الصراع [3]
الفصل 338: الصِّراع [3]
“انتظر، قائد الفرقة، أنا—”
“دوّي!”
أطحتُ بالشمعة على الأرض.
لم أشعر بشيءٍ يُذكر حين اصطدمت يدي بوجهه، فتموَّج اللحم تحت وطأة الضربة.
“فوووش!”
عادةً، كنتُ لأشعر بالسرور من فعلٍ كهذا.
“…لا أعلم إن كنتُ قد نجحتُ في إخراجك من ذلك.” التفتُّ نحو المجموعة وأشرتُ برأسي إلى مايلز. “راقبوه من الآن. تأكّدوا أنّه لا يقوم بأيّ تصرّفٍ… غريب.”
لقد حلمتُ بهذه اللحظة أيّامًا لا تُحصى. ولكن حين أتت، لم أشعر بشيء. فراغٌ بسيطٌ لم أستطع التخلّص منه.
كان رمزًا فريدًا، تتداخل فيه الخطوط والحلقات والأشكال الزاويّة في نمطٍ محكمٍ غريب. كان من الصعب إدراك معناه.
“دوّي! دوّي—!”
“همم.”
مايلز لم يتحرّك حتّى وأنا أُسدد لكماتي عليه.
“انتظر… ما هذا؟”
رأيتُ الدهشة على وجهه تحت الضوء الخافت. حاول المقاومة، لكن الأوان كان قد فات. كنتُ أعتليه، أضرب بكلّ ما أملك من قوّة. لسعت مفاصلي، وانتشرت الحرارة على كفّي. هممتُ بتوجيه ضربةٍ أخرى، لكنّ أحدهم أمسك بذراعي وجذبني للخلف، مطيحًا بي عنه.
“فوووش!”
“ما الذي يحدث؟ ما الذي دهاك؟”
“ما الذي تفعله؟”
“قائد الفرقة!”
“لأنك كنتَ تضربه. إنّه من فريقنا…”
حاولتُ أن أُكمل لكماتي، لكنّهم أوقفوني قبل أن أفعل.
لا، لم تكن بيضاء تمامًا.
في النهاية، توقّفتُ عن الحركة حين شعرتُ بيدي مين القويتين تضغطان على ساعديّ. كنتُ أعلم أن المقاومة بلا جدوى.
ركّزتُ انتباهي مجددًا على مايلز، مُراقبًا إيّاه بصمت. للحظةٍ قصيرة، شعرتُ ببرودةٍ مميتةٍ تشعّ من عينيه. كافيةٍ لتجعلني أتجمّد. غير أنّ تلك النظرة سرعان ما اختفت، لتحلّ محلّها غمزةٌ خفيفة وهو يرفع كلتا يديه.
وعندها التفتُّ لأنظر إلى فريقي.
كان يمنحني مخرجًا، بطريقته. لكنّي كنتُ أعلم أنّ الأمر لن يكون بهذه البساطة. أعرف مايلز بكلّ ذرةٍ في كياني، وأدرك أنّه يُخطّط لشيءٍ ما. بل كان واضحًا أنّه يستمتع بالموقف.
كانوا جميعًا يُحدّقون بي بتعابير متباينة. قابلتُ نظراتهم بهدوءٍ قبل أن أتكلّم.
هززتُ رأسي، مُبقيًا نظري مُثبّتًا عليه.
“لماذا أوقفتموني؟”
رأيتُ الدهشة على وجهه تحت الضوء الخافت. حاول المقاومة، لكن الأوان كان قد فات. كنتُ أعتليه، أضرب بكلّ ما أملك من قوّة. لسعت مفاصلي، وانتشرت الحرارة على كفّي. هممتُ بتوجيه ضربةٍ أخرى، لكنّ أحدهم أمسك بذراعي وجذبني للخلف، مطيحًا بي عنه.
“لأنك كنتَ تضربه. إنّه من فريقنا…”
“…لم أفزعْ منك.”
تنفّستُ بعمقٍ وهززتُ رأسي.
وبينما ارتسمت الحيرة على وجوههم، أشرتُ إلى الرمز قبل أن أوجّه بصري نحو مايلز.
“ينبغي أن تعلموا أفضل من هذا. أنا لا أفعل الأشياء عبثًا. إن فعلتُ شيئًا، فله سبب. إيقافي قد يكون أفسد كلّ شيء.”
“لهذا هاجمتك. ليس لأنّني أُكنّ لك شيئًا، بل لأنّ جسدك كان على وشك أن يُستولى عليه.”
ساد الصمت في الغرفة بعدها مباشرةً.
“دوّي!”
لم يتكلّم أحد، لكنّ الصمت قال ما يكفي. كانوا يعلمون أنّي على حق، وإن لم يتقبّلوا طريقتي. استطعتُ أن أفهم سبب تدخّلهم. مايلز لم يكن حالة شاذّة، ولم يكن تحت سيطرةٍ عقليةٍ غريبة. كان عاقلًا، عاقلًا على نحوٍ مؤلم، وكلّهم أدركوا ذلك.
“….!؟”
ولهذا بدت تصرّفاتي بالنسبة إليهم غامضة.
تمتمتُ بأنينٍ خافتٍ وأعرضتُ عنه. جاء صوتٌ متردّدٌ من خلفي، لكنّي تجاهلته.
“لا بأس…”
قلبتُها واحدًا تلو الآخر، باحثًا عن شيءٍ ما.
صوتٌ معيّنٌ كسر الصمت.
لا، لم تكن بيضاء تمامًا.
توجّهت جميع الرؤوس نحو مصدر الصوت، حيث جلس مايلز ببطء، ضاغطًا يده على وجنته. ثم ظهرت على وجهه غَمزةٌ خفيفة.
“لهذا هاجمتك. ليس لأنّني أُكنّ لك شيئًا، بل لأنّ جسدك كان على وشك أن يُستولى عليه.”
“أنا بخير. فقط… تفاجأتُ قليلًا. أنا واثق أنّه لم يفعل ذلك عن قصد. على الأرجح فزعَ مني. وأنا كذلك فزعتُ قليلًا. أليس كذلك؟”
فواب!
حوّل مايلز بصره نحوي.
توقّفت يدي فجأةً عند كتابٍ معيّن.
كان يمنحني مخرجًا، بطريقته. لكنّي كنتُ أعلم أنّ الأمر لن يكون بهذه البساطة. أعرف مايلز بكلّ ذرةٍ في كياني، وأدرك أنّه يُخطّط لشيءٍ ما. بل كان واضحًا أنّه يستمتع بالموقف.
اشتعلت نارٌ عظيمة.
من تعبير وجهه، بدا كأنّ هذا بالضبط ما أراده منذ البداية.
انفتح الكتاب من تلقاء نفسه، قافزًا قلبي إلى حلقي.
ولهذا—
رقمٌ واحد.
“لا.”
رقمٌ واحد.
هززتُ رأسي، مُبقيًا نظري مُثبّتًا عليه.
ساد الصمت في الغرفة بعدها مباشرةً.
“…لم أفزعْ منك.”
“ينبغي أن تعلموا أفضل من هذا. أنا لا أفعل الأشياء عبثًا. إن فعلتُ شيئًا، فله سبب. إيقافي قد يكون أفسد كلّ شيء.”
مددتُ يدي نحو نظّارتي وسحبتها ببطء. وما إن نزعتها، حتّى تلاشى البرد القارس، وحلّ مكانه دفءٌ خافت. أضواء الشموع الخافتة بدت أوضح، والغرفة استبانت أكثر.
“أنا بخير. فقط… تفاجأتُ قليلًا. أنا واثق أنّه لم يفعل ذلك عن قصد. على الأرجح فزعَ مني. وأنا كذلك فزعتُ قليلًا. أليس كذلك؟”
اختفى كذلك الإحساس بوجود من يراقبني.
انفتح الكتاب من تلقاء نفسه، قافزًا قلبي إلى حلقي.
وفي اللحظة ذاتها، اختفى الرمز الغريب على الأرض.
رقمٌ واحد.
لم يُدهشني ذلك. انحنيتُ، مُمرّرًا إصبعي على سطح الأرض الخشبية، متتبعًا الخطوط حتى توقّفت.
“لهذا هاجمتك. ليس لأنّني أُكنّ لك شيئًا، بل لأنّ جسدك كان على وشك أن يُستولى عليه.”
“ما الذي تفعله؟”
حاولتُ أن أُكمل لكماتي، لكنّهم أوقفوني قبل أن أفعل.
تجاهلتُ السؤال الموجّه إليّ وتقدّمتُ نحو إحدى الشموع على الأرض.
ركّزتُ انتباهي مجددًا على مايلز، مُراقبًا إيّاه بصمت. للحظةٍ قصيرة، شعرتُ ببرودةٍ مميتةٍ تشعّ من عينيه. كافيةٍ لتجعلني أتجمّد. غير أنّ تلك النظرة سرعان ما اختفت، لتحلّ محلّها غمزةٌ خفيفة وهو يرفع كلتا يديه.
ثم—
‘أنا في الطابق الثامن. مفتاح حلّ السيناريو هنا. عليّ فقط أن أجده.’
أطحتُ بالشمعة على الأرض.
“انتظر، قائد الفرقة، أنا—”
“….!؟”
حاولتُ أن أُكمل لكماتي، لكنّهم أوقفوني قