلة فانغ الوحوش الروحية في هذه المنطقة!
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.