حينها فقط كان الجحيم قد بلغ هذا الجزء من القرية. تمكَّن الجميع من رؤية الجحيم عبر الحطام الضخم الذي خلَّفه لانغ بعد أن تم قذفه. لقد كان الناس يهربون بحياتهم محاولين النجاة، بينما كان جنود الإلف يمشون بهدوء مخلِّفين على الأرض التي تدوسها أرجلهم جليدًا أزرق ملكيّ ينفث برده على الجثت المتراكمة في طريقهم. كان البعض ميِّتًا بسهم غُرس في جسده، والبعض بسيفٍ فصل رأسه عن جدعه. لكنهم اشتركوا بشيئ واحد؛ هو الموت!
صرخَت ميدميل مُسرعةً نحو ابنها المرميِّ باتجاههم.
“لانغ!” صرخَت
لكن، بسرعةٍ خاطفة قطع الجنديُّ خلفها ظهرها ملوِّحًا بسيفه، لتسقط قتيلةً أمامه.
حاول الأطفال الهرب نحو اتجاهات مُختلفة لكن سِهامًا من الجليد اخترقت النوافذ لتصيبهم في مقتل، وتسحب الأرواح من أجسداهم الصغيرة.
وحدها نينا من ركضت مُسرعةً نحو أمها القتيلة.
“أمي… أمي…” بكَت
“نينا…” قالت ميدميل بنبرة متألمَّة
مسكَت ميدميل بيدها المرتجفة وجه ابنتها الصغرى نينا الجالسة بقرب جثتها. كانت الدماء تنزف بجنون بالفعل فتلطَّخ كامل جسدها بالدماء، لكنها وضعت يدها المليئة باللون الأحمر على خدِّ نينا الباكية.
“اكبري لتُصبحي آنسةً لائقة….” قالت ميدميل
“آسفة لأنني لستُ مهذبة… آسفة لأنني أقلِّد تصرُّفات الكبار… آسفة لأنني لا أسمع الكلام… آسفة… أمي أنا آسفة” صرخَت وهي تبكي بحرقة
كانت مارلا تحضن بقية الأطفال المرتجفين وهي تبكي في صمتٍ دون توقُّف. أما إري فكان يحضنها أخوها ويشدُّ على جسدها بقلقٍ وتوتُّر.
كان هروب أهل القرية يتسبَّب بفوضى أكبر بالخارج. كان عدد أنصاف البشر كبيرًا ما خلق حالةً من التَّدافع ورفع التوتر والخوف في الأجواء. تسبب ذلك في سقوط شموع الإنارة في الطُّرق وتشبُّتها بخشبِ الحطام ما نتج عنه نارٌ عظيمة أخرى ارتفع دخَّانها عاليًا في السماء.
تأمَّل هيو في ذلك المشهد معتبرًا نفسه رجل البيت المناط به حماية الجميع… لقد كان يرتجف، غير قادرٍ على مجابهة هذا العدوّ الجبار، كان يشدُّ قبضة يده يحسرةٍ و يعضُّ شفاهه بقوة حتى نزف دمًا.
“اللعنة… أين هو إليان…” همس لنفسه بقوة
“أين هو إليان؟…” همس متسائلًا وكأنه أدرَك شيئًا
عندها فقط استجمع هيو كل ذكرياته قبل انفصالهم وبنى على ذلك استنتاجًا أن إليان هو المتسبِّب بهذا… فكَّر لوهلةٍ أن عدم عودة إليان بعد يعني أنه غادر وترك ثغرةً وجد بها إلف الجليد موقع القرية.
كان المشهد جحيمًا تسرَّب في كل أرجاء القرية…
رفع هيو رأسه للسماء، ثم صرخ بكل قوة.
“رااااااااااااااااااااااااهغ” صرخ
**********
في هذه الأثناء كان يركض فرانكي و سولدات باتجاه بيتهما بينما كان حشدٌ من الهاربين يركضون نحوهم للنجاة بحياتهم. كان الجميع يهرب وتعالت أصوات النواح والصراخ، بينما كان فرانكي وسولدات متوتِّرين يحاولان اختراق هذه الزحمة والعبور نحو الخطر الذي يهرب منه هؤلاء الناس، فقط للاطمئنان على عائلتهما فقد كانت النيران تبتلع ذلك الجزء كذلك.
“دعونا نمرّ أرجوكم!” صرخ فرانكي
“لا تعترضا طريقنا… أتُريدان الموت!” صرخ أحد الرجال الهاربين
كان من الصعب على فرانكي و سولدات تجاوز هذا الحشد المندفع باتجاهٍ معاكس وهم في حالة خوفٍ وقلق.
أمسكهما أحد الهاربين… لقد كان فال، الرجل الكبير الذي يعمل معهما في الغابة. لقد كان أحد أكبر المعترضين على دخول إليان للقرية وقتَها.
“ماذا تفعلَان… إنجوا بحياتكما!” صرخ
“منزلنا هناك! لا نعلم ما حدث لزوجاتنا وأطفالنا… دعنا نمرُّ أرجوك!” صرخ سولدات
كان الصراخ الطريقة الوحيدة للتواصل في وسط هذا الجحيم… كان المشهد مأساويًا لأناسٍ يركضون في اتجاهاتٍ مختلفةٍ دون الحصولِ على الأمان.
“لا يوجد مكانٌ آمن في القرية حاليًا… هربكم لن يفيدكم شيئ!” صرخ فرانكي
“سنغادر القرية… تعاليا معي!” صرخ فال
“لا نستطيع… يجب علينا إنقاذ ما استطعنا!” صرخ سولدات
“أرجوك اسمح لنا بالمرور، سيد فال!” صرخ فرانكي
“لا فائدة… الإلف لا يتحركون للنقطة التالية إلا بعد إبادة جميع من يوجد في النقطة السابقة… حتى لو عدتما لن تجدَا شيئًا غير الجثت!” صرخ بحرقة
“وإن يكُن… علينا العودة!” قال فرانكي
“حتَّى لو عنى ذلك الموت من أجل رؤية جثتهم لمرَّة أخيرة؟…” سأل فال
“نعم…” قال فرانكي بملامح جدِّية
“حسنًا، فهمت… إخترقا الحشد واذهبا!” صرخ فال
عندها… لمح فال بجانب عينه اليمنى جنديَّ إلفٍ يقف على سطح أحد البيوت ويوجِّه قوسه نحو فرانكي وسولدات العائدين.
أطلقَ السهم…
“احترسَا!” صرخ فال
اِرتَما العجوز بقوةٍ على فرانكي وسولدات ليحميهما من السهم المنطلق… وفي محاولة ذلك، أصابه السهم في خصره وهو يحميهما تحت جسده فوقع أرضًا…
“سيد فال!” صرخ سولدات و فرانكي
“لا تقلقا عليَّ… اذهبا… فلتحتمِيَا بحُطامِ المنازلِ واركُضا…” صرخ فال بكلِّ قوته
“فلتنجو… أرجوك…” صرخ فرانكي
في الواقع… حتى فال كان يمتلكُ عائلة، لكنه لم يملِك الشجاعة الكافية ليحميها، لقد هرب من الجنود لينجو بنفسه عندما تم اختراق منزله… كان يعرِف أنه عليه مجابهتهم وحماية عائلته أو الموت وهو يحاول… لكنه لم يستطع. وجد رِجلاه تركضان به خارجًا بكل ما يملك من سرعةِ لينجو بحياته، لكنه كان يحمل غصَّةً في صدره… لكن عندما التقى بشجاعة وتصميم فرانكي وسولدات على حماية عائلتهما، تمكَّن منه الندم المطلق حينها، وتمنَّى لهما في أعماق قلبه النجاح في ذلك. لذلك فداهم بحياته ليتمكَّنا من العودة لبيتهما… كنوعٍ من التَّكفير على ما اقترفه من ذنبٍ بالهرب تاركًا عائلته خلفه بين الموت والحياة… هذا ما فكَّر فيه وهو يُراقب فرانكي و سولدات يركضان وهما محترسان من هجمات الجنود، حتى انطفأت شمعةُ حياته وأغمض عينيه على مشهد الجحيم الناري الذي لا يمدُّ بصلةٍ لبرود الثلج الذي عاشَ فيه معظم حياته المسالمة.
ركضَ فرانكي وسولدات وصولًا إلى بيتهما الذي لم يُشبه بيتهما بعد الآن… كان الجميع موتى… ميدميل ميتة أمام المدخل وبجانبها جثة ابنتها نينا التي توفِّيت بدورها وهي تمسك خنصرها… مارلا جالسة على ركبتيها ميتة وهي تحتضن الأطفال الميِّتين كذلك لافظين آخر أنفاسهم في حضنها، لم يكونوا ينزفون لكنهم ميِّتون. كان بقيَّة الأطفال ميِّتين بأسهُم كبيرةٍ من جليد تخترق ظهورهم. كذلك كان لانغ مطعونًا خارج البيت ميِّتًا فوق الحُطام. بينما كان زينوف مقطوع الرأس، وواقعًا على ركبتيه وصدره.
“أخي…” قال سولدات بهدوء قاتل
“هيو و إري… أين هما… علينا البحث عنهما… لابدَّ أنَّهما تمكَّنا من الهرب…” قال فرانكي بنبرة مرتجفة
“نعم أنت صحيح… علينا الرَّكض… لابدَّ أن هيو تمكَّن من حمل إري والهرب خارج القرية!” قال سولدات بتوتُّر
“نعم نعم أنت محق، هيا بنا…” همس فرانكي بصوتٍ مرتفع
هرول الاثنان مجددًا خارج بيتهما… لكن سرعان ما توقَّف سولدات تاركًا فرانكي يُهرول وحيدًا قبل أن ينتبه له ويتوقف أيضًا…
“لماذا توقَّفت يا أخي؟… علينا الاجتماع بهما…” قال فرانكي
“لا بأس… لقد تعِبت…” قال سولدات
“ماذا تقصِد بكلامك أخي؟…” قال فرانكي بهدوء
“أقصد… لقد حاولنا… لقد ركضنا القرية كلها لكننا لم ننجح…” قال سولدات
“هل تعني أن لا دخل لك بهما لأن هيو و إري ليسا أبناءك؟” قال فرانكي
“لا تقُل هذا… أنا لم أقصد شيئًا كهذا…” قال سولدات
“هل كنتَ لتتوقَّف لو كان المفقودان نينا وماركو أو لانغ مثلًا؟” سأل فرانكي
“ما الذي تهذي به… أنا لا…” أجاب سولدات
“لطالما كنتَ هكذا يا أخي… الآمِر الناهي في كلِّ قراراتنا… لطالما تصرَّفت بعجرفةٍ هكذا وكنت أنت من تختار التوقف من الاستمرار…” قال فرانكي
“ما الذي تُحاول قوله فرانكي؟ أنا… لقد رأيت للتَّو جثت الجميع ملقيَّةً على الأرض… لقد كانت الدماء في كلِّ مكان كما لو أن ذئبًا هجم على البيت في غيابنا… أنا ببساطة لا أستطيع…” قال سولدات
“ما الذي تهذي به الآن… أنت… لقد ماتوا… لقد اصطادهم إلف الجليد… اللعنة!” قال فرانكي
“أنا أعرف ذلك بالفعل… ومع ذلك… تلك الغرفة… غرفة المعيشة… كانت دائمًا مكانًا حيويًّا دافئًا… لكنني ولأول مرة شعرتُ ببردٍ قارس يجتاحها والحياة تخلوها…” قال سولدات
“أخي-” قال فرانكي
“فرانكي… لقد رأيت جثة ميدميل ونينا على الباب… لقد طلبت منها أن تكون فتاةً صالحة قبل خروجنا…” قال سولدات
“ما الذي…” قال فرانكي
“ذلك البيت… لقد بنيناه معًا أتذكُر؟… لقد قلنا أننا سنعين بضنا ونتزوج ونعيش كإخوة معًا في ذلك البيت… نفس البيت الذي كانت رائحة الموت تفوحه منه للتو…” قال سولدات
“اسمع…” قال فرانكي
“أتذكُر كيف أحببتَ مارلا؟ وكيف قلتَ عندما كنا نبني السَّقف أنه سيحتضنكما وأطفالكما…” قال سولدات
“علينا البحث…” قال فرانكي
“لا أشعر بركبتاي… سأسقط في أيِّ لحظة… ركبتاي لا تحملانني بعد الآن!” قال سولدات
“لكن إري و هيو…” قال فرانكي
“أ تعلم… لربما يكون كل هذا مجرَّد حلمٍ سيئ، كابوس سأنساه فور استيقاظي هه” قال سولدات
“أخي أنا…” قال فرانكي
سقط سولدات على ركبتيه بينما يحدِّق في أخيه فرانكي الواقف أمامه بوجهٍ يخلو من الحياة.
“لطالما كرِهتك!” قال فرانكي بهدوء
لا ردّ…
“لم أستطع حمايتهم… كل ذلك الكلام عن قوَّة والدهم مجرد كذب… أنا مجرَّد قِطٍّ ضعيف جبان خائر القوة… لطالما كرهتُ نفسي… لقد كنتُ أحاول جاهدًا إقناع نفسي بعكسِ ذلك عندما كنت أتفاخر بقوتي أمام الأطفال… لقد قلت لإري أنني سأحميها مهما كان الخطر الذي يقترب منها…” صرخ فرانكي بحرقة
“…”
“لكنني لم أفعل… كان كلُّ ذلك مجرد كذب…” بكى فرانكي
“فهمت…” قال سولدات
“لكنه دور الأب أ ليس كذلك؟ أن يكون الدعامة التي ترفع البيت وتحمي العائلة… ومع ذلك، لم أقم بدوري… بعد كل ذلك الكلام الذي أوبخ به الأطفال عندما يكذبون عن كم أكره الكذب… أنا كاذب كبير… أكره ذلك!” قال فرانكي
“…”
“لقد خنتُ ثقتهم بي… أنا خائن!” بكى فرانكي
“…”
“عندما ماتت نينا… لابدَّ أنها عانت، أ ليس كذلك؟ رغم أنها تحاول دائما القيام بكل ما في جهدها!” قال سولدات بهدوء
“مارلا… لقد كانت تحضن الأطفال حتى وهي ميتة… أنا أكثر من يعرف مدى جُبنِها، لكنها حاولت حمايتهم وأن تكون مصدر أمانٍ لهم… هذا دوري كأب وليس دورها… ما الجدوى من حياتي إذًا… ما دوري؟” قال فرانكي
“أظن أننا أباءٌ سيئون ببساطة…” قال سولدات
“نعم أظن أننا كذلك…” قال فرانكي
سقط الأخير على ركبتيه هو الآخر أمام أخيه…واجها بعضهما البعض بنظرةٍ باردة وروحٍ منكسرة، كانت أعينهما تخلو من أيِّ بريق… كشخصٍ ميِّتٍ بالفعل.
فوق سقف أحد المنازل المجاورة، ظهر أحد الجنود…
“يا له من كلامٍ مؤثِّر… لكنكما صرختما بشكلٍ مبالغٍ فيه… أ لم تعلما؟ القاعدة الأولى في الحرب لدى الناجين هي التزام الصمت والهدوء حتى مرور الفاجعة…. لو التزمتما بها لربما نجوتما على الأقل اهاها!” قال إلف الجليد
نظر إليه الاثنان أرضًا نظرةً فارغة، كمن ينتظر الموت ليس إلَّا…
“في النهاية أظن أنني أحبك حقًا، أخي…” قال فرانكي
“لنذهب للقائهم…” قال سولدات مبتسمًا
سوطٌ جليديٌّ رقيق، مرَّ من دراع الجندي إلى عنقهما، فاصلا رأسيهما عن الجدع. اختفى الجندي بعدها بين الظلال تاركًا خلفه لا شيئ سوى الدمار في مكانٍ يعجُّ بالذكريات…
مات فرانكي و سولدات
يُتبع…
