الفصل 84: أغنية الجندي العجوز
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تكلم يوريتش. بدا صوته منخفضًا، لا يسمعه إلا سفين، لكن دلالته عميقة.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ
لم يكن المهم جودة علاقتهما، بل وجود الثقة أو انعدامها.
ترجمة: ســاد
“حاكم الشمس لو، حاكم اللطف. إن كنتَ تُحب السلام حقًا، فعليك مساعدتي هذه المرة، أليس كذلك؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“نعم.” أومأ يوريتش برأسه.
وصلت الحرب الأهلية إلى طريق مسدود. حاصر جيش باهيل قلعة هارماتي، واستمر الحصار أسبوعين.
تصبب دونوفان عرقًا باردًا. اقترب من يوريتش.
تمتعت قلعة هارماتي بتضاريس مناسبة لمعركة دفاعية. ومع وجود المنحدرات الساحلية خلفها، لم يكن هناك مجال للجيش للمناورة حولها. بدت الاستراتيجية الوحيدة هي الهجوم المباشر.
بدا فيرزين يُحضر دائمًا مشروباتٍ فاخرة. وبفضل مكانته في ساحة المعركة، لم يكن من الصعب الحصول على مشروباتٍ فاخرة حتى أثناء الحرب.
“هيا، تحرك بشكل أسرع، أسرع!”
“كهنة الشمس يكرهونه. إنه قوي جدًا، فيحوّل البشر إلى وحوش.”
“هذا الطول قصير جدًا.”
عليه أن يكون حذرًا في كلامه مع النبلاء. لم يكن يستطيع البوح بمشاعره لهم. سواءً شاء أم أبى، عليه أن يُجري حسابات سياسية معهم في كل لقاء. مواجهة النبلاء بحد ذاتها مُرهقة للغاية. شعر باهيل بالإرهاق.
كان مهندسو الإمبراطورية يعملون بجد، ويقطعون الأخشاب دون ارتداء قمصانهم.
“صحيح، الجلوس ساكنًا يُشعر المرء بالتيبس. هناك طريق قديم في الغابة خلف مخيمنا. إنه مُغطى بالأعشاب ويسهل إغفاله، لكنه كان طريقًا جيدا في الماضي. إذا اتبعته، ستجد بركة جميلة. أقضي وقت فراغي الآن في صيد الأسماك في تلك البركة.”
“الخشب!”
“جدي، ماذا قصدت عندما قلت أنني لا أنتمي إلى الشمال ولا إلى الجنوب؟”
صاح جندي يحمل فأسًا بينما سقطت شجرة شاهقة وهو يمسح العرق المتصبب عن وجهه. سرعان ما تحولت الشجرة إلى خشب، تتراكم في المخيم. كانت مادة لصنع أسلحة الحصار، بالإضافة إلى حطب للتدفئة في الشتاء.
أمسك يوريتش بقلادة الشمس كشخص متحضر.
“هذه قلعةٌ متينةٌ جدًا. إنها قلعةٌ رائعة.”
“هذا ليس معنى الاسم، بل سُمي بهذا الاسم نسبةً إلى طريقة صنعه الفريدة.”
قال فيرزين، وهو ينظر إلى جدران القلعة بعينيه الشاحبتين. شرح فارس إمبراطوري بجانبه معالم الجدران لفيرزين.
سار دونوفان عبر المخيم بخطى واسعة. نظر إلى خيمة فيرزين عدة مرات.
“الجنرال فيرزين، هل لا توجد طريقة للتغلب عليها؟”
بدأ فيرزين بمشاركة معرفته الواسعة. ورغم تقدمه في السن، معرفته عميقة، و معظمها عن البرابرة.
سأل باهيل بقلق. الشتاء على الأبواب.
صلى سفين على الطريقة الشمالية، ورفع سلاحه إلى أنفه.
” يا أمير فاركا، الحصار معركة صبر، يا إلهي. ضد حصن كهذا، لا أستطيع ضمان النصر في هجوم مباشر. لو كنتُ أنا من يدافع عنه، لتمكنتُ بسهولة من صد خمسة آلاف رجل بألف رجل فقط.”
ظن دونوفان في البداية أنها مزحة، لكن عندما رأى عيني يوريتش، أدرك سريعًا أنها ليست كذلك. بدت عينا يوريتش جديتين للغاية.
“إذا جاء الشتاء بهذه الطريقة، فإن اللوردات سوف يستعيدون قواتهم.”
عليه أن يكون حذرًا في كلامه مع النبلاء. لم يكن يستطيع البوح بمشاعره لهم. سواءً شاء أم أبى، عليه أن يُجري حسابات سياسية معهم في كل لقاء. مواجهة النبلاء بحد ذاتها مُرهقة للغاية. شعر باهيل بالإرهاق.
جيش اللورد أيضًا بمثابة القوة العاملة في مملكته. ولأن الجيوش تُحشد على عجل دون أن يتوفر لها الوقت للاستعداد للشتاء القادم، من الصعب الحفاظ على الجيش لفترة طويلة.
“كهنة الشمس يكرهونه. إنه قوي جدًا، فيحوّل البشر إلى وحوش.”
“الوضع أسوأ بالنسبة للدوق هارماتي. فمع انخفاض معنوياتهم، ستكثر حالات الانشقاق. مع قليل من الحظ، قد يكون هناك ما يكفي من الأصوات التي تطالب بالاستسلام داخل جيشهم لتسليم رأس الدوق هارماتي لنا. على أي حال، ما دمنا نواصل الحصار، فسيكونون أول من ينهار. ثق بي أيها الأمير. نحن المنتصرون. سيصمد اللوردات قدر استطاعتهم.”
زار يوريتش فيرزين بعد معركة بالدريك. في تلك اللحظة، لم تكن تبعيات المعركة قد هدأت بعد.
“قال فيرزين وهو يربت على صدره برفق.
“نعم.” أومأ يوريتش برأسه.
“سيكون ذلك مُريحًا. أتمنى فقط ألا تطول الحرب أكثر مما هي عليه الآن.”
أومأ باهيل. بدا فيرزين خبيرًا في الحرب. لم تكن معرفة باهيل المحدودة ذات فائدة.
“سنصنع أسلحة حصار ونهاجمهم عدة مرات. هذا سيبقيهم متوترين، ويبقيهم مستيقظين ليلًا ونهارًا ”
“شكرًا لك، دونوفان.”
أومأ باهيل. بدا فيرزين خبيرًا في الحرب. لم تكن معرفة باهيل المحدودة ذات فائدة.
دونوفان، نائب زعيم أخوة يوريتش، كان يشرب أحيانًا مع شيطان السيف فيرزين. بدا تقاسم الشراب مع أسطورة حية شرفًا عظيمًا. حتى دونوفان، الذي اعتاد العدوانية، بدا وديعًا أمام فيرزين.
“لو أننا تمكنا من القبض عليهم في المعركة السابقة…”
أضاءت عينا دونوفان. حرك شفتيه بهدوء كما لو يذكر نفسه يشيئ ما.
كانت تلك هي الفرصة الأخيرة لإنهاء الحرب الأهلية مرة واحدة وإلى الأبد.
أنقذ فيرزين حياته مرة، لكن بالنسبة لشخصٍ بمكانته، كانت مجرد لفتة بسيطة. لن يُخاطر فيرزين بإيذاء نفسه من أجل دونوفان، لكن يوريتش سيفعل. دونوفان يعرف أي نوع من الرجال هو يوريتش.
“أنت تقودنا إلى معركة قبيحة. دوق هارماتي.”
“نعم.” أومأ يوريتش برأسه.
الموازين قد انقلبت بالفعل. أصبحت نهاية الدوق هارماتي متوقعة. مهما دافع ببراعة، ستسقط قلعة معزولة في النهاية. أصبحت مسألة وقت فقط.
“أردتُ إنهاء الحرب الأهلية بأسرع وقت ممكن، يا سيدي فيليون ” تمتم باهيل وهو يشرب الماء من الكوب. أصبح فمه جافًا.
توجه فيليون إلى باهيل حاملاً بعض الماء البارد في الكوب.
قتل فيرزين هو الخيار الأمثل. فيرزين وحده يعلم كم يعرف عن يوريتش ومن أخبره. وسواءً وصل الأمر إلى مسامع الإمبراطور أم لا، لم يكن أمام يوريتش سوى خيار واحد.
” خذ نفسًا عميقًا يا أميري. الجنرال فيرزين مُحق تمامًا. الوقت في صالحنا.”
“قال فيرزين وهو يربت على صدره برفق.
“أردتُ إنهاء الحرب الأهلية بأسرع وقت ممكن، يا سيدي فيليون ” تمتم باهيل وهو يشرب الماء من الكوب. أصبح فمه جافًا.
خفت القمر. أنهى دونوفان الشراب ونهض. انحنى لفيرزين باحترام وغادر الخيمة.
