الصيد الأول - الجزء 3
صوتها لم يكن مجرد عاصفة، بل زئير خطىٍ خفيٍّ يقترب من كل اتجاه. شعرت بالأرض تهتز تحت قدميّ، والثلوج ترتفع من حولنا كأمواج غاضبة.
أمامي ظهر إلف بأذنين طويلتين مذببتين، بشرته بلون السماء الباهتة حين تعكس الثلوج ضوء القمر، باردةٌ إلى حد يثير الخشوع، وعيناه بلون البلور الأزرق تتوهّج بنورٍ خافت كوميضٍ من أرواح الشتاء القديمة. شعره طويل ناصع كالثلج، ناعم كالحرير، ينحدر بسلاسة على كتفيه، وتعلوه تاجات من بلّورات جليدية نمت من جمجمته بشكلٍ طبيعيّ كقرون ملكٍ من عصورٍ سحيقة.
صرخَت ليارا بشيء لم أسمعه جيدًا وسط الضجيج، ورأيت رايندار يمسك بذراعها بقوة، يتشبث بجذع شجرةٍ ضخمة تتمايل كأنها على وشك الانكسار.
أمامي ظهر إلف بأذنين طويلتين مذببتين، بشرته بلون السماء الباهتة حين تعكس الثلوج ضوء القمر، باردةٌ إلى حد يثير الخشوع، وعيناه بلون البلور الأزرق تتوهّج بنورٍ خافت كوميضٍ من أرواح الشتاء القديمة. شعره طويل ناصع كالثلج، ناعم كالحرير، ينحدر بسلاسة على كتفيه، وتعلوه تاجات من بلّورات جليدية نمت من جمجمته بشكلٍ طبيعيّ كقرون ملكٍ من عصورٍ سحيقة.
وجهي كان يُصفَع بالثلوج التي قذفَتها عاصفة الرياح، أتنفس بصعوبة، كل ما أراه هو العاصفة البيضاء تبتلع كل شيء. حاولت أن أتمسك بشيء صخرة، جذع، أي شيء، لكن الرياح كانت أقوى منّي. شعرت بجسدي يُنتزع من الأرض، الهواء يخترقني كإبرٍ باردة، صرخة خرجت من حلقي دون وعي، ورأيت رايندار يمدّ يده نحوي مناديًا، ثم اختفى كل شيء في بياضٍ مطلق…
‘أين هما رايندار… ليارا… هل هما بأمان ياترى؟…’
في تلك اللحظة الأخيرة، قبل أن تبتلعني الريح، رأيتُ ظلالًا تتحرك داخل العاصفة، لم ألمح شكلهم ولا عددهم… مجرد حضورٍ مرعب يجعل الهواء نفسه يرتجف. ثم سقطتُ، لا أعلم إلى أين، سوى أن العالم صار دوّامةً من الثلج والظلام.
فجأة، ومن العدم، ظهر أمامي كيانٌ مرعب غريب…
يبدو أنني ارتطمت مع صخرة أثناء قذفي بعيدًا بهجمة الرياح القوية تلك فرأسي ينزِف دمًا، وأشعر بسائر جسدي يؤلمني وكأنه مغطّى بالكدمات. نظرت يمينًا ثم يسارًا لكنني لم أُبصر شيئًا. كل ما أراه أمامي هو مشهد كامل من البياض النقي للثلوج والضباب يحيطني من كل جهة، وبضعُ قطرات من اللون الأحمر على الثلوج نتيجة نزيف رأسي.
“وما أدراك؟ ما أدراك بنجاتهم من عدمها؟ وما أدراك بقرابتنا من عدمها؟” قلت بتوتر
‘أشعر بالقليل من الدوار…’
“إنهم… عائلتي…” قلتُ
تحاملتُ على نفسي وحرَّكت قدماي للأمام وبدأت بالصراخ باسم رايندار وليارا. الألم في قلبي لا يُطاق كذلك، نبض متسارع من الألم والعذاب، وكأنني أحمل قنبلةً موقوتة على وشك الإنفجار. سقطتُ على ركبتاي أرضًا، وشددتُ ملابسي ليساعدني ذلك في احتواء الألم، ثم واصلتُ النظر حولي بحثًا عن بشرٍ وسط هذه الثلوج.
