تراكب القمرين
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
صار الجو أكثر رطوبة، إذ أخذ المزيد والمزيد من البخار يتشكّل في الهواء.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
كانت صرخةً حادّة، برزت بوضوح وسط الأصوات الهادرة. ومباشرةً بعد تلك الصرخة الحادة الشبيهة بالصفير، جاء الصوت الرعدي المألوف، الذي غطّى على الهدير السابق. لقد كان إعلان السيد، وعلى جميع الأصوات الأخرى أن تُبدي الخضوع!
Arisu-san
كان التغيّر واضحًا جدًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وخلال الأيام القليلة التالية، كان القمران يتداخلان تدريجيًا أكثر فأكثر، وكان النهر يجري بسرعةٍ أكبر، وينخفض بسرعةٍ أشد. والآن، إذا وقفت بجانب أول حاجز للأسماك، فلن ترى شيئًا سوى الطمي. غير أنه لولا انخفاض منسوب المياه، لما استطاع الناس أبدًا رؤية ما كان عليه قاع النهر.
الفصل 93 – تراكب القمرين
وفي الليلة التالية لتراكب القمرين، كان هناك أيضًا قمرٌ واحد في السماء، لكنه لم يكن كبيرًا كما في الليلة السابقة. وإذا راقبت عن كثب، أمكنك أن ترى القمرين ينفصلان ببطءٍ طفيف.
….
وقف شاو شوان عند بابه، محدّقًا في السماء.
أُخِذَ كيكي بعيدًا على يد توو، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد أن نال ضربًا مبرحًا.
وخفت الصوت الهادر تدريجيًا، لكن صوت أسياد النهر ظلّ يرنّ طوال الليل. وكان يُعتقَد أن كثيرين في القبيلة قضوا ليلةً بلا نوم، تمامًا كما فعل شاو شوان.
وقبل أن يغادرا، وعد كلٌّ من توو وكيكي شاو شوان بأن يدفعا له الكثير من الطعام إذا ساعدهما في صنع اثنين آخرين لهما.
أُخِذَ كيكي بعيدًا على يد توو، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد أن نال ضربًا مبرحًا.
يُقال إن البوميرانغ اختراعٌ للشعوب الأصلية، غير أنّه هنا لم يكن ذا فائدةٍ كبيرة في الصيد، نظرًا لكثرة الوحوش الشرسة في الغابات. فلم يكن للبوميرانغ في ذاته أيُّ قدرةٍ فتاكة حقيقية.
لم يكن الآخرون يسمعون صرخات سنونو الليل، لكن شاو شوان كان يسمعها. وكان يسمع في نداءاتهم آثار حماسة. لقد كان عطشًا للدم، عطشًا محمومًا للدم، وهو ما ساعدهم على تجاوز خوفهم من النار. وحتى عندما كان أحدهم يسافر ليلًا وهو يحمل مشعلًا في يده، كان لا يزال يتعرّض لهجومٍ جنوني من سنونو الليل. وكان كثيرٌ منها يحترق بسبب ذلك، لكنها كانت تتصرّف وكأن كل ما تراه هو هدف الهجوم.
ومع ذلك، كان يمكن استخدامه لطرد الحيوانات والطيور غير المعنية، أو استعماله طُعمًا لجذب انتباه الوحوش الشرسة.
وكانت الرياح تعصف بقوة في الخارج، وتُقذَف الحصى في كل مكان، فتضرب الجدران الخشبية وتُحدث أصوات طَرقٍ متكسّرة. بل إن شاو شوان تساءل عمّا إذا كانت الجدران الخشبية ستُثقب بفعل الحصى.
أما عن السؤال الذي طرحه توو قبل مغادرته، حول ما إذا كان شاو شوان على استعداد للعودة إلى المجموعة المتقدّمة، فلم يُعطِ شاو شوان إجابةً قاطعة. لأن ما كان يرغب في فعله في الوقت الحالي هو ترقية قوته.
وكان ذلك الصوت الهادر، المصحوب بالاهتزازات الشديدة في الأرض تحت الأقدام، والهواء الرطب… من الواضح، كما قال المحاربون القدامى ذوو الخبرة، أن النهر الذي “اختفى” كان يعود.
قد لا يكون توو وكيكي قد قدما إلى هنا بأمرٍ من تا، لكن تا لا بد أنه كان يعلم بذلك مسبقًا، ولم يمنعهما من المجيء.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ومهما يكن ما كان يفكّر فيه تا، فإن شاو شوان لم يكن لديه أي نية للعودة إلى المجموعة المتقدّمة، إذ كان يشعر براحةٍ أكبر بالبقاء في فريق صيد ماي. وبسبب حصاد شاو شوان ومآثره السابقة، كان الشامان يزوّده بالأعشاب التي يحتاجها. وقد سلّم شاو شوان جميع الأعشاب إلى العجوز كي، وبدا العجوز كي أفضل حالًا بكثير مما كان عليه في السنوات القليلة الماضية.
ومهما يكن ما كان يفكّر فيه تا، فإن شاو شوان لم يكن لديه أي نية للعودة إلى المجموعة المتقدّمة، إذ كان يشعر براحةٍ أكبر بالبقاء في فريق صيد ماي. وبسبب حصاد شاو شوان ومآثره السابقة، كان الشامان يزوّده بالأعشاب التي يحتاجها. وقد سلّم شاو شوان جميع الأعشاب إلى العجوز كي، وبدا العجوز كي أفضل حالًا بكثير مما كان عليه في السنوات القليلة الماضية.
وعندما عاد إلى وعيه، رأى سيزر جالسًا على الأرض، يحدّق في البوميرانغ المكسور. تقدّم شاو شوان وجمع البوميرانغ المكسور، ثم رماه في الداخل ليُستَخدم حطبًا للنار. وربّت بلطفٍ على رأس الذئب مواسيًا: “سأصنع لك واحدًا جديدًا غدًا.”
وفي ساعةٍ متأخرة من الليل، أيقظ شاو شوان اهتزازُ الأرض مرةً أخرى. ومع الاهتزاز، كانت هناك ضوضاء هائلة، كأن عشرة آلاف حصانٍ تركض معًا، مهيبة للغاية.
وربما بسبب التمرين خلال النهار، استُنزفت طاقة سيزر كثيرًا، فأصبح أكثر هدوءًا ليلًا.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
وقف شاو شوان عند بابه، محدّقًا في السماء.
ومهما يكن ما كان يفكّر فيه تا، فإن شاو شوان لم يكن لديه أي نية للعودة إلى المجموعة المتقدّمة، إذ كان يشعر براحةٍ أكبر بالبقاء في فريق صيد ماي. وبسبب حصاد شاو شوان ومآثره السابقة، كان الشامان يزوّده بالأعشاب التي يحتاجها. وقد سلّم شاو شوان جميع الأعشاب إلى العجوز كي، وبدا العجوز كي أفضل حالًا بكثير مما كان عليه في السنوات القليلة الماضية.
كان القمران شبه مكتملين، وكانا يتداخلان تدريجيًا. ووفقًا لقصص المحاربين القدامى ذوي الخبرة، فإن النهر كان يهبط سريعًا حالما يلتقي القمران.
كان التغيّر واضحًا جدًا.
لم يخرج الناس إلا في اليوم التالي، حين اختفى القمران وطلعت الشمس. وكان على وجوه الجميع تعبيرٌ مبهج. لقد كان تراكب القمرين بوضوح لا يُسبّب أي أذى جسدي فعلي، لكن الإحساس بالخوف الذي خلقه كان قد خيّم على قلوب الجميع. ولم يجدوا عزاءهم إلا في اللهب على قمة الجبل. والآن، مع زوال القمرين المتراكبين، بدا وكأن الجميع قد عادوا إلى الحياة من جديد.
وفي اليوم التالي، حين جاء شاو شوان إلى ضفة النهر، لاحظ أن منسوب المياه قد انخفض بالفعل انخفاضًا كبيرًا. وكان النهر يندفع بسرعة نحو مجراه السفلي المعتاد، كأن المياه كانت تُسحَب إلى مكانٍ ما.
لم يكن الآخرون يسمعون صرخات سنونو الليل، لكن شاو شوان كان يسمعها. وكان يسمع في نداءاتهم آثار حماسة. لقد كان عطشًا للدم، عطشًا محمومًا للدم، وهو ما ساعدهم على تجاوز خوفهم من النار. وحتى عندما كان أحدهم يسافر ليلًا وهو يحمل مشعلًا في يده، كان لا يزال يتعرّض لهجومٍ جنوني من سنونو الليل. وكان كثيرٌ منها يحترق بسبب ذلك، لكنها كانت تتصرّف وكأن كل ما تراه هو هدف الهجوم.
كان النهر “يختفي” عندما يكتمل القمران.
ولولا أن بعض المحاربين القدامى ذوي الخبرة قد حذّروه من هذا الأمر، لكان شاو شوان قد أصيب بذعرٍ نفسي من المجهول بسبب هذه الظاهرة غير الطبيعية.
وبعد انحسار النهر، انكشفت كمياتٌ كبيرة من الطمي إلى الخارج. وكان الناس يستطيعون حتى رؤية أشياء تتحرّك داخل ذلك الطمي. وأحيانًا، كانت بعض الطيور المجهولة تطير إلى تلك الرواسب وتنبش التراب بمنقارها. لكن في بعض الأحيان، كان فمٌ عملاق ينفتح من الطمي ويجرّ الطائر المحلق إلى الوحل.
كانت صرخةً حادّة، برزت بوضوح وسط الأصوات الهادرة. ومباشرةً بعد تلك الصرخة الحادة الشبيهة بالصفير، جاء الصوت الرعدي المألوف، الذي غطّى على الهدير السابق. لقد كان إعلان السيد، وعلى جميع الأصوات الأخرى أن تُبدي الخضوع!
حتى وإن لم يبقَ سوى الطمي، فقد كان المكان لا يزال شديد الخطورة. ولا عجب أن قيادة القبيلة منعت الناس من الاقتراب من ضفة النهر. فليس من السهل فقط الغوص في الرواسب، بل إن المخلوقات المختبئة في التراب كانت أيضًا تهديدًا كبيرًا.
لم يخرج الناس إلا في اليوم التالي، حين اختفى القمران وطلعت الشمس. وكان على وجوه الجميع تعبيرٌ مبهج. لقد كان تراكب القمرين بوضوح لا يُسبّب أي أذى جسدي فعلي، لكن الإحساس بالخوف الذي خلقه كان قد خيّم على قلوب الجميع. ولم يجدوا عزاءهم إلا في اللهب على قمة الجبل. والآن، مع زوال القمرين المتراكبين، بدا وكأن الجميع قد عادوا إلى الحياة من جديد.
وخلال الأيام القليلة التالية، كان القمران يتداخلان تدريجيًا أكثر فأكثر، وكان النهر يجري بسرعةٍ أكبر، وينخفض بسرعةٍ أشد. والآن، إذا وقفت بجانب أول حاجز للأسماك، فلن ترى شيئًا سوى الطمي. غير أنه لولا انخفاض منسوب المياه، لما استطاع الناس أبدًا رؤية ما كان عليه قاع النهر.
وازداد الصوت الهادر علوًا.
وبالإضافة إلى الطمي، كانت هناك بعض النباتات النهرية الغريبة الشكل قائمة هناك، أشبه بالمرجان. وكانت بعض النباتات النهرية الأخرى تتحرّك مثل النباتات المائية العادية.