باهيل يخشى الخروج من الخيمة. في الخارج، الجنود المجندون أشعثو الشعر ينظرون إليه بعيون عابسة وهم يرتشفون حساءً خفيفًا. في الجهة المقابلة، النبلاء الممتلئون يهرعون لإطرائه عند رؤيته.
بدا فيرزين يُحضر دائمًا مشروباتٍ فاخرة. وبفضل مكانته في ساحة المعركة، لم يكن من الصعب الحصول على مشروباتٍ فاخرة حتى أثناء الحرب.
“لماذا لا تترك الحصار للجنرال فيرزين وتذهب إلى القلعة؟ من المفترض أن تكون استعدادات التتويج قد انتهت الآن. يمكنك الذهاب في أي وقت إلى…”
ترجمة: ســاد
“الحرب لم تنتهِ بعد. لن يبدو الوضع جيدًا. لا أستطيع الذهاب إلى القلعة وحدي لأرتاح.” عضّ باهيل ظفره.
“هل أصبح فيرزين خرفًا حقًا؟”
” الأمير فاركا، حان الوقت لتتعلم بعض الصبر، أوهوهو.”
بوو!
قال فيرزين وغادر الخيمة. حالما غادر، دخل النبلاء الذين كانوا ينتظرون فرصتهم إلى خيمة باهيل.
بوو!
“أميري، لديّ ابنة ثالثة لم تتزوج بعد. وهي تشبه زوجتي…”
” الأمير فاركا، حان الوقت لتتعلم بعض الصبر، أوهوهو.”
” ابنتك بالكاد تبلغ من العمر ست سنوات الآن! وأنت تتحدث عن زواجها؟”
صرخ النبلاء، متنافسين على جذب الانتباه. كانوا يائسين لإبهار الأمير. أشاد النبلاء ذوو البنات بجلالهم وجمالهم.
“ستة ليس بعيدًا جدًا عن سن الزواج!”
قال فيرزين وغادر الخيمة. حالما غادر، دخل النبلاء الذين كانوا ينتظرون فرصتهم إلى خيمة باهيل.
صرخ النبلاء، متنافسين على جذب الانتباه. كانوا يائسين لإبهار الأمير. أشاد النبلاء ذوو البنات بجلالهم وجمالهم.
“لا تهددني يا يوريتش ” صرخ دونوفان. بدا وجهه المخمور شرسًا.
“ما الذي يشغل بال يوريتش حتى لا يظهر وجهه هكذا؟ اللعنة.”
على عكس اسمه، كان شراب العسل أبعد ما يكون عن السلاسة أو الحلاوة. ونظرًا لقسوة مناخ الشمال، رشفة واحدة كافية لاحمرار الوجه. لم يملأ دفء الشراب الحلق فحسب، بل المعدة أيضًا.
أجبر باهيل نفسه على الابتسام أمام النبلاء. بدا يفتقد يوريتش. مؤخرًا، بدا أن يوريتش مشغول جدًا ولم يتمكن من زيارته.
قتل فيرزين هو الخيار الأمثل. فيرزين وحده يعلم كم يعرف عن يوريتش ومن أخبره. وسواءً وصل الأمر إلى مسامع الإمبراطور أم لا، لم يكن أمام يوريتش سوى خيار واحد.
عليه أن يكون حذرًا في كلامه مع النبلاء. لم يكن يستطيع البوح بمشاعره لهم. سواءً شاء أم أبى، عليه أن يُجري حسابات سياسية معهم في كل لقاء. مواجهة النبلاء بحد ذاتها مُرهقة للغاية. شعر باهيل بالإرهاق.
“إذا كنت قد اتخذت قرارك، فمن الأفضل أن تتصرف بسرعة.”
* * *
“إذا كنت قد اتخذت قرارك، فمن الأفضل أن تتصرف بسرعة.”
زار يوريتش فيرزين بعد معركة بالدريك. في تلك اللحظة، لم تكن تبعيات المعركة قد هدأت بعد.
رفع دونوفان الزجاجة فجأة بتعبير غير واضح على وجهه.
“جدي، ماذا قصدت عندما قلت أنني لا أنتمي إلى الشمال ولا إلى الجنوب؟”
“مشروب السيدات… أخمن أنه قوي جدًا بحيث لا يمكن للنساء شربه.”
سأل يوريتش وهو يحرك فأسه في يده. بدا وجهه ملطخًا بالدماء، مبتسمًا، لكن كلماته بدت حادة كالشوك.
“هيا، تحرك بشكل أسرع، أسرع!”
