المجلد الثاني
الفصل التاسع والخمسون: الرعب الحقيقي
بدأ صغير النسر يستيقظ بهدوء وببطء.
وكان سامي قد قام بما هو متوقَّع منه؛ نزل وأخبر الجميع بابتسامته نفسها، تلك الابتسامة الهادئة التي لم تعد تعكس ما يدور داخله.
والآن، كان الجميع جالسين في غرفة العلاج الخاصة. غرفة تعجّ بعدة أسرّة، يبدو أن كل واحدٍ منهم كان ممددًا على أحدها سابقًا. رائحة الأعشاب اللاذعة تخترق الأنوف، تمتزج بدفء المدفأة وضوء النار المنعكس على الجدران الخشبية.
الثمانية كانوا مبتسمين بسعادة، ينظرون إلى صغير النسر وهو يتقلّب على سريره، دون أن يتحرك أيٌّ منهم.
كان العجوز واقفًا خلفهم عند الباب، بابتسامته المريحة وعينيه الضيقتين.
وفجأة—
تغيّر تعبيره.
اتّسعت ابتسامته بشكل غير بشري، وفتحت عيناه في دوائر حمراء مرعبة، وانطلقت منه ضحكة مكتومة، منخفضة، تقشعر لها الأبدان.
“يوهوهوهو… يا له من خبرٍ سعيد!
أخيرًا، سيستيقظ الأخير منهم.
لقد منعت نفسي حقًا من أكل أيٍّ منهم طوال هذا الوقت…
والآن جاء وقت مكافأتي.”
ضحك أكثر، وصوته يزداد حدة:
“وجبة من تسعة بشريين… يا لي من محظوظ.”
ثم بدأ رأسه—جمجمته—تنفتح من الأعلى، متشظية إلى فروع خشبية تشق الجلد، كاشفةً عن داخلٍ لزج، مليء بسائلٍ أحمر مقزز. امتدت الفروع نحوهم، تتحسسهم ببطء، بينما علت ضحكته أكثر.
“أخيرًا… وجبة جديدة.
آخر مرة كانت منذ عشرين عامًا.
هذه المحنة—أو مهما كان البشر يسمّون هذه الحياة—لا ترسل الكثير منهم إلى هذه الغابة.
لكن يبدو أن اليوم يوم حظي.”
ثم تغيّر صوته إلى اشمئزاز:
“منذ انقراض الشياطين، لم تعد هناك فرائس لذيذة…
ورغم أنني أكره لحم الشياطين—”
وتوقف فجأة.
تغير تعبيره إلى غضبٍ ساخط.
بدأ السائل داخل جمجمته يغلي، والجذوع التي نبتت منها أخذت تضرب الأرضية والسقف بعنفٍ دائري.
“تبا لتلك الشيطانة!”
ارتفع صوته وهو يهتز:
“تدخل منزلي، تأخذ قلبي لتصلح سلاحها المكسور اللعين، ثم تخرج من بابي الأمامي!
يا لها من إهانة حقيقية!”
ازدادت ضربات الأغصان جنونًا:
“عاملتني كمجرد عقبة…
بينما كنت أستعد لالتهامها!
رأتني كأنني لا شيء، رغم أنها كانت مجرد درجة ثالثة!
أن تتلاعب بي أنا—سَلَف جنس أبناء الشجر—وتأخذ جوهري لتشفي ذلك الخائن الذي أصبح سيفها…!”
زفر بقوة:
“تبًا لها… مجرد التفكير في الأمر يجعل أغصاني تموت.”
ثم أعاد نظره نحو البقية.
طوال هذه المحادثة… لم يُظهر أيٌّ منهم رد فعل واحد.
لم يسمعوا شيئًا.
قدرة هذا الوحش على التلاعب جعلتهم لا يسمعون إلا ما يريدهم أن يسمعوه، ولا يفكرون إلا فيما يسمح لهم أن يفكروا فيه، ولا يرون إلا ما يسمح لهم أن يروه.
كانوا دمىً كاملة بين يديه.
طبعًا… ستةٌ فقط.
صغير النسر لم يكن قد أفاق بعد،
وسامي وكاي—يمكن اعتبارهما ممثلين بارعين بالفطرة.
كان ظهر سامي مبللًا بالعرق البارد، وعقله مضطربًا، لكن وجهه لم يُظهر أي تعبير. كان يغرس أظافره في كفه ليبقى هادئًا.
على العكس من كاي، الذي بدا وكأنه يتماشى مع الوضع، مرتاحًا مثل البقية.
أخيرًا، بدأ الوحش يتقدم.
وقف بين إستِر وراي، اللذين كانا متقاربين جدًا. دفع كلًّا منهما إلى جهة حتى ارتطما بالحائط.
“تبا… أكره عندما أرى أزواجًا من هذه المخلوقات.
حسنًا، لا بأس أن أؤذي طعامي قليلًا.”
عاد الاثنان إلى مكانهما دون أي رد فعل، بنفس الابتسامة، بينما بدأ بلاط الأرضية يتلوّن بالأحمر من دمائهما.
تابع الوحش تقدمه، مرّ بنيكو وفيفا متجاهلًا كليهما، ثم توقف بجانب هالا. أعاد رأسه إلى شكله الطبيعي، وبدأ يشم رائحتها ببطء.
“غير لذيذة.”
أخيرًا، نظر إلى يوكي.
اقترب منه بخطواتٍ جامدة، ووضع يده على ذراع الشاب النبيل، الذي كان واقفًا بابتسامة سعيدة ووجهٍ مرتاح.
وفجأة—
لم تعد الذراع موجودة.
شلال من الدماء اندفع من كتف يوكي، بينما ظل تعبيره دون أي تغيير.
في حركة واحدة، جلس العجوز على السرير بين سامي وكاي، وبدأ يأكل ذراع يوكي بوحشية.
أسنان—إن صح تسميتها كذلك—كانت أغصانًا صغيرة وطويلة تخرج من فمه، تنغرس في اللحم الممزق، تشقه عبثيًا، وتجرّ القطع إلى الداخل.
كان مشهدًا كافيًا لجعل أي إنسان يتقيأ أحشاءه.
لكن سامي وكاي تحمّلا… مُرغمين.
ابتسامتهما بدأت تتزعزع.
كان الوضع مرعبًا إلى أقصى حد.
فكّر سامي داخليًا، وهو يُجبر أنفاسه على الاستمرار طبيعيًا:
” تبًا… هذا الوحش اللعين.
أخذ ذراع يوكي وكأنها قطعة كعك طرية، والآن يأكلها أمامنا.
كيف من المفترض أن نهزمه أنا وكاي وحدنا؟ وكيف سنهرب من هنا؟!
اللعنة… كان يتكلم عن شيطانة النجاة، صحيح؟
لكن هل هذا مهم الآن؟ علينا الهرب قبل أن نصبح طعامًا لهذا الكائن. ”
بينما ظل البقية واقفين ثابتين بابتساماتهم، ودم يوكي يتدفق من كتفه المرتعش، والعجوز جالس يأكل الذراع بين سامي وكاي—
فتح صغير النسر عينيه أخيرًا.
ما إن رأى المشهد، حتى ارتبك.
ألف شعور غمر عينيه العسليتين الجميلتين.
لكن قبل أن يدرك أي شيء—
انطلق غصن رفيع من رأس العجوز بسرعة خاطفة، انغرس في منتصف جبين الفتى.
دفع سائلًا غريبًا داخل جسده—كان معزولًا عن باقي الجسد، بلون بنفسجي قبيح—ثم انتشر واختفى في لحظة.
اختفت كل المشاعر من عيني الفتى.
واستُبدلت بسعادة غير مبررة.
ارتسمت ابتسامة على وجه صغير النسر، وجلس فورًا، ناظرًا إلى العجوز بوقار.
ابتسم العجوز بدوره.
“مرحبًا بك يا فتى.
هل تشعر بأي ألم؟”
رد صغير النسر بسعادة: “لا يا سيدي، أنا بخير، لكن—”
وتوقف.
بدأ تعبيره يتغير.
كان عقله يقاوم شيئًا خارجيًا.
ظهر الألم على وجهه.
تغير تعبير العجوز، وتحدث بارتباك: “هذا غير طبيعي!
من المفترض أن يكونوا جميعًا من المستوى الثاني… لا يجب أن يستطيعوا رفض سلطتي!”
وفجأة—
اندفع السائل البنفسجي خارج جسد الفتى من حيث دخل.
تجمد كل شيء لدى العجوز.
عاد الارتباك إلى وجه صغير النسر، ونظر نحو العجوز وقال بصوتٍ مرتعش: “أخي سامي… ماذا يحصل هنا؟”
قبل أن يستطيع العجوز الرد—
خرج سيفٌ أسود، نظيف، من فم العجوز بشكلٍ مستقيم.
كان سامي واقفًا خلف السرير، بعينين مشتعلة غضبًا.
وفي اللحظة نفسها، قفز كاي من جانب العجوز، حمل صغير النسر، واندفع به نحو الباب.
رفع سامي سيفه للأعلى بسرعة خاطفة، شطر رأس الرجس إلى نصفين، ثم قفز برشاقة، ليلحق برفاقه.
أصبحت الغرفة فارغة تمامًا.
لم يبقَ سوى آثار الدماء المؤدية إلى الباب، والعجوز جالس في المنتصف، ورأسه مشقوق إلى جانبين.
لكن—
بدأت فروع صغيرة تتجمع من كلا الجانبين، تلتئم ببطء، ومعها ظهرت ابتسامة شيطانية على وجهه.
خرج من
ه صوت غاضب، مرعب، جعل المنزل كله يهتز، كأنه كائن حي:
“يبدو أنني أصبحت عجوزًا حقًا…
وبدأت أُقلّل من جذري!”

التعليقات متوقفة حالياً، ستعود قريباً!