▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 83 – العودة
***
“جذور كو شا، ورقة الدم السائلة، كفّ ذو الفروع السبعة، زهرة العروق الدموية…”
وبينما كان تا، وتوو، والآخرون يعدّون النباتات التي كانوا قد حصلوا عليها، كان شاو شوان يحسب الأيام التي قضوها في الصيد. فإذا ما حُسب الأمر بدقة، لظهر أنه قد حان وقت العودة إلى المنزل، إذ إن لكل رحلة صيد مدةً محددة.
ومنذ أن قبضوا على لص الغابة، صار أفراد مجموعة الصيد ينصبون عدة فخاخ قبل حلول الليل. غير أن الحصيلة كانت معدومة. لم يُصَد أي شيء ذي فائدة منذ ذلك الحين. لقد كان محض حظّ محض هو ما سمح لهم بإمساك لص الغابة تلك الليلة.
وفي الأيام التالية، كان شاو شوان يتبع المجموعة طوال اليوم. ولم يكن عظيم النفع في المهام نظرًا إلى قدرته القتالية المحدودة، لكنه في المقابل لم يكن في حاجة إلى من يعتني به. بل إن وجوده كان نافعًا للمجموعة إذ كان قادرًا على الاعتناء بنفسه.
وخلال هذه الأيام، واجه شاو شوان عددًا من الأمور الغامضة. فذات مرة، كادوا يصطدمون بالممزقين عندما كانوا يبحثون عن نبات يُدعى الكفّ ذو الفروع السبعة.
كان الكفّ ذو الفروع السبعة نباتًا غريبًا، فإذا شعر بالخطر، أغلق أوراقه التي تشبه اللحاء السميك، ولفَّ نواته ليجعلها صلبةً كالصنوبرة، بينما يفرز سائلًا يجذب الممزقين. ولو أن مجموعة الصيد توانت لثانية واحدة، لأُحيطوا بجماعة ضخمة من هؤلاء المفترسين.
وفي تلك الأثناء، كان توو قد أنهى العدّ.
“بالمقارنة مع حصاد رحلة الصيد السابقة، فقد وجدنا نوعين أقلّ هذه المرة، لكننا بالمقابل عثرنا على كرة الريح وعلى لص الغابة، وهذان لا يُقارنان، مما يجعل هذه الرحلة نجاحًا عظيمًا.”
وبدا على تا الارتياح. حقًا، كانت مكاسب هذه الرحلة أكثر. “سنُعيد العدّ حين نجتمع مع آه-وي. لعلهم وجدوا النوعين الآخرين.”
كان وي محارب طوطم مخضرمًا يقارب تا سنًّا. ومنذ أن انقسمت الفرقة المتقدمة إلى مجموعتي صيد صغيرتين، كان هو يقود العشرين محاربًا الآخرين.
قال تا للآخرين: “ارتاحوا اليوم. سنعود غدًا.”
“مفهوم، أيها القائد!” قال الناس. وقد شعروا بشوق كبير إلى العودة إلى ديارهم، واشتاقوا إلى مشاركة ما جرى معهم مع بقية أفراد الفرقة المتقدمة وأقاربهم في القبيلة.
وكان شاو شوان هو الآخر متحمسًا للعودة، لا لأجل لص الغابة، بل لأنه كان يحمل بعض بيض الطيور في حقيبته الجلدية.
كان قد تبقى نحو عشرة بيضات منذ ذلك اليوم، فاحتفظ بها في حقيبته. أما الآخرون فلم يكونوا مهتمين بها. وحين واجهوا الممزقين في ذلك اليوم، رمى كيكي كلّ ما تبقى لديه من البيض طُعمًا. فهؤلاء المفترسون يتغذّون على بيض الطيور كذلك. ورمى شاو شوان بعض البيض أيضًا، غير أنه قبل خروجه كان قد ترك بعض البيض في تجاويف الأشجار. وما تبقى في الحقيبة كان كل ما يملكه الآن.
واليوم، بدلاً من أن يبيتوا في تجويف الشجرة، أقاموا في مكان جديد. فالبحث عن نباتات اللفافة الجلدية كان يتطلب المبيت في أماكن مختلفة. قبل ذلك كانوا ينامون في داخل أوراق نباتٍ ضخم، حيث يُلفّ كلّ منهم داخل ورقة واحدة كاللفافة، ويقضي الليل في داخلها. كانت أوراق ذلك النبات كأوراق الزنجبيل، ورغم أنها عادةً ما تتجه إلى الأعلى، إلا أن إحدى وعشرين ورقة منها كانت ملتفة ومعلّقة، ويبيت كل شخص في داخل واحدة.
