في الكوخ الخشبي
فتحت عيناي فوجدتُ نفسي مستلقياً على سرير… كان الهدوء يملأ المكان، لا صوت إلا لطقطقة نارٍ تشتعل في مكانٍ قريب. نظرتُ إلى الأعلى، فرأيت سقفاً خشبياً تتراقص عليه ظلال برتقالية بسبب وهج النار. كنت مستلقياً على سرير عريض، مغطى بفراء دافئ، تحته وسائد من الريش، ورائحة الخشب المحترق تملأ أنفي.
‘لا تبتسم في وجهي بهذه النظرة الغريبة… على الأقل أفهم أنك شخص طيب. النوم على سرير دافئ في غرفة دافئة كهذه دليل كافي على طيبته.’
الغرفة كانت صغيرة، لكنها دافئة بشكل غريب. الجدران بُنيت من جذوع أشجار ضخمة، مرتّبة بعناية، وتدلّ على يدٍ خبيرة. في الزوايا، عُلّقت حبال من الجلد المجدول تتدلّى منها ريش وأنياب وأحجار ملونة، وكأنها تمائم لحماية المكان.
‘مرّ زمن طويل بحق على آخر مرة شعرتُ بدفءٍ عائليٍّ كهذا! أظن أن البداية باسم لي شيئ كافي لحد هذه اللحظة على الأقل…’
في أحد الجدران، موقد حجري يفتح فمه كوحشٍ نائم، تتلوّى داخله النيران بهدوء. أعلاه، علّقت أعشاب مجففة تتدلّى من السقف، تنشر عطراً خفيفاً يشبه الغابة بعد المطر.
‘م-مؤلم… ما الذي حلّ بي؟ آخر ما أتذكره هو أنني كنت ملقى على الأرض مطعونا في خصري الأيسر… لقد كان معي شخص آخر…’
إلى جانبي، نافذة دائرية صغيرة، زجاجها مغبّش بالبخار، وخلفها عالم أبيض مديد. الثلج يتساقط ببطء، كأن الزمن قد توقّف. من بعيد، تظهر جذوع أشجار شاهقة مغطاة بالجليد، تمتد كأنها حراس واقفون في صمت.
حينها، رأيت سربا من الدببة القطبية تقترب من الكوخ قادمةً من الغابة… غادرت ليارا الغرفة مسرعة. حمل رايندار سيفه الأسود القاتم بمقبضه الذهبي المزخرف المعلق في الجدار. بعدها بلحظات عادت ليارا للغرفة جاهزة ترتدي قميصًا جلديًا بنيًا تحته ثوب بلون البيج الفاتح، تحيطه طبقات من الأحزمة الجلدية التي تحمل سهامها وحقيبة جلدية صغيرة. وعلى كتفيها كاب بني مزخرف بطبقة من الفرو الأبيض ثم ملأت سلَّتها بالسهام وحملتها رفقة قوسٍ بُنِّي سميك فوق ظهرها.
بجانب السرير، رفٌّ يحمل زجاجات صغيرة، وبعض الأدوات الغريبة، وسيف طويل ذو مقبض ذهبي مزخرف وغمد أسود قاتم، كأنه وُضع هناك ليكون جاهزاً في أي لحظة.
‘ما هذه اللغة الغريبة، لم أسمع بها مسبقا، روسية؟ ممكن… لا، النطق مختلف، لو كانت لغة مشهورة كهذه لعرفتها… هل يمكن أنني أُلقِيت في مكان غير حضاري في جزء من العالم!؟ بناءا على الثلوج الكثيفة يبدو أنني في أوروبا… أو القطب الشمالي ربما؟ شيئ كهذا… علي أن أسأل لكن التواصل مع هذا الشخص يبدو صعبا في حالتي هذه.’
‘لم أمُت إذن…’
بجانبي كان هنالك رجل طويل يجلس على كرسي خشبي يُلَمِّع سيفا رغم اشتداد لمعانه مسبقا، ذو شعرٍ أشقرٍ مربوط إلى الخلف بعناية ينسدل على كتفه الأيمن، وتزين ذقنه لحية قصيرة تغطي المساحة أسفل ذقنه بلون ذهبي ناري توحي بالهيبة. عيناه الزرقاوتان تنبضان بتركيز وصمت على السيف الماثل أمامه، كأنهما مرآتان تعكسان بياض العالم من حوله.
