Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سجلات الحروب البدائية 16

الشتاء قادم
PDF

الشتاء قادم

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

ربما خلال السنوات الماضية لم يفكّر أحد في القبيلة بصيد تلك الأسماك، ولذلك كان عددها كبيرًا جدًا في النهر، حتى إنّ كثرة الناس الذين يسحبون الأسماك يوميًا لم تُنقص من عددها. كانت تلك الأسماك شرسة للغاية، ولكنها في الوقت نفسه حمقاء. لذلك كانت تلتقط الطُّعم بسهولة، ويمكن للمرء أن يحصل على المزيد منها كل يوم ما دام قد أتقن حِيَل الصيد.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

أجاب با وهو يقفز فرحًا: “شكرًا جزيلاً، آه-شوان!” ثم اندفع خارج الكهف حاملاً السمكة.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

في النهاية، رحلت أم مو-إر دامعة العينين، لكنها تركت له معطفًا سميكًا من فراء الحيوانات وبعض اللحم المقدّد.

Arisu-san

قال تو وهو جالس هناك ينسج حبلاً من القش: “آه-شوان، جاء شخص قبل قليل ليقايضك ببعض الأشياء. ولأنك لم تكن هنا، قالوا إنهم سيعودون غدًا.”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

وما إن همّ بأن يصرخ، حتى سمع أحد الأولاد يقول: “أيعقل أنني أستمع لهذا الهراء في الشتاء، ولهذا السبب تخلّيت عن نومي؟”

الفصل 16: الشتاء قادم

“غيّروا المعلم!”

بعد وقت قصير من مغادرة با، جاءت أم مو-إر. كان سبب قدومها هو نفسه كل مرة: أخذ ابنها إلى البيت في الجبل. غير أنّ مو-إر لم يكن راغبًا بالذهاب معها، رغم كل محاولاتها لإقناعه. ربما خاض شجارًا كبيرًا مع الأطفال في عائلته الجديدة.

حين عاد شاو شوان، كان جميع الأولاد قد عادوا إلى الكهف من ضفة النهر. ومن خلال ابتساماتهم التي لا يمكن كبحها، تبيّن أنّهم حقّقوا حصادًا وفيرًا اليوم. وحتى مجموعتان منهما تنافستا لترى أيّهما سحب سمكًا أكثر.

إلى أن جاء صباح، ولاحظ شاو شوان وجود عدد أقل من ديدان الحجر حين أخذ قيصر إلى ساحة الحصى. وخلال الصباح كاملًا لم يحصلوا سوى على ثلاث ديدان حجر.

قال تو وهو جالس هناك ينسج حبلاً من القش: “آه-شوان، جاء شخص قبل قليل ليقايضك ببعض الأشياء. ولأنك لم تكن هنا، قالوا إنهم سيعودون غدًا.”

كان با يريد زيارة شقيقته قبل الشتاء وإهداءها سمكة. كان سيوفّرها من نصيبه الخاص، لكنه جاء يستأذن رأي شاو شوان. فمنذ أن علّم شاو شوان الأولاد كيف يصطادون، اكتسب احترامًا كبيرًا في الكهف، ولم يكن أحد يجرؤ على معارضة ما يأذن به، حتى الأكبر سنًا. والآن، إن كان أحدهم يريد فعل شيء، فإنه يستشير شاو شوان أولًا.

كان تو سابقًا مجرد صبي خجول في الكهف. كان ضعيفًا ونحيلًا نسبيًا. ولكن بعد هذه الفترة من الزمن، أصبح أكثر مرحًا من قبل، وأكثر قدرة على التواصل.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

أجاب شاو شوان بإيماءة: “حسنًا، علمت.”

وما إن أنهى شاو شوان كلامه حتى امتلأ الكهف بجوّ كئيب قاتم.

ربما حاول أحد أفراد القبيلة أن يذهب للصيد في النهر، ولعلّه جاء لأجل شاو شوان بعدما فشل عدة مرات، وأخيرًا أدرك فائدة وأهمية العوامات السوداء.

كان لبا أختٌ أصغر، وفي الوقت نفسه الذي أُرسل هو فيه إلى كهف الأيتام، تم تبنّي شقيقته من قبل عائلة في منطقة منتصف الجبل. فقد كان الناس في القبيلة يقدّرون البنات أكثر من الأولاد، ولا يحصل على الإعانة من القبيلة إلا العائلات التي تتبنى البنات.

في الليل، كان القمران المعلّقان على جانبي السماء يزدادان عتمة. كان الهلالان رقيقين، بالكاد تُرى إشعاعاتُهما الخافتة. وإذا نظر المرء عبر فتحة التهوية، لوجد السماء مغطاة بالظلام، ولا يُسمع سوى صوت الرياح وأسراب السنونو الليلي المحلّقة. كان الشتاء قادمًا، وحتى السنونو الليلي فقد حيويّته. صارت تُصدر أصواتًا أعلى من قبل لأنها لم تعد قادرة على بذل جهد كبير لإخفاء مسارها.

ماذا؟ لم يبدأ بعد، وهم شعروا بالملل؟ غضب الصيّاد، وتذكّر الأيام القديمة حين كان يأتي ليدرّسهم، وكيف كانوا لا يريدون سوى النوم.

بعد أيام قليلة من ذلك، كان كلٌّ من أولاد الكهف وسكان منطقة سفح الجبل يهرعون إلى ضفة النهر قبل الغروب. الجميع أراد أن يخرج مزيدًا من الأسماك قبل أن يتجمّد الماء.

ضحك غي وقال: “ألا تخشى أن أحتفظ بالسمك لنفسي؟” ثم ألقى السمكتين في جرّة حجرية فارغة، وغادر وهو يحملها بذراع واحدة.

ربما خلال السنوات الماضية لم يفكّر أحد في القبيلة بصيد تلك الأسماك، ولذلك كان عددها كبيرًا جدًا في النهر، حتى إنّ كثرة الناس الذين يسحبون الأسماك يوميًا لم تُنقص من عددها. كانت تلك الأسماك شرسة للغاية، ولكنها في الوقت نفسه حمقاء. لذلك كانت تلتقط الطُّعم بسهولة، ويمكن للمرء أن يحصل على المزيد منها كل يوم ما دام قد أتقن حِيَل الصيد.

وكان هناك طفل جالس في الزاوية ممسكًا السمكة التي سحبها بعد الظهر، غارقًا في كآبته. كان يلمس رأس السمكة مرارًا، متحسّرًا على الأيام الجميلة. لكن المشهد كان غريبًا؛ طفل صغير يجلس هناك والسمكة الميتة ذات العينين الحمراوين الواسعتين وأسنانها الصغيرة الحادة فاغرة فمَها. ولو كان هذا في زمن السلم في عالم حياة شاو شوان السابق، لكانوا وصفوه بالمختلّ أو جامح الذهن. لكن هنا كان ذلك طبيعيًا تمامًا.

ولحسن الحظ، كان الصيد يسير على نحو جيد لعدة أيام، ولم تظهر تلك المخلوقات الغريبة ذات المجسّات الطويلة مجددًا.

وأيضًا، اختفت الأسماك فجأة من النهر. وبعد أن ألقوا الطُّعم، انتظروا طويلًا قبل أن يسحبوا سمكة متوسطة الحجم.

إلى أن جاء صباح، ولاحظ شاو شوان وجود عدد أقل من ديدان الحجر حين أخذ قيصر إلى ساحة الحصى. وخلال الصباح كاملًا لم يحصلوا سوى على ثلاث ديدان حجر.

وقال آخر: “من واحد إلى عشرة فقط؟ هذا العجوز عديم الفائدة.”

وأيضًا، اختفت الأسماك فجأة من النهر. وبعد أن ألقوا الطُّعم، انتظروا طويلًا قبل أن يسحبوا سمكة متوسطة الحجم.

في الحقيقة، كان شاو شوان قد نشر كلّ التبن الذي يستخدمونه للنوم خلال الأيام الماضية، كما جهّز جميع الجلود والفراء ورتّبها. كانت الاستعدادات كافية، إلا أنّ أحدًا لا يستطيع محو ظلال الشتاء القادم. فالخبرات الماضية تركت أثرًا غائرًا في نفوس أطفال الكهف، لذا لم يستطيعوا التفاؤل.

كان الوضع بمثابة إشارة لكل من أولاد الكهف والناس في القبيلة.

مسح شاو شوان وجهه، وحوّل بصره بعيدًا عن ذلك الصبي الحزين الممسك بسمكته.

قال الأولاد بقلق: “آه-شوان، لماذا يحدث هذا؟” كانوا محبطين للغاية، يتصرفون كأنهم قلوب انكسرت، وهم يحدّقون في الحبال القشية بين أيديهم.

لم يصدّق ما قاله غي في البداية، لكن حين رأى الوضع في الكهف بعينيه، بدأ يصدّق، ووجد أنه بالفعل مختلف.

قال نيد ستارك، وهو فتى أكبر سنًا: “لأن الشتاء قادم.” فقد سمع من غيره أنّه عندما يحلّ الشتاء، تختبئ الكثير من الطرائد ولا يمكن لأحد العثور عليها حتى ينتهي الشتاء، ولا تظهر إلا بعد ذلك. ولأجل هذا، لم يكن الناس في القبيلة يُحبّون الشتاء، إذ يحمل شتاؤهم صنوفًا من العقبات، مما يُفضي إلى كآبة عميقة.”

لم يصدّق ما قاله غي في البداية، لكن حين رأى الوضع في الكهف بعينيه، بدأ يصدّق، ووجد أنه بالفعل مختلف.

وبينما كان الأولاد يحدّقون فيه، تنفّس شاو شوان وقال: “نعم، لعلّ هذا هو السبب. ففي الشتاء، لا تظهر ديدان الحجر على السطح، لأنها تختار البقاء عميقًا في الأسفل لتجاوز البرد. فالأعماق أكثر دفئًا من السطح. وكذلك أسماك البيرانا القريبة من ضفة النهر تسبح نحو الجزء الأعمق، مبتعدة عن الضحالة، لأن الماء قرب الضفة يتجمّد في الشتاء. لذا لا نستطيع التقاط ديدان الحجر، ونكاد لا نتمكّن من صيد السمك أيضًا.”

أخذ شاو شوان كل ما أُعطي له، وقد بدا عليه الارتياح. كان اللحم المقدّد طازجًا وجيدًا، والبطانية والثياب أفضل بكثير من الجلود التي حصل عليها بالمقايضة خلال الأيام الماضية.

وما إن أنهى شاو شوان كلامه حتى امتلأ الكهف بجوّ كئيب قاتم.

Arisu-san

وفي ذكريات كثير من أولاد الكهف، كان الشتاء باردًا ومظلمًا. أحيانًا لم يدركوا أنهم مَرِضوا بسبب كثرة النوم. كانوا يستمرون في النوم كالجراء الصغيرة. وفي وقت الطعام، يُوقَظون ليضعوا شيئًا في بطونهم، ثم يعودون للنوم مجددًا. لم يكن لديهم إحساس بالوقت، وقضَوا الشتاء كأشباه أحياء. كان ذلك هو الحال في الماضي، ولكن مقارنة بالأيام التي قضوها في الصيد والعمل… كيف لهم أن يشعروا بالشيء نفسه حين يسترجعون تلك الأوقات المعتمة؟

“غيّروا المعلم!”

وكان هناك طفل جالس في الزاوية ممسكًا السمكة التي سحبها بعد الظهر، غارقًا في كآبته. كان يلمس رأس السمكة مرارًا، متحسّرًا على الأيام الجميلة. لكن المشهد كان غريبًا؛ طفل صغير يجلس هناك والسمكة الميتة ذات العينين الحمراوين الواسعتين وأسنانها الصغيرة الحادة فاغرة فمَها. ولو كان هذا في زمن السلم في عالم حياة شاو شوان السابق، لكانوا وصفوه بالمختلّ أو جامح الذهن. لكن هنا كان ذلك طبيعيًا تمامًا.

كان الوضع بمثابة إشارة لكل من أولاد الكهف والناس في القبيلة.

مسح شاو شوان وجهه، وحوّل بصره بعيدًا عن ذلك الصبي الحزين الممسك بسمكته.

في النهاية، رحلت أم مو-إر دامعة العينين، لكنها تركت له معطفًا سميكًا من فراء الحيوانات وبعض اللحم المقدّد.

في الحقيقة، كان شاو شوان قد نشر كلّ التبن الذي يستخدمونه للنوم خلال الأيام الماضية، كما جهّز جميع الجلود والفراء ورتّبها. كانت الاستعدادات كافية، إلا أنّ أحدًا لا يستطيع محو ظلال الشتاء القادم. فالخبرات الماضية تركت أثرًا غائرًا في نفوس أطفال الكهف، لذا لم يستطيعوا التفاؤل.

بعد وقت قصير من مغادرة با، جاءت أم مو-إر. كان سبب قدومها هو نفسه كل مرة: أخذ ابنها إلى البيت في الجبل. غير أنّ مو-إر لم يكن راغبًا بالذهاب معها، رغم كل محاولاتها لإقناعه. ربما خاض شجارًا كبيرًا مع الأطفال في عائلته الجديدة.

كان الوقت منتصف النهار، ولكن الخارج بدأ يزداد قتامة.

“غيّروا المعلم!”

وبينما كان شاو شوان يضع خططه للشتاء، نهض با من مكانه ومشى نحوه.