قال توو إن ذلك النبات الغريب له تأثير طارد للحشرات، وكان من ضمن قائمة النباتات المطلوبة. وكان المحاربون يلفّون أنفسهم بأوراقه العملاقة عندما لا يجدون مأوًى مناسبًا في الليل، ليجنبوا أنفسهم هجمات الحشرات الليلية. أما في النهار، فلا يمكن فعل ذلك، إذ تصبح الأوراق قاسية وغير قابلة للَّف.
كانت هذه تجربة مذهلة بالنسبة لشاو شوان. أما بيض الطيور في حقيبته… فكان ينوي إخراجه لإجراء بعض التجارب.
فمعظم النباتات تموت إذا ما خرجت من هذه الغابة، فماذا بشأن البيض؟
كانت نباتات هذا المكان شديدة الغرابة، وكذلك الحشرات التي تتغذى عليها. وبناءً على ذلك، فطيور هذا المكان -التي تتغذى على الثمار والحشرات نفسها- ينبغي أن تكون أكثر خصوصية، وربما تحمل قيمة غذائية أو طبية أعلى. فماذا عن بيضها إذن؟
وكانت مدة حفظ البيض النيء أطول من المطبوخ عامةً. لذا لم يطبخ شاو شوان ذلك البيض الغريب، واضعًا نفس المبدأ في حسبانه.
وفي اليوم التالي، قادهم تا جريًا إلى مكان اللقاء حيث التقوا المجموعة الأخرى. وقد أُصيب بعض أفرادها، لكن إصابتهم لم تكن خطيرة.
وذُهل المحاربون العشرون الآخرون حين سمعوا عن لص الغابة، ولم تترك أعينهم الصندوق الحجري المغلّف بالأوراق. أرادوا فتحه ورؤية ما بداخله، لكن الجميع كان يعلم أنه ليس الوقت المناسب.
كانوا قد وصلوا إلى هنا على ظهور اليعاسيب العملاقة من أعلى الجبل، وسيحتاجون إلى مساعدتها للعودة.
وحين كادت الشمس أن تغرب، تجمع جميع أفراد الفرقة المتقدمة في مكان معين، وصعد أحدهم أعلى نبات شاهق ليستطلع موقع جيش اليعاسيب. فلم تكن طرق العودة ثابتة دائمًا.
“هناك! أسرعوا!”
“أسرعوا، أسرعوا! وإلا فلن نلحق بهم اليوم! لا نريد الانتظار إلى الغد!”
لم يكن شاو شوان يحمل صناديق النباتات كما يفعل الآخرون، فكل أغراضه في حقيبته الجلدية، مما جعله أقل حملًا من البقية.
وفي تلك اللحظة، ركض المحاربون جميعًا نحو اتجاه اليعاسيب ليلحقوا بها في الوقت المناسب. وشعر شاو شوان وكأنه في حياته السابقة، يركض ليلحق بالحافلة. يا لها من مفارقة!
كان الناس يتسلقون النباتات العالية بسرعة، ويربطون الحبال المصنوعة من القش كأحبال الرمي. وحين تمرّ اليعاسيب فوق رؤوسهم، يقذفون الحبال لتعلق بأرجلها. وحين يُرفع أحدهم عاليًا في الهواء، ينتهز الفرصة لينزل فوق ظهر يعسوب آخر إذا كان تحته مباشرة. وإذا ظلّ معلّقًا طويلاً، قد تصدمه أجنحة يعسوب آخر.
وحين اقتربوا من الجبل، بدأت اليعاسيب ترفرف بقوة لترتفع عاليًا. وصارت كل معالم الأرض تتضاءل تحتهم.
وفي الأراضي الخضراء خلفهم، أخذت أوراق النباتات الشاهقة تُغلق، وكذلك الأزهار. وأصدرت الأصوات المختلفة نذيرًا باقتراب الليل.
“انتبه عند القفز، وإياك أن تصدمك الأجنحة!” صرخ تا.
“حسنًا!”
وحين بلغت اليعاسيب حافة الجرف، أسرع شاو شوان نحو ذيل يعسوبته، وانتهز لحظة مناسبة وقفز إلى الأسفل. وغرس سكينه الحجري في الصخر ليخفف من سرعة انزلاقه، إلى أن بلغ بقعة ملساء يمكنه الوقوف عليها.
“تحرّكوا! افسحوا المجال!”
بام!
كانت اليعسوبة التي يركبها كيكي أعلى من المتوقع، فكاد يصطدم بالجرف حين قفز. واضطر إلى التدحرج مرات عدة قبل أن يهبط. وبرغم الهبوط الرديء، إلا أنه حافظ على الصندوق الحجري بحماية ممتازة. وحين نهض، بدا الألم واضحًا على وجهه.
وبعد أن قفز الجميع بسلام، انطلقت اليعاسيب العملاقة عبر الجبل نحو البركة التي ستقضي فيها الليل.
قال تا: “لننطلق. عليكم الحصول على بعض الراحة، فالعمل سيكون كثيرًا في الأيام القادمة.”
غير أن الناس كانوا متحمسين جدًا للحديث عن لص الغابة، ولم ينل أحدٌ قسطًا وافرًا من النوم.
وفي اليوم التالي، حين غادروا الجبل، أدرك شاو شوان تمامًا ما قصده توو حين قال: “لا شيء يمكن أخذه من هنا.”
فما إن غابت الأرض الخضراء عن أنظارهم، حتى أخذت الأوراق الضخمة التي تلف الصندوق الحجري تذبل بسرعة مذهلة. فقد اصفرّت وتحوّلت إلى قشور، كما لاحظ شاو شوان بعينيه.
ولم تستطع طبقة الطين على سطح الصندوق حجب رائحة لص الغابة تمامًا. ولخيبة أمل الجميع، بدا أن العديد من الوحوش الشرسة مهووسة به.
وكانت خطة الفرقة المتقدمة أن تُعلّم شاو شوان بعض المهارات في طريق العودة، وربما يصطادون بعض الفرائس ليأخذوها معهم. إلا أن الواقع كان أشد قسوة؛ فلم يجدوا وقتًا حتى ليتحدثوا معًا.
فلكي يحموا لص الغابة، شقّ المحاربون طريقهم قتالًا عبر الغابة. وحتى يصلوا إلى القبيلة سريعًا، لم يأخذوا معهم أي طرائد. فكل دقيقة يقضونها تزيد من خطورة وضعهم.
في البداية، كان أفراد المجموعة يقتلون أي وحش شرس يقترب من لص الغابة، مهما كان عددها.
أرادت أن تسرقه؟ مستحيل! امضِ إلى الجحيم!
لكن مع الوقت، غيّروا استراتيجيتهم.
ماذا؟ المزيد من الوحوش قادمة لسرقة لص الغابة؟ كم عددهم؟ اهربوا، اهربوا!
لم يشعر أفراد المجموعة بهذا القدر من الإحراج من قبل. ففي الماضي، كانوا يصطادون بكل أريحية ويعودون ببعض الهدايا من الغنائم. أما الآن، فلا وقت ولا مزاج.
وكانت رائحة الدم الكثيفة تفوح من أجساد الجميع، وكلها دماء وحوش من المستوى العالي. لم يجدوا حتى فرصة لغسل وجوههم أو تمشيط شعرهم. وبعضهم صار أكثر اتساخًا من أطفال كهف الأيتام. الدم المتخثّر تحوّل إلى طبقات، ثم صار بودرة حمراء جافة.
وحتى الليل لم يكن هدنة، فقد هوجموا باستمرار. وكانت الحال بائسة لا تُوصف.
عانوا من قلة النوم والتعب الشديد، إذ كان عليهم الركض والقتال في الوقت نفسه. ولحسن الحظ، فإن المستوى العام للمجموعة المتقدمة كان عاليًا؛ فلو كانت مجموعة صيد عادية، لفقدوا بعض أفرادها بكل تأكيد.
وبسبب ذلك، عاد شاو شوان غريبًا بينهم مرة أخرى، إذ كان قادرًا على استعادة طاقته بعد قسط قصير من الراحة.
كان الآخرون يرمقونه بنظرات غريبة.
فتح شاو شوان حقيبته الجلدية، ولاحظ أن معظم البيض لا يزال سليمًا. فقد وضع بعض الأعشاب الجافة معه، ولم ينكسر سوى بيضة واحدة منذ الانطلاق.
وكان في الفرقة المتقدمة قاعدة: كل ما عدا الهدف الأساسي من الصيد، يُعدّ غنيمة شخصية للصائد. لذا لم يُعلّق أحد على احتفاظ شاو شوان بالبيض. ولم يهتموا به أصلًا، فقد أكلوا ما يكفي منه حين كانوا يبحثون عن النباتات المطلوبة. كما أن لديهم وفرة من الفاكهة. وقد مرّت أيام منذ آخر مرة تناولوا فيها لحمًا مطبوخًا. وحين صار اللحم متاحًا من جديد، لم يكترث أحد للبيض أبدًا. لكنهم حين مضغوا اللحم تلك الليلة، فعلوا ذلك كأنهم يمضغون أعداءهم. وكانت الأصوات عالية، ولعلّهم شتموا الوحوش حتى في أحلامهم.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