لم يكن الآخرون يسمعون صرخات سنونو الليل، لكن شاو شوان كان يسمعها. وكان يسمع في نداءاتهم آثار حماسة. لقد كان عطشًا للدم، عطشًا محمومًا للدم، وهو ما ساعدهم على تجاوز خوفهم من النار. وحتى عندما كان أحدهم يسافر ليلًا وهو يحمل مشعلًا في يده، كان لا يزال يتعرّض لهجومٍ جنوني من سنونو الليل. وكان كثيرٌ منها يحترق بسبب ذلك، لكنها كانت تتصرّف وكأن كل ما تراه هو هدف الهجوم.
وعلى مسافةٍ تقل عن عشرة أمتار أمام أول حاجز للأسماك، كان هناك منحدرٌ حاد، بينما على بعد مئة متر، كان العمق يشتد، حتى إن الناس كانوا يشعرون بأنهم لا يستطيعون رؤية القاع.
يُقال إن البوميرانغ اختراعٌ للشعوب الأصلية، غير أنّه هنا لم يكن ذا فائدةٍ كبيرة في الصيد، نظرًا لكثرة الوحوش الشرسة في الغابات. فلم يكن للبوميرانغ في ذاته أيُّ قدرةٍ فتاكة حقيقية.
وبما أن أسياد النهر كانوا يقطنون فيه، فلم يكن نهرًا عاديًا على الإطلاق. وكان من الصعب تخيّل مدى عمق النهر في الحقيقة.
الفصل 93 – تراكب القمرين
وقبل أن “تختفي” المياه، كان شاو شوان يلقي قطعة خشب في النهر، ويراقبها وهي تنجرف مع التيار إلى الأسفل. وقبل أن تبتعد الأخشاب إلى حدٍّ يتعذّر معه رؤيتها، لم تغرق أيٌّ منها. ومن الواضح أن المخلوقات الآكلة للخشب لم تكن في النهر في الوقت الحالي.
لم يكن الآخرون يسمعون صرخات سنونو الليل، لكن شاو شوان كان يسمعها. وكان يسمع في نداءاتهم آثار حماسة. لقد كان عطشًا للدم، عطشًا محمومًا للدم، وهو ما ساعدهم على تجاوز خوفهم من النار. وحتى عندما كان أحدهم يسافر ليلًا وهو يحمل مشعلًا في يده، كان لا يزال يتعرّض لهجومٍ جنوني من سنونو الليل. وكان كثيرٌ منها يحترق بسبب ذلك، لكنها كانت تتصرّف وكأن كل ما تراه هو هدف الهجوم.
ومع اقتراب التراكب الكامل للقمرين، لم يكن سيزر وتشاتشا وحدهما من أصبحا أكثر شذوذًا. فقد صار سنونو الليل أشد شراسةً من أي وقتٍ مضى.
وكان ذلك الصوت الهادر، المصحوب بالاهتزازات الشديدة في الأرض تحت الأقدام، والهواء الرطب… من الواضح، كما قال المحاربون القدامى ذوو الخبرة، أن النهر الذي “اختفى” كان يعود.
لم يكن الآخرون يسمعون صرخات سنونو الليل، لكن شاو شوان كان يسمعها. وكان يسمع في نداءاتهم آثار حماسة. لقد كان عطشًا للدم، عطشًا محمومًا للدم، وهو ما ساعدهم على تجاوز خوفهم من النار. وحتى عندما كان أحدهم يسافر ليلًا وهو يحمل مشعلًا في يده، كان لا يزال يتعرّض لهجومٍ جنوني من سنونو الليل. وكان كثيرٌ منها يحترق بسبب ذلك، لكنها كانت تتصرّف وكأن كل ما تراه هو هدف الهجوم.
وكان ذلك الصوت الهادر، المصحوب بالاهتزازات الشديدة في الأرض تحت الأقدام، والهواء الرطب… من الواضح، كما قال المحاربون القدامى ذوو الخبرة، أن النهر الذي “اختفى” كان يعود.
وكان سيزر أيضًا يواصل العواء ليلًا في تلك الأيام، تمامًا مثل ذئاب الغابة. ففي العام الماضي، لم تكن أعراض سيزر واضحةً إلى هذا الحد بسبب صغر سنّه. لكن هذا العام، كان الأمر مختلفًا.
وقبل أن يغادرا، وعد كلٌّ من توو وكيكي شاو شوان بأن يدفعا له الكثير من الطعام إذا ساعدهما في صنع اثنين آخرين لهما.
في البداية، ظنّ المحاربون القائمون على الحراسة أن بعض قطعان الذئاب ربما دخلت القبيلة، لكنهم أدركوا أنه سيزر بعد أن رأوه بأعينهم. لأن سيزر لم يكن يعوي في الماضي.
فكل تلك المخلوقات التي اختفت خلال موسم الأمطار، عادت جميعها مع المياه.
أما تشاتشا، فكان يبقى في عشه ولا يذهب إلى أي مكان، ولا يفعل شيئًا، كأنه كان يعتقد أن الخارج خطر. وكان شاو شوان ليفترض أنه مريض لولا شهيته المتزايدة.
ومع اقتراب التراكب الكامل للقمرين، لم يكن سيزر وتشاتشا وحدهما من أصبحا أكثر شذوذًا. فقد صار سنونو الليل أشد شراسةً من أي وقتٍ مضى.
غير أن النهر العظيم أسفل الجبل كان يختفي تدريجيًا. وكان أكثر ما يشعر به الناس بشكلٍ مباشر هو أن المياه كانت تبتعد، كأن لم يكن هناك نهرٌ عظيم أسفل الجبل قط، ولم يبقَ سوى هاويةٍ مملوءة بالطمي.
وحتى داخل الكوخ، كان يمكن سماع زئير الحيوانات البعيد الغامض من الغابة.
وإذا رفعت رأسك ونظرت إلى البعيد، فلن تجد شيئًا. لا نهر، ولا ضفة، ولا حدّ.
ومع اقتراب التراكب الكامل للقمرين، لم يكن سيزر وتشاتشا وحدهما من أصبحا أكثر شذوذًا. فقد صار سنونو الليل أشد شراسةً من أي وقتٍ مضى.
ولولا أن بعض المحاربين القدامى ذوي الخبرة قد حذّروه من هذا الأمر، لكان شاو شوان قد أصيب بذعرٍ نفسي من المجهول بسبب هذه الظاهرة غير الطبيعية.
قمرٌ عملاق مستدير معلّق في السماء، كأنه مقلة عينٍ شاحبة هائلة تحدّق في كل ما تحتها.
وفي الليلة ذاتها التي تراكب فيها القمران تراكبًا كاملًا، كان الضوء ساطعًا كضوء النهار.
وبعد برهة.
وبعد تراكب القمرين، بدا كأنهما اندمجا معًا في قمرٍ أكبر.
وخلال الأيام القليلة التالية، كان القمران يتداخلان تدريجيًا أكثر فأكثر، وكان النهر يجري بسرعةٍ أكبر، وينخفض بسرعةٍ أشد. والآن، إذا وقفت بجانب أول حاجز للأسماك، فلن ترى شيئًا سوى الطمي. غير أنه لولا انخفاض منسوب المياه، لما استطاع الناس أبدًا رؤية ما كان عليه قاع النهر.
قمرٌ عملاق مستدير معلّق في السماء، كأنه مقلة عينٍ شاحبة هائلة تحدّق في كل ما تحتها.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
في تلك الليلة، كان سنونو الليل يرقص بجنون فوق قاع النهر الخالي، لكنه لم يعد إلى القبيلة أبدًا.
يُقال إن البوميرانغ اختراعٌ للشعوب الأصلية، غير أنّه هنا لم يكن ذا فائدةٍ كبيرة في الصيد، نظرًا لكثرة الوحوش الشرسة في الغابات. فلم يكن للبوميرانغ في ذاته أيُّ قدرةٍ فتاكة حقيقية.
وعلى قمة جبل القبيلة، كان الشامان يتمتم بشيءٍ ما إلى جانب حفرة النار. وفي داخل حفرة النار، كانت كرة اللهب الصغيرة أصلًا قد نمت لتصبح كرةً كبيرة، ملأت حفرة النار بأكملها. وكانت ألسنة اللهب العالية تواصل رقصها في الهواء، مما جعل قمة الجبل تبدو كمشعلٍ هائل. وقد خفّف ذلك على نحوٍ ما من مزاج الناس وهدّأ أعصابهم.
غير أنه كان أيضًا كإشارة، إشارة عودةٍ مجيدة.
كان الصمت مخيفًا في أرجاء القبيلة كلها. وباستثناء الشامان، الذي كان واقفًا على قمة الجبل، لم يُسمح لأحد بالخروج. وكان قد قيل لشاو شوان منذ زمنٍ قبل هذه الليلة أن يبقى في كوخه ويلتزم السلوك الحسن. وكان سيزر يعوي في الغرفة، بينما كان تشاتشا قد تقوّس على نفسه في عشه، متحوّلًا إلى كرةٍ من الريش. وكان سيُدخِل رأسه تمامًا تحت كتفيه لو استطاع.
في البداية، ظنّ المحاربون القائمون على الحراسة أن بعض قطعان الذئاب ربما دخلت القبيلة، لكنهم أدركوا أنه سيزر بعد أن رأوه بأعينهم. لأن سيزر لم يكن يعوي في الماضي.
وحتى داخل الكوخ، كان يمكن سماع زئير الحيوانات البعيد الغامض من الغابة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لم يخرج الناس إلا في اليوم التالي، حين اختفى القمران وطلعت الشمس. وكان على وجوه الجميع تعبيرٌ مبهج. لقد كان تراكب القمرين بوضوح لا يُسبّب أي أذى جسدي فعلي، لكن الإحساس بالخوف الذي خلقه كان قد خيّم على قلوب الجميع. ولم يجدوا عزاءهم إلا في اللهب على قمة الجبل. والآن، مع زوال القمرين المتراكبين، بدا وكأن الجميع قد عادوا إلى الحياة من جديد.
أُخِذَ كيكي بعيدًا على يد توو، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد أن نال ضربًا مبرحًا.
وفي الليلة التالية لتراكب القمرين، كان هناك أيضًا قمرٌ واحد في السماء، لكنه لم يكن كبيرًا كما في الليلة السابقة. وإذا راقبت عن كثب، أمكنك أن ترى القمرين ينفصلان ببطءٍ طفيف.
أُخِذَ كيكي بعيدًا على يد توو، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد أن نال ضربًا مبرحًا.
وفي وقتٍ متأخر من الليل، لاحظ شاو شوان أن الأرض تحت قدميه كانت تهتز، وكان ذلك يشتد شيئًا فشيئًا. وكان قد تعلّم المزيد عن هذه الأحداث من العجوز كي، لذا لم يكن قلقًا هذه المرة. وعندما فكّر في العام الماضي، حين كان لا يزال في كهف الأيتام، تذكّر كيف ظنّ أنه زلزال، فركض خارج الكهف، لكنه سُحِبَ عائدًا إلى الداخل وتعرّض لسخرية الأطفال الآخرين.
وعندما عاد إلى وعيه، رأى سيزر جالسًا على الأرض، يحدّق في البوميرانغ المكسور. تقدّم شاو شوان وجمع البوميرانغ المكسور، ثم رماه في الداخل ليُستَخدم حطبًا للنار. وربّت بلطفٍ على رأس الذئب مواسيًا: “سأصنع لك واحدًا جديدًا غدًا.”
وفي ساعةٍ متأخرة من الليل، أيقظ شاو شوان اهتزازُ الأرض مرةً أخرى. ومع الاهتزاز، كانت هناك ضوضاء هائلة، كأن عشرة آلاف حصانٍ تركض معًا، مهيبة للغاية.