“قلتُ ذلك؟ يا إلهي، ذاكرتي أصبحت متقلبة مع التقدم في السن.”
“هذا هو مشروب العسل على الطريقة الشمالية ” قال فيرزين وهو يهز زجاجة مشروب برونزية.
بدا هذا جواب شيطان السيف فيرزين.
التقط يوريتش فأسه.
“…حقًا؟ يبدو أنني لم أسمعك جيدًا.” ردّ يوريتش بلامبالاة وهو ينقر على أذنه.
“سنصنع أسلحة حصار ونهاجمهم عدة مرات. هذا سيبقيهم متوترين، ويبقيهم مستيقظين ليلًا ونهارًا ”
“هل أصبح فيرزين خرفًا حقًا؟”
ذكرى ذلك اليوم، قرار ذلك اليوم، عقلية ذلك اليوم.
حتى بعد مرور شهر، لا يزال يوريتش يفكر في تلك الكلمات.
“الوضع أسوأ بالنسبة للدوق هارماتي. فمع انخفاض معنوياتهم، ستكثر حالات الانشقاق. مع قليل من الحظ، قد يكون هناك ما يكفي من الأصوات التي تطالب بالاستسلام داخل جيشهم لتسليم رأس الدوق هارماتي لنا. على أي حال، ما دمنا نواصل الحصار، فسيكونون أول من ينهار. ثق بي أيها الأمير. نحن المنتصرون. سيصمد اللوردات قدر استطاعتهم.”
“بالنسبة لرجل عجوز خرف، حكمه حاد جدًا. ما زال مهارته في المبارزة حية. مجنون مؤخرتي…”
“لو أننا تمكنا من القبض عليهم في المعركة السابقة…”
ضحك يوريتش ضحكة فارغة. مؤخرًا، حواسه في قمة يقظة. لم يفوّت حتى كلمة تافهة. بدا يوريتش نفسه يشعر بضغط شديد.
على عكس اسمه، كان شراب العسل أبعد ما يكون عن السلاسة أو الحلاوة. ونظرًا لقسوة مناخ الشمال، رشفة واحدة كافية لاحمرار الوجه. لم يملأ دفء الشراب الحلق فحسب، بل المعدة أيضًا.
“جبال السماء.”
لم يكن المهم جودة علاقتهما، بل وجود الثقة أو انعدامها.
أغمض يوريتش عينيه، وتخيّل جبال السماء بوضوح في مخيلته. في طفولته، كلما نظر شرقًا، كان يتمنى عبور تلك الجبال. هل يوجد حقًا عالمٌ للأرواح خلف الجبال؟ لقد عبر يوريتش الجبال إلى العالم المتحضر إشباعًا لفضوله.
“هناك بركة خلف المخيم. قال إنه يذهب للصيد هناك كثيرًا.”
ذكرى ذلك اليوم، قرار ذلك اليوم، عقلية ذلك اليوم.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ
انفتحت عينا يوريتش بتردد. أصبحت نظراته هادئة.
سار دونوفان عبر المخيم بخطى واسعة. نظر إلى خيمة فيرزين عدة مرات.
“هل قررت يا يوريتش؟” اقترب سفين وسأل.
سأل يوريتش وهو يحرك فأسه في يده. بدا وجهه ملطخًا بالدماء، مبتسمًا، لكن كلماته بدت حادة كالشوك.
“نعم.” أومأ يوريتش برأسه.
صرخ النبلاء، متنافسين على جذب الانتباه. كانوا يائسين لإبهار الأمير. أشاد النبلاء ذوو البنات بجلالهم وجمالهم.
“ماذا ستفعل؟ كح كح. الجو بارد. يبدو أنني أصبت بنزلة برد.” سعل سفين وهو يتكلم.
“ليكن حاكمك معك.”
“هل يشكو أحد الشماليين من هذا الطقس؟ ههه. حتى أنا بخير. على أي حال، لقد قررت.”
باهيل يخشى الخروج من الخيمة. في الخارج، الجنود المجندون أشعثو الشعر ينظرون إليه بعيون عابسة وهم يرتشفون حساءً خفيفًا. في الجهة المقابلة، النبلاء الممتلئون يهرعون لإطرائه عند رؤيته.
“إذا كنت قد اتخذت قرارك، فمن الأفضل أن تتصرف بسرعة.”
لم يكن الفشل خيارًا. لو حياته فقط على المحك، لما صلّى للو. لو معركةً لنفسه فقط، حتى في حالة الهزيمة، لكان موت المحارب كافيًا.
نظر يوريتش إلى سفين. كان سفين مهتمًا جدًا بيوريتش وشعبه.
الموازين قد انقلبت بالفعل. أصبحت نهاية الدوق هارماتي متوقعة. مهما دافع ببراعة، ستسقط قلعة معزولة في النهاية. أصبحت مسألة وقت فقط.
“سأقتل شيطان السيف فيرزين. هذا هو الحل الأوضح.”
تكلم يوريتش. بدا صوته منخفضًا، لا يسمعه إلا سفين، لكن دلالته عميقة.
تكلم يوريتش. بدا صوته منخفضًا، لا يسمعه إلا سفين، لكن دلالته عميقة.
* * *
“ليكن حاكمك معك.”
“ليكن حاكمك معك.”
صلى سفين على الطريقة الشمالية، ورفع سلاحه إلى أنفه.
بوو!
قتل فيرزين هو الخيار الأمثل. فيرزين وحده يعلم كم يعرف عن يوريتش ومن أخبره. وسواءً وصل الأمر إلى مسامع الإمبراطور أم لا، لم يكن أمام يوريتش سوى خيار واحد.
وصلت الحرب الأهلية إلى طريق مسدود. حاصر جيش باهيل قلعة هارماتي، واستمر الحصار أسبوعين.
أمسك يوريتش بقلادة الشمس كشخص متحضر.
“مشروب السيدات… أخمن أنه قوي جدًا بحيث لا يمكن للنساء شربه.”
“ساعدني. لقد كنت وفيا لك.”
كان مهندسو الإمبراطورية يعملون بجد، ويقطعون الأخشاب دون ارتداء قمصانهم.
لم يكن الفشل خيارًا. لو حياته فقط على المحك، لما صلّى للو. لو معركةً لنفسه فقط، حتى في حالة الهزيمة، لكان موت المحارب كافيًا.
رفع دونوفان الزجاجة فجأة بتعبير غير واضح على وجهه.
“حاكم الشمس لو، حاكم اللطف. إن كنتَ تُحب السلام حقًا، فعليك مساعدتي هذه المرة، أليس كذلك؟”
“هل أصبح فيرزين خرفًا حقًا؟”
أعاد يوريتش قلادة الشمس إلى صدره.
“…أعلم أن هذا قد يكون من الصعب عليك تصديقي، لكنني صليت من أجل باتشمان، على أمل أن يصل إلى أحضان لو.”
“ليس من أجلي، بل من أجل إخوتي ….”
بدا هذا جواب شيطان السيف فيرزين.
التقط يوريتش فأسه.
“إذا كنت قد اتخذت قرارك، فمن الأفضل أن تتصرف بسرعة.”
* * *
“سأقتل شيطان السيف فيرزين.”
دونوفان، نائب زعيم أخوة يوريتش، كان يشرب أحيانًا مع شيطان السيف فيرزين. بدا تقاسم الشراب مع أسطورة حية شرفًا عظيمًا. حتى دونوفان، الذي اعتاد العدوانية، بدا وديعًا أمام فيرزين.
وصلت الحرب الأهلية إلى طريق مسدود. حاصر جيش باهيل قلعة هارماتي، واستمر الحصار أسبوعين.
بدا فيرزين يُحضر دائمًا مشروباتٍ فاخرة. وبفضل مكانته في ساحة المعركة، لم يكن من الصعب الحصول على مشروباتٍ فاخرة حتى أثناء الحرب.
“حاكم الشمس لو، حاكم اللطف. إن كنتَ تُحب السلام حقًا، فعليك مساعدتي هذه المرة، أليس كذلك؟”
“هذا هو مشروب العسل على الطريقة الشمالية ” قال فيرزين وهو يهز زجاجة مشروب برونزية.
“نعم.” أومأ يوريتش برأسه.
“آه، لقد جربت هذا المشروب. إنه قوي جدًا.”
أنقذ فيرزين حياته مرة، لكن بالنسبة لشخصٍ بمكانته، كانت مجرد لفتة بسيطة. لن يُخاطر فيرزين بإيذاء نفسه من أجل دونوفان، لكن يوريتش سيفعل. دونوفان يعرف أي نوع من الرجال هو يوريتش.
على عكس اسمه، كان شراب العسل أبعد ما يكون عن السلاسة أو الحلاوة. ونظرًا لقسوة مناخ الشمال، رشفة واحدة كافية لاحمرار الوجه. لم يملأ دفء الشراب الحلق فحسب، بل المعدة أيضًا.
لم يكن الفشل خيارًا. لو حياته فقط على المحك، لما صلّى للو. لو معركةً لنفسه فقط، حتى في حالة الهزيمة، لكان موت المحارب كافيًا.
“كهنة الشمس يكرهونه. إنه قوي جدًا، فيحوّل البشر إلى وحوش.”
استند يوريتش إلى شجرة، ينتظر دونوفان. أشرقت عيناه في الظلام الدامس.
“أليس هذا هو السبب في أن البرابرة الشماليين يشبهون الوحوش؟ كيكي.””
“إذا كنت قد اتخذت قرارك، فمن الأفضل أن تتصرف بسرعة.”
ارتشف دونوفان رشفة من شراب العسل. عبس، مستمتعًا بالطعم. بدا الشعور بالبرودة مُنعشًا.
“قال فيرزين وهو يربت على صدره برفق.
“في الشمال، يطلقون أيضًا على مشروب العسل اسم “مشروب السيدات”.”
“…حقًا؟ يبدو أنني لم أسمعك جيدًا.” ردّ يوريتش بلامبالاة وهو ينقر على أذنه.
بدأ فيرزين بمشاركة معرفته الواسعة. ورغم تقدمه في السن، معرفته عميقة، و معظمها عن البرابرة.
“الجنرال فيرزين، هل لا توجد طريقة للتغلب عليها؟”
“مشروب السيدات… أخمن أنه قوي جدًا بحيث لا يمكن للنساء شربه.”
“نعم.” أومأ يوريتش برأسه.
“هذا ليس معنى الاسم، بل سُمي بهذا الاسم نسبةً إلى طريقة صنعه الفريدة.”
ذكرى ذلك اليوم، قرار ذلك اليوم، عقلية ذلك اليوم.
” أوه؟”
بدا فيرزين يُحضر دائمًا مشروباتٍ فاخرة. وبفضل مكانته في ساحة المعركة، لم يكن من الصعب الحصول على مشروباتٍ فاخرة حتى أثناء الحرب.
مسح دونوفان فمه، وانحنى ليستمع.
“كهنة الشمس يكرهونه. إنه قوي جدًا، فيحوّل البشر إلى وحوش.”
“في الشمال، تحتفظ النساء بعسل النحل في أفواههن ويبصقنه. يكررن ذلك عدة مرات، ثم يتركنه ليتحول إلى مشروب كحولي. يحظى مشروب الميد الذي تصنعه أجمل فتاة في القرية بشعبية كبيرة. يتنافس الرجال عليه. إذا دفعت مبلغًا كافيًا، فقد تقضي الليلة مع المرأة التي صنعت مشروبك.”
أغمض يوريتش عينيه، وتخيّل جبال السماء بوضوح في مخيلته. في طفولته، كلما نظر شرقًا، كان يتمنى عبور تلك الجبال. هل يوجد حقًا عالمٌ للأرواح خلف الجبال؟ لقد عبر يوريتش الجبال إلى العالم المتحضر إشباعًا لفضوله.
رفع دونوفان الزجاجة فجأة بتعبير غير واضح على وجهه.
تمتعت قلعة هارماتي بتضاريس مناسبة لمعركة دفاعية. ومع وجود المنحدرات الساحلية خلفها، لم يكن هناك مجال للجيش للمناورة حولها. بدت الاستراتيجية الوحيدة هي الهجوم المباشر.
“هل تم صنع هذا بهذه الطريقة أيضًا؟”
“إذا جاء الشتاء بهذه الطريقة، فإن اللوردات سوف يستعيدون قواتهم.”
“من يدري؟ كل ما قيل لي هو أنه صُنع على الطريقة الشمالية، أوهوهو ” ضحك فيرزين بخفة.
“يوريتش.”
“إذا قد صُنع على الطريقة الشمالية حقًا، فلنأمل أن تكون فتاة جميلة قد صنعته!” قرع فيرزين ودونوفان كؤوسهما، وامتلأ الجو بضحكاتهما.
ترجمة: ســاد
دارت أحاديث تافهة. وبينما بدا فيرزين ثملاً، تدفقت منه حكايات التاريخ. لم تكن حكاياته البطولية مجرد قصص، بل معارك مهمة غيّرت مجرى التاريخ. كان فيرزين بطلاً في عصره.
“لو عدت إلى خيمة فيرزين…”
“سيستمر هذا الحصار لفترة. سيستغرق بناء أسلحة الحصار وقتًا أيضًا. الجو يبرد، ومجرد الجلوس يُشعرني بالخمول.”
انفتحت عينا يوريتش بتردد. أصبحت نظراته هادئة.
علق دونوفان وهو ينظر إلى الخارج. بدت قلعة هارماتي ظاهرة في الأفق، ومصابيحها تومض من حين لآخر.
” خذ نفسًا عميقًا يا أميري. الجنرال فيرزين مُحق تمامًا. الوقت في صالحنا.”
“صحيح، الجلوس ساكنًا يُشعر المرء بالتيبس. هناك طريق قديم في الغابة خلف مخيمنا. إنه مُغطى بالأعشاب ويسهل إغفاله، لكنه كان طريقًا جيدا في الماضي. إذا اتبعته، ستجد بركة جميلة. أقضي وقت فراغي الآن في صيد الأسماك في تلك البركة.”
“من يدري؟ كل ما قيل لي هو أنه صُنع على الطريقة الشمالية، أوهوهو ” ضحك فيرزين بخفة.
أضاءت عينا دونوفان. حرك شفتيه بهدوء كما لو يذكر نفسه يشيئ ما.
زار يوريتش فيرزين بعد معركة بالدريك. في تلك اللحظة، لم تكن تبعيات المعركة قد هدأت بعد.
خفت القمر. أنهى دونوفان الشراب ونهض. انحنى لفيرزين باحترام وغادر الخيمة.
لم يكن المهم جودة علاقتهما، بل وجود الثقة أو انعدامها.
بوو!
“ليس من أجلي، بل من أجل إخوتي ….”
سار دونوفان عبر المخيم بخطى واسعة. نظر إلى خيمة فيرزين عدة مرات.
“في الشمال، يطلقون أيضًا على مشروب العسل اسم “مشروب السيدات”.”
“هل يجب أن أخبره؟”
“أليس هذا هو السبب في أن البرابرة الشماليين يشبهون الوحوش؟ كيكي.””
خطرت له هذه الفكرة. وبينما ينظر إلى الوراء، شعر دونوفان بشعور مخيف.
تمتعت قلعة هارماتي بتضاريس مناسبة لمعركة دفاعية. ومع وجود المنحدرات الساحلية خلفها، لم يكن هناك مجال للجيش للمناورة حولها. بدت الاستراتيجية الوحيدة هي الهجوم المباشر.
“يوريتش.”
“قلتُ ذلك؟ يا إلهي، ذاكرتي أصبحت متقلبة مع التقدم في السن.”
ارتجف قلب دونوفان للحظة. من الواضح أن يوريتش يراقبه.
“يوريتش.”
استند يوريتش إلى شجرة، ينتظر دونوفان. أشرقت عيناه في الظلام الدامس.
ضحك يوريتش ضحكة فارغة. مؤخرًا، حواسه في قمة يقظة. لم يفوّت حتى كلمة تافهة. بدا يوريتش نفسه يشعر بضغط شديد.
“لو عدت إلى خيمة فيرزين…”
“لا تهددني يا يوريتش ” صرخ دونوفان. بدا وجهه المخمور شرسًا.
تصبب دونوفان عرقًا باردًا. اقترب من يوريتش.
كان مهندسو الإمبراطورية يعملون بجد، ويقطعون الأخشاب دون ارتداء قمصانهم.
“الإخوة لا يخونون بعضهم البعض ” همس يوريتش في الظلام.
“آسف، لم أقصد تهديدك.”
“لا تهددني يا يوريتش ” صرخ دونوفان. بدا وجهه المخمور شرسًا.
” خذ نفسًا عميقًا يا أميري. الجنرال فيرزين مُحق تمامًا. الوقت في صالحنا.”
“آسف، لم أقصد تهديدك.”
“بالنسبة لرجل عجوز خرف، حكمه حاد جدًا. ما زال مهارته في المبارزة حية. مجنون مؤخرتي…”
“سأحافظ على ولائي لك، كما فعلتَ معي. على الأقل طالما أننا في فرقة المرتزقة نفسها كـ”إخوة”.”
“سيكون ذلك مُريحًا. أتمنى فقط ألا تطول الحرب أكثر مما هي عليه الآن.”
بغض النظر عن كيفية نظرهم إلى الأمر، علاقتهما بعيدة كل البعد عن الانسجام، لكن دونوفان يعرف يوريتش جيدًا.
” يا أمير فاركا، الحصار معركة صبر، يا إلهي. ضد حصن كهذا، لا أستطيع ضمان النصر في هجوم مباشر. لو كنتُ أنا من يدافع عنه، لتمكنتُ بسهولة من صد خمسة آلاف رجل بألف رجل فقط.”
“هذا مؤكد. إذا تعرضتُ للخطر، فسيُقاتل يوريتش من أجلي بحياته.”
“قلتُ ذلك؟ يا إلهي، ذاكرتي أصبحت متقلبة مع التقدم في السن.”
أنقذ فيرزين حياته مرة، لكن بالنسبة لشخصٍ بمكانته، كانت مجرد لفتة بسيطة. لن يُخاطر فيرزين بإيذاء نفسه من أجل دونوفان، لكن يوريتش سيفعل. دونوفان يعرف أي نوع من الرجال هو يوريتش.
على عكس اسمه، كان شراب العسل أبعد ما يكون عن السلاسة أو الحلاوة. ونظرًا لقسوة مناخ الشمال، رشفة واحدة كافية لاحمرار الوجه. لم يملأ دفء الشراب الحلق فحسب، بل المعدة أيضًا.
“هناك بركة خلف المخيم. قال إنه يذهب للصيد هناك كثيرًا.”
“يوريتش.”
“شكرًا لك، دونوفان.”
قال فيرزين وغادر الخيمة. حالما غادر، دخل النبلاء الذين كانوا ينتظرون فرصتهم إلى خيمة باهيل.
“لا أعرف ما هو سببك، ولكنني آمل أن يكون الأمر يستحق قتل بطل أسطوري من أجله.”
لم يكن الفشل خيارًا. لو حياته فقط على المحك، لما صلّى للو. لو معركةً لنفسه فقط، حتى في حالة الهزيمة، لكان موت المحارب كافيًا.
“إنه كذلك، على الأقل بالنسبة لي.”
“الحرب لم تنتهِ بعد. لن يبدو الوضع جيدًا. لا أستطيع الذهاب إلى القلعة وحدي لأرتاح.” عضّ باهيل ظفره.
يوريتش قد شارك خطته مع دونوفان قبل بضعة أيام. هو بحاجة إلى مساعدته.
دارت أحاديث تافهة. وبينما بدا فيرزين ثملاً، تدفقت منه حكايات التاريخ. لم تكن حكاياته البطولية مجرد قصص، بل معارك مهمة غيّرت مجرى التاريخ. كان فيرزين بطلاً في عصره.
“سأقتل شيطان السيف فيرزين.”
صرخ النبلاء، متنافسين على جذب الانتباه. كانوا يائسين لإبهار الأمير. أشاد النبلاء ذوو البنات بجلالهم وجمالهم.
ظن دونوفان في البداية أنها مزحة، لكن عندما رأى عيني يوريتش، أدرك سريعًا أنها ليست كذلك. بدت عينا يوريتش جديتين للغاية.
كانت تلك هي الفرصة الأخيرة لإنهاء الحرب الأهلية مرة واحدة وإلى الأبد.
أومأ يوريتش برأسه، وربت على كتف دونوفان أثناء مروره.
أضاءت عينا دونوفان. حرك شفتيه بهدوء كما لو يذكر نفسه يشيئ ما.
“يوريتش.”
“هل أصبح فيرزين خرفًا حقًا؟”
نادى دونوفان، ثم استدار. ثم تابع حديثه.
” الأمير فاركا، حان الوقت لتتعلم بعض الصبر، أوهوهو.”
“…أعلم أن هذا قد يكون من الصعب عليك تصديقي، لكنني صليت من أجل باتشمان، على أمل أن يصل إلى أحضان لو.”
“في الشمال، تحتفظ النساء بعسل النحل في أفواههن ويبصقنه. يكررن ذلك عدة مرات، ثم يتركنه ليتحول إلى مشروب كحولي. يحظى مشروب الميد الذي تصنعه أجمل فتاة في القرية بشعبية كبيرة. يتنافس الرجال عليه. إذا دفعت مبلغًا كافيًا، فقد تقضي الليلة مع المرأة التي صنعت مشروبك.”
انتهى دونوفان من الكلام وأومأ يوريتش برأسه.
* * *
“أنا أصدقك.”
ظن دونوفان في البداية أنها مزحة، لكن عندما رأى عيني يوريتش، أدرك سريعًا أنها ليست كذلك. بدت عينا يوريتش جديتين للغاية.
لم يكن المهم جودة علاقتهما، بل وجود الثقة أو انعدامها.
“هل أصبح فيرزين خرفًا حقًا؟”
“أنت تقودنا إلى معركة قبيحة. دوق هارماتي.”
