يوميَّاتي في عالمٍ جديد - الجزء 1
إليان
“هذا مؤلم. وكأن البرق عصف بي…” قال متألمًا
‘لقد مرَّ أسبوعٌ كامل منذ مجيئي لهذا العالم. لازلت لا أفهم كل شيئ عن الحياة هنا، لكنني كوَّنت إنطباعا أوَّلياً لا بأس به. لقد شُفيَت إصاباتي بالكامل. لازلت أشعر بألم الطعنِ في خصري الأيسر لكنه لا يمنعني من الحركة بحرية. يبدو أن ليارا تُجيد الإسعافات الأولية، هذا ليس غريباً كونها صيادة ترافق والدها رايندار في أراضي الدببة وغيرها.’
تختلف أنواع الخشب المستعمل بين المعدات حسب أهميتها، البعض متين والآخر رقيق، درجات اللون البني تختلف بينهم أيضا، مما يضفي جمالية على المطبخ.
‘سأُعرِّفكم عنهم جيداً أولاًّ… رايندار؛ مظهره الجاد يوحي بوقارٍ وهيبة وقوّة منقطعة النظير، شخصٌ جديرٌ بالثقة حتماً. لكن… هذا ما يبدو عليهِ الأمرُ فقط.’
كما لو أن العالم حولي صمت فجأة!
أمامي كان يمشي رايندار في دائرة قرب الطاولة وهو يحتسي كوب قهوةٍ ساخن أمام الموقِد في غرفة المعيشة يُراقب الأوضاع المثلجة خارجاً من النافذة. يبدو وكأنه يحاول الكلام معي، أشعر به يخطف نظراتٍ خفيفةٍ بإتجاهي بين الفينة والأخرى، وأنا أقرأ كتابا على الأريكة أحاول من خلاله فهم اللغة أكثر فأكثر. وفجأة…
المعدات المطبخية بسيطة لكنها مرتبة بعناية؛ قدر حديدي كبير على الموقد الحجري، مجموعة من الصحون الخزفية ذات أطراف مشققة قليلاً، وسكاكين متباينة الأحجام مرتبة على لوح خشبي عتيق. رفوف خشبية معلقة على الجدار تحمل المعلبات البسيطة، والبهارات محفوظة في أوعية زجاجية صغيرة، كل شيء يوحي بالبساطة مع لمسة من الاعتناء الدافئ.
“آااااااه!!” صرَخَ رايندار مُتألِّماً
‘يبدو أنه يسخر من رائحة طبخ ليارا المنبعثة من المطبخ. هي حقاً طبَّاخةٌ سيئة أظن أنني سأقوم بأداء أفضل حين يتعلَّق الأمرُ بالطّبخ! لكن فأرٌ مشوي؟ هاها ماهذا الهراء.’
جاءت ليارا من المطبخ المجاور مسرعةً للغرفة لتطمئن على أبيها.
“آااااااه!!” صرَخَ رايندار مُتألِّماً
“ماذا حدث يا أبتي؟!” سألَت بحذر
“أوووه يا أبتي فلتجلس حينما تكون شارد الذِهن.” ردَّت
“خِنصر رجلي الأيمن… لقد ارتطمت به الطاولة! من حرَّكها من موضعها؟” أجاب بنبرةٍ متألمة
‘لطالما إعتقدتُ أن العيش وأنت تعلم موعد وفاتك كان ليكون نِعمةً كبيرة، فسيساعدك ذلك على وضع أهذافٍ لتحقيقها قبل بلوغه، ولن تُضيِّع وقتك الثمين في هذه الدنيا على أشياء تافهة إثر ذلك. لكن على العكسِ تماماً، إتضح أنه نِقمة لا نِعمة، فعِلمك بموعد وفاتك يُفقد العالم ألوانه الزَّاهية ويُفقد الحياة مذاقها اللذيذ، كما لو أنك تتناول طعاماً لا مذاق له للنجاة ليس إلَّا. مِثلهُ تفقد الحياة مغزاها الأساسي، فتعيش ما تبقى من عمرك تعُدُّ ماتبقى لك من أيام دون الاستمتاع بها، لا تفعل شيئا عدا إنتظار لقاء مصيرك المحتوم. فتقضي ما تبقى لك من عمرٍ محبوساً بسلاسل الموت التي تقيِّدك بعيداً عن نشوة الحياة التي لاتزال بين يديك…’
“إيييه؟ إنها طاولةٌ يا أبتي، جمادٌ. كيف لها أن تتحرك من مكانها؟ يجب عليك أن تكون أكثر حذرًا في حركتك.” أجابت
نظرت إليَّ بملامح جادة كما من قاطعته أثناء تركيز عميق، نظرت إليَّ بعينان خضراوتان كما الربيع وسط هذه الثلوج، برموش طويلة تبرز عينيها بشكلٍ جذاب، أنفٌ صغير مستقيم، وفم أحمر من الدفء المحيط، وجنتاها محمرَّتان كذلك وشعرها الذهبي كما القمحِ غير المصفَّف ينسدل على أذنيها قرب الوجنتين.
“هذا مؤلم. وكأن البرق عصف بي…” قال متألمًا
جاءت ليارا من المطبخ المجاور مسرعةً للغرفة لتطمئن على أبيها.
“أوووه يا أبتي فلتجلس حينما تكون شارد الذِهن.” ردَّت
“Fael shenr nael thravyn, rin’kael, en’arv shael thrynn.” (“لأنه لن يُفسِد الطعام كما تفعل، ارتأيت أن أعطيه فرصة”) أجابت قائلة وهي تجادله
‘في الواقع إنَّهُ أخرق!’
‘لم أخبر رايندار وليارا عن حقيقتي بعد. يبدو أنني جئتُ لهذا العالم بسببٍ غريبٍ أجهله، وهم يظنون أنني رَحَّالٌ إنتهى به المطاف في هذه الأراضي المثلجة فسقطتُ فاقداً ذاكرتي… لكنني لم أفقدها! أنا أتذكر مظهر أولئك الأوغاد من عالمي حتماً.’
‘أحيانا ينسى أن يَخفض رأسه فيرتطم بأعلى الباب، وعندما يخيط ملابسه يجرح إصبعه بالإبرة، ودوماً يحرق فمه حينما يحتسي قهوةً ساخنة أو يأكل طعاماً ساخناً دون حذرٍ، وتارةً يخطئ الباب ويرتطم بالحائط، دون أن ننسى أنه دائم التعثُّر والهفوات… إنه أخرق… أخرقٌ بحق.’
‘غرفتي… آه، غرفتي أصبحت مرآة حياتي. لا يطؤها النور، لا تنقشع عنها الظلال إلا عند النادر. الكتب والألعاب ملقاة في كل زاوية، أشيائي متناثرة كما هو قلبي؛ لا اهتمام، لا ترتيب، لا شيء سوى فوضى صامتة تضحك في وجهي. أحيانًا أشعر أنني أعيش على هامش العالم، أن الحياة تمر بي ولا تمر بي في الوقت ذاته. كل لحظة بؤس، كل دقيقة فراغ… هكذا أمضيتُ أيامي، بلا هدف، بلا شغف، بلا صديق، إلا نفسي التي لا أطيقها أحيانًا بدورِها.’
‘لكن ولسببٍ ما، حينما يتعلق الأمر بسيفه ومهامه كصيَّاد، الهالة حوله تختلف، فيصبح جديراً بالثقة والمسؤولية، إن كان عليك الإختيار بين فريقين ستريد أن تكون تحت وصاية فريقه مما لا شكَّ به.’
‘هذا الجوُّ العائلي… لقد افتقدته! أنا… لا أملك إلا أن أتذكر الفراغ. فقدت أمي وأنا طفل صغير، كان قلبها ضعيفًا، مرض مزمن لم يكن يملك إلا أن ينهش أيامها، فتركتني بلا حضن، بلا دفء.’
‘حينما يُلَمِّعُ سيفه، يصبحُ برّاقاً يعكس نور الغرفة، تستطيع من خلال نصله أن ترى إنعكاس عينيه الزرقاوتين كما النهر الجَّاري على حدِّ سيفٍ. عندما يهيمُ مغادراً للصيد يُعطي بظهره الكبير موَليًّا فيشعرك بالأمان. لم أشاهده في قتال حقيقيٍّ بعد لكنه دائماً ما يعود ومعه صيد وفيرٌ من لحم الغزلان والدببة الشهيّ وفروهم الدافئ دون أدنى جرحٍ يذكر، كما تبدو ليارا محترمةً إيَّاهُ كثيراً مما يضيف له شعوراً أكبر بالقيادة.’
“Vaal en’Liara, shenr vael en’arv? Nael rin’kaar shaal thraven!” (“ماذا هناك ليارا، هل قبلت مساعدته؟ لم تسمحي لي بذلك يوماً!”) دخل رايندار المطبخ قائلاً
‘بالمناسبة، بعد أسبوع هنا أستطيع أن أقول أنني بدأتُ أفهم أساسيات اللغة… إنها تُدعى باللغة الشمالية، يبدو أنني الآن أقيم في قارَّة نورفان الشمالية، مملكة ديسمارا، وتحديداً في مدينة سيرافين البعيدة نسبياً عن العاصمة إيلينور، فنحن أساسًا نقطن على سفحٍ جبلي في أقصى حدود سيرافين، حيثُ لا يوجد بشرٌ غيرنا. مجرد دببة بيضاء وتنانين بيضاء تملأ الغابات و قمم الجبال المثلجة.’
‘بعد ذلك، بعد أن يموت بفترة من التخبطات التي عشتها وحيدًا، أُخبرني الطبيب بأن قلبي… قلبي قد يسير على دربه، وأن هذا المرض الذي قتل والدتي قد يفتك بي كذلك. كنت مستسلماً جدًا لأفهم، كبيرًا جدًا لأتجاهل الحقيقة. لكنني لم أستطع مواجهة هذه الحقائق المتراكمة. لم أعد أحضر محاضرات الجامعة وانطويت على نفسي في غرفتي. فالجامعة كانت عالماً آخر… عالم من الفراغ، من الوحدة المطلقة. أعيش في حياة بلا أحد، بلا ضحك، بلا اهتمام، بلا حب. كنت أركض وراء أي شيء يلهيني عن الألم؛ المانغا، الألعاب، تفاهات لا نهاية لها. كنت أغرق فيها كما يغرق الغريق في الماء الملوث، أتنفس فيها لأنني لا أستطيع التنفس في العالم الحقيقي.’
‘لم أخبر رايندار وليارا عن حقيقتي بعد. يبدو أنني جئتُ لهذا العالم بسببٍ غريبٍ أجهله، وهم يظنون أنني رَحَّالٌ إنتهى به المطاف في هذه الأراضي المثلجة فسقطتُ فاقداً ذاكرتي… لكنني لم أفقدها! أنا أتذكر مظهر أولئك الأوغاد من عالمي حتماً.’
“Vaal en’Elian, shenr vael thae?” (“ما بالك يا إليان؟ هل تشعُر بتوعُّك؟”) سألني رايندار متعجباً
“Vaal en’Elian, shenr vael thae?”
(“ما بالك يا إليان؟ هل تشعُر بتوعُّك؟”)
سألني رايندار متعجباً
‘هذا الجوُّ العائلي… لقد افتقدته! أنا… لا أملك إلا أن أتذكر الفراغ. فقدت أمي وأنا طفل صغير، كان قلبها ضعيفًا، مرض مزمن لم يكن يملك إلا أن ينهش أيامها، فتركتني بلا حضن، بلا دفء.’
‘يبدو أنها النظرة على وجهي… نظرة الغضب إثر تذكري لتلك الذكرى.’
‘بالمناسبة، بعد أسبوع هنا أستطيع أن أقول أنني بدأتُ أفهم أساسيات اللغة… إنها تُدعى باللغة الشمالية، يبدو أنني الآن أقيم في قارَّة نورفان الشمالية، مملكة ديسمارا، وتحديداً في مدينة سيرافين البعيدة نسبياً عن العاصمة إيلينور، فنحن أساسًا نقطن على سفحٍ جبلي في أقصى حدود سيرافين، حيثُ لا يوجد بشرٌ غيرنا. مجرد دببة بيضاء وتنانين بيضاء تملأ الغابات و قمم الجبال المثلجة.’
لازلتُ لا أفهم الكثير حيال هذه اللغة ففي النهاية جلسات التعلم مع رايندار وقراءة الكتب ليست كافية، أحتاج مدة أكبر أستمع فيها وأحاول استنباط المزيد من الكلمات عبر حديث هذان الاثنان، عندها فقط سأتمكَّن منها.
داخل الكوخ الخشبي، حيث تتسلل أشعة الشمس الخافتة من النوافذ الصغيرة المغطاة بزجاج سميك، يطلُّ المطبخ بدفء هادئ على قلب الشتاء القاسي الخارجي. الأرضية مصنوعة من ألواح خشبية متينة، تحمل رائحة الخشب الدافئة التي تمزج مع عبق الحطب المشتعل. السقف الخشبي منحدر في الأعلى، وكل عارضة من خشب الصنوبر البنية تضيف إحساسًا بالحميمية، كما لو أن الكوخ يحضن بداخله كل من فيه.
“Vaal rin’liara sen thravyn? Shenr vael mirn’shaal? Haa’ra’ha!”
( “ماذا تطبخين يا ليارا هذه المرة؟ هل هو فأر مشوي؟ هاهاها!”)
قال ساخرًا
أمامي كان يمشي رايندار في دائرة قرب الطاولة وهو يحتسي كوب قهوةٍ ساخن أمام الموقِد في غرفة المعيشة يُراقب الأوضاع المثلجة خارجاً من النافذة. يبدو وكأنه يحاول الكلام معي، أشعر به يخطف نظراتٍ خفيفةٍ بإتجاهي بين الفينة والأخرى، وأنا أقرأ كتابا على الأريكة أحاول من خلاله فهم اللغة أكثر فأكثر. وفجأة…
‘يبدو أنه يسخر من رائحة طبخ ليارا المنبعثة من المطبخ. هي حقاً طبَّاخةٌ سيئة أظن أنني سأقوم بأداء أفضل حين يتعلَّق الأمرُ بالطّبخ! لكن فأرٌ مشوي؟ هاها ماهذا الهراء.’
نهضتُ من على الأريكة وتقدمت نحو الباب متجهاً للمطبخ كي أقدّم المساعدة.
“Arven shaal.”
(“سأساعد.”)
قلتُ
‘حينما يُلَمِّعُ سيفه، يصبحُ برّاقاً يعكس نور الغرفة، تستطيع من خلال نصله أن ترى إنعكاس عينيه الزرقاوتين كما النهر الجَّاري على حدِّ سيفٍ. عندما يهيمُ مغادراً للصيد يُعطي بظهره الكبير موَليًّا فيشعرك بالأمان. لم أشاهده في قتال حقيقيٍّ بعد لكنه دائماً ما يعود ومعه صيد وفيرٌ من لحم الغزلان والدببة الشهيّ وفروهم الدافئ دون أدنى جرحٍ يذكر، كما تبدو ليارا محترمةً إيَّاهُ كثيراً مما يضيف له شعوراً أكبر بالقيادة.’
نهضتُ من على الأريكة وتقدمت نحو الباب متجهاً للمطبخ كي أقدّم المساعدة.
“Fael shenr nael thravyn, rin’kael, en’arv shael thrynn.” (“لأنه لن يُفسِد الطعام كما تفعل، ارتأيت أن أعطيه فرصة”) أجابت قائلة وهي تجادله
“Nael ven’arv shaal en’reth.”
(“ليس عليك أن تساعد حقًا”)
أخبرني متوتراً
وقفت جانبها مرتديًا ملابس منزلية بسيطة قدَّمها رايندار لي، سترة صوفية سوداء بعنقٍ مرتفع يشعرني بالدفء وسروال رماديٍّ خفيف.
“Nael shael, nael shael.”
(“لا بأس، لا بأس”)
قلتُ
‘لا بد أنه يحاول ضيافتي دون أن يُجهدني لكنني تعبت من الجلوس دون القيام بشيئ، ليس وكأنني تعبتُ من مذاق طعام ليارا السيئ كما القيئ لكنني أريد المساعدة بما أستطيع.’
ليارا تقف قرب الموقد، ملابسها المطبخية بسيطة؛ مئزر ورديٌّ فاتح فوق قميصٍ أبيض صوفي خفيف وبنطلون أسود يبرز عضلات ساقها، شعرها الأشقر القصير ينسدل على أذنيها بطريقة طبيعية دون أن يلمس كتفيها، وعينيها الخضراوتان تتلألآن بالاهتمام حين تحرك القِدر أو تمسح سطح الطاولة الخشبية. جمالها يكمن في التوازن بين القوة والنعومة، يداها رشيقتان، وحركاتها تنم عن خبرة وحنان في آن واحد، وفي تركيزها شيء من الدفء الذي يملأ المكان أكثر من النار المشتعلة. لكن في الواقع…
داخل الكوخ الخشبي، حيث تتسلل أشعة الشمس الخافتة من النوافذ الصغيرة المغطاة بزجاج سميك، يطلُّ المطبخ بدفء هادئ على قلب الشتاء القاسي الخارجي. الأرضية مصنوعة من ألواح خشبية متينة، تحمل رائحة الخشب الدافئة التي تمزج مع عبق الحطب المشتعل. السقف الخشبي منحدر في الأعلى، وكل عارضة من خشب الصنوبر البنية تضيف إحساسًا بالحميمية، كما لو أن الكوخ يحضن بداخله كل من فيه.
كلماته جعلت أذني تستمع من جديد للجو المحيط بنا، نيران الموقد، صوت التنفس، وضربات القلب، وصوت رايندار المفعم بالحيوية.
المعدات المطبخية بسيطة لكنها مرتبة بعناية؛ قدر حديدي كبير على الموقد الحجري، مجموعة من الصحون الخزفية ذات أطراف مشققة قليلاً، وسكاكين متباينة الأحجام مرتبة على لوح خشبي عتيق. رفوف خشبية معلقة على الجدار تحمل المعلبات البسيطة، والبهارات محفوظة في أوعية زجاجية صغيرة، كل شيء يوحي بالبساطة مع لمسة من الاعتناء الدافئ.
“ماذا حدث يا أبتي؟!” سألَت بحذر
تختلف أنواع الخشب المستعمل بين المعدات حسب أهميتها، البعض متين والآخر رقيق، درجات اللون البني تختلف بينهم أيضا، مما يضفي جمالية على المطبخ.
‘بالمناسبة، بعد أسبوع هنا أستطيع أن أقول أنني بدأتُ أفهم أساسيات اللغة… إنها تُدعى باللغة الشمالية، يبدو أنني الآن أقيم في قارَّة نورفان الشمالية، مملكة ديسمارا، وتحديداً في مدينة سيرافين البعيدة نسبياً عن العاصمة إيلينور، فنحن أساسًا نقطن على سفحٍ جبلي في أقصى حدود سيرافين، حيثُ لا يوجد بشرٌ غيرنا. مجرد دببة بيضاء وتنانين بيضاء تملأ الغابات و قمم الجبال المثلجة.’
ليارا تقف قرب الموقد، ملابسها المطبخية بسيطة؛ مئزر ورديٌّ فاتح فوق قميصٍ أبيض صوفي خفيف وبنطلون أسود يبرز عضلات ساقها، شعرها الأشقر القصير ينسدل على أذنيها بطريقة طبيعية دون أن يلمس كتفيها، وعينيها الخضراوتان تتلألآن بالاهتمام حين تحرك القِدر أو تمسح سطح الطاولة الخشبية. جمالها يكمن في التوازن بين القوة والنعومة، يداها رشيقتان، وحركاتها تنم عن خبرة وحنان في آن واحد، وفي تركيزها شيء من الدفء الذي يملأ المكان أكثر من النار المشتعلة. لكن في الواقع…
كما لو أن العالم حولي صمت فجأة!
‘ماهذه الرائحة؟ بدأتُ أتوقعُ أن الغداء فأرٌ مشويٌّ بالفعل!’
كل شيء في هذا المطبخ من الخشب العتيق، وأدوات المطبخ البدائية، إلى دفء أهله يوحي بأن الحياة هنا بسيطة لكنها مليئة بالحب والاعتناء، مكان يمكن فيه للمرء أن يشعر بالدفء حتى عندما تتساقط الثلوج بلا هوادة على السفح الجبلي.
وقفت جانبها مرتديًا ملابس منزلية بسيطة قدَّمها رايندار لي، سترة صوفية سوداء بعنقٍ مرتفع يشعرني بالدفء وسروال رماديٍّ خفيف.
“هذا مؤلم. وكأن البرق عصف بي…” قال متألمًا
كل شيء في هذا المطبخ من الخشب العتيق، وأدوات المطبخ البدائية، إلى دفء أهله يوحي بأن الحياة هنا بسيطة لكنها مليئة بالحب والاعتناء، مكان يمكن فيه للمرء أن يشعر بالدفء حتى عندما تتساقط الثلوج بلا هوادة على السفح الجبلي.
صُدمت من نظرتها الجادة لي التي رمقتني بها، لكنها سرعان ما حركت رأسها بالإيجاب قابلةً المساعدة.
“Shenr en’kaar arv shaal?”
(“هل تسمحين لي بمساعدتك؟”)
قلتُ مرتبكاً
“Nael shael, nael shael.” (“لا بأس، لا بأس”) قلتُ
نظرت إليَّ بملامح جادة كما من قاطعته أثناء تركيز عميق، نظرت إليَّ بعينان خضراوتان كما الربيع وسط هذه الثلوج، برموش طويلة تبرز عينيها بشكلٍ جذاب، أنفٌ صغير مستقيم، وفم أحمر من الدفء المحيط، وجنتاها محمرَّتان كذلك وشعرها الذهبي كما القمحِ غير المصفَّف ينسدل على أذنيها قرب الوجنتين.
‘لم أخبر رايندار وليارا عن حقيقتي بعد. يبدو أنني جئتُ لهذا العالم بسببٍ غريبٍ أجهله، وهم يظنون أنني رَحَّالٌ إنتهى به المطاف في هذه الأراضي المثلجة فسقطتُ فاقداً ذاكرتي… لكنني لم أفقدها! أنا أتذكر مظهر أولئك الأوغاد من عالمي حتماً.’
صُدمت من نظرتها الجادة لي التي رمقتني بها، لكنها سرعان ما حركت رأسها بالإيجاب قابلةً المساعدة.
‘أبي حاول أن يملأ هذا الفراغ، حاول أن يكون لي كل شيء، لكن القدر كان أسرع من أن يراني أحقق حلمه بمستقبلٍ باهر وعد أمي أنه سيراني أحققه في مكانها. حادث في المصنع الذي كان يشتغل فيه… لحظة لم أنتبه إليها، وانطفأ نور حياته.’
كما لو أن العالم حولي صمت فجأة!
“Shenr en’kaar arv shaal?” (“هل تسمحين لي بمساعدتك؟”) قلتُ مرتبكاً
“Vaal en’Liara, shenr vael en’arv? Nael rin’kaar shaal thraven!”
(“ماذا هناك ليارا، هل قبلت مساعدته؟ لم تسمحي لي بذلك يوماً!”)
دخل رايندار المطبخ قائلاً
“Shenr en’kaar arv shaal?” (“هل تسمحين لي بمساعدتك؟”) قلتُ مرتبكاً
كلماته جعلت أذني تستمع من جديد للجو المحيط بنا، نيران الموقد، صوت التنفس، وضربات القلب، وصوت رايندار المفعم بالحيوية.
ليارا تقف قرب الموقد، ملابسها المطبخية بسيطة؛ مئزر ورديٌّ فاتح فوق قميصٍ أبيض صوفي خفيف وبنطلون أسود يبرز عضلات ساقها، شعرها الأشقر القصير ينسدل على أذنيها بطريقة طبيعية دون أن يلمس كتفيها، وعينيها الخضراوتان تتلألآن بالاهتمام حين تحرك القِدر أو تمسح سطح الطاولة الخشبية. جمالها يكمن في التوازن بين القوة والنعومة، يداها رشيقتان، وحركاتها تنم عن خبرة وحنان في آن واحد، وفي تركيزها شيء من الدفء الذي يملأ المكان أكثر من النار المشتعلة. لكن في الواقع…
“Fael shenr nael thravyn, rin’kael, en’arv shael thrynn.”
(“لأنه لن يُفسِد الطعام كما تفعل، ارتأيت أن أعطيه فرصة”)
أجابت قائلة وهي تجادله
المعدات المطبخية بسيطة لكنها مرتبة بعناية؛ قدر حديدي كبير على الموقد الحجري، مجموعة من الصحون الخزفية ذات أطراف مشققة قليلاً، وسكاكين متباينة الأحجام مرتبة على لوح خشبي عتيق. رفوف خشبية معلقة على الجدار تحمل المعلبات البسيطة، والبهارات محفوظة في أوعية زجاجية صغيرة، كل شيء يوحي بالبساطة مع لمسة من الاعتناء الدافئ.
“Eeeh? Vael en’shaal?”
(“إيييه؟ أهو ذنبي؟”)
ردَّ منصدماً
“خِنصر رجلي الأيمن… لقد ارتطمت به الطاولة! من حرَّكها من موضعها؟” أجاب بنبرةٍ متألمة
‘هذا الجوُّ العائلي… لقد افتقدته! أنا… لا أملك إلا أن أتذكر الفراغ. فقدت أمي وأنا طفل صغير، كان قلبها ضعيفًا، مرض مزمن لم يكن يملك إلا أن ينهش أيامها، فتركتني بلا حضن، بلا دفء.’
“إيييه؟ إنها طاولةٌ يا أبتي، جمادٌ. كيف لها أن تتحرك من مكانها؟ يجب عليك أن تكون أكثر حذرًا في حركتك.” أجابت
‘أبي حاول أن يملأ هذا الفراغ، حاول أن يكون لي كل شيء، لكن القدر كان أسرع من أن يراني أحقق حلمه بمستقبلٍ باهر وعد أمي أنه سيراني أحققه في مكانها. حادث في المصنع الذي كان يشتغل فيه… لحظة لم أنتبه إليها، وانطفأ نور حياته.’
“Fael shenr nael thravyn, rin’kael, en’arv shael thrynn.” (“لأنه لن يُفسِد الطعام كما تفعل، ارتأيت أن أعطيه فرصة”) أجابت قائلة وهي تجادله
‘بعد ذلك، بعد أن يموت بفترة من التخبطات التي عشتها وحيدًا، أُخبرني الطبيب بأن قلبي… قلبي قد يسير على دربه، وأن هذا المرض الذي قتل والدتي قد يفتك بي كذلك. كنت مستسلماً جدًا لأفهم، كبيرًا جدًا لأتجاهل الحقيقة. لكنني لم أستطع مواجهة هذه الحقائق المتراكمة. لم أعد أحضر محاضرات الجامعة وانطويت على نفسي في غرفتي. فالجامعة كانت عالماً آخر… عالم من الفراغ، من الوحدة المطلقة. أعيش في حياة بلا أحد، بلا ضحك، بلا اهتمام، بلا حب. كنت أركض وراء أي شيء يلهيني عن الألم؛ المانغا، الألعاب، تفاهات لا نهاية لها. كنت أغرق فيها كما يغرق الغريق في الماء الملوث، أتنفس فيها لأنني لا أستطيع التنفس في العالم الحقيقي.’
نهضتُ من على الأريكة وتقدمت نحو الباب متجهاً للمطبخ كي أقدّم المساعدة.
‘غرفتي… آه، غرفتي أصبحت مرآة حياتي. لا يطؤها النور، لا تنقشع عنها الظلال إلا عند النادر. الكتب والألعاب ملقاة في كل زاوية، أشيائي متناثرة كما هو قلبي؛ لا اهتمام، لا ترتيب، لا شيء سوى فوضى صامتة تضحك في وجهي. أحيانًا أشعر أنني أعيش على هامش العالم، أن الحياة تمر بي ولا تمر بي في الوقت ذاته. كل لحظة بؤس، كل دقيقة فراغ… هكذا أمضيتُ أيامي، بلا هدف، بلا شغف، بلا صديق، إلا نفسي التي لا أطيقها أحيانًا بدورِها.’
“ماذا حدث يا أبتي؟!” سألَت بحذر
‘ودون سابق إنذار وفي مفاجئة تامة، جربت شعور الاحتضار والموت، لكن يبدو أنني لم أبلغها وأُنقذت حياتي قبل أن ألفظ أنفاسي الأخيرة عبر انتقالي الغريب لهذا العالم. مع ذلك، هذا لا يمحي حقيقة أنني سأموت بعد أقل من ثلاث أشهرٍ من الآن على ما أعتقد…’
‘غرفتي… آه، غرفتي أصبحت مرآة حياتي. لا يطؤها النور، لا تنقشع عنها الظلال إلا عند النادر. الكتب والألعاب ملقاة في كل زاوية، أشيائي متناثرة كما هو قلبي؛ لا اهتمام، لا ترتيب، لا شيء سوى فوضى صامتة تضحك في وجهي. أحيانًا أشعر أنني أعيش على هامش العالم، أن الحياة تمر بي ولا تمر بي في الوقت ذاته. كل لحظة بؤس، كل دقيقة فراغ… هكذا أمضيتُ أيامي، بلا هدف، بلا شغف، بلا صديق، إلا نفسي التي لا أطيقها أحيانًا بدورِها.’
‘لطالما إعتقدتُ أن العيش وأنت تعلم موعد وفاتك كان ليكون نِعمةً كبيرة، فسيساعدك ذلك على وضع أهذافٍ لتحقيقها قبل بلوغه، ولن تُضيِّع وقتك الثمين في هذه الدنيا على أشياء تافهة إثر ذلك. لكن على العكسِ تماماً، إتضح أنه نِقمة لا نِعمة، فعِلمك بموعد وفاتك يُفقد العالم ألوانه الزَّاهية ويُفقد الحياة مذاقها اللذيذ، كما لو أنك تتناول طعاماً لا مذاق له للنجاة ليس إلَّا. مِثلهُ تفقد الحياة مغزاها الأساسي، فتعيش ما تبقى من عمرك تعُدُّ ماتبقى لك من أيام دون الاستمتاع بها، لا تفعل شيئا عدا إنتظار لقاء مصيرك المحتوم. فتقضي ما تبقى لك من عمرٍ محبوساً بسلاسل الموت التي تقيِّدك بعيداً عن نشوة الحياة التي لاتزال بين يديك…’
“هذا مؤلم. وكأن البرق عصف بي…” قال متألمًا
‘لذا، أنا لن أكوِّن روابط مع هؤلاء الأشخاص… سأساعد كنوعٍ من قضاء الواجب ليس إلَّا، واجبٌ إثر إبقاءهم لشخصٍ غريبٍ مثلي بجوارهم. ليس وكأن أحداً سيبكي على موتي، لكن إنشاء مزيدٍ من الروابط سيُصعِّب عليَّ فراق هذه الحياة. أريد عيش ماتبقى من عمري بلا ندم. سأموت مبتسماً من أجل والديَّ، من أجل أن يكون لحياتي مغزى! هذا هذفي إن أردتُ صياغته…’
داخل الكوخ الخشبي، حيث تتسلل أشعة الشمس الخافتة من النوافذ الصغيرة المغطاة بزجاج سميك، يطلُّ المطبخ بدفء هادئ على قلب الشتاء القاسي الخارجي. الأرضية مصنوعة من ألواح خشبية متينة، تحمل رائحة الخشب الدافئة التي تمزج مع عبق الحطب المشتعل. السقف الخشبي منحدر في الأعلى، وكل عارضة من خشب الصنوبر البنية تضيف إحساسًا بالحميمية، كما لو أن الكوخ يحضن بداخله كل من فيه.
يُتبع…
‘لم أخبر رايندار وليارا عن حقيقتي بعد. يبدو أنني جئتُ لهذا العالم بسببٍ غريبٍ أجهله، وهم يظنون أنني رَحَّالٌ إنتهى به المطاف في هذه الأراضي المثلجة فسقطتُ فاقداً ذاكرتي… لكنني لم أفقدها! أنا أتذكر مظهر أولئك الأوغاد من عالمي حتماً.’
صُدمت من نظرتها الجادة لي التي رمقتني بها، لكنها سرعان ما حركت رأسها بالإيجاب قابلةً المساعدة.