تقدمت الفتاة خطوات إضافية نحوي… جلست فوق السرير ببطئ، مرَّرت بضع خصلات من شعرها تعيق رؤيتها خلف أذنها، ثم قالت ببطئ وحزم “Shael’mira Liara… venas tu?”
‘هل سأموت بهذا السيف ياترى؟…’
الغرفة كانت صغيرة، لكنها دافئة بشكل غريب. الجدران بُنيت من جذوع أشجار ضخمة، مرتّبة بعناية، وتدلّ على يدٍ خبيرة. في الزوايا، عُلّقت حبال من الجلد المجدول تتدلّى منها ريش وأنياب وأحجار ملونة، وكأنها تمائم لحماية المكان.
“Sha’var akh-nel dourak!?”
قال الرجل الأشقر مبتسما
تفاجأ الاثنان من سؤالي المضطرب، تشاورا مع بعضهما بلغة لا أفهمها، ثم طأطأ الرجل رأسه أخيرا وركّز بصره عليّ!
‘من هذا الرجل؟… أين أنا؟… ماهذا المكان؟’
“Sha’var akh-nel dourak!?” قال الرجل الأشقر مبتسما
أسئلة كثيرة دارت في عقلي وأنا أراقب سقف الكوخ من مكاني هذا… صداع في رأسي وأشعر بالألم في كافة أنحاء جسدي… لكن في الوقت ذاته أشعر بشعور غريب… دفء… ربما؟
‘ما هذا الجو الحازم الذي تحول بسرعة في مكان هادئ كهذا؟ كيف استطاعوا التجهز للمواجهة بسرعة هكذا؟’
‘م-مؤلم… ما الذي حلّ بي؟ آخر ما أتذكره هو أنني كنت ملقى على الأرض مطعونا في خصري الأيسر… لقد كان معي شخص آخر…’
فتاة شقراء بعينان خضراوتان رفعت الستار بأصابعها الصغيرة ودخلت الغرفة.
“الفتاة!” صرختُ قلقًا
‘ما الذي يجري هنا بالضبط… أريد أن أعرف!’
“Oi Oi Oi Sahvél tur akh’anath…”
قال مرتبكا
لم أفهم مايقوله لكنني طأطأت رأسي موافقا. غالب الظن أنه طلب مني البقاء في مكاني هذا… أو هذا ما أردتُ.
‘ما هذه اللغة الغريبة، لم أسمع بها مسبقا، روسية؟ ممكن… لا، النطق مختلف، لو كانت لغة مشهورة كهذه لعرفتها… هل يمكن أنني أُلقِيت في مكان غير حضاري في جزء من العالم!؟ بناءا على الثلوج الكثيفة يبدو أنني في أوروبا… أو القطب الشمالي ربما؟ شيئ كهذا… علي أن أسأل لكن التواصل مع هذا الشخص يبدو صعبا في حالتي هذه.’
هناك… فوق الأشجار الشامخة المغطّاة بالجليد، في مكان ليس بالقريب ولا بالبعيد. وفي سماءٍ رمادية باهتة كأنها صفحة من رماد، ظهرت كائنات تسبح في الهواء.
نظر إلي الرجل نظرة شخص مرتاب لايجيد التعامل مع الموقف رغم بذله قصار جهده في طمأنتي عبر ابتسامته السخيفة… تبدو سخيفة بحق.
‘م-مؤلم… ما الذي حلّ بي؟ آخر ما أتذكره هو أنني كنت ملقى على الأرض مطعونا في خصري الأيسر… لقد كان معي شخص آخر…’
‘لا تبتسم في وجهي بهذه النظرة الغريبة… على الأقل أفهم أنك شخص طيب. النوم على سرير دافئ في غرفة دافئة كهذه دليل كافي على طيبته.’
“Orrun tahlis em’dar.” أجابها مُحْرَجًا بنفس الابتسامة السخيفة تلك.
حين انتبهت إلى نفسي، كان جسدي غارقًا في بياضٍ خافت، رائحة الأعشاب والزيت الدافئ تعبق حولي. شعرت بثقلٍ يقيّد حركتي؛ ضمادات كثيفة تلفّ خاصرتي اليسرى وتمتد إلى صدري وكتفي، كأنها شرانق من قماشٍ خشن تخفي جسدي العاري. كانت تلتصق بجلدي بحرارة الجسد والنيران التي تبعث حرارتها من المدفأة لتغطي كلَّ الغرفة، تتشبّع بآثار الدم اليابس والعلاج العطري الذي يُسكّن الألم ببطء. كانت يدي اليمنى مربوطة عند المعصم، واليسرى مغطاة بضمادات بسيطة، تتخللها بقع داكنة تشير إلى الكدمات. شعرت بالبرد يحاول التسلل من تحتها، لكن دفء الضمادات كان كحاجزٍ صامت بيني وبين الموت… كأن أحدهم قاتل طويلاً كي يبقيني على قيد الحياة.
نظر الاثنان إلى بعضهما البعض، ضحك الرجل ضحكة شخص هانئ البال. بينما ابتسمت الفتاة ابتسامة رقيقة لكنها تدل على الارتياح.
فتاة شقراء بعينان خضراوتان رفعت الستار بأصابعها الصغيرة ودخلت الغرفة.
أسئلة كثيرة دارت في عقلي وأنا أراقب سقف الكوخ من مكاني هذا… صداع في رأسي وأشعر بالألم في كافة أنحاء جسدي… لكن في الوقت ذاته أشعر بشعور غريب… دفء… ربما؟
“Feralun tha’mek doruun!?”
قالت بخفة وهي تصوِّب نظرها علي.
‘مرّ زمن طويل بحق على آخر مرة شعرتُ بدفءٍ عائليٍّ كهذا! أظن أن البداية باسم لي شيئ كافي لحد هذه اللحظة على الأقل…’
“Mir’ak dol esharai.”
أجابها الرجل جانبي بحزم.
كنت أرتدي رداءً خفيفًا، أشبه بملابس النوم، بلون رمادي فاتح. أكمامه طويلة تغطي راحة يدي تقريبًا، والياقة عالية قليلاً، تتدلى منها خيوط قصيرة. القماش كان دافئًا ومريحًا رغم رقّته.
“Etharé vân soulen ka-thîm.”
ردّت وهي تتقدم نحوي.
“Ha’ha’ha’ha! Vek tharan’del aruun drakha’til?” قال الرجل ضاحكا
“Orrun tahlis em’dar.”
أجابها مُحْرَجًا بنفس الابتسامة السخيفة تلك.
“Liara!” نادى الرجل الفتاة بنظرة جدية كأنه شخص مختلف تماما.
تقدمت الفتاة خطوات إضافية نحوي… جلست فوق السرير ببطئ، مرَّرت بضع خصلات من شعرها تعيق رؤيتها خلف أذنها، ثم قالت ببطئ وحزم
“Shael’mira Liara… venas tu?”
الفتاة التي دخلت الغرفة كانت ترتدي ثوبًا طويلًا من قماش ناعم، لونه رمادي يميل إلى الفضي، يتحرك مع خطواتها بهدوء. على أطرافه تطريز بسيط بلون أزرق غامق. حول خصرها حزام من الجلد يعلّق عليه كيس صغير، وعلى كتفيها عباءة خفيفة من فرو أبيض، كأنها للحماية من برد الخارج.
‘لم أفهم شيئا من هذه المحادثة لكن من الواضح أن اسمها “ليارا” وكانت تسألني عن اسمي.’
‘م-مؤلم… ما الذي حلّ بي؟ آخر ما أتذكره هو أنني كنت ملقى على الأرض مطعونا في خصري الأيسر… لقد كان معي شخص آخر…’
‘لا أشعر برغبة لخوض محادثة ودية حاليا، أريد فقط لو يمكنني العودة للبيت بطريقة ما! لا أدري ما الذي حلّ بتلك الفتاة أيضا…’
“Mir’ak dol esharai.” أجابها الرجل جانبي بحزم.
“…” طأطأت رأسي دون إجابة
نظر إلى الفتاة بغرابة ثم تشاور الاثنان مجددا، وجه نظره إلي بعدها مرة أخرى!
“Shael’mira Reindar… venas tu?”
سألني الرجل مبتسما
تقدمت الفتاة خطوات إضافية نحوي… جلست فوق السرير ببطئ، مرَّرت بضع خصلات من شعرها تعيق رؤيتها خلف أذنها، ثم قالت ببطئ وحزم “Shael’mira Liara… venas tu?”
‘يبدو أن اسمه رايندار… لا رغبة لي في إجراء محادثة ودية صدقا!’
“Etharé vân soulen ka-thîm.” ردّت وهي تتقدم نحوي.
طأطأت رأسي، ثم استدرت لأواجه النافذة… اقتربت من النافذة بزحف متردد، وقلبي لا يزال مثقلاً بوطأة الغموض الذي صحوت عليه. مسحت بخفة سطح الزجاج المتجمّد، فرسمت أصابعي نافذةً صغيرة في بياض الضباب. وما إن نظرتُ خلالها حتى تجمّدَت أنفاسي في صدري.
‘حسنا إذا… السؤال الأهم بعد ذلك، هو مكاني الحالي.’
هناك… فوق الأشجار الشامخة المغطّاة بالجليد، في مكان ليس بالقريب ولا بالبعيد. وفي سماءٍ رمادية باهتة كأنها صفحة من رماد، ظهرت كائنات تسبح في الهواء.
كانت عيونها تلمع بلونٍ أزرق بارد، كأنها جمرات ثلجية، بينما قرونها تمتد إلى الوراء في انحناءات حادّة كتيجانٍ ملكيّة. من بين أفواهها، كان يتسرّب بخارٌ أبيض يُشبه السُحُب، لا نار فيه… بل برد قاتل.
تنانين.
لم تختفي نظرة الاستغراب التي علت محياهما. نظرا إلي باستغراب وكأنهما لم يفهما شيئا مما أتحدث عنه.
سرب من التنانين البيضاء، تحلّق على ارتفاع شاهق في دائرة، أجسادها الهائلة تلمع تحت ضوء شاحب كأنها منحوتات من البلّور الحي. أجنحتها العريضة تُرفرف ببطء، كل ضربة تُحدث دوّامة من الثلج تهبط على رؤوس الأشجار مثل نُذرٍ قادمة من عالم آخر.
بجانب السرير، رفٌّ يحمل زجاجات صغيرة، وبعض الأدوات الغريبة، وسيف طويل ذو مقبض ذهبي مزخرف وغمد أسود قاتم، كأنه وُضع هناك ليكون جاهزاً في أي لحظة.
كانت عيونها تلمع بلونٍ أزرق بارد، كأنها جمرات ثلجية، بينما قرونها تمتد إلى الوراء في انحناءات حادّة كتيجانٍ ملكيّة. من بين أفواهها، كان يتسرّب بخارٌ أبيض يُشبه السُحُب، لا نار فيه… بل برد قاتل.
كنت أرتدي رداءً خفيفًا، أشبه بملابس النوم، بلون رمادي فاتح. أكمامه طويلة تغطي راحة يدي تقريبًا، والياقة عالية قليلاً، تتدلى منها خيوط قصيرة. القماش كان دافئًا ومريحًا رغم رقّته.
لم تكن تحلّق… بل تزحف في السماء بصمتٍ ثقيل، كأنها تحرس شيئًا. زئيرهم لم يُسمع، لكنه ارتجّ في قلبي، رجّةً لا تُنسى.
لم يكن هذا لباسي المعتاد. بدا وكأنني أنتمي لهذا المكان… حتى دون أن أفهم كيف وصلت إليه.