“غيّروا المعلم!”

“آه-شوان… أنا… أريد… أريد أن…”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

بذل با وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا ليُعبّر بوضوح.

ربما حاول أحد أفراد القبيلة أن يذهب للصيد في النهر، ولعلّه جاء لأجل شاو شوان بعدما فشل عدة مرات، وأخيرًا أدرك فائدة وأهمية العوامات السوداء.

كان لبا أختٌ أصغر، وفي الوقت نفسه الذي أُرسل هو فيه إلى كهف الأيتام، تم تبنّي شقيقته من قبل عائلة في منطقة منتصف الجبل. فقد كان الناس في القبيلة يقدّرون البنات أكثر من الأولاد، ولا يحصل على الإعانة من القبيلة إلا العائلات التي تتبنى البنات.

أعرب با عن فكرته بتأتأة، ثم وقف هناك يفرك أصابعه بقلق، يخشى أن يرفض شاو شوان، ويراقبه بحذر.

معظم أهل القبيلة تُوقظ قواهم الطوطمية. الصبيان عادة يوقظون تلك القوة بين سن العاشرة والخامسة عشرة. ولهذا السبب بالذات، كان الأولاد—سواء في الكهف أو في سفح الجبل—يعيشون حياة بسيطة مليئة بالنوم والأكل، دون أن يكترثوا بشيء. لم يحتاجوا للعمل بجد؛ فمجرّد أن ينجو أحدهم من المرض والجوع، كان سيصبح محارب طوطم حين يحين الوقت.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

أما البنات، فعدد أقل منهنّ يوقظ قوة الطوطم، وقرابة الثلث لن يوقظنها طوال حياتهن. لكن القبيلة لم تكن تعامل الفتيات معاملة سيئة بسبب ذلك؛ بل على العكس، كانت معاملتهن أفضل من الأولاد. ولهذا تُتبنّى الفتيات بسهولة أكبر، وحتى اليتيمة منهن تجد من يأخذها. ولهذا السبب لم تكن هناك أي فتاة تعيش في كهف الأيتام، وكان جميع الأطفال فيه من الأولاد.

أجاب با وهو يقفز فرحًا: “شكرًا جزيلاً، آه-شوان!” ثم اندفع خارج الكهف حاملاً السمكة.

كان با يريد زيارة شقيقته قبل الشتاء وإهداءها سمكة. كان سيوفّرها من نصيبه الخاص، لكنه جاء يستأذن رأي شاو شوان. فمنذ أن علّم شاو شوان الأولاد كيف يصطادون، اكتسب احترامًا كبيرًا في الكهف، ولم يكن أحد يجرؤ على معارضة ما يأذن به، حتى الأكبر سنًا. والآن، إن كان أحدهم يريد فعل شيء، فإنه يستشير شاو شوان أولًا.

كان با يريد زيارة شقيقته قبل الشتاء وإهداءها سمكة. كان سيوفّرها من نصيبه الخاص، لكنه جاء يستأذن رأي شاو شوان. فمنذ أن علّم شاو شوان الأولاد كيف يصطادون، اكتسب احترامًا كبيرًا في الكهف، ولم يكن أحد يجرؤ على معارضة ما يأذن به، حتى الأكبر سنًا. والآن، إن كان أحدهم يريد فعل شيء، فإنه يستشير شاو شوان أولًا.

أعرب با عن فكرته بتأتأة، ثم وقف هناك يفرك أصابعه بقلق، يخشى أن يرفض شاو شوان، ويراقبه بحذر.

كان الظلام كئيبًا.

قال شاو شوان: “بالطبع يمكنك ذلك. فقط تذكّر أن تعود قبل الليل.”

ومع ذلك، كان لديهم عمل آخر خلال الشتاء. إذ يأتي شخص من القبيلة ليعلّمهم الأرقام والحروف. وكما هو المعتاد، كان المعلّم يأتي كل عشرين أو ثلاثين يومًا. وهذا الشتاء لم يكن استثناءً.

أجاب با وهو يقفز فرحًا: “شكرًا جزيلاً، آه-شوان!” ثم اندفع خارج الكهف حاملاً السمكة.

كان يعيش أعلى الجبل، وقد انشغل بأمر ما، فإذا حسب المرء الوقت، فقد مرّ قرابة أربعين يومًا منذ آخر زيارة، ولم يكن يعرف ما جرى هنا. وقد سأل غي بالأمس عن أحوال الكهف. كانت البداية أسئلة اعتيادية، لكن الأمور تغيّرت كثيرًا بشكل غير متوقع في الأيام الأخيرة.

وعندما رآه شاو شوان يغادر مسرورًا، قال مبتسمًا: “لم يتلعثم حتى وهو يقول شكراً. يبدو أنّه يحتاج بعض التحفيز، ولعلّه يُشفى يومًا ما حين يشتدّ فرحه.”

أجاب با وهو يقفز فرحًا: “شكرًا جزيلاً، آه-شوان!” ثم اندفع خارج الكهف حاملاً السمكة.

بعد وقت قصير من مغادرة با، جاءت أم مو-إر. كان سبب قدومها هو نفسه كل مرة: أخذ ابنها إلى البيت في الجبل. غير أنّ مو-إر لم يكن راغبًا بالذهاب معها، رغم كل محاولاتها لإقناعه. ربما خاض شجارًا كبيرًا مع الأطفال في عائلته الجديدة.

بعد أيام قليلة من ذلك، كان كلٌّ من أولاد الكهف وسكان منطقة سفح الجبل يهرعون إلى ضفة النهر قبل الغروب. الجميع أراد أن يخرج مزيدًا من الأسماك قبل أن يتجمّد الماء.

في النهاية، رحلت أم مو-إر دامعة العينين، لكنها تركت له معطفًا سميكًا من فراء الحيوانات وبعض اللحم المقدّد.

“غيّروا المعلم!”

وفي المساء، عندما جاء غي لتسليم الطعام، أحضر معه أيضًا بعض اللحم المقدّد وبطانية من جلد الحيوان وقطعة قماش.

قال نيد ستارك، وهو فتى أكبر سنًا: “لأن الشتاء قادم.” فقد سمع من غيره أنّه عندما يحلّ الشتاء، تختبئ الكثير من الطرائد ولا يمكن لأحد العثور عليها حتى ينتهي الشتاء، ولا تظهر إلا بعد ذلك. ولأجل هذا، لم يكن الناس في القبيلة يُحبّون الشتاء، إذ يحمل شتاؤهم صنوفًا من العقبات، مما يُفضي إلى كآبة عميقة.”

قال غي: “هذه من ماي، والملابس من لانغ غا. إنهما مشغولان جدًا اليوم، لأن الشامان قال إن الشتاء سيصل غدًا. الجميع مشغول بفحص البيوت والتحضير. ولهذا طلبا مني أن أوصل هذه إليك.”

سحب شاو شوان سمكتين، وطلب من غي أن يمررهما لماي ولانغ غا. فمع أنّ ماي لديه ما يكفي من الصيد للشتاء، إلا أنّه كان لابد من إظهار الامتنان. وكانت تلك السمكتان من نصيب شاو شوان الخاص، لذا لم يعترض أحد من الأولاد.

كانت فرقة الصيد التي يتبع لها ماي قد عادت أمس. كانوا قد أسرعوا في إنهاء آخر رحلة صيد لهم في السنة قبل الشتاء. وكان الحصاد وفيرًا، وقد رأى شاو شوان الطرائد التي جلبوها. كان متأكدًا أن الطعام يكفي تمامًا لشتاء جيد. إضافة إلى أنّ الكثير من الصيادين لديهم مخزون خاص في بيوتهم، لذا لن يتعرّض أحد للجوع. وكان كل محارب من العائدين يحمل ابتسامة راضية.

ومع ذلك، كان لديهم عمل آخر خلال الشتاء. إذ يأتي شخص من القبيلة ليعلّمهم الأرقام والحروف. وكما هو المعتاد، كان المعلّم يأتي كل عشرين أو ثلاثين يومًا. وهذا الشتاء لم يكن استثناءً.

أخذ شاو شوان كل ما أُعطي له، وقد بدا عليه الارتياح. كان اللحم المقدّد طازجًا وجيدًا، والبطانية والثياب أفضل بكثير من الجلود التي حصل عليها بالمقايضة خلال الأيام الماضية.

ماذا؟ لم يبدأ بعد، وهم شعروا بالملل؟ غضب الصيّاد، وتذكّر الأيام القديمة حين كان يأتي ليدرّسهم، وكيف كانوا لا يريدون سوى النوم.

لم يكن من الممكن أن يقول إنه لم يتأثر بهذه اللفتة الكريمة.

وعندما علم أن غي عيّن شاو شوان، الذي لم يبلغ العاشرة، مسؤولًا عن الكهف، انزعج الصيّاد العجوز. اعتقد أن القرار تعسّفي. فهل التعامل مع الأولاد أمر سهل؟ في الماضي، حين جاء ليُعلّمهم، كان شاو شوان الوحيد الذي يصغي. لذا حمل ذكرى جيدة عنه.

قال: “شكرًا لك، العم غي! ورجاءً أبلغ شكري للعم ماي ولانغ غا. آه، صحيح…”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

سحب شاو شوان سمكتين، وطلب من غي أن يمررهما لماي ولانغ غا. فمع أنّ ماي لديه ما يكفي من الصيد للشتاء، إلا أنّه كان لابد من إظهار الامتنان. وكانت تلك السمكتان من نصيب شاو شوان الخاص، لذا لم يعترض أحد من الأولاد.

قال: “شكرًا لك، العم غي! ورجاءً أبلغ شكري للعم ماي ولانغ غا. آه، صحيح…”

ضحك غي وقال: “ألا تخشى أن أحتفظ بالسمك لنفسي؟” ثم ألقى السمكتين في جرّة حجرية فارغة، وغادر وهو يحملها بذراع واحدة.

وبما أنّ الشامان توقّع أن الشتاء سيحلّ غدًا، أخبر شاو شوان الأولاد في الكهف. وقد وُزّعت الجلود والفراء على الجميع، ولم يعد هناك ما يُقال. كلّ واحد يعرف كيف يحمي نفسه.

حين عاد شاو شوان، كان جميع الأولاد قد عادوا إلى الكهف من ضفة النهر. ومن خلال ابتساماتهم التي لا يمكن كبحها، تبيّن أنّهم حقّقوا حصادًا وفيرًا اليوم. وحتى مجموعتان منهما تنافستا لترى أيّهما سحب سمكًا أكثر.

تلك الليلة، كانت السماء مظلمة بالكامل. وحتى قبل أيام قليلة، كان يمكن رؤية هلالين، لكن الليلة اختفيا.

كان الوقت منتصف النهار، ولكن الخارج بدأ يزداد قتامة.

كان الظلام كئيبًا.

في يوم معين، كان يوم زيارة المعلم. في اليوم السابق كان غي قد أبلغ شاو شوان بخبر وصوله، وطلب منه الاستعداد حتى لا يضيعوا فرصة التعلم الثمينة بسبب النوم.

استيقظ شاو شوان في منتصف الليل بسبب البرد، وكأنما كان مستلقيًا في الثلج، يرتجف كالشياطين. لكنه حين استيقظ، شعر بقليل من الدفء، الأمر الذي بدا غريبًا.

قال: “شكرًا لك، العم غي! ورجاءً أبلغ شكري للعم ماي ولانغ غا. آه، صحيح…”

أزال بعض التبن الذي كان يسدّ فتحة التهوية، وما إن فعل ذلك حتى لسعته الريح الجليدية القادمة من الخارج.

قال: “شكرًا لك، العم غي! ورجاءً أبلغ شكري للعم ماي ولانغ غا. آه، صحيح…”

لقد أتى الشتاء حقًا.

وأيضًا، اختفت الأسماك فجأة من النهر. وبعد أن ألقوا الطُّعم، انتظروا طويلًا قبل أن يسحبوا سمكة متوسطة الحجم.

وصول الشتاء جعل الحياة في الكهف تعود إلى ما كانت عليه في الماضي؛ عدا الأكل، لم يكن هناك غير النوم. فالجو في الخارج شديد البرودة، ولا يمكنهم فعل أي شيء، لذا كان عليهم أن يناموا مجددًا، على أمل أن ينتهي الشتاء في المرة القادمة التي يستيقظون فيها.

“بالضبط!”

ومع الطعام الكافي والبطانيات السميكة، حصلوا على نوم مريح، على الأقل أكثر راحة وطمأنينة مما كان في ذكرياتهم.

كان الوضع بمثابة إشارة لكل من أولاد الكهف والناس في القبيلة.

خلال الشتاء، كان غي يأتي يوميًا لتوصيل الطعام، رغم العواصف الثلجية العنيفة. شعر شاو شوان أنّ غي لا يحتاج لتحمّل هذا العناء، فخلال النقاشات اقترح أن يأتي غي كل ثلاثة أيام، ويجلب معه طعام الأيام الثلاثة. فالفوضى قلّت في الكهف، وغي كان يعلم أن شاو شوان يعرف كيف يُبقي الأمور تحت السيطرة. لذا لم يعترض، بل ترك لشاو شوان ملعقة حجرية مضيئة وبعض مسحوق الإشعال ليصطنع النار بنفسه.

مسح شاو شوان وجهه، وحوّل بصره بعيدًا عن ذلك الصبي الحزين الممسك بسمكته.

ومع ذلك، كان لديهم عمل آخر خلال الشتاء. إذ يأتي شخص من القبيلة ليعلّمهم الأرقام والحروف. وكما هو المعتاد، كان المعلّم يأتي كل عشرين أو ثلاثين يومًا. وهذا الشتاء لم يكن استثناءً.

كانت فرقة الصيد التي يتبع لها ماي قد عادت أمس. كانوا قد أسرعوا في إنهاء آخر رحلة صيد لهم في السنة قبل الشتاء. وكان الحصاد وفيرًا، وقد رأى شاو شوان الطرائد التي جلبوها. كان متأكدًا أن الطعام يكفي تمامًا لشتاء جيد. إضافة إلى أنّ الكثير من الصيادين لديهم مخزون خاص في بيوتهم، لذا لن يتعرّض أحد للجوع. وكان كل محارب من العائدين يحمل ابتسامة راضية.

في يوم معين، كان يوم زيارة المعلم. في اليوم السابق كان غي قد أبلغ شاو شوان بخبر وصوله، وطلب منه الاستعداد حتى لا يضيعوا فرصة التعلم الثمينة بسبب النوم.

“اطردوه!”

وحين رفع الصياد العجوز ستارة المدخل وهو يرتجف، ودخل الكهف، لم يشعر بعدُ بدفء النار، لكنه فوجئ برؤية جميع الأولاد الذين كان من المفترض أن يناموا على الأرض، جالسين وهم يقظون تمامًا، يرمقونه بعيون متلألئة.

“غيّروا المعلم!”

كان يعيش أعلى الجبل، وقد انشغل بأمر ما، فإذا حسب المرء الوقت، فقد مرّ قرابة أربعين يومًا منذ آخر زيارة، ولم يكن يعرف ما جرى هنا. وقد سأل غي بالأمس عن أحوال الكهف. كانت البداية أسئلة اعتيادية، لكن الأمور تغيّرت كثيرًا بشكل غير متوقع في الأيام الأخيرة.

قال تو وهو جالس هناك ينسج حبلاً من القش: “آه-شوان، جاء شخص قبل قليل ليقايضك ببعض الأشياء. ولأنك لم تكن هنا، قالوا إنهم سيعودون غدًا.”

وعندما علم أن غي عيّن شاو شوان، الذي لم يبلغ العاشرة، مسؤولًا عن الكهف، انزعج الصيّاد العجوز. اعتقد أن القرار تعسّفي. فهل التعامل مع الأولاد أمر سهل؟ في الماضي، حين جاء ليُعلّمهم، كان شاو شوان الوحيد الذي يصغي. لذا حمل ذكرى جيدة عنه.

ماذا؟ لم يبدأ بعد، وهم شعروا بالملل؟ غضب الصيّاد، وتذكّر الأيام القديمة حين كان يأتي ليدرّسهم، وكيف كانوا لا يريدون سوى النوم.

لم يصدّق ما قاله غي في البداية، لكن حين رأى الوضع في الكهف بعينيه، بدأ يصدّق، ووجد أنه بالفعل مختلف.

حين عاد شاو شوان، كان جميع الأولاد قد عادوا إلى الكهف من ضفة النهر. ومن خلال ابتساماتهم التي لا يمكن كبحها، تبيّن أنّهم حقّقوا حصادًا وفيرًا اليوم. وحتى مجموعتان منهما تنافستا لترى أيّهما سحب سمكًا أكثر.

وتحت أنظار عشرين طفلًا مليئين بالحماسة، تقدم الصياد العجوز بخطوات متصلّبة إلى الداخل، وجلس على المقعد الحجري الذي اعتاد الجلوس عليه. أخرج قطعة من جلد الحيوان عليها أرقام، وحدّق بها قرب النار، ثم نظف حلقه، “أحم. حسنًا، اليوم أخطّط لتعليمكم الأرقام وكيفية العدّ من واحد إلى عشرة. استمعوا جيدًا. سأقولها أولًا. أحم. واحد، اثنان، ثلاثة…”

قال شاو شوان: “بالطبع يمكنك ذلك. فقط تذكّر أن تعود قبل الليل.”

وبعد أن أكمل من واحد إلى عشرة، شعر الصياد العجوز بأن الجو صار غريبًا. رفع عينيه عن جلد الحيوان، ليجد أنّ النظرات المتلهّفة قد تحوّلت إلى سخط، بل إن بعضها يحمل احتقارًا ظاهرًا.

ومع ذلك، كان لديهم عمل آخر خلال الشتاء. إذ يأتي شخص من القبيلة ليعلّمهم الأرقام والحروف. وكما هو المعتاد، كان المعلّم يأتي كل عشرين أو ثلاثين يومًا. وهذا الشتاء لم يكن استثناءً.

ماذا؟ لم يبدأ بعد، وهم شعروا بالملل؟ غضب الصيّاد، وتذكّر الأيام القديمة حين كان يأتي ليدرّسهم، وكيف كانوا لا يريدون سوى النوم.

وما إن همّ بأن يصرخ، حتى سمع أحد الأولاد يقول: “أيعقل أنني أستمع لهذا الهراء في الشتاء، ولهذا السبب تخلّيت عن نومي؟”

قال الأولاد بقلق: “آه-شوان، لماذا يحدث هذا؟” كانوا محبطين للغاية، يتصرفون كأنهم قلوب انكسرت، وهم يحدّقون في الحبال القشية بين أيديهم.

وقال آخر: “من واحد إلى عشرة فقط؟ هذا العجوز عديم الفائدة.”

وعندما رآه شاو شوان يغادر مسرورًا، قال مبتسمًا: “لم يتلعثم حتى وهو يقول شكراً. يبدو أنّه يحتاج بعض التحفيز، ولعلّه يُشفى يومًا ما حين يشتدّ فرحه.”

“بالضبط!”

استيقظ شاو شوان في منتصف الليل بسبب البرد، وكأنما كان مستلقيًا في الثلج، يرتجف كالشياطين. لكنه حين استيقظ، شعر بقليل من الدفء، الأمر الذي بدا غريبًا.

“هيه، هل تعرف أن تُعلّم أم لا؟ أم أنك لا تعرف سوى العدّ حتى عشرة؟”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

“آه-شوان، لعلّ علينا أن نطلب من العجوز أن يغادر، ونطلب غيره ليعلّمنا.”

مسح شاو شوان وجهه، وحوّل بصره بعيدًا عن ذلك الصبي الحزين الممسك بسمكته.

“نعم، أوافق!”

“بالضبط!”

“غيّروا المعلم!”

تلك الليلة، كانت السماء مظلمة بالكامل. وحتى قبل أيام قليلة، كان يمكن رؤية هلالين، لكن الليلة اختفيا.

“غيّروا المعلم!”

ومع ذلك، كان لديهم عمل آخر خلال الشتاء. إذ يأتي شخص من القبيلة ليعلّمهم الأرقام والحروف. وكما هو المعتاد، كان المعلّم يأتي كل عشرين أو ثلاثين يومًا. وهذا الشتاء لم يكن استثناءً.

“اطردوه!”

كان يعيش أعلى الجبل، وقد انشغل بأمر ما، فإذا حسب المرء الوقت، فقد مرّ قرابة أربعين يومًا منذ آخر زيارة، ولم يكن يعرف ما جرى هنا. وقد سأل غي بالأمس عن أحوال الكهف. كانت البداية أسئلة اعتيادية، لكن الأمور تغيّرت كثيرًا بشكل غير متوقع في الأيام الأخيرة.

رمق شاو شوان العجوز، ولاحظ عروق جبينه تنبض بوضوح.

في الليل، كان القمران المعلّقان على جانبي السماء يزدادان عتمة. كان الهلالان رقيقين، بالكاد تُرى إشعاعاتُهما الخافتة. وإذا نظر المرء عبر فتحة التهوية، لوجد السماء مغطاة بالظلام، ولا يُسمع سوى صوت الرياح وأسراب السنونو الليلي المحلّقة. كان الشتاء قادمًا، وحتى السنونو الليلي فقد حيويّته. صارت تُصدر أصواتًا أعلى من قبل لأنها لم تعد قادرة على بذل جهد كبير لإخفاء مسارها.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

وحين رفع الصياد العجوز ستارة المدخل وهو يرتجف، ودخل الكهف، لم يشعر بعدُ بدفء النار، لكنه فوجئ برؤية جميع الأولاد الذين كان من المفترض أن يناموا على الأرض، جالسين وهم يقظون تمامًا، يرمقونه بعيون متلألئة.

كان يعيش أعلى الجبل، وقد انشغل بأمر ما، فإذا حسب المرء الوقت، فقد مرّ قرابة أربعين يومًا منذ آخر زيارة، ولم يكن يعرف ما جرى هنا. وقد سأل غي بالأمس عن أحوال الكهف. كانت البداية أسئلة اعتيادية، لكن الأمور تغيّرت كثيرًا بشكل غير متوقع في الأيام الأخيرة.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط