كان الهواء ثقيلاً كأن الساحة تحولت إلى غرفة مغلقة بلا نوافذ. الثلج المنتشر على الأرض لم يَعُد أبيض اللون… بل صار خليطًا من رماد وانعكاسات زرقاء حادّة، مصدرها البريق الجليدي الذي يطوف حول آلتوس وهو يخطو بثبات نحو خصمين هذه المرة.
رايندار سحَب سيفه من غمده بيد واحدة، واليد الأخرى تمسح الدم عن خده ببطء، وكأن المعركة السابقة ليست سوى إحماء قبل البداية الحقيقية. كان يقف أمام إليان الغاضب خطوة واحدة فقط، في وضعية مدافع… لكنه في نظر آلتوس بدا واضحًا أنه ليس المدافع بل الصياد.
“أنت هُناك، من مظهرك يتَّضح لي أنك خصمٌ شمالي مُتمرِّس.” قال آلتوس بنبرة هادئة
كان إصبعه يُشير لرايندار. ابتسم الأخير ابتسامة باهتة، كأنه يردّ السخرية بسخرية أكثر هدوءًا…
“سأكون راضيًا ما دُمتَ أنت يا ملك الجليد من تقُول ذلك شخصيًّا!” أجاب
لم يعطِه آلتوس فرصة لتبادل الحديث، وقد كان رايندار على استعداد لذلِك بالفعل، مجرَّد تبادل نظراتٍ خفيف وبعدها، بلمسة واحدة من يده، تشكّلت ثلاثة رماح جليدية طويلة، انطلقت مباشرة نحو صدر رايندار بسرعة خاطفة. رفع الأخير سيفه، انحنى بجدعه قليلًا للأمام، غيَّر وضعية إمساك السيف بعكسِ النصل، ثم من الأسفل للأعلى كان يقطعُ الرماح الجليدية بمثالية إلى نصفين. من الأسفل للأعلى، الأعلى للأسفل، ثم الأسفل للأعلى مجددًا.
أمّا إليان، الذي كان أمامه، فقد تحرك غريزيًا بدافع الغضب، رفع سيفه واندفع قليلًا على الجانب، ليتحرك مع رايندار كنقطة مساعدة، هدفها إرباك آلتوس كلما وجد فرصة.
آلتوس لم ينتظر… مدَّ ذراعه وسحب من الهواء سيفًا جليديًا عملاقًا، شكله غريبٌ ومكسّر كأن سطحه نُحت من صقيع غاضب. هجم على رايندار بضربة مائلة تقصد قطع الجسد من الكتف إلى الورك.
الصدمة التي حدثت حين التقى السيفان شقّت الأرض بينهما… كان رايندار قد جهَّز وضعية سيف الشمال الدِّفاعية بالفعل. الثلوج ارتفعت كدوامة، والهواء نفسه اهتزّ من شدّة الاصطدام.
كان رايندار أقوى بقليل، دفع آلتوس نصف خطوة إلى الوراء. لكن آلتوس لم يتراجع… رفع قدمه وركل الأرض، فأطلق موجة تجميد انتشرت بسرعة، حاولت حبس قدميّ رايندار.
في تلك اللحظة انقضّ إليان، قافزًا فوق الموجة، وسيفه يتجه مباشرة نحو كتف آلتوس. كانت حركة خاطفة… لكنها أربكته فعلًا.
رفع آلتوس ذراعه ليصد الضربة، فارتطم سيف إليان بقطعة جليدية تكوّنت في اللحظة نفسها. الشرر تطايرت، وإليان فقد توازنه لحظة، لكنه عاد واستقر خلف رايندار من جديد.
“ابقَ قريبًا… لكن لا تقترب أكثر من اللازم!” قال رايندار دون أن يلتفت.
آلتوس انحنى قليلًا للأمام، وكأنه يقيس المسافة بينهما.
“أنتم مزعجون أكثر مما توقعت.” قال
اندفع هذه المرة بسرعة لم تعد أعين البشر تلتقط تفاصيلها. ظهر أمام رايندار بضربة رأسية كادت تشطره نصفين. رايندار صدها، لكن قوة آلتوس دفعت ذراعه للأسفل، وانحنى جسده من شدة الضغط.
وهنا ظهر دور إليان ثانية! اندفع من الجانب الآخر بسيفه في خط أفقي سريع، أجبر آلتوس على الميل للخلف خطوة صغيرة. خطوة واحدة فقط… لكنها أراحت رايندار وأعادت توازنه.
رفع رايندار سيفه الآن بكلتا يديه. كان واضحًا أنه سيستخدم ضربة ثقيلة، ضربة لا تُستعمل إلا عندما يراد إنهاء شيء.
آلتوس فهم ذلك… فتح كفّه، وتشكّلت حوله عشرات الخناجر الجليدية الطائرة، كأنها أسراب من البلورات القاتلة. انطلقت جميعًا نحو الاثنين دفعة واحدة.
رايندار لوّح بسيفه بقوة مستعدًّا لتجنبها، تنفَّسَ ببطئ، أحكم قبضته على السيف ثم بدأ بصدِّ الخناجر القادمة نحوهما ما استطاع بتحرُّكات سيفٍ سريعة وخاطفة.
القليل اخترق دفاعهما… بعضها خدش ذراع رايندار، وبعضها مزّق كتف إليان المُصاب سلفًا وجعل الدم يتطاير، لكنه ظل واقفًا وعينيه ثابتتين.
ثم حدث الاصطدام الحقيقي… آلتوس قفز عاليًا، وسيفه الجليدي ينزل كقذيفة. رايندار تجهَّز ليواجهه في الهواء عند اقترابه، سيفه يلمع بضوء القمر الظاهر بين السحاب. اصطدم السيفان، ونجح رايندار في تغيير مسار سيف آلتوس بشكل قليل.
حين اصطدم السيفان في السماء، بدا المشهد كأن نجمًا صغيرًا انفجر فوق الساحة. الضوء… الصقيع… الشرر… كلّها تداخلت في لحظة واحدة. سقط كلاهما على الأرض، ولكن آلتوس فقط هو من انزلق مترين للخلف بسبب قوة أثر الاصطدام.
أما رايندار… فقد بقي واقفًا، كتفاه تهتزّان قليلاً، لكنه لم يسقط.
إليان ركض نحوه، يرفع سيفه أمامه مستعدًا للجولة التالية.
آلتوس مسح الدم القليل الذي سال من زاوية فمه، ونظر إليهما نظرة امتعاض بارد.
“حسنًا، قد يكون هذا ممتعًا بعد كل شيء.”
رايندار ردّ بابتسامة واثقة، وهو يُعيد الإمساك بسيفه بقوة. أما إليان… فقد وقف بجانبه، مستعدًا لأن يحوّل حتى اللحظة الصغيرة القادمة إلى شيء يُغيّر ميزان القتال.
وهكذا… بدأت الجولة الثانية.
كان الليل قد ابتلع القرية تمامًا، ولم يبقَ من الأكواخ سوى هياكل خشبية سوداء تئنّ تحت وطأة الثلج والنيران. ألسنة اللهب تلتهم الأسقف المنهارة، وتحوّل الثلج حولها إلى بخارٍ كثيف يتصاعد كأن الأرض نفسها تحتضر. الضوء المتراقص للنار انعكس على الجليد المنتشر، فصار المكان ساحة مرايا مكسورة… كل خطوة فيها قد تكون الأخيرة.
وقف آلتوس في قلب الخراب، والبرد يلتف حوله كرداءٍ واعٍ. الأرض تحت قدميه متجمّدة بانتظام غير طبيعي، وكأنها تعترف به سيدًا لها. حوله، كانت شظايا الجليد تطفو ببطء، تتشكّل وتتفكك مع كل نَفَس.
في مواجهته، تقدّم رايندار خطوة واحدة، وثبّت قدميه في قاعدة الجذر. وزنه منخفض، جسده كجبلٍ قرّر ألا يتحرّك. سيفه ممدود بزاوية ثابتة، طرفه يشير مباشرة إلى صدر آلتوس. إليان وقف خلفه بنصف خطوة، أقل ثباتًا، لكنه يحاكي الوضعية نفسها، أنفاسه متسارعة، عيناه تراقبان كل ذبذبة في الهواء.
آلتوس رفع يده فقط… الأرض انفجرت أمامهما بأعمدة جليدية حادة، اندفعت كأنياب وحشٍ من تحت الثلوج. رايندار لم يتراجع. شدّ جسده، امتصّ الصدمة، وانحرف نصف خطوة فقط، تاركًا العمود يمر بمحاذاة كتفه. إليان لم يكن بتلك الصلابة، قفز جانبيًا، واستعان بجذع كوخٍ محترق ليدفع نفسه بعيدًا، شظايا الخشب والنار تتناثر حوله.
تحرّك آلتوس فجأة، وسيفٌ جليدي يتشكّل في يده أثناء الاندفاع. رايندار انتقل بسلاسة إلى زاوية الكتف، رفع كتفه الأمامي، جسده يميل للخلف قليلًا، ثم انقضّ بضربة طولية واحدة، ثقيلة، صافية، كأنها سقوط شجرة.
اصطدم السيفان مجددًا… الصوت كان أشبه بانكسار جبلٍ صغير. الجليد تفتّت، والشرر الأزرق تناثر في الهواء. آلتوس انزلق نصف متر للخلف وأثر قدميه شقّ الثلج حتى الطبقة الصلبة تحته.
إليان رأى الثغرة. اندفع من الجانب مستخدمًا قاطع الثلج، خطوة طويلة مع دوران الحوض، سيفه يهبط بقطعٍ مائل مستهدفًا الفراغ بين ذراع آلتوس وجانبه. لكن آلتوس أدار معصمه، وتحوّل الهواء أمامه إلى درعٍ جليدي صدّ الضربة، ودفع إليان بقوة صقيع جعلته يرتطم بجدار كوخٍ منهار.
“إليان!” صرخ رايندار
لم يلتفت رايندار طويلًا، سرعان ما جهَّز وضعيته، كان يعرف أن التردّد موت. آلتوس ردّ الهجوم بعاصفة حقيقية من عشرات الشفرات الجليدية التي انطلقت من حوله، تتبع مسارات منحنية، تستغلّ النار والظلال لتخفي زواياها. رايندار دخل وضعية درع السكون. سيفه أمام رقبته، مرفقاه محكمان. كل ضربة تصطدم تُصدّ أو تُنحرف في آخر لحظة. كان ينتظر… فقط ينتظر. إحداها اخترقت دفاعه قليلًا، خدشت فخذه.
آلتوس ابتسم… لكن تلك كانت اللحظة. رايندار تراجع خطوة قصيرة، قام بوضعية ارتداد الجليد؛ شدّ ذراعيه، التقط زخم الضربة التالية، ولفّ السيف بحركة ارتدادية عنيفة. الزخم انعكس، وانفتحت ثغرة في توازن آلتوس.
إليان، رغم الألم، عاد للوقوف. لم يهاجم… بل ركل كوخًا محترقًا كان على وشك الانهيار. السقف الخشبي سقط، والنار اندفعت، والثلج تحت آلتوس ذاب فجأة ثم تجمّد بشكل غير منتظم. اختلّت قدماه للحظة…
رايندار لم يضيّعها. انخفض فجأة إلى وضعية قلب الثلج، مركز ثقله يهبط، وسيفه يشقّ ضربة جانبية قصيرة استهدفت فخذ آلتوس. الجليد حاول التكوّن… لكنه تأخّر.
ثم جاء كل شيء معًا. ثبت رايندار قدمه الأمامية، دار بحوضه بقسوة، والسيف تحوّل إلى قوسٍ قاتل باستخدام وضعية حجر الصقيع.
القطع العرضي أصاب المفصل، تبعه دفعٌ كتفيّ وحشيّ كأن جبلًا اصطدم بجسد حي. آلتوس اندفع للخلف، فقد توازنه، وسقط على ركبة واحدة، الجليد حوله بدأ حينها يتشقق لأول مرة.
إليان تقدّم خطوة، سيفه مرفوع، أنفاسه لاهثة، لكنه واقف. النيران استمرّت في الاشتعال. الثلج استمرّ في السقوط. ووسط الخراب، كان واضحًا أن سيد الجليد يمكن أن يُجابَه… بل ويُجرح.
ارتطم جسد آلتوس بالثلج المتشقق، ركبة واحدة مغروسة في الأرض، والشرخ يمتدّ تحتها ككسرٍ في مرآة سماوية. لوهلةٍ قصيرة، قصيرة جدًا، ساد الصمت، لم يقطعه سوى طقطقة النار وانهيار بقايا الأكواخ.
ثم… ضحك آلتوس. لم يكن ضحك جنون، بل ضحك إدراك. رفع رأسه ببطء، وعيناه البلوريتان توهّجتا بقسوة لم تظهر من قبل.
“يبدُو أن القطة قد أرهقتني قليلًا، لكن لا بأس…”
كان ينظُر رايندار وإليان بدهشة إلى آلتوس وهو يقفُ مجددًا بنفسٍ بارد متقدِّمًا نحوهما.
“جميل…” قال وهو يمشي
الجليد يزحف من جديد حول ساقه المصابة…
“أخيرًا… خصم يُجبرني على القتال بجدية! رايندار إبن الشمال، سأتذكَّر ذلك!” قال
وسط صمت رايندار وعزيمة إليان، ضرب آلتوس الأرض براحة يده، فانفجر المكان… أعمدة من الجليد خرجت من بين الأنقاض، لا مستقيمة بل ملتوية، كأنيابٍ تنحني لتغلق الساحة. النار التي كانت تشتعل تحوّلت إلى بخارٍ كثيف، والرؤية تقلّصت إلى ظلال متكسّرة وأضواء زرقاء خاطفة. الأرض نفسها لم تعد ثابتة.
رايندار لم يتحرّك عشوائيًا. انتقل فورًا إلى وضعية قاعدة الجذر، غرس قدميه في بقعة ثابتة بين الجليد والنار، مستغلًا اختلاف السطح ليمنع نفسه من الانزلاق. سيفه عاد إلى زاوية خمسٍ وأربعين درجة، لكن عينيه لم تكونا على آلتوس فقط بل على الأرض، على الأعمدة، على اتجاه الريح الساخنة.
إليان كان على يساره، يتنفّس بصعوبة، الدم يقطر من كتفه، لكنه يقلّد الوضعية قدر استطاعته. كان الألم يعتصِر قلبه بين الفينة والأخرى. كان يسعلُ دمًا ويفقد توازنه من الألم، لكن عينيه السوداوتين كانتا مصمِّمتين على الهذف أمامه لاغير بغضبٍ كبير يملأهما.
آلتوس ظهر فجأة من الضباب، هذه المرة بلا سيف واحد، بل بثلاثة. شفرات جليدية طويلة تطفو حوله، تتحرّك بإشارات دقيقة من أصابعه، كأنها امتداد لأفكاره.
يُتبع…
