Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سقوط الخيط: ما بعد الموت، نحو الفوضى 5

مراسم الاستدعاء - الجزء 1

مراسم الاستدعاء - الجزء 1

نيم غارث، عاصمة مملكة إلغاريا – سنة 754، عصر حاكم التنين الخالد

يُتبع…

في ذلك اليوم كجوهرةٍ مضيئةٍ على صدر قارة إيليثيا المتوسطة، تلألأت العاصمة بالحياة حتى خُيَّل للناظر أن الهواء نفسه يحتفل. من أعلى أبراجها الحجرية التي تتعانق مع الغيوم، كان يمكن للمرء أن يرى خيوط الدخان المتصاعدة من مئات المواقد التي تفوح منها روائح البهارات والعسل المشوي، وتسمع صدى الطبول والأنغام المنبعثة من كل زاويةٍ من زوايا المدينة.

“هل حان الوقتُ بالفعل؟!” همس لنفسه

شوارع نيم غارث التي كانت عادةً مرهونة بالهدوء والانضباط الملكي والعسكري، تحولت اليوم إلى مسرحٍ مفتوحٍ للحياة؛ رايات المملكة المطرّزة بشعار الشمس الفضية ترفرف على الشرفات، وزُيّنت الطرقات بأشرطةٍ من الحرير الملون تمتد بين النوافذ كأنها خيوط ضوء تربط السماء بالأرض. كانت أجراس المعبد العظيم تُقرع على إيقاعٍ احتفاليٍ متسارع، تعلن للعالم اقتراب لحظةٍ يُقال إنها ستبدّل مصير القارة بأكملها؛ طقس استدعاء البطل المحرِّر.

سحب التاجر الرداء من على رأس الفتى… لقد كان أحد المستوحشين، أنصاف البشر، نصف بشري سنجاب! ملامح وقوام بشرية، مع أذناي وذيل سنجاب يتدلون من فوق رأسه وأسفل ظهره. لم يكن هذا المنظر غريباً على أحد، إنهم أحد أجناس هذه البلاد، لكن وضعهم تدهور منذ مدة وأصبحت العنصرية تسيطر على واقعهم.

في الساحات الكبرى، اجتمع الناس على اختلاف طبقاتهم، من النبلاء الذين يضعون أقنعتهم المطرّزة بالذهب، إلى الفلاحين الذين جاؤوا من القرى البعيدة حاملين أكياس الحبوب كهدايا رمزية “لبطل الخلاص”. أما الأطفال، فقد جعلوا من الأزقة ممراتٍ للضحك والركض، يحملون أقنعة ورقية على شكل تنّينٍ أو ملاك، وأيديهم ملطخة بسكّر المهرجان الأبيض.

“أرأيت، إنه ليس بدم نقيّ، إنه نصف بشري، لا مكان لهم في العاصمة، إنهم يعيشون كما الشياطين في أزقة هذا البلد، يسرقون التجار، ويجوبون الأزقة ويتكاثرون بيننا وينشرون دمهم الشيطاني هذا! ماكان لرحَّالة مثلك أن يفهم، لذلك إنصرف الآن إن علمت سبب ضربي له. ليس وكأن لديك مايكفي من مالٍ لتعويضي.”

أرضية الشارع كانت مرصوفة بحجارة باهتة غير متناسقة الحجم، تآكلت أطرافها ذات بريقٍ خافت تحت ضوء الشمس. بين الفواصل نبتت أعشاب صغيرة خضراء، كأن الطبيعة تحاول استعادة ما سرقه البشر منها.

مع ذلك، بدا وكأنه مستنزفٌ مسبقاً، بحيث كانت آثار معركةٍ ربما باديةً على جسده المُثقل، ووجهه الشاحب.

أما الخيام، فكانت مصطفّة على جانبي الطريق بألوانٍ دافئة؛ العاجي، القرمزي، والأزرق الباهت، تتماوج أقمشتها مع النسيم وتتصادم حوافها برفقٍ محدثةً خشخشة قماشٍ متناغمة. دعاماتها الخشبية تلتف حولها أشرطة حريرية ملونة، تتدلى منها أجراس صغيرة ترنّ كلما مرّت نَسمة.

ركض الرحّال مسرعاً، ثم اختفى بين الأكشاك والحشد الكبير أمام هذه الأزقة المظلمة.

فوق الشارع، امتدت حبال الزينة المعلّقة من بناية لأخرى، تتدلى منها رايات صغيرة مثلثة بألوانٍ زاهية، و زينة من زجاج يلمع كلما لامسته الشمس. وكان الأطفال يركضون تحتها ضاحكين، بينما تتطاير من بعيد قصاصات ورقية كأنها فراشات أُطلقت احتفالًا بهذا اليوم الكبير.

كان يرتدي لباساً جسّد الهيبة و الغموض، بتصميم داكن أنيق يفيض رهبة وأناقة في آنٍ واحد يوحي بالدفء. يتكوّن من طبقات متناسقة من القماش الأسود المائل إلى الرمادي القاتم، تعلوها عباءة طويلة ذات أطراف حادّة وملمس رطب، تضفي على صاحبها هالة من السرّ والغموض. الغطاء الذي يحيط بالرأس يخفي الملامح تحت وطأة الظلال، بينما تتقاطع على الصدر والخصر أحزمة جلدية مزخرفة بمشابك معدنية برّاقة توازن بين الطابع القتالي واللمسة الجمالية.

كانت الأصوات تتداخل كأنها نسيجٌ موسيقيّ؛ صياح الباعة الأجانب الذين قدموا من أراضٍ بعيدة مثل “زايروك الشرقية” و”فاليسكار الغربية” و”نورفان الشمالية” يروجون بضاعتهم بلغاتٍ غريبة تتخللها كلمات من لهجة نيم غارث المتلعثمة. هناك تجار يبيعون الحرير البنفسجي الذي “لا يحترق بالنار”، وآخرون يعرضون قوارير زجاجية فيها ضوء سائل من ممالك الشمال المتجمدة، يُقال إنه يُستخرج من زهورٍ تنمو تحت الثلوج.

وفي الجانب الجنوبي من الساحة، كانت عربات الموسيقيين تتناوب على الأداء، كل فرقةٍ تحاول أن ترفع حماسة الجماهير أكثر من التي سبقتها. أنغام الناي تتصاعد مرتفعةً بين الأعلام، تصاحبها دفوفٌ وإيقاعاتُ الطبول التي تجعل حتى الحراس عند بوابات القصر يهزون رؤوسهم على غير عادتهم.

وفي الجانب الجنوبي من الساحة، كانت عربات الموسيقيين تتناوب على الأداء، كل فرقةٍ تحاول أن ترفع حماسة الجماهير أكثر من التي سبقتها. أنغام الناي تتصاعد مرتفعةً بين الأعلام، تصاحبها دفوفٌ وإيقاعاتُ الطبول التي تجعل حتى الحراس عند بوابات القصر يهزون رؤوسهم على غير عادتهم.

أما النساء، فقد لبسن أثوابًا خفيفةً زُيّنت بقطع البلور الملوّن تعكس ضوء الشمس فتبدو كأجنحة فراشاتٍ متراقصة. كانت أصواتهن تتعالى بالضحكات، وهن يساومن على عقودٍ من الفضة، أو يشترين شراب الزهر الأزرق الذي يُقال إنه يُمنح فقط في ليلة الاستدعاء لكسب الشباب الأبدي.

أما النساء، فقد لبسن أثوابًا خفيفةً زُيّنت بقطع البلور الملوّن تعكس ضوء الشمس فتبدو كأجنحة فراشاتٍ متراقصة. كانت أصواتهن تتعالى بالضحكات، وهن يساومن على عقودٍ من الفضة، أو يشترين شراب الزهر الأزرق الذي يُقال إنه يُمنح فقط في ليلة الاستدعاء لكسب الشباب الأبدي.

أرضية الشارع كانت مرصوفة بحجارة باهتة غير متناسقة الحجم، تآكلت أطرافها ذات بريقٍ خافت تحت ضوء الشمس. بين الفواصل نبتت أعشاب صغيرة خضراء، كأن الطبيعة تحاول استعادة ما سرقه البشر منها.

في قلب المدينة، عند ساحة الألف شعلة، نُصبت منصة الملك الكبرى، تحيط بها دوائر من الرموز السحرية المنقوشة على الحجارة القديمة. هناك، يتجمع الكهنة بملابسهم البيضاء الموشاة بزخرفة خيوط الذهب، يتهيأون لاستقبال الساعة التي سيُفتح فيها البوّاب الفاصل بين العوالم. كلّ من في المدينة، من المتسول إلى النبيل، كان يترقب تلك اللحظة بنفس الرجفة الخفية، رجفة الأمل بوصول محررهم من مصير النبوءة المظلم والخوف بترقبهم لهذا المآل.

في قلب المدينة، عند ساحة الألف شعلة، نُصبت منصة الملك الكبرى، تحيط بها دوائر من الرموز السحرية المنقوشة على الحجارة القديمة. هناك، يتجمع الكهنة بملابسهم البيضاء الموشاة بزخرفة خيوط الذهب، يتهيأون لاستقبال الساعة التي سيُفتح فيها البوّاب الفاصل بين العوالم. كلّ من في المدينة، من المتسول إلى النبيل، كان يترقب تلك اللحظة بنفس الرجفة الخفية، رجفة الأمل بوصول محررهم من مصير النبوءة المظلم والخوف بترقبهم لهذا المآل.

لا يستطيع العامّة ولا حتى النبلاء من دخول قاعة استدعاء البطل، الأجواء الاحتفالية مستمرة، والمهرجان بلغ ذروته، لكن الجميع ينتظر إعلان وصول البطل المحرر لهذه البلاد، لن يتمكنوا من رؤيته بصفته بطلاً قوميّاً بالغ السرية والأهمية، لكن إعلان الملك قريباً على وصوله كافي لطمأنة هذا الحشد الكبير كاملاً.

“قردٌ غبيّ… ما ذهاك تسرق من كشك حامل دمٍ نقيّ؟! تستحق الموت مئة مرّة!” قال رجلٌ غاضبًا

وفيما كانت الشمس تميل نحو الأفق، تلوِّنُ أبراج نيم غارث بضياءٍ ذهبيٍّ خافت، ارتفع صياح الناس من كل ناحية، بينما أُطلقت الطيور الرمزية إلى السماء في إشارة إلى بدء الطقوس. المدينة كلّها، بأحجارها وأنفاسها وأغانيها، كانت تنتظر أن يُفتح الغد، على يد البطل الذي وعدت به النبوءة.

ركض الرحّال مسرعاً، ثم اختفى بين الأكشاك والحشد الكبير أمام هذه الأزقة المظلمة.

وفي أثناء كل هذه الإحتفالات، رجلٌ مهيبٌ يبدو أنه رحَّال متجوِّل كان يسير وسط زحام نيم غارث كأنّ المهرجان لا يعنيه في شيء. في بحرٍ من الألوان والضحكات والرايات اللامعة، بدا هو ظلّاً متحركاً، قطعةً من ليلٍ تسللت إلى نهار المدينة المشرق.

وفي الجانب الجنوبي من الساحة، كانت عربات الموسيقيين تتناوب على الأداء، كل فرقةٍ تحاول أن ترفع حماسة الجماهير أكثر من التي سبقتها. أنغام الناي تتصاعد مرتفعةً بين الأعلام، تصاحبها دفوفٌ وإيقاعاتُ الطبول التي تجعل حتى الحراس عند بوابات القصر يهزون رؤوسهم على غير عادتهم.

كان يرتدي لباساً جسّد الهيبة و الغموض، بتصميم داكن أنيق يفيض رهبة وأناقة في آنٍ واحد يوحي بالدفء. يتكوّن من طبقات متناسقة من القماش الأسود المائل إلى الرمادي القاتم، تعلوها عباءة طويلة ذات أطراف حادّة وملمس رطب، تضفي على صاحبها هالة من السرّ والغموض. الغطاء الذي يحيط بالرأس يخفي الملامح تحت وطأة الظلال، بينما تتقاطع على الصدر والخصر أحزمة جلدية مزخرفة بمشابك معدنية برّاقة توازن بين الطابع القتالي واللمسة الجمالية.

فتح التاجر الكيس بذهول وصدمة، ليزداد وقع الصدمة عليه بعد أن رأى محتواه، لقد كان الكيس يشعُّ بلمعان قطع ذهبية.

القفازات والأحذية متينة التصميم، تعكس جاهزية للقتال أو التسلل في الظلال، في حين تمنح الخيوط الدقيقة وتفاصيل الخياطة إحساسًا بالفخامة والانضباط. إنه زيّ لمحارب أو حارس ربما، يجمع بين القوة، الصمت، والرهبة التي لا تحتاج إلى كلمات لتُفهم.

نيم غارث، عاصمة مملكة إلغاريا – سنة 754، عصر حاكم التنين الخالد

مع ذلك، بدا وكأنه مستنزفٌ مسبقاً، بحيث كانت آثار معركةٍ ربما باديةً على جسده المُثقل، ووجهه الشاحب.

أما الخيام، فكانت مصطفّة على جانبي الطريق بألوانٍ دافئة؛ العاجي، القرمزي، والأزرق الباهت، تتماوج أقمشتها مع النسيم وتتصادم حوافها برفقٍ محدثةً خشخشة قماشٍ متناغمة. دعاماتها الخشبية تلتف حولها أشرطة حريرية ملونة، تتدلى منها أجراس صغيرة ترنّ كلما مرّت نَسمة.

أثناء مروره بين أزقة العاصمة، أزقة لا يبلغها صياح المهرجان وكأنها منعزلة تماما في عالمٍ لوحدها، عالم تحكمه الطبقية القاسية، أطفالٌ متشرّدة لا تملك من المال والصحة السليمة ما يكفيها للاستمتاع بأجواء المهرجان مع الأجانب وأبناء الطبقة المتوسطة والنبيلة. مرّ الرَّجل من بين هذه المناظر الكئيبة وكأن أمرها لا يعنيه، شعر فضِّي غيرُ مصفَّفٍ يغطي ملامحه الباهتة وكأن الموت قريبٌ منه.

“لسنا قردةً، نحنُ مواطنون، مثلك تماماً…” قال الصبيّ ببطئ بنبرة متألمة

“قردٌ غبيّ… ما ذهاك تسرق من كشك حامل دمٍ نقيّ؟! تستحق الموت مئة مرّة!” قال رجلٌ غاضبًا

وفي أثناء كل هذه الإحتفالات، رجلٌ مهيبٌ يبدو أنه رحَّال متجوِّل كان يسير وسط زحام نيم غارث كأنّ المهرجان لا يعنيه في شيء. في بحرٍ من الألوان والضحكات والرايات اللامعة، بدا هو ظلّاً متحركاً، قطعةً من ليلٍ تسللت إلى نهار المدينة المشرق.

لقد كان تاجراً أصلع ذو كرشٍ بارزة يرتدي ملابس مهترءة بالتراب والعرق تُظهر عمله الدؤوب المستمر. لقد كان يلكم ويضرب طفلاً باستمرار، لكمة تلو الأخرى دون رحمة والطفل يتكأ على الحائط خلفه لامهرب له من وابل الضربات هذا.

تقدّم الرّحال نحو التاجر، ثم أمسكه من يده قبل توجيه لكمةً أخرى لبطن الفتى المستسلِم لأمره. لقد كان الرَّحال طويلاً للغاية، ربما يكون أقلَّ من مترين طولًا بقليل، في حين كان التاجر متوسط الطول، رفع رأسه ليقابل عينيّ هذا المتدخِّل الغريب.

لقد كان الطفلُ يرتدي عباءة بُنِّية اللون مهترئة طويلةً تُغطي وجهه أيضاً، لقد كان في وضعٍ صعب ميؤوس منه ينتظر منقذه من بطش هذا التاجر الغاضب.

في قلب المدينة، عند ساحة الألف شعلة، نُصبت منصة الملك الكبرى، تحيط بها دوائر من الرموز السحرية المنقوشة على الحجارة القديمة. هناك، يتجمع الكهنة بملابسهم البيضاء الموشاة بزخرفة خيوط الذهب، يتهيأون لاستقبال الساعة التي سيُفتح فيها البوّاب الفاصل بين العوالم. كلّ من في المدينة، من المتسول إلى النبيل، كان يترقب تلك اللحظة بنفس الرجفة الخفية، رجفة الأمل بوصول محررهم من مصير النبوءة المظلم والخوف بترقبهم لهذا المآل.

تقدّم الرّحال نحو التاجر، ثم أمسكه من يده قبل توجيه لكمةً أخرى لبطن الفتى المستسلِم لأمره. لقد كان الرَّحال طويلاً للغاية، ربما يكون أقلَّ من مترين طولًا بقليل، في حين كان التاجر متوسط الطول، رفع رأسه ليقابل عينيّ هذا المتدخِّل الغريب.

في ذلك اليوم كجوهرةٍ مضيئةٍ على صدر قارة إيليثيا المتوسطة، تلألأت العاصمة بالحياة حتى خُيَّل للناظر أن الهواء نفسه يحتفل. من أعلى أبراجها الحجرية التي تتعانق مع الغيوم، كان يمكن للمرء أن يرى خيوط الدخان المتصاعدة من مئات المواقد التي تفوح منها روائح البهارات والعسل المشوي، وتسمع صدى الطبول والأنغام المنبعثة من كل زاويةٍ من زوايا المدينة.

“من أنت أيها التافه؟ أتريد الموت؟!” قال التاجر غاضبًا

شوارع نيم غارث التي كانت عادةً مرهونة بالهدوء والانضباط الملكي والعسكري، تحولت اليوم إلى مسرحٍ مفتوحٍ للحياة؛ رايات المملكة المطرّزة بشعار الشمس الفضية ترفرف على الشرفات، وزُيّنت الطرقات بأشرطةٍ من الحرير الملون تمتد بين النوافذ كأنها خيوط ضوء تربط السماء بالأرض. كانت أجراس المعبد العظيم تُقرع على إيقاعٍ احتفاليٍ متسارع، تعلن للعالم اقتراب لحظةٍ يُقال إنها ستبدّل مصير القارة بأكملها؛ طقس استدعاء البطل المحرِّر.

“ماذا فعل هذا الصبيّ ليتلقى وابل الضربات هذا من شخص يفوقه حجماً وعمراً بمراحل؟”

“لقد سرق مع رفاقه صندوق تفاحٍ كامل، لقد سلّمه لهم واعترض طريقي لاسترجاعه حتى تمكّن القردة الباقون من الهرب!”

“لقد سرق مع رفاقه صندوق تفاحٍ كامل، لقد سلّمه لهم واعترض طريقي لاسترجاعه حتى تمكّن القردة الباقون من الهرب!”

فجأة، سُمع صوت الألعاب الناريّة في السماء، صوتُ بدء مراسم استدعاء البطل!

“لسنا قردةً، نحنُ مواطنون، مثلك تماماً…” قال الصبيّ ببطئ بنبرة متألمة

“أرأيت، إنه ليس بدم نقيّ، إنه نصف بشري، لا مكان لهم في العاصمة، إنهم يعيشون كما الشياطين في أزقة هذا البلد، يسرقون التجار، ويجوبون الأزقة ويتكاثرون بيننا وينشرون دمهم الشيطاني هذا! ماكان لرحَّالة مثلك أن يفهم، لذلك إنصرف الآن إن علمت سبب ضربي له. ليس وكأن لديك مايكفي من مالٍ لتعويضي.”

“حقاً؟ إذن فلتكشف عن وجهك ليرى حقيقتك!”

كان يرتدي لباساً جسّد الهيبة و الغموض، بتصميم داكن أنيق يفيض رهبة وأناقة في آنٍ واحد يوحي بالدفء. يتكوّن من طبقات متناسقة من القماش الأسود المائل إلى الرمادي القاتم، تعلوها عباءة طويلة ذات أطراف حادّة وملمس رطب، تضفي على صاحبها هالة من السرّ والغموض. الغطاء الذي يحيط بالرأس يخفي الملامح تحت وطأة الظلال، بينما تتقاطع على الصدر والخصر أحزمة جلدية مزخرفة بمشابك معدنية برّاقة توازن بين الطابع القتالي واللمسة الجمالية.

سحب التاجر الرداء من على رأس الفتى… لقد كان أحد المستوحشين، أنصاف البشر، نصف بشري سنجاب! ملامح وقوام بشرية، مع أذناي وذيل سنجاب يتدلون من فوق رأسه وأسفل ظهره. لم يكن هذا المنظر غريباً على أحد، إنهم أحد أجناس هذه البلاد، لكن وضعهم تدهور منذ مدة وأصبحت العنصرية تسيطر على واقعهم.

أرضية الشارع كانت مرصوفة بحجارة باهتة غير متناسقة الحجم، تآكلت أطرافها ذات بريقٍ خافت تحت ضوء الشمس. بين الفواصل نبتت أعشاب صغيرة خضراء، كأن الطبيعة تحاول استعادة ما سرقه البشر منها.

“أرأيت، إنه ليس بدم نقيّ، إنه نصف بشري، لا مكان لهم في العاصمة، إنهم يعيشون كما الشياطين في أزقة هذا البلد، يسرقون التجار، ويجوبون الأزقة ويتكاثرون بيننا وينشرون دمهم الشيطاني هذا! ماكان لرحَّالة مثلك أن يفهم، لذلك إنصرف الآن إن علمت سبب ضربي له. ليس وكأن لديك مايكفي من مالٍ لتعويضي.”

وفي أثناء كل هذه الإحتفالات، رجلٌ مهيبٌ يبدو أنه رحَّال متجوِّل كان يسير وسط زحام نيم غارث كأنّ المهرجان لا يعنيه في شيء. في بحرٍ من الألوان والضحكات والرايات اللامعة، بدا هو ظلّاً متحركاً، قطعةً من ليلٍ تسللت إلى نهار المدينة المشرق.

سحب المتجوِّل كيس مال من جيبه الداخلي، لقد كان ممتلئا بالعملة المعدنية… سلّمه بهدوء في دهشة من التاجر.

مع ذلك، بدا وكأنه مستنزفٌ مسبقاً، بحيث كانت آثار معركةٍ ربما باديةً على جسده المُثقل، ووجهه الشاحب.

“هل هذا يكفي؟!” سأل بهدوء

أثناء مروره بين أزقة العاصمة، أزقة لا يبلغها صياح المهرجان وكأنها منعزلة تماما في عالمٍ لوحدها، عالم تحكمه الطبقية القاسية، أطفالٌ متشرّدة لا تملك من المال والصحة السليمة ما يكفيها للاستمتاع بأجواء المهرجان مع الأجانب وأبناء الطبقة المتوسطة والنبيلة. مرّ الرَّجل من بين هذه المناظر الكئيبة وكأن أمرها لا يعنيه، شعر فضِّي غيرُ مصفَّفٍ يغطي ملامحه الباهتة وكأن الموت قريبٌ منه.

فتح التاجر الكيس بذهول وصدمة، ليزداد وقع الصدمة عليه بعد أن رأى محتواه، لقد كان الكيس يشعُّ بلمعان قطع ذهبية.

“أرأيت، إنه ليس بدم نقيّ، إنه نصف بشري، لا مكان لهم في العاصمة، إنهم يعيشون كما الشياطين في أزقة هذا البلد، يسرقون التجار، ويجوبون الأزقة ويتكاثرون بيننا وينشرون دمهم الشيطاني هذا! ماكان لرحَّالة مثلك أن يفهم، لذلك إنصرف الآن إن علمت سبب ضربي له. ليس وكأن لديك مايكفي من مالٍ لتعويضي.”

“هذه قطع عملة مملكة آثريا… إنها ذهبية حقيقية… والكثير منها! هذه تساوي ضعف عملتنا، بل ربما أكثر… تصريفها سيساوي ثروة حقيقية! من أنت يا هذا؟!” قال التاجر مصدومًا

“قردٌ غبيّ… ما ذهاك تسرق من كشك حامل دمٍ نقيّ؟! تستحق الموت مئة مرّة!” قال رجلٌ غاضبًا

لقد كانت قطعًا ذهبية لامعة بلون شمسٍ مصقولة، ثقيلة في الكف، منقوش على وجهها تاجٌ متشابك الخيوط، وعلى الآخر ميزانٌ دقيق. حافتها مسنّنة، وملمسها مريح للإبهام والسبابة.

“هل هذا يكفي؟!” سأل بهدوء

التفت كل من الصبيّ والتاجر في دهشة وذهول للرحّال، وجهه نحيل، يظهرُ النضج. ملامحه غير ظاهرة تحمل شيئاً غامضاً؛ لا هو من عامة الناس ولا من النبلاء، بل كأن الزمن نفسه نقش على بشرته قصصاً لا يريد أحدٌ أن يقرأها.

أرضية الشارع كانت مرصوفة بحجارة باهتة غير متناسقة الحجم، تآكلت أطرافها ذات بريقٍ خافت تحت ضوء الشمس. بين الفواصل نبتت أعشاب صغيرة خضراء، كأن الطبيعة تحاول استعادة ما سرقه البشر منها.

“…” لم ينطق الرحَّال بكلمة

لقد كان الطفلُ يرتدي عباءة بُنِّية اللون مهترئة طويلةً تُغطي وجهه أيضاً، لقد كان في وضعٍ صعب ميؤوس منه ينتظر منقذه من بطش هذا التاجر الغاضب.

فجأة، سُمع صوت الألعاب الناريّة في السماء، صوتُ بدء مراسم استدعاء البطل!

فوق الشارع، امتدت حبال الزينة المعلّقة من بناية لأخرى، تتدلى منها رايات صغيرة مثلثة بألوانٍ زاهية، و زينة من زجاج يلمع كلما لامسته الشمس. وكان الأطفال يركضون تحتها ضاحكين، بينما تتطاير من بعيد قصاصات ورقية كأنها فراشات أُطلقت احتفالًا بهذا اليوم الكبير.

“هل حان الوقتُ بالفعل؟!” همس لنفسه

وفي الجانب الجنوبي من الساحة، كانت عربات الموسيقيين تتناوب على الأداء، كل فرقةٍ تحاول أن ترفع حماسة الجماهير أكثر من التي سبقتها. أنغام الناي تتصاعد مرتفعةً بين الأعلام، تصاحبها دفوفٌ وإيقاعاتُ الطبول التي تجعل حتى الحراس عند بوابات القصر يهزون رؤوسهم على غير عادتهم.

تبادل التاجر والصبي النظرات، ثم وجهوا بصرهم مرة أخرى للرحَّال وهو يلتف مغادراً. “مهلا!…” قال التاجر مترددًا

فجأة، سُمع صوت الألعاب الناريّة في السماء، صوتُ بدء مراسم استدعاء البطل!

ركض الرحّال مسرعاً، ثم اختفى بين الأكشاك والحشد الكبير أمام هذه الأزقة المظلمة.

لقد كان الطفلُ يرتدي عباءة بُنِّية اللون مهترئة طويلةً تُغطي وجهه أيضاً، لقد كان في وضعٍ صعب ميؤوس منه ينتظر منقذه من بطش هذا التاجر الغاضب.

يُتبع…

كانت الأصوات تتداخل كأنها نسيجٌ موسيقيّ؛ صياح الباعة الأجانب الذين قدموا من أراضٍ بعيدة مثل “زايروك الشرقية” و”فاليسكار الغربية” و”نورفان الشمالية” يروجون بضاعتهم بلغاتٍ غريبة تتخللها كلمات من لهجة نيم غارث المتلعثمة. هناك تجار يبيعون الحرير البنفسجي الذي “لا يحترق بالنار”، وآخرون يعرضون قوارير زجاجية فيها ضوء سائل من ممالك الشمال المتجمدة، يُقال إنه يُستخرج من زهورٍ تنمو تحت الثلوج.

“من أنت أيها التافه؟ أتريد الموت؟!” قال التاجر غاضبًا

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط