الساعة الرملية [4]
الفصل 258: الساعة الرملية [4]
‘لا تلتفت. لا تلتفت.’
كانت الخطوات تمتدّ في كلّ اتجاه.
الخطوات تمايلت بين الرفوف، فاتبعتُها، منحنياً تحت عارضة نصف ساقطة.
تألّقت تحت ضوء المصباح الأزرق وأنا أنظر من حولي.
انهار الرف خلفي بدويٍّ صاعق، مفرغًا معدنًا وخشبًا على الأرض.
اشتدّت رائحة الصدأ مع تمايل المصباح في يدي، باسطًا ظلالًا طويلةً متغيّرة من حولي.
أبيض، متصدع، بثقوب مظلمة مكان العينين.
ابتلعتُ ريقي بارتباكٍ وأنا أحدّق في كلّ الطرق أمامي. جميعها قادت نحو مناطق مختلفة من المصنع المهجور. الظُّلمة جعلت من العسير أن أرى إلى أين تمضي تلك الطرق، غير أنّي كنت أعلم أنّ أحدها يقودني إلى المخرج الذي أحتاجه.
طَق!
‘كلّ ما عليّ هو أن أعثر على الطريق الصحيح وأغادر هذا المكان.’
تردّد صدى خطواتي واهنًا في الصمت وأنا أتابع المضيّ، والمصباح يرتجف قليلًا في قبضتي. ضوءه الخافت يدفع بضعفٍ نحو الظلمة، ممتدًا رفيعًا على الأرض حيث الآثار تتقدّم أمامي.
في المبدأ، لم يكن ذلك يبدو عسيرًا.
كانت الخطوات تمتدّ في كلّ اتجاه.
لكن، وفي الوقت نفسه، وأنا أحدّق في السواد القاتم الممتد أمامي، وأتلفّت حولي، شعرت بشيءٍ مقلقٍ ينمو بداخلي.
لكن عندها—
كأنّ أحدًا ما يحدّق بي من جوف الظلام.
تك، تك—
زحفت قشعريرة على جلدي.
لم يمضِ حتى عشر دقائق منذ دخلت، لكنّها بدت أطول بكثير.
‘حسنًا، اهدأ. كلّما أنهيت هذا بسرعة، كان أفضل. لا أعلم لِمَ منحني النظام هذه المهمّة، لكن لا بدّ أنّها ستكون نافعة لي.’
لم تكن أنفاسي.
أحكمت قبضتي على مقبض المصباح وبدأت أتحرّك إلى الأمام.
شيء اخترق رئتي وأنا أحدّق أمامي بصدمة.
وفي اللحظة نفسها، نظرت إلى الوقت.
‘اركض! عليّ أن أركض!’
تك، تك—
انحنيت، خافضًا المصباح. توهج باهت انساب على الأرض، لكن لم تكن هناك آثار أخرى.
كانت الساعة 17:44.
رئتاي اشتعلتا. توهج المصباح تذبذب مع انزلاق قبضتي، لكنني تمسكت به بيأس. أمامي، رأيت بابًا. بابًا حقيقيًا. كان من المعدن، متصدعًا قليلًا، لكنه سليم.
خطوة
نظرت إلى الوقت.
تردّد صدى خطواتي واهنًا في الصمت وأنا أتابع المضيّ، والمصباح يرتجف قليلًا في قبضتي. ضوءه الخافت يدفع بضعفٍ نحو الظلمة، ممتدًا رفيعًا على الأرض حيث الآثار تتقدّم أمامي.
صوت ثقيل.
استمرّت خطواتي تُردّد الصدى حتى توقّفتُ عند موضعٍ بعينه.
اقترب.
رفعت يدي وأضأت بالمصباح أمامي.
لم أستطع.
بوّابة بيضاء استقبلت بصري.
كما لو أنّها كانت تركض يائسة من شخصٍ ما.
كانت نصف مفتوحة، متدلّية على مفاصلها باعوجاج، وقد اختفت الخطوات في الظلام خلفها. ازداد عبق الصدأ خنقًا، معدنيًّا وحامضًا، لاذعًا مؤخرة حلقي.
خطوتُ داخلها.
تردّدت.
اشتدّت رائحة الصدأ مع تمايل المصباح في يدي، باسطًا ظلالًا طويلةً متغيّرة من حولي.
لكن عندها—
لبرهةٍ، فكّرت أن أذهب إلى هناك، لكن قبضتي على الخنجر كانت مشدودة لدرجةٍ آلمت أصابعي.
صريررر—!
كانت نصف مفتوحة، متدلّية على مفاصلها باعوجاج، وقد اختفت الخطوات في الظلام خلفها. ازداد عبق الصدأ خنقًا، معدنيًّا وحامضًا، لاذعًا مؤخرة حلقي.
…انفتح الباب من تلقاء نفسه. كأنّه يأمرني بالدخول.
حينها رأيته.
غرائزي صرخت في داخلي.
لم أستطع.
تأمرني أن أعود أدراجي.
بدأ بصري يظلم.
لكن لم يكن في وسعي أن أعود.
خبط!
قبضتُ على خنجري بكلّ ما أملك قبل أن أتوغّل.
الخطوات… استطعت أن أرى أنها تعود لشخصين مختلفين.
خطوة
غرائزي صرخت في داخلي.
كانت الغرفة في الداخل واسعة، مبعثرة بآلات محطّمة، وأشكالٍ شاهقة تخيّلها الظلام، متلوّية في هيئاتٍ غريبة جعلتني أتوقّف.
كلانك—!
لامس ضوء المصباح الخافت أطراف الآلات بخجل، كاشفًا بالكاد عن حوافّ مسنّنة وأجزاء محطّمة متناثرة على الأرض. صدى خطواتي علا أكثر هنا، مرتدًّا على الجدران العالية كهمساتٍ لا تنتمي إليّ.
‘لا تلتفت. لا تلتفت.’
ثبّتُّ بصري على الآثار.
فكرتُ في القتال، لكن بدا ذلك مستحيلًا.
استطعت أن أميّز أنّها كانت أحدث من تلك في الخارج. كانت أوضح وأكثر بريقًا.
“أخ—!”
ابتلعتُ بتوتّر.
فكرتُ في القتال، لكن بدا ذلك مستحيلًا.
‘أنا أقترب.’
لم تكن أنفاسي.
التفّت الآثار الأحدث نحو الجهة اليسرى من الغرفة. تبعتُها، كلّ خطوة أثقل من التي قبلها، وصدري يضيق كأنّ المكان نفسه ينغلق عليّ.
ارتجف المصباح بعنف في قبضتي، وضوءه يتمايل على الجدران وأنا أسرع في خطواتي. أنفاسي خرجت متقطعة من حلقي، وذعر خفيّ بدأ يتصاعد من أعماقي.
كلااانغ!
تحركت شفتاي بصمت.
“….!؟”
لم أستطع.
جمّدني صوت سقوط شيءٍ ما في الظلال. ارتعش المصباح في قبضتي وأنا أهتزّ به سريعًا نحو مصدر الضوضاء.
فقط جدار أبيض أملس أمامي.
من هناك!؟
خطوة
“…..”
استطعت أن أميّز أنّها كانت أحدث من تلك في الخارج. كانت أوضح وأكثر بريقًا.
لا شيء.
غرائزي صرخت في داخلي.
مجرد معادن ملتوية متراكمة فوق بعضها. والظلال التي رسمتها ارتعشت قليلًا مع تمايل المصباح.
بدت حديثة…
عضضتُ شفتي.
حينها رأيته.
لبرهةٍ، فكّرت أن أذهب إلى هناك، لكن قبضتي على الخنجر كانت مشدودة لدرجةٍ آلمت أصابعي.
تجمّدت.
لكنّي سرعان ما هززتُ رأسي.
فقط نهاية مفاجئة، فارغة.
‘ابقَ هادئًا. فقط اتبع الأثر. فقط ركّز على ما يفترض أن أفعله. يمكنني أن أفهم الباقي لاحقًا.’
كأنّ أحدًا ما يحدّق بي من جوف الظلام.
أجبرت ساقيّ على التحرّك. استمرّت الآثار تقودني نحو ممرٍّ بعيد، فتحةً ضيّقةً عالقةً بين آلتين ضخمتين بدتا كفكّين يطحنان معًا. اضطررت إلى إمالة جسدي جانبًا لأتسلّل داخله.
طَق.
كانت رائحة الممرّ أسوأ. الصدأ امتزج بشيء آخر. شيءٌ أَحَدّ.
يراقبني.
شيء يشبه…
لم يمضِ حتى عشر دقائق منذ دخلت، لكنّها بدت أطول بكثير.
الدم.
“…!؟”
‘هذا…’
تجمّدت.
ابتلعتُ في صمت وأنا أرفع يدي لأنير الطريق.
“هاه… هاه…”
“…..!”
الخطوات… استطعت أن أرى أنها تعود لشخصين مختلفين.
حينها رأيته.
ومن خلال فجوة بين الرفوف، أبصرت شيئًا.
لطخات داكنة مسفوحة عبر معدن آلة أمامي، مرسومة كأثر كفٍّ مجرور نحو الأسفل.
لكنني فعلت.
كما لو أنّها كانت تركض يائسة من شخصٍ ما.
انعقد حلقي.
يحدّق مباشرةً نحوي.
‘فقط تابع السير.’
كانت الساعة 17:44.
التفّت الخطوات أعمق إلى الداخل.
لطخات داكنة مسفوحة عبر معدن آلة أمامي، مرسومة كأثر كفٍّ مجرور نحو الأسفل.
نظرت إلى الوقت.
لا مخرج.
كانت الساعة 17:53.
شيء يشبه…
لم يمضِ حتى عشر دقائق منذ دخلت، لكنّها بدت أطول بكثير.
“هاه… هاه…”
تصاعد نفسِي صاخبًا في أذني. الممرّ امتد بلا نهاية، ضيّقًا أكثر فأكثر، حتى انفتح أخيرًا إلى غرفةٍ أخرى.
لا شيء سوى الصمت.
خطوتُ داخلها.
‘ما هذا…؟’
كانت هذه الغرفة أوسع، ولكنها أكثر فراغًا، بآلاتٍ أقل. الأرض مغطاة بالتراب وآثار طويلة جافة، كأن شيئًا ثقيلًا جُرَّ عبرها. الخطوات أمامي تداخلت، نسجت داخل الغرفة وخارجها، مشكلة فوضى عارمة من المسارات.
التفّت الخطوات أعمق إلى الداخل.
تجمّدت.
فكرتُ في القتال، لكن بدا ذلك مستحيلًا.
الخطوات… استطعت أن أرى أنها تعود لشخصين مختلفين.
يراقبني.
انفرجت شفتاي.
رفعت يدي وأضأت بالمصباح أمامي.
‘ما هذا…؟’
ومع رفع المصباح ببطء، رأيته.
خطوت خطوةً حذرة إلى الأمام، والصرير الخافت تحت حذائي بدا صاخبًا وسط الصمت.
خطوة
ثم، من مكان ما فوقي—
فقط نهاية مفاجئة، فارغة.
خبط.
خطوتُ داخلها.
صوت ثقيل.
دفعت الباب مفتوحًا، ملقيًا بنفسي داخله.
“….!”
انهار الرف خلفي بدويٍّ صاعق، مفرغًا معدنًا وخشبًا على الأرض.
رفعت مصباحي على عجل.
…انفتح الباب من تلقاء نفسه. كأنّه يأمرني بالدخول.
السقف امتد عاليًا فوقي، ملتهمًا بالظلام. ومهما حاولت أن أجهد بصري، فإن ضوء المصباح لم يصل أبعد من مدى محدود.
انهار الرف خلفي بدويٍّ صاعق، مفرغًا معدنًا وخشبًا على الأرض.
خلف ذلك، لم أرَ سوى الظلام.
وفيما كنت أتقدم، عاد الصوت من جديد.
خبط!
خبطٌ آخر.
خبطٌ آخر.
خطوتُ داخلها.
شيء ما كان يتحرك هناك.
تألّقت تحت ضوء المصباح الأزرق وأنا أنظر من حولي.
قبضتي على المصباح اشتدّت حتى آلمت مفاصلي.
شعر رقبتي انتصب.
‘تابع السير. لا تتوقف. لا تمنحه وقتًا.’
وفي اللحظة نفسها، نظرت إلى الوقت.
أجبرت ساقيّ على التقدّم، مختارًا الطريق الذي يحوي الآثار الأحدث. تسارعت وتيرتي، وقلبي يقرع ضلوعي بقوة. الآثار نسجت نحو باب آخر، فانسللت داخله.
الغرفة مظلمة، فارغة، جدرانها عارية. لكنني لم أبالِ وأنا أستدير على عجل وأمسك الباب.
خلفي، خافتًا—
خلف ذلك، لم أرَ سوى الظلام.
طَق.
أجبرت ساقيّ على التقدّم، مختارًا الطريق الذي يحوي الآثار الأحدث. تسارعت وتيرتي، وقلبي يقرع ضلوعي بقوة. الآثار نسجت نحو باب آخر، فانسللت داخله.
طَق.
“….!؟”
التفت رأسي بسرعة.
خلفي، خافتًا—
صوت خطوات…
يراقبني.
كانت ناعمة، وتطابق إيقاعها مع خطواتي.
هذه المرة أقرب.
ارتجف المصباح بعنف في قبضتي، وضوءه يتمايل على الجدران وأنا أسرع في خطواتي. أنفاسي خرجت متقطعة من حلقي، وذعر خفيّ بدأ يتصاعد من أعماقي.
هبط قلبي إلى معدتي.
‘لا تلتفت. لا تلتفت.’
فقط نهاية مفاجئة، فارغة.
لكنني فعلت.
طَق.
الممر خلفي كان فارغًا.
التفّت الخطوات أعمق إلى الداخل.
لا شيء سوى الظلام.
“….!؟”
لا شيء سوى الصمت.
اقترب.
التفت مجددًا إلى الأمام، وأنفاسي غير متزنة. قادني الأثر إلى غرفة أخرى، مكتظة بصفوف من الرفوف الشاهقة، تعلوها أدوات صدئة وصناديق موضوعة بشكل هزيل، وقد انهار بعضها بالفعل، مبعثرًا الحطام على الأرض.
شعر رقبتي انتصب.
الخطوات تمايلت بين الرفوف، فاتبعتُها، منحنياً تحت عارضة نصف ساقطة.
‘أنا أقترب.’
وفيما كنت أتقدم، عاد الصوت من جديد.
توقفت، ألهث. صدري يرتفع وينخفض مع كل نفس، والمصباح يرتعش في يدي. الآثار ببساطة… توقفت.
طَق!
خلفي، خافتًا—
هذه المرة أقرب.
لكنني فعلت.
هبط قلبي إلى معدتي.
لا أثر.
هسشش—!
استمرّت خطواتي تُردّد الصدى حتى توقّفتُ عند موضعٍ بعينه.
لوّحت بالمصباح بجنون، ضوءه يفيض عبر الفجوات بين الرفوف. لا شيء. لا شيء سوى الغبار والأدوات المحطمة.
“….!”
ومع ذلك…
“…..”
شعر رقبتي انتصب.
“…..”
كان هناك أحد.
‘لا تلتفت. لا تلتفت.’
يراقبني.
من هناك!؟
مختبئ.
كانت الخطوات تمتدّ في كلّ اتجاه.
الخطوات انتهت فجأة عند الجانب الأقصى من الغرفة.
كانت الساعة 17:44.
“هاه… هاه…”
“هاه… هاه…”
توقفت، ألهث. صدري يرتفع وينخفض مع كل نفس، والمصباح يرتعش في يدي. الآثار ببساطة… توقفت.
‘أنا أقترب.’
لا مخرج.
كانت تتطابق مع إيقاع أنفاسي.
لا أثر.
اقترب.
فقط جدار أبيض أملس أمامي.
“…..!”
تحركت شفتاي بصمت.
‘لا… لا، هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا.’
لوّحت بالمصباح بجنون، ضوءه يفيض عبر الفجوات بين الرفوف. لا شيء. لا شيء سوى الغبار والأدوات المحطمة.
انحنيت، خافضًا المصباح. توهج باهت انساب على الأرض، لكن لم تكن هناك آثار أخرى.
خلفي، خافتًا—
فقط نهاية مفاجئة، فارغة.
‘هذا…’
صوت أنفاس ملأ أذني.
من هناك!؟
“هاه… هاه…”
رفعت مصباحي على عجل.
كانت تتطابق مع إيقاع أنفاسي.
هبط قلبي إلى معدتي.
لكن…
انطلقت.
لم تكن أنفاسي.
خطوة
ببطء، التفت رأسي.
ببطء، التفت رأسي.
ومن خلال فجوة بين الرفوف، أبصرت شيئًا.
كلااانغ!
قناع.
كان يكاد يلامس عنقي.
أبيض، متصدع، بثقوب مظلمة مكان العينين.
جمّدني صوت سقوط شيءٍ ما في الظلال. ارتعش المصباح في قبضتي وأنا أهتزّ به سريعًا نحو مصدر الضوضاء.
يحدّق مباشرةً نحوي.
ذلك القناع الأبيض نفسه.
توقفت لحظة قصيرة، أحدّق في تلك العيون وهي تحدّق بي. كل شعرة في جسدي انتصبت في تلك اللحظة، وقلبي قفز من بين ضلوعي.
أحكمت قبضتي على مقبض المصباح وبدأت أتحرّك إلى الأمام.
ثم—!
الممر خلفي كان فارغًا.
“….!؟”
كانت هذه الغرفة أوسع، ولكنها أكثر فراغًا، بآلاتٍ أقل. الأرض مغطاة بالتراب وآثار طويلة جافة، كأن شيئًا ثقيلًا جُرَّ عبرها. الخطوات أمامي تداخلت، نسجت داخل الغرفة وخارجها، مشكلة فوضى عارمة من المسارات.
كلانك—!
للحظة، لا شيء.
ارتددت إلى الوراء، مرتطمًا بالرف. الأدوات تدحرجت إلى الأرض بارتطام صاخب. القناع مال قليلًا، متلاشيًا خلف الرف.
فقط نهاية مفاجئة، فارغة.
حبست أنفاسي، ويدي تتلمس خنجري بيأس. ساقاي تحركتا من تلقاء نفسيهما، أرتد إلى الخلف وأنا أركض أسفل الممر، المصباح يهتز بعنف في يدي.
كانت الخطوات تمتدّ في كلّ اتجاه.
‘اركض! عليّ أن أركض!’
هبط قلبي إلى معدتي.
فكرتُ في القتال، لكن بدا ذلك مستحيلًا.
طَق.
“أخ—!”
لكن لم يكن في وسعي أن أعود.
بوم!
ببطء، أنزلت رأسي، ناظرًا إلى ساعتي.
انهار الرف خلفي بدويٍّ صاعق، مفرغًا معدنًا وخشبًا على الأرض.
لا شيء سوى الصمت.
لم أنظر إلى الخلف.
تألّقت تحت ضوء المصباح الأزرق وأنا أنظر من حولي.
لم أستطع.
تألّقت تحت ضوء المصباح الأزرق وأنا أنظر من حولي.
الخطوات تبعتني، أسرع الآن.
كان هناك أحد.
رئتاي اشتعلتا. توهج المصباح تذبذب مع انزلاق قبضتي، لكنني تمسكت به بيأس. أمامي، رأيت بابًا. بابًا حقيقيًا. كان من المعدن، متصدعًا قليلًا، لكنه سليم.
لم تكن أنفاسي.
انطلقت.
صريررر—!
الصوت خلفي تعاظم.
لكنني فعلت.
اقترب.
لوّحت بالمصباح بجنون، ضوءه يفيض عبر الفجوات بين الرفوف. لا شيء. لا شيء سوى الغبار والأدوات المحطمة.
كان يكاد يلامس عنقي.
للحظة، لا شيء.
كلانك!
لطخات داكنة مسفوحة عبر معدن آلة أمامي، مرسومة كأثر كفٍّ مجرور نحو الأسفل.
دفعت الباب مفتوحًا، ملقيًا بنفسي داخله.
“…!؟”
الغرفة مظلمة، فارغة، جدرانها عارية. لكنني لم أبالِ وأنا أستدير على عجل وأمسك الباب.
رفعت مصباحي على عجل.
بوم—!
كانت الخطوات تمتدّ في كلّ اتجاه.
أطبقت الباب بقوة، لافًّا المقبض الصدئ. جسدي انزلق على ظهره وأنا ألهث، وقلبي يخفق بقوة كأنّه سينفجر.
واقفًا أمامي مباشرة.
للحظة، لا شيء.
كانت هذه الغرفة أوسع، ولكنها أكثر فراغًا، بآلاتٍ أقل. الأرض مغطاة بالتراب وآثار طويلة جافة، كأن شيئًا ثقيلًا جُرَّ عبرها. الخطوات أمامي تداخلت، نسجت داخل الغرفة وخارجها، مشكلة فوضى عارمة من المسارات.
مجرد صمت.
الخطوات تبعتني، أسرع الآن.
الصمت طال وأنا أضغط جسدي على الباب، متوسلًا أن يصمد. أخذت أنفاسًا متقطعة، أملأ رئتي وأفرغهما، قبل أن أرفع المصباح مجددًا. ضوءه الخافت امتد عبر الغرفة، كاشفًا أطراف آلات محطمة وحطامًا مبعثرًا.
كان يكاد يلامس عنقي.
…ثم وقعت عيناي على الخطوات أمامي.
أحكمت قبضتي على مقبض المصباح وبدأت أتحرّك إلى الأمام.
بدت حديثة…
مجرد صمت.
حديثة جدًا.
ومع رفع المصباح ببطء، رأيته.
لم أستطع.
ذلك القناع الأبيض نفسه.
من هناك!؟
واقفًا أمامي مباشرة.
خلف ذلك، لم أرَ سوى الظلام.
“…!؟”
لا شيء.
تحركت سريعًا، ناهضًا. متمسكًا بالخنجر، اندفعت به إلى الأمام. غير أن الرجل تفادى الضربة كأن حركتي لا قيمة لها، قبل أن يلوّح نحوي. استدعيت السائر في الأحلام على عجل، لكن الأوان كان قد فات.
كانت ناعمة، وتطابق إيقاعها مع خطواتي.
“——!”
كلانك!
شيء اخترق رئتي وأنا أحدّق أمامي بصدمة.
التفت رأسي بسرعة.
ثم—
توقفت، ألهث. صدري يرتفع وينخفض مع كل نفس، والمصباح يرتعش في يدي. الآثار ببساطة… توقفت.
بدأ بصري يظلم.
مجرد صمت.
وبحلول الوقت الذي استعدت فيه وعيي، وجدت نفسي مجددًا في مكتبي.
رفعت يدي وأضأت بالمصباح أمامي.
ببطء، أنزلت رأسي، ناظرًا إلى ساعتي.
لا شيء.
كانت الساعة 17:40.
فقط نهاية مفاجئة، فارغة.
تك، تك—!
استطعت أن أميّز أنّها كانت أحدث من تلك في الخارج. كانت أوضح وأكثر بريقًا.
تردّدت.
لكن، وفي الوقت نفسه، وأنا أحدّق في السواد القاتم الممتد أمامي، وأتلفّت حولي، شعرت بشيءٍ مقلقٍ ينمو بداخلي.