لم أجرؤ على الحراك. فقط بقيت هناك، خلف النافذة، أُحدّق في رهبة… وأعلم، من أعماقي، أن هذه الأرض لم تعد صامتة…
غادر الاثنان مسرعان نحو الدببة قبل أن تقترب أكثر من كوخهما، من النافذة أستطيع مشاهدة مايجري خارجا… اندفع رايندار مسرعا نحو الدببة بعد سحبه لسيفه المهيب من ظهره. وتمركزت ليارا خلفه وهي جاهزة في أي وقت للبدء في إطلاق السهام!
“Ha’ha’ha’ha! Vek tharan’del aruun
drakha’til?”
قال الرجل ضاحكا
‘لا أشعر برغبة لخوض محادثة ودية حاليا، أريد فقط لو يمكنني العودة للبيت بطريقة ما! لا أدري ما الذي حلّ بتلك الفتاة أيضا…’
نَظرتْ إليَّ الفتاة نظرة شخص مبهر من جهل الشخص الماثل أمامه…
‘ماهذا؟ تنانين؟ أين أنا؟ لايمكن أن يكون وجود التنانين ممكنا حاليا ولا تاريخيا حتى… أين أنا بالضبط؟ لا لا لا، ماقصة هذا السيف أساسا؟ وما هذه الجثت المحنطة التي تملأ الغرفة؟ في أي عصر أنا بالضبط؟ ما هذه العائلة من الصيادين؟ هل أنا في قارة مظلمة لم يسمع عنها من قبل أو ما شابه؟’
‘ماهذا؟ تنانين؟ أين أنا؟ لايمكن أن يكون وجود التنانين ممكنا حاليا ولا تاريخيا حتى… أين أنا بالضبط؟ لا لا لا، ماقصة هذا السيف أساسا؟ وما هذه الجثت المحنطة التي تملأ الغرفة؟ في أي عصر أنا بالضبط؟ ما هذه العائلة من الصيادين؟ هل أنا في قارة مظلمة لم يسمع عنها من قبل أو ما شابه؟’
‘هل سأموت بهذا السيف ياترى؟…’
لم أعطِ الأمر اهتمامًا في البداية. كنت مشغولًا بما رأيته من النافذة، وما سمعته من صوتٍ خلفي. لكن شيئًا فشيئًا، بدأت ألاحظ ما حولي بوضوح.
يُتبع…
الفتاة التي دخلت الغرفة كانت ترتدي ثوبًا طويلًا من قماش ناعم، لونه رمادي يميل إلى الفضي، يتحرك مع خطواتها بهدوء. على أطرافه تطريز بسيط بلون أزرق غامق. حول خصرها حزام من الجلد يعلّق عليه كيس صغير، وعلى كتفيها عباءة خفيفة من فرو أبيض، كأنها للحماية من برد الخارج.
نظر الاثنان إلى بعضهما البعض وأجابا في الوقت ذاته باستغراب “Europa?”
الرجل كان يرتدي معطفًا سميكًا من الجلد، مغطى بالفرو من الداخل. بنطاله غليظ بلون داكن، وحذاؤه طويل يصل إلى ركبتيه، مربوط بأربطة سميكة. في يده اليمنى سوار معدني بسيط، لكنه يبدو قديمًا ومهمًا.
أسئلة كثيرة دارت في عقلي وأنا أراقب سقف الكوخ من مكاني هذا… صداع في رأسي وأشعر بالألم في كافة أنحاء جسدي… لكن في الوقت ذاته أشعر بشعور غريب… دفء… ربما؟
حين نظرتُ إلى نفسي، شعرت بغرابة.
“Shael’mira Elian.” قلت بحزم
كنت أرتدي رداءً خفيفًا، أشبه بملابس النوم، بلون رمادي فاتح. أكمامه طويلة تغطي راحة يدي تقريبًا، والياقة عالية قليلاً، تتدلى منها خيوط قصيرة. القماش كان دافئًا ومريحًا رغم رقّته.
‘يبدو أنه يسألني عن اسمي هاه؟ أعتقد حاليا أنني في بيئة مغايرة عن ما اعتدت أن أعيش فيه… اسمي سيكون الرابط الوحيد المتبقي بيني وبين ذلك المكان الموحش… لا أريد استعماله مجددا.”
لم يكن هذا لباسي المعتاد. بدا وكأنني أنتمي لهذا المكان… حتى دون أن أفهم كيف وصلت إليه.
“أمريكا؟ آسيا؟ أوستراليا؟” سألتُ بتتابع
‘ما الذي يجري هنا بالضبط… أريد أن أعرف!’
“Liara!” نادى الرجل الفتاة بنظرة جدية كأنه شخص مختلف تماما.
“أين أنا الآن؟” سألتُ مضطربا
‘من هذا الرجل؟… أين أنا؟… ماهذا المكان؟’
تفاجأ الاثنان من سؤالي المضطرب، تشاورا مع بعضهما بلغة لا أفهمها، ثم طأطأ الرجل رأسه أخيرا وركّز بصره عليّ!
‘لا أشعر برغبة لخوض محادثة ودية حاليا، أريد فقط لو يمكنني العودة للبيت بطريقة ما! لا أدري ما الذي حلّ بتلك الفتاة أيضا…’
حرك يديه بشكل غريب في محاولة منه للتواصل معي باستخدام لغة الاشارة، بداية، مد يده نحو صدره…
حرك يديه بشكل غريب في محاولة منه للتواصل معي باستخدام لغة الاشارة، بداية، مد يده نحو صدره…
“Reindar”
قال بحزم
“Varen, sha Othar.” أجابت الفتاة بحزم
ثم وجه إصبع سبّابته نحوي
لم يكن هذا لباسي المعتاد. بدا وكأنني أنتمي لهذا المكان… حتى دون أن أفهم كيف وصلت إليه.
“venas tu?”
أتمم قائلا
“Mir’ak dol esharai.” أجابها الرجل جانبي بحزم.
‘يبدو أنه يسألني عن اسمي هاه؟ أعتقد حاليا أنني في بيئة مغايرة عن ما اعتدت أن أعيش فيه… اسمي سيكون الرابط الوحيد المتبقي بيني وبين ذلك المكان الموحش… لا أريد استعماله مجددا.”
إلى جانبي، نافذة دائرية صغيرة، زجاجها مغبّش بالبخار، وخلفها عالم أبيض مديد. الثلج يتساقط ببطء، كأن الزمن قد توقّف. من بعيد، تظهر جذوع أشجار شاهقة مغطاة بالجليد، تمتد كأنها حراس واقفون في صمت.
وجهت بصري نحو الرجل ثم قمت بإماءة رفض مشكلا علامة خطأ بيداي الاثنان على أمل أن يفهمني.
“الفتاة!” صرختُ قلقًا
نظر إلى الفتاة بغرابة ثم تشاور الاثنان مجددا، وجه نظره إلي بعدها مرة أخرى!
‘مرّ زمن طويل بحق على آخر مرة شعرتُ بدفءٍ عائليٍّ كهذا! أظن أن البداية باسم لي شيئ كافي لحد هذه اللحظة على الأقل…’
“Vara, elen’ak Elian.”
قال موجها إصبعه نحوي مبتسما
‘من هذا الرجل؟… أين أنا؟… ماهذا المكان؟’
ابتسامته البيضاء رغم سخافتها، بدَت كالثلج المريح للأعصاب في مكان دافئ كهذا غمرت قلبي بشعور غريب…
تنانين.
‘إليان إذا؟ لا بأس به… أعتقد.”
“Sha’var akh-nel dourak!?” قال الرجل الأشقر مبتسما
نظرت إليهما بنظرة مرتابة قليلا، لكنها كانت أنسب نظرة استطعت استعمالها في وضعي هذا.
وجهت بصري نحو الرجل ثم قمت بإماءة رفض مشكلا علامة خطأ بيداي الاثنان على أمل أن يفهمني.
“Shael’mira Elian.”
قلت بحزم
“Mir’ak dol esharai.” أجابها الرجل جانبي بحزم.
نظر الاثنان إلى بعضهما البعض، ضحك الرجل ضحكة شخص هانئ البال. بينما ابتسمت الفتاة ابتسامة رقيقة لكنها تدل على الارتياح.
كانت عيونها تلمع بلونٍ أزرق بارد، كأنها جمرات ثلجية، بينما قرونها تمتد إلى الوراء في انحناءات حادّة كتيجانٍ ملكيّة. من بين أفواهها، كان يتسرّب بخارٌ أبيض يُشبه السُحُب، لا نار فيه… بل برد قاتل.
‘مرّ زمن طويل بحق على آخر مرة شعرتُ بدفءٍ عائليٍّ كهذا! أظن أن البداية باسم لي شيئ كافي لحد هذه اللحظة على الأقل…’
‘ما هذا الجو الحازم الذي تحول بسرعة في مكان هادئ كهذا؟ كيف استطاعوا التجهز للمواجهة بسرعة هكذا؟’
“Vel’anthur sha Elian.”
تنانين.
يبدو أنهم يرحبون بي… سأعتبر هذه نقطة بداية جيدة لما تبقى لي من عُمرٍ!
‘من هذا الرجل؟… أين أنا؟… ماهذا المكان؟’
‘حسنا إذا… السؤال الأهم بعد ذلك، هو مكاني الحالي.’
فتحت عيناي فوجدتُ نفسي مستلقياً على سرير… كان الهدوء يملأ المكان، لا صوت إلا لطقطقة نارٍ تشتعل في مكانٍ قريب. نظرتُ إلى الأعلى، فرأيت سقفاً خشبياً تتراقص عليه ظلال برتقالية بسبب وهج النار. كنت مستلقياً على سرير عريض، مغطى بفراء دافئ، تحته وسائد من الريش، ورائحة الخشب المحترق تملأ أنفي.
“أوروبا؟” سألتُ بخجل
‘هل سأموت بهذا السيف ياترى؟…’
نظر الاثنان إلى بعضهما البعض وأجابا في الوقت ذاته باستغراب
“Europa?”
‘مرّ زمن طويل بحق على آخر مرة شعرتُ بدفءٍ عائليٍّ كهذا! أظن أن البداية باسم لي شيئ كافي لحد هذه اللحظة على الأقل…’
‘هاه؟ ما الغريب في ما قلت، ألا يعرفان أوروبا حتى؟ مامدى جهل هذان الاثنان!’
نظر إلى الفتاة بغرابة ثم تشاور الاثنان مجددا، وجه نظره إلي بعدها مرة أخرى!
“أمريكا؟ آسيا؟ أوستراليا؟” سألتُ بتتابع
“Sha’var akh-nel dourak!?” قال الرجل الأشقر مبتسما
لم تختفي نظرة الاستغراب التي علت محياهما. نظرا إلي باستغراب وكأنهما لم يفهما شيئا مما أتحدث عنه.
“أين أنا الآن؟” سألتُ مضطربا
حينها فقط، سمعنا صوت زمجرة قريب من المكان ضرب أذناي بقوة. “غوااااااااه!!”
الفتاة التي دخلت الغرفة كانت ترتدي ثوبًا طويلًا من قماش ناعم، لونه رمادي يميل إلى الفضي، يتحرك مع خطواتها بهدوء. على أطرافه تطريز بسيط بلون أزرق غامق. حول خصرها حزام من الجلد يعلّق عليه كيس صغير، وعلى كتفيها عباءة خفيفة من فرو أبيض، كأنها للحماية من برد الخارج.
“Liara!”
نادى الرجل الفتاة بنظرة جدية كأنه شخص مختلف تماما.
‘يبدو أنه يسألني عن اسمي هاه؟ أعتقد حاليا أنني في بيئة مغايرة عن ما اعتدت أن أعيش فيه… اسمي سيكون الرابط الوحيد المتبقي بيني وبين ذلك المكان الموحش… لا أريد استعماله مجددا.”
“Varen, sha Othar.”
أجابت الفتاة بحزم
‘يبدو أنه يسألني عن اسمي هاه؟ أعتقد حاليا أنني في بيئة مغايرة عن ما اعتدت أن أعيش فيه… اسمي سيكون الرابط الوحيد المتبقي بيني وبين ذلك المكان الموحش… لا أريد استعماله مجددا.”
حينها، رأيت سربا من الدببة القطبية تقترب من الكوخ قادمةً من الغابة… غادرت ليارا الغرفة مسرعة. حمل رايندار سيفه الأسود القاتم بمقبضه الذهبي المزخرف المعلق في الجدار. بعدها بلحظات عادت ليارا للغرفة جاهزة ترتدي قميصًا جلديًا بنيًا تحته ثوب بلون البيج الفاتح، تحيطه طبقات من الأحزمة الجلدية التي تحمل سهامها وحقيبة جلدية صغيرة. وعلى كتفيها كاب بني مزخرف بطبقة من الفرو الأبيض ثم ملأت سلَّتها بالسهام وحملتها رفقة قوسٍ بُنِّي سميك فوق ظهرها.
“أنني في عالم آخر؟!!” همستُ متسائلًا
‘ماهذه السرعة، ظننتُ أنهم يقتاتون على صيد الأرانب أو ماشابه… هل يعقل أنهم ذاهبون لمواجهة هذه الدببة القطبية الضخمة؟!’
‘يبدو أن اسمه رايندار… لا رغبة لي في إجراء محادثة ودية صدقا!’
“Thar’nak, Elian.”
خاطبني رايندار بحزم
غادر الاثنان مسرعان نحو الدببة قبل أن تقترب أكثر من كوخهما، من النافذة أستطيع مشاهدة مايجري خارجا… اندفع رايندار مسرعا نحو الدببة بعد سحبه لسيفه المهيب من ظهره. وتمركزت ليارا خلفه وهي جاهزة في أي وقت للبدء في إطلاق السهام!
لم أفهم مايقوله لكنني طأطأت رأسي موافقا. غالب الظن أنه طلب مني البقاء في مكاني هذا… أو هذا ما أردتُ.
“venas tu?” أتمم قائلا
‘ما هذا الجو الحازم الذي تحول بسرعة في مكان هادئ كهذا؟ كيف استطاعوا التجهز للمواجهة بسرعة هكذا؟’
‘ماهذا؟ تنانين؟ أين أنا؟ لايمكن أن يكون وجود التنانين ممكنا حاليا ولا تاريخيا حتى… أين أنا بالضبط؟ لا لا لا، ماقصة هذا السيف أساسا؟ وما هذه الجثت المحنطة التي تملأ الغرفة؟ في أي عصر أنا بالضبط؟ ما هذه العائلة من الصيادين؟ هل أنا في قارة مظلمة لم يسمع عنها من قبل أو ما شابه؟’
غادر الاثنان مسرعان نحو الدببة قبل أن تقترب أكثر من كوخهما، من النافذة أستطيع مشاهدة مايجري خارجا… اندفع رايندار مسرعا نحو الدببة بعد سحبه لسيفه المهيب من ظهره. وتمركزت ليارا خلفه وهي جاهزة في أي وقت للبدء في إطلاق السهام!
“Reindar” قال بحزم
‘هذا الجو الملحمي… هذه المؤشرات… هل يمكن؟’
تقدمت الفتاة خطوات إضافية نحوي… جلست فوق السرير ببطئ، مرَّرت بضع خصلات من شعرها تعيق رؤيتها خلف أذنها، ثم قالت ببطئ وحزم “Shael’mira Liara… venas tu?”
“أنني في عالم آخر؟!!” همستُ متسائلًا
في أحد الجدران، موقد حجري يفتح فمه كوحشٍ نائم، تتلوّى داخله النيران بهدوء. أعلاه، علّقت أعشاب مجففة تتدلّى من السقف، تنشر عطراً خفيفاً يشبه الغابة بعد المطر.
‘لا لا هذا خيالي، مستحيل… صحيح؟’
“أنني في عالم آخر؟!!” همستُ متسائلًا
يُتبع…
هناك… فوق الأشجار الشامخة المغطّاة بالجليد، في مكان ليس بالقريب ولا بالبعيد. وفي سماءٍ رمادية باهتة كأنها صفحة من رماد، ظهرت كائنات تسبح في الهواء.
“venas tu?” أتمم قائلا
