الفصل 158
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ،
وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ
ترجمة: ســاد
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أُصيب المحاربون الذين كانوا يطلقون السهام من أعلى السياج بالدهشة. وبينما رفع
الغزاة دروعهم بقوة وتقدموا نحو حصنهم، لم يعرف المحاربون كيف يردون.
“ابحث عن الفجوات واستهدفها!”
قول ذلك أسهل من فعله؛ فمن الأعلى، تلك الفجوات غير مرئية.
تينغ!
بدا سحب وتر القوس بلا جدوى. أصبح الغزاة، بدروعهم المرفوعة عالياً، يقتربون من
أسفل السياج مباشرةً.
حتى ذلك الحين، صدّ المحاربون العديد من الغزاة. ببناء سياج خشبي كثيف وإطلاق
السهام والحجارة من الأعلى، كانت أي مجموعة غزاة تهرب بسرعة. كان صد الغزاة
مُجزيًا، مُبررًا الجهد الشاق المبذول في تحصين القرية.
“يا للهول، هل يمكن أن يكونوا الغزاة من الشرق؟”
انتشرت شائعات في المنطقة. مجموعة ضخمة من المحاربين تتجه من الشرق نحو الغرب. وقيل
إن أعدادهم تكفي لتغطية مساحة شاسعة من الأرض القاحلة.
“إنهم الغزاة الشرقيون!”
“إنهم هم حقًا!”
صرخ المحاربون على قمة السياج الخشبي بأصوات مذعورة. نظروا نحو الأفق. كان حشد من
المحاربين، يبدو أن عددهم يقارب خمسة آلاف، يتقدمون بصيحات حرب مدوية. لو هاجم
هؤلاء المحاربون الشرسون دفعة واحدة، لتمكنوا بسهولة من هدم حتى قرية محصنة مثل
قريتهم.
“ولكن لماذا يرسلون مجموعة صغيرة فقط للقيام بهذا؟”
لم يقتصر هدف التحالف على نهب هذه القرية فحسب، بل خططوا لمواصلة التقدم غربًا قدر
الإمكان. واستخدم التحالف استراتيجيات وتكتيكات فعّالة للحفاظ على قواته قدر
الإمكان.
بوو!
لاحظ يوريتش أن صوت السهام التي تصيب الدرع قد خفت. رفع درعه قليلًا لينظر إلى
السياج. المحاربون على السياج قد فقدوا نصف معنوياتهم القتالية عند رؤية قوات
التحالف تظهر في الأفق.
“عليّ أن أُعلّم محاربينا أساليب الإمبراطورية. يجب أن يُعجبوا بأساليب قتال الجيش
الإمبراطوري، لا أن يخافوا منها. نخشى الأمور لأننا لا نفهمها أو نعرفها، ولكن
عندما ندركها، لا شيء يُخيفنا.”
هذا هدف يوريتش الوحيد: تعليم المحاربين استراتيجيات وتكتيكات الجيش الإمبراطوري.
عندما يعبر الجيش الإمبراطوري الجبال، على الأرجح في المستقبل القريب، سيُضطر
المحاربون إلى مواجهته. لقد طوّر الجيش الإمبراطوري استراتيجيات وتكتيكات مستمدة من
تاريخه الطويل في الحروب الوطنية. لو اضطر المحاربون إلى مواجهتهم دون علمهم بذلك،
لما كانت لديهم أي فرصة للنجاة.
“يوريتش! التل شديد الانحدار، لا يمكن تسلقه هكذا!”
صرخ المحاربون. أصبح صعود التل أمام السياج صعبًا. حتى لو تمكنوا من وضع أقدامهم
عليه، فإن التربة الرخوة تدفعهم للأسفل.
“الحفاظ على تشكيل السلحفاة وتسلق التل في نفس الوقت لن ينجح.”
أخذ يوريتش نفسًا عميقًا، وتبادل النظرات مع المحاربين.
“سأصعد التل وأضع الخطاف بين السياجين. انتظر هنا.”
اتسعت عيون المحاربين. لقد تطوّع يوريتش للقيام بأخطر مهمة.
استلم يوريتش الخطاف من محارب خلفه. بدا الخطاف متصلاً بحبل مُحكم.
“كما هو متوقع. السياج طويل، لكنه ليس متينًا جدًا. أعتقد أن سياجًا كهذا كان
كافيًا لحمايتهم هنا.”
قام يوريتش بمسح السياج.
تطلّب بناء أسوار كأسوار الإمبراطورية مهارات متخصصة وجهدًا بشريًا هائلًا. مقارنةً
بذلك، كان هذا السور الخشبي بائسًا. وكانت تلك هي الفجوة بين العالمين المتحضر وغير
المتحضر.
“همف!”
تنهد يوريتش بعمق واندفع للأمام. بدا يحمل درعًا فوقه وهو يتسلق التل بسرعة. يتطلب
تسلق التل استخدام كلتا يديه، مما يجعل حمل الدرع صعبًا.
بوو!
ألقى يوريتش درعه أمامه وتحت السياج. تسلق التل معتمدًا على يديه.
بوو!
طارت السهام. أدار يوريتش رأسه لتفادي السهام.
‘بسرعة.’
المحاربون على السياج استهدفوا يوريتش.
“لقد حصلت عليه!”
صرخ أحد المحاربين الذين أطلقوا السهم. ثم اتسعت عيناه من الصدمة. ارتد السهم الذي
أصاب بطن يوريتش دون أن يقوى. تحت درع يوريتش الجلدي، لمع درع صدر فولاذي.
“ههه.”
سخر يوريتش وقفز. وصل إلى قمة التل في لمح البصر، وأمسك بسرعة بالدرع الموضوع أسفل
السياج.
زوو!
غرس يوريتش الخطاف في فجوة في السياج المتهالك. أمسك الدرع خلفه وقفز من أعلى التل.
“اسحب!”
أصدر يوريتش أمرًا وهو يركض عائدًا إلى أسفل التل. المحاربون، المحافظين على تشكيل
السلحفاة، الممسكين بالدرع بيد، وبالأخرى الحبل المتصل بالخطاف. بدت سواعدهم
البرونزية بارزة من شدة التوتر.
“أووه!”
صرخ المحاربون وهم يسحبون الحبل. اهتزّ السياج تحت وطأة قوتهم.
“مرة أخرى!”
انضم يوريتش إلى التشكيل وصرخ. دخل وسط التشكيل، محميًا بدروع أخرى. أمسك الحبل
بكلتا يديه وصرخ حتى كاد يصرخ.
“غارغ!”
شدّ يوريتش الحبل بكل قوته. صدر صوت انشقاق السياج.
“أوه!”
انحنى المحاربون في انسجام تام، مما تسبب في اضطراب تشكيلهم قليلاً عندما سقطت
السهام بينهم. أصيب أحد المحاربين في ساقيه وفخذيه.
” تقريبا!”
احمرّت وجوه المحاربين. صرُّوا على أسنانهم وهم يبذلون جهدهم.
بوو!
بدا صوت تحطيم السياج مسموعًا حتى من بعيد. السياج على وشك الانهيار.
“البوق!”
عند سماع أمر يوريتش، نفخ أحد المحاربين في البوق.
بوووووب!
وصلت إشارة البوق إلى القوة. بدأ جيش التحالف، الذي يقارب عدده خمسة آلاف، تحركه.
سحب المحاربون الحبال بقوة أكبر، وكانوا يسيل لعابهم من شدة الجهد.
“أووه!”
بدا إحساس راحة اليد وهي تخدش الحبل والكتفين بالكاد صامدين شديدًا.
كراااااااك!
انكسر السياج الخشبي، وانهارت ما حوله. أصبح السياج، الذي بُني ليدعم بعضه بعضًا،
واهيًا بمجرد سقوط أحد جوانبه.
“هجوم!”
نهض يوريتش، الذي سقط على ظهره وهو يسحب الحبال، وصاح. اندفع المحاربون نحو السياج
المخترق.
بوو!
أمسك عدة محاربين بالسياج المائل وألقوا به جانبًا. وسرعان ما انضمت إليهم قوة
رئيسية قوامها خمسة آلاف محارب، واندفعوا إلى القرية كالموج.
القرية المحصنة، والتي كان من المتوقع أن تتطلب تضحية كبيرة بالقوة، تم الاستيلاء
عليها بسهولة أكبر عن طريق هدم جزء من السياج.
دخل اللصوص، فقتلوا المحاربين المقاومين. وسرعان ما ركع زعيم القرية وانحنى.
“اقبل حمايتنا وقدم الجزية.”
جلس ساميكان على كرسي وتحدث. نُقلت الرسالة بترجمة مزدوجة. لكن الوضع بدا واضحًا
حتى بدون كلمات.
“إذا انضممت إلى الحملة وساهمت فيها، فسوف تحصل على الغنائم بالتساوي.”
قال ساميكان هذا وانتظر الرد بصبر. بدا الحوار والتفاوض بطيئين لضرورة الترجمة
المزدوجة، لكن ساميكان كان رجلاً صبوراً لا يستعجل الناس.
نظر يوريتش إلى ساميكان.
“يمكن أن يُطلق على ساميكان لقب الملك بالفعل.”
لم يكن لدى القبائل مفهومٌ للملك. ومع ذلك، بالنظر إلى عدد الزعماء الآخرين تحت حكم
ساميكان والأراضي التي سيطر عليها، من الممكن تسميته ملكًا وفقًا لمعايير
المتحضرين.
بوو!
مسح يوريتش الدم عن جسده. لقد غزوا حصنًا قرويًا بأكثر من خمسمائة محارب، ومع ذلك
لم تتجاوز خسائر التحالف العشرات. كل ذلك بفضل قيادة يوريتش في المعركة.
“لا تغتصبوا النساء حتى لو أردتم ذلك. سيعرضهن عليك رئيسهن بنفسه قريبًا.”
لم يتصرف المحاربون بتهور. فقد أُشبعت رغبتهم في الدماء والمتعة الجنسية إلى حد ما
سابقًا. نفذوا أوامر زعيمهم دون أي ضجة.
على أحد الجانبين، بدا صوت الأنين يتعالى. هناك العديد من النساء اللواتي جُلبن
كعبيد، ليس فقط من المناطق المنهوبة. تعامل المحاربون، متحمسين للمعركة والدماء،
بخشونة مع العبيد.
“هذا شعبي ووطني”
مرّ يوريتش بالرجال الأشرار وتسلّق السياج الذي لا يزال سليمًا. ومع حلول الظلام،
بردت الأرض الدافئة.
نما الاتحاد يومًا بعد يوم. حتى محاربو الفأس الحجرية ومحاربو الضباب الأزرق، الذين
كانوا يكرهون بعضهم البعض سابقًا، بدأوا بالاختلاط. وبدأ محاربو القبائل الذين
نشأوا في بلدان مختلفة ينادون بعضهم البعض إخوةً في ظل رابطة التحالف.
كانت ساحة المعركة هي المكان الذي تشارك فيه المحاربون أعمق صداقاتهم. لم يكن هناك
رابط أعمق من مشاركة حياتهم وتوجيه الأسلحة في نفس الاتجاه، في وجه نفس العدو.
“يوريتش! لماذا لا تنزل وتشرب معنا؟”
نادى المحاربون الآخرون على يوريتش. كان جميع أعضاء التحالف يعرفونه. ليس فقط لأنه
كان أحد الزعماء الثلاثة الكبار، بل أيضًا لأن مآثره في النهب والغزو بارزة.
زوو!
سمع يوريتش شخصًا يتسلق السياج.
“تحياتي، الزعيم يوريتش.”
“هذه هي المرة الأولى التي تتحدث فيها معي أولاً، الشامان ذو الأصابع الستة.”
نظر يوريتش إلى الشامان ذو الأصابع الستة. بدا وجهه مطليًا باللون الأسود، لا يُبرز
سوى عينيه وشفتيه. اقترب منه وهو يهز عصاً مزينة بعظام سمك عديدة.
“شاهدتُ المعركة جيدًا. لقد كانت معركةً تستحقّ احترام المحاربين الآخرين، حقًا.”
“لقد مرّ وقت طويل منذ أن تلقيتُ إشادة من شامان. لم يُعجب بي شامان قبيلتي قط.”
ضحك الشامان ذو الأصابع الستة بصوت مختلط بالبلغم.
“عبور جبال السماء محرمٌ لا يُغتفر. إنه تحدٍّ لقدسية الجبال.”
شامان القبائل ينقلون المعرفة شفويًا فقط. لم يكن لديهم نظام إيماني متطور. بل هناك
بعض المحرمات، تختلف من قبيلة لأخرى. مع ذلك، كان عبور جبال السماء من المحرمات
المتفق عليها عالميًا.
“لكن قبيلة الضباب الأزرق قبلت الأجنبي نوح أرتين، على الرغم من أنه عبر جبال
السماء.”
ضحك يوريتش.
“لو لم نفعل، لكان ساميكان قد حطم رؤوسنا. لم يكن لدينا خيار.”
“هل تشتكي من ذلك؟”
“لا، إطلاقًا. زعيمنا ساميكان محاربٌ عظيم. لقد حقق إنجازاتٍ عظيمة حتى الآن. لكنك،
يا من عبرتَ جبال السماء مرتين، حققتَ أيضًا إنجازاتٍ عظيمة. أنت تُضاهي ساميكان
تمامًا.”
ضيّق يوريتش عينيه. كانت كلمات الشامان ذو الأصابع الستة مُرعبة، لكن يوريتش لم
يستطع تحديد السبب.
“ماذا يستفيد من إطرائي؟”
حدّق يوريتش في الشامان ذو الأصابع الستة بشك. لاحظ الشامان ذو الأصابع الستة ردّة
فعل يوريتش فضحك.
“تحدّيتَ قدسية جبال السماء، وبقيتَ حيًا لتقود المحاربين. سمعتُ أن الزعيم السابق
لقبيلة الفأس الحجرية مات وهو يحاول عبور الجبال.”
“مات لأنه تسلق دون التحضير المناسب.”
” هذا ليس مهمًا حقًا. المهم أن العديد حاولوا ذلك بنفس الطريقة، ومع ذلك مات
أحدهم، ونجا الآخر. هذا هو المهم. حتى نوح أرتين فقد ساقيه ثمنًا لعبوره. ماذا
خسرتَ لعبور جبال السماء؟”
“فقدتُ الحياة الآخرة واكتسبتُ المعرفة. تعلمتُ أنه ليس لدينا مكان نذهب إليه بعد
الموت.”
توسّع الشامان ذو الأصابع الستة عينيه وهزّ عصاه. ارتطمت عظام السمك.
“نصعد إلى جبال السماء عند موتنا. كنا نعتقد بوجود عالمٍ آخر تعيش فيه الأرواح.
لكنك أثبتَ عدم وجود مثل هذا المكان. إذًا، أين ذهبت الأرواح التي تسلقت الجبال؟
نبحث عن إجابات لهذا السؤال.”
“لا أعتقد أن هذه هي الكلمات التي ينبغي أن تخرج من فم شخص يزور العلامات
السماوية.”
“هذا شيء، وهذا شيء آخر.”
سعل الشامان ذو الأصابع الستة وباعد بين أصابعه الستة. استخدم كل إصبع من أصابعه
الستة بحرية.
راقب يوريتش حركة الأصابع الستة. ذكّرته الحركة بأرجل الحشرات، فأثارت اشمئزازه.
“بعد هذه الرحلة الاستكشافية، وكما اجتمع الزعماء… سوف يجتمع الشامان أيضًا تحت
جبال السماء للبحث عن الإجابة من السماء.”
“أجل؟ أتمنى أن تحصلوا على نتائج جيدة.”
” تذكر الزعيم يوريتش، يمكنني مساعدتك.”
قال الشامان ذو الأصابع الستة هذا واختفى. تأكد يوريتش من رحيل الشامان ذو الأصابع
الستة وضحك.
“يا له من رجل ماكر.”

التعليقات متوقفة حالياً، ستعود قريباً!