حتى وإن لم يبقَ سوى الطمي، فقد كان المكان لا يزال شديد الخطورة. ولا عجب أن قيادة القبيلة منعت الناس من الاقتراب من ضفة النهر. فليس من السهل فقط الغوص في الرواسب، بل إن المخلوقات المختبئة في التراب كانت أيضًا تهديدًا كبيرًا.
صار الجو أكثر رطوبة، إذ أخذ المزيد والمزيد من البخار يتشكّل في الهواء.
وفي ساعةٍ متأخرة من الليل، أيقظ شاو شوان اهتزازُ الأرض مرةً أخرى. ومع الاهتزاز، كانت هناك ضوضاء هائلة، كأن عشرة آلاف حصانٍ تركض معًا، مهيبة للغاية.
وكانت الرياح تعصف بقوة في الخارج، وتُقذَف الحصى في كل مكان، فتضرب الجدران الخشبية وتُحدث أصوات طَرقٍ متكسّرة. بل إن شاو شوان تساءل عمّا إذا كانت الجدران الخشبية ستُثقب بفعل الحصى.
حتى وإن لم يبقَ سوى الطمي، فقد كان المكان لا يزال شديد الخطورة. ولا عجب أن قيادة القبيلة منعت الناس من الاقتراب من ضفة النهر. فليس من السهل فقط الغوص في الرواسب، بل إن المخلوقات المختبئة في التراب كانت أيضًا تهديدًا كبيرًا.
وازداد الصوت الهادر علوًا.
كان التغيّر واضحًا جدًا.
وكان ذلك الصوت الهادر، المصحوب بالاهتزازات الشديدة في الأرض تحت الأقدام، والهواء الرطب… من الواضح، كما قال المحاربون القدامى ذوو الخبرة، أن النهر الذي “اختفى” كان يعود.
أُخِذَ كيكي بعيدًا على يد توو، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد أن نال ضربًا مبرحًا.
وبعد برهة.
في تلك الليلة، كان سنونو الليل يرقص بجنون فوق قاع النهر الخالي، لكنه لم يعد إلى القبيلة أبدًا.
“ووو~~!”
وربما بسبب التمرين خلال النهار، استُنزفت طاقة سيزر كثيرًا، فأصبح أكثر هدوءًا ليلًا.
كانت صرخةً حادّة، برزت بوضوح وسط الأصوات الهادرة. ومباشرةً بعد تلك الصرخة الحادة الشبيهة بالصفير، جاء الصوت الرعدي المألوف، الذي غطّى على الهدير السابق. لقد كان إعلان السيد، وعلى جميع الأصوات الأخرى أن تُبدي الخضوع!
“ووو~~!”
غير أنه كان أيضًا كإشارة، إشارة عودةٍ مجيدة.
وكان ذلك الصوت الهادر، المصحوب بالاهتزازات الشديدة في الأرض تحت الأقدام، والهواء الرطب… من الواضح، كما قال المحاربون القدامى ذوو الخبرة، أن النهر الذي “اختفى” كان يعود.
فكل تلك المخلوقات التي اختفت خلال موسم الأمطار، عادت جميعها مع المياه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وخفت الصوت الهادر تدريجيًا، لكن صوت أسياد النهر ظلّ يرنّ طوال الليل. وكان يُعتقَد أن كثيرين في القبيلة قضوا ليلةً بلا نوم، تمامًا كما فعل شاو شوان.
وفي الليلة ذاتها التي تراكب فيها القمران تراكبًا كاملًا، كان الضوء ساطعًا كضوء النهار.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 93 – تراكب القمرين
حتى وإن لم يبقَ سوى الطمي، فقد كان المكان لا يزال شديد الخطورة. ولا عجب أن قيادة القبيلة منعت الناس من الاقتراب من ضفة النهر. فليس من السهل فقط الغوص في الرواسب، بل إن المخلوقات المختبئة في التراب كانت أيضًا تهديدًا كبيرًا.