‘قطة بهاتين الأذنين اللتان يكسوهما فراءٌ كثيف… كما القط السيبيري.’
‘ما كانت تلك الظلال التي أبصرتها سابقًا؟ هل هي مخلوقات ذكية؟ لقد باغثونا تمامًا! حتى حدس رايندار العالي لم يستطيع التنبؤ بذلك الهجوم… هل ذلك الاثنان بخير!؟’
“لابد أنك لا تقرَبُهما بأي شكلٍ من الأشكال، ألستُ محقًّا؟” قال ببرود
فجأة، ومن العدم، ظهر أمامي كيانٌ مرعب غريب…
“لقد قُلت أهلًا…” قال
‘ماهذا… إنه ليس بشرًا!’
في تلك اللحظة الأخيرة، قبل أن تبتلعني الريح، رأيتُ ظلالًا تتحرك داخل العاصفة، لم ألمح شكلهم ولا عددهم… مجرد حضورٍ مرعب يجعل الهواء نفسه يرتجف. ثم سقطتُ، لا أعلم إلى أين، سوى أن العالم صار دوّامةً من الثلج والظلام.
أمامي ظهر إلف بأذنين طويلتين مذببتين، بشرته بلون السماء الباهتة حين تعكس الثلوج ضوء القمر، باردةٌ إلى حد يثير الخشوع، وعيناه بلون البلور الأزرق تتوهّج بنورٍ خافت كوميضٍ من أرواح الشتاء القديمة. شعره طويل ناصع كالثلج، ناعم كالحرير، ينحدر بسلاسة على كتفيه، وتعلوه تاجات من بلّورات جليدية نمت من جمجمته بشكلٍ طبيعيّ كقرون ملكٍ من عصورٍ سحيقة.
“فهمت… حبٌّ من طرف واحد، لابد أن ذلك صعب!”
بنيته توحي بالصَّلابة، كان يقف في نفس طولي، جسده نحيف لكنه مدرَّب وعضليّ يغطيه لون أزرق سماوي. رداؤه يوحي بالمكانة المرموقة والوقار، مكوّن من طبقات من الحرير الأبيض والفراء الرمادي، تلتف حوله كدوَّامة ثلج ساكنة. تطريز صدره من خيوط فضية تتقاطع بنمطٍ معقد يشبه تشكّلات الصقيع على الزجاج، تتخللها أحجار ياقوتية صغيرة. مع رداء أزرق يغطي ظهره، مشدودًا بحزام أبيض رقيق، وعلى ساعديه قفازات بيضاء حامية تزيد من بهاء مظهره، وحزام فضيّ مزخرف يشدُّ سرواله الأبيض حتى أسفل قدميه. و عند رُكبتيه وردتان بيضاوتان متفتِّحتان مطروزتان على ثوبه. وعند قدميه يرتدي حذاءا أبيض لا فرق بين لونه ولون الثلوج التي يخطو عليها.
“…”
كان في كل خطوة يخطوها نحوي يملؤ محيطه المكون من دائرة قطرها ثلاث أمتارٍ جليدًا. كما لو أنه يُفرش لنفسه بساطًا جليديا يمشي عليه بثبات دون أن تغرق قدماه في الثلوج المتراكمة.
“خطأ…” قلت بصعوبة
يبدو من مظهره الملكي أنه أحد أهم شخصيات فصيلته إن لم يكن أهمهم.
‘نصف بشرية؟ نصف قطة؟’
“أهلًا أيُّها البشريُّ!” قال
“يبدو أنك لم تبلع لِسانك بعد كل شيئ… حسناً سأجيبك لكن قبل ذلك، أريد أن أعرف سبب شعوري بحضور غريبٍ كريه منك سابقًا.” تساءل قائلًا
صوته حين تكلَّم جعل الهواء يبرد من حوله. كان صوته باردًا مثل الثلج ببحًّةٍ خفيفة أثارت الرُّعب في نفسي عند إلقائه لتلك الكلمات.
“…”
“…”
لم أستطع الإجابة، كل ما اكتفيتُ بفعله هو رمقُه بنظراتٍ مرعوبةٍ متوتِّرة.
لم أستطع الإجابة، كل ما اكتفيتُ بفعله هو رمقُه بنظراتٍ مرعوبةٍ متوتِّرة.
“أهلًا أيُّها البشريُّ!” قال
‘أين هما رايندار… ليارا… هل هما بأمان ياترى؟…’
كان يحملني من ياقتي عاليًا بيده اليمنى، بينما رفع يده اليسرى عاليًا في السماء وفَرقَع أصابعه…
“لقد قُلت أهلًا…” قال
رفعني من ياقتي حتى اختنقت وأصبح التنفس صعبًا فوق ماكان كذلك أساسًا بسبب تجمُّد الهواء حولنا.
تقدَّم باتجاهي خطواتٍ إضافية حتى صرنا نقِف على مسرحٍ جليدي بارد. إقترب مني كفايةً لأرفع بصري باتجاهه.
ليس طويلًا قبل أن ألمح إمرأةً بالغةً يكسو بشرتها وهجٌ فضيّ ناعم كضوء الفجر حين ينعكس على الثلوج، وعيناها الواسعتان بلون الرماد الهادئ تشعّان صفاءً ممزوجاً بحدسٍ حادّ. أذناها قصيرتان ينتصبنا فوق رأسها بين شَعرِها ومستديرتان عند الأطراف، كأن الطبيعة قصّت حدّتهما عمدًا لتمنع عنهما قسوة الصقيع. لا تنتصبان بحدة، بل تميلان قليلًا إلى الخارج، مكسوّتَين بطبقة كثيفة من الفرو الناعم الذي يملأ التجويف الداخلي ويحرسه من الرياح. على الحواف تنمو شعيرات دقيقة، شاحبة اللون، تعمل كحاجز صامت للثلج، بينما يختفي الجلد تحتهما فلا يكاد يُرى، محتفظًا بحرارته. شَعرُها بلون الرماد المائل إلى البياض، مربوط بخيوطٍ من نسيجٍ بلّوريّ. ترتدي رداءً قصيرًا من الفراء الرمادي على أكتافها، تحته درعٌ خفيف مصنوع من قشورٍ معدنية ناصعة تشبه جليد البحر. في وسطها حزامٌ من الجلد الأسود تتدلّى منه خناجر قصيرة منقوشة بعلاماتٍ بلورية تشير إلى إرثها المختلط ربما. كان لها ذيل رمادي ينساب خلفها بثقلٍ مهيب، كثيف الفراء كذيل قطٍّ سيبيراني يعيش في أقسى الثلوج.
لابدَّ أنه انتبه لعينيَّ الفارغتين من شدة الخوف. لبؤبؤ عينيّ المُتَّسِع من هول التجربة التي أخوضُها. شفتاي زرقاوتان جافَّتان من حُمرة الدماء من شدة الصَّقيع البارد.
“استيقظتُم من سباتكم إذًا… آلتوس!” قالت
“إن كنت تتساءل عن رفاقك فأظنُّ أنهما ميتان بحلول اللحظة. حاولت تفرقتهما بهجومي ذاك رفقة تابعي لكنهم لم يفترقا عن بعضهما بعكسك…”
ليس طويلًا قبل أن ألمح إمرأةً بالغةً يكسو بشرتها وهجٌ فضيّ ناعم كضوء الفجر حين ينعكس على الثلوج، وعيناها الواسعتان بلون الرماد الهادئ تشعّان صفاءً ممزوجاً بحدسٍ حادّ. أذناها قصيرتان ينتصبنا فوق رأسها بين شَعرِها ومستديرتان عند الأطراف، كأن الطبيعة قصّت حدّتهما عمدًا لتمنع عنهما قسوة الصقيع. لا تنتصبان بحدة، بل تميلان قليلًا إلى الخارج، مكسوّتَين بطبقة كثيفة من الفرو الناعم الذي يملأ التجويف الداخلي ويحرسه من الرياح. على الحواف تنمو شعيرات دقيقة، شاحبة اللون، تعمل كحاجز صامت للثلج، بينما يختفي الجلد تحتهما فلا يكاد يُرى، محتفظًا بحرارته. شَعرُها بلون الرماد المائل إلى البياض، مربوط بخيوطٍ من نسيجٍ بلّوريّ. ترتدي رداءً قصيرًا من الفراء الرمادي على أكتافها، تحته درعٌ خفيف مصنوع من قشورٍ معدنية ناصعة تشبه جليد البحر. في وسطها حزامٌ من الجلد الأسود تتدلّى منه خناجر قصيرة منقوشة بعلاماتٍ بلورية تشير إلى إرثها المختلط ربما. كان لها ذيل رمادي ينساب خلفها بثقلٍ مهيب، كثيف الفراء كذيل قطٍّ سيبيراني يعيش في أقسى الثلوج.
“لابد أنك لا تقرَبُهما بأي شكلٍ من الأشكال، ألستُ محقًّا؟” قال ببرود
أمامي ظهر إلف بأذنين طويلتين مذببتين، بشرته بلون السماء الباهتة حين تعكس الثلوج ضوء القمر، باردةٌ إلى حد يثير الخشوع، وعيناه بلون البلور الأزرق تتوهّج بنورٍ خافت كوميضٍ من أرواح الشتاء القديمة. شعره طويل ناصع كالثلج، ناعم كالحرير، ينحدر بسلاسة على كتفيه، وتعلوه تاجات من بلّورات جليدية نمت من جمجمته بشكلٍ طبيعيّ كقرون ملكٍ من عصورٍ سحيقة.
“وما أدراك؟ ما أدراك بنجاتهم من عدمها؟ وما أدراك بقرابتنا من عدمها؟” قلت بتوتر
في تلك اللحظة الأخيرة، قبل أن تبتلعني الريح، رأيتُ ظلالًا تتحرك داخل العاصفة، لم ألمح شكلهم ولا عددهم… مجرد حضورٍ مرعب يجعل الهواء نفسه يرتجف. ثم سقطتُ، لا أعلم إلى أين، سوى أن العالم صار دوّامةً من الثلج والظلام.
“يبدو أنك لم تبلع لِسانك بعد كل شيئ… حسناً سأجيبك لكن قبل ذلك، أريد أن أعرف سبب شعوري بحضور غريبٍ كريه منك سابقًا.” تساءل قائلًا
‘نصف بشرية؟ نصف قطة؟’
رفعني من ياقتي حتى اختنقت وأصبح التنفس صعبًا فوق ماكان كذلك أساسًا بسبب تجمُّد الهواء حولنا.
‘ليارا عالجتني عندما كنت على وشك الموت، أخدت بيدي وساعدتني على تعلم أساليب العيش في هذا العالم! لقد علِمَت بأنني لم أفقد ذاكرتي لكن معاملتها لي لم تتغيَّر أبدًا، لقد اشترت لي هذا المِعطف كعربون صداقة ومودَّة وهو ما يقيني من صقيع الجليد هذا!’
“لقد جئت شخصيًّا لأتفقد سبب هذا الحضور الغريب الذي غَمَر حواسِّي… كما لو أن شيطانًا كريهًا ينفثُ نيرانه من داخلك!” قال باشمئزاز
رفعني من ياقتي حتى اختنقت وأصبح التنفس صعبًا فوق ماكان كذلك أساسًا بسبب تجمُّد الهواء حولنا.
“ماذا تقصد… دعني عنك!” قلت بصعوبة
في تلك اللحظة الأخيرة، قبل أن تبتلعني الريح، رأيتُ ظلالًا تتحرك داخل العاصفة، لم ألمح شكلهم ولا عددهم… مجرد حضورٍ مرعب يجعل الهواء نفسه يرتجف. ثم سقطتُ، لا أعلم إلى أين، سوى أن العالم صار دوّامةً من الثلج والظلام.
“لا تدَّعي الصلابة يا شقيّ!” قال
“يبدو أنك لم تبلع لِسانك بعد كل شيئ… حسناً سأجيبك لكن قبل ذلك، أريد أن أعرف سبب شعوري بحضور غريبٍ كريه منك سابقًا.” تساءل قائلًا
كان يحملني من ياقتي عاليًا بيده اليمنى، بينما رفع يده اليسرى عاليًا في السماء وفَرقَع أصابعه…
يُتبع…
شكَّل بعدها العديد من الأشكال الجليدية الحادَّة التي تطفو حوله في الهواء مصوَّبةً نحوي. كما لو أنها نصلٌ جليديِّ… العديد منها، لقد كانت رؤوسهم حادة، بمجرد النظر لهم تعلم أن الإصابة بهم توازي القطع بالسيف من مناطق متعددة.
خطواتها صامتة على الثلج، وهي تتقدَّم نحونا بهدوء.
“سأجيبك عن أسئلتك كهدية وداع مني إليك قبل قتلك وإنهاء وجود هذا الحضور القذر المنبعث منك.” قال
لابدَّ أنه انتبه لعينيَّ الفارغتين من شدة الخوف. لبؤبؤ عينيّ المُتَّسِع من هول التجربة التي أخوضُها. شفتاي زرقاوتان جافَّتان من حُمرة الدماء من شدة الصَّقيع البارد.
“…”
تقدَّم باتجاهي خطواتٍ إضافية حتى صرنا نقِف على مسرحٍ جليدي بارد. إقترب مني كفايةً لأرفع بصري باتجاهه.
“لقد استيقظنا من سُباتٍ طويل دام قرابة الخمسين سنة، والآن نحن جيَّاع، يبدو أن الدببة الثلجية صنعت لنفسها ملاذًا وسط غابتنا. نحن نستطيع إخفاء أنفسنا ووجودنا لذلك لم تنتبه تلك المخلوقات لنا، وعند استيقاظنا هربت وجبتنا مسرعة. كان بالإمكان صيدهم جميعًا بفرقعة إصبع، لكنني فضَّلتُ التَّريُّث والاستمتاع بصيدي هذا مثلما أفعل معك الآن.” قال
“…”
“اتركني…”
وأنا بينهما على الأرض استطعت أن أرى مدى العداوة التي تجمعهما بمنتهى البساطة من خلال النظر في النظرة الجادة التي يرمق كلٌّ منهما الآخر…
في خضم ثرثرته التي لا تنتهي، كنت أختنق من قبضته التي تشدُّ ياقتي..
فجأة، ومن العدم، ظهر أمامي كيانٌ مرعب غريب…
“أولستَ أنت من تساءلت عن سبب صعوبة نجاتهم؟ حسنًا يبدو أن سيوفكم هذه تمدكم ببعض القوة لتمكُّنكم من صيد فريستنا، لكن هذا ما دفعكم لتكونوا الآن فريستنا الجديدة… جنودي هناك حاليًا يستمتعون بصيدهم اللطيف.”
“أولستَ أنت من تساءلت عن سبب صعوبة نجاتهم؟ حسنًا يبدو أن سيوفكم هذه تمدكم ببعض القوة لتمكُّنكم من صيد فريستنا، لكن هذا ما دفعكم لتكونوا الآن فريستنا الجديدة… جنودي هناك حاليًا يستمتعون بصيدهم اللطيف.”
“…”
في تلك اللحظة الأخيرة، قبل أن تبتلعني الريح، رأيتُ ظلالًا تتحرك داخل العاصفة، لم ألمح شكلهم ولا عددهم… مجرد حضورٍ مرعب يجعل الهواء نفسه يرتجف. ثم سقطتُ، لا أعلم إلى أين، سوى أن العالم صار دوّامةً من الثلج والظلام.
“ثانيًا، لماذا لا تقرَبُهما؟ حسنًا ذلك واضح من مظهرك المختلف… مجرد غريب يعيش معهما لا أقلَّ ولا أكثر، مجرد شخصٍ إضافيٍّ لا بأس في عدم التمسك به عندما هبَّت العاصفة التي خلقتُها.” قال ساخرًا
تقدَّم باتجاهي خطواتٍ إضافية حتى صرنا نقِف على مسرحٍ جليدي بارد. إقترب مني كفايةً لأرفع بصري باتجاهه.
“خطأ…” قلت بصعوبة
‘نصف بشرية؟ نصف قطة؟’
“ما الخطأ؟!” قال
“لقد قُلت أهلًا…” قال
‘رايندار وضع نفسه كدرعٍ لي سابقًا قبل دقائق ليس إلَّا! حماني رغم كوني عديم الفائدة، أحمق، لا يجيد شيئاً. علمني السيافة عن طيب خاطر ورعاني دون أن يطلب مني مقابلًا. لقد أكرمني وسمح لشخصٍ غريب مثلي بالعيش في منزله دون أن يراقبني واضعًا فيَّ ثقته الكاملة. منحني ملابسه وسريره حتى واكتفى بالنوم على الأرض كي أشعر وكأنني في بيتي. حاول جاهدًا جعلي انخرط في الأجواء رغم أنني بائسٌ قريب من الموت لا يردُّ له ابتسامته حتى.’
لم أستطع الإجابة، كل ما اكتفيتُ بفعله هو رمقُه بنظراتٍ مرعوبةٍ متوتِّرة.
‘ليارا عالجتني عندما كنت على وشك الموت، أخدت بيدي وساعدتني على تعلم أساليب العيش في هذا العالم! لقد علِمَت بأنني لم أفقد ذاكرتي لكن معاملتها لي لم تتغيَّر أبدًا، لقد اشترت لي هذا المِعطف كعربون صداقة ومودَّة وهو ما يقيني من صقيع الجليد هذا!’
“…”
“إنهم… عائلتي…” قلتُ
صوتها لم يكن مجرد عاصفة، بل زئير خطىٍ خفيٍّ يقترب من كل اتجاه. شعرت بالأرض تهتز تحت قدميّ، والثلوج ترتفع من حولنا كأمواج غاضبة.
“فهمت… حبٌّ من طرف واحد، لابد أن ذلك صعب!”
“…”
“لقد قُلت أهلًا…” قال
“حضورك يجعلني أشمئز لذلك سأقتلك ببساطة، لذا أرجوك ألَّا تتحول لشبحٍ يطاردني حسنًا؟” قال
يبدو من مظهره الملكي أنه أحد أهم شخصيات فصيلته إن لم يكن أهمهم.
“وغد…” قلت
“خطأ…” قلت بصعوبة
“وداعًا…” قال
صوتها لم يكن مجرد عاصفة، بل زئير خطىٍ خفيٍّ يقترب من كل اتجاه. شعرت بالأرض تهتز تحت قدميّ، والثلوج ترتفع من حولنا كأمواج غاضبة.
بذلك، هجمات نصل الجليد المعلَّقة توجَّهت مسرعةً نحوي، لم يسعني سوى أن أغمض عينيَّ كما الجبان بدون قدرة على الدفاع عن مصير حياتي حتى… سلَّمت كل شيئ للقدر.
بذلك، هجمات نصل الجليد المعلَّقة توجَّهت مسرعةً نحوي، لم يسعني سوى أن أغمض عينيَّ كما الجبان بدون قدرة على الدفاع عن مصير حياتي حتى… سلَّمت كل شيئ للقدر.
بعد بُرهة، فتحت عينيَّ فوجدت نفسي ملقيًّا على الأرض سليمًا معافى. سمعتُ هجومًا قويًّا يضرب في مكانٍ قريب قليلًا. كما لو أن هجومه قد نُقل بواسطة شخصٍ ما لمكان آخر…
خطواتها صامتة على الثلج، وهي تتقدَّم نحونا بهدوء.
‘أنا حيّ؟!’
‘إلف أزرق و مستوحشة قطة! أين أنا بالضبط؟’
ليس طويلًا قبل أن ألمح إمرأةً بالغةً يكسو بشرتها وهجٌ فضيّ ناعم كضوء الفجر حين ينعكس على الثلوج، وعيناها الواسعتان بلون الرماد الهادئ تشعّان صفاءً ممزوجاً بحدسٍ حادّ. أذناها قصيرتان ينتصبنا فوق رأسها بين شَعرِها ومستديرتان عند الأطراف، كأن الطبيعة قصّت حدّتهما عمدًا لتمنع عنهما قسوة الصقيع. لا تنتصبان بحدة، بل تميلان قليلًا إلى الخارج، مكسوّتَين بطبقة كثيفة من الفرو الناعم الذي يملأ التجويف الداخلي ويحرسه من الرياح. على الحواف تنمو شعيرات دقيقة، شاحبة اللون، تعمل كحاجز صامت للثلج، بينما يختفي الجلد تحتهما فلا يكاد يُرى، محتفظًا بحرارته. شَعرُها بلون الرماد المائل إلى البياض، مربوط بخيوطٍ من نسيجٍ بلّوريّ. ترتدي رداءً قصيرًا من الفراء الرمادي على أكتافها، تحته درعٌ خفيف مصنوع من قشورٍ معدنية ناصعة تشبه جليد البحر. في وسطها حزامٌ من الجلد الأسود تتدلّى منه خناجر قصيرة منقوشة بعلاماتٍ بلورية تشير إلى إرثها المختلط ربما. كان لها ذيل رمادي ينساب خلفها بثقلٍ مهيب، كثيف الفراء كذيل قطٍّ سيبيراني يعيش في أقسى الثلوج.
“سأجيبك عن أسئلتك كهدية وداع مني إليك قبل قتلك وإنهاء وجود هذا الحضور القذر المنبعث منك.” قال
خطواتها صامتة على الثلج، وهي تتقدَّم نحونا بهدوء.
“وغد…” قلت
‘نصف بشرية؟ نصف قطة؟’
فجأة، ومن العدم، ظهر أمامي كيانٌ مرعب غريب…
‘قطة بهاتين الأذنين اللتان يكسوهما فراءٌ كثيف… كما القط السيبيري.’
“اتركني…”
“استيقظتُم من سباتكم إذًا… آلتوس!” قالت
“لابد أنك لا تقرَبُهما بأي شكلٍ من الأشكال، ألستُ محقًّا؟” قال ببرود
“أنظروا من لدينا هنا… الساقطة فانيسا!” قال
بنيته توحي بالصَّلابة، كان يقف في نفس طولي، جسده نحيف لكنه مدرَّب وعضليّ يغطيه لون أزرق سماوي. رداؤه يوحي بالمكانة المرموقة والوقار، مكوّن من طبقات من الحرير الأبيض والفراء الرمادي، تلتف حوله كدوَّامة ثلج ساكنة. تطريز صدره من خيوط فضية تتقاطع بنمطٍ معقد يشبه تشكّلات الصقيع على الزجاج، تتخللها أحجار ياقوتية صغيرة. مع رداء أزرق يغطي ظهره، مشدودًا بحزام أبيض رقيق، وعلى ساعديه قفازات بيضاء حامية تزيد من بهاء مظهره، وحزام فضيّ مزخرف يشدُّ سرواله الأبيض حتى أسفل قدميه. و عند رُكبتيه وردتان بيضاوتان متفتِّحتان مطروزتان على ثوبه. وعند قدميه يرتدي حذاءا أبيض لا فرق بين لونه ولون الثلوج التي يخطو عليها.
وأنا بينهما على الأرض استطعت أن أرى مدى العداوة التي تجمعهما بمنتهى البساطة من خلال النظر في النظرة الجادة التي يرمق كلٌّ منهما الآخر…
“لقد جئت شخصيًّا لأتفقد سبب هذا الحضور الغريب الذي غَمَر حواسِّي… كما لو أن شيطانًا كريهًا ينفثُ نيرانه من داخلك!” قال باشمئزاز
‘إلف أزرق و مستوحشة قطة! أين أنا بالضبط؟’
بعد بُرهة، فتحت عينيَّ فوجدت نفسي ملقيًّا على الأرض سليمًا معافى. سمعتُ هجومًا قويًّا يضرب في مكانٍ قريب قليلًا. كما لو أن هجومه قد نُقل بواسطة شخصٍ ما لمكان آخر…
يُتبع…
كان في كل خطوة يخطوها نحوي يملؤ محيطه المكون من دائرة قطرها ثلاث أمتارٍ جليدًا. كما لو أنه يُفرش لنفسه بساطًا جليديا يمشي عليه بثبات دون أن تغرق قدماه في الثلوج المتراكمة.
“وغد…” قلت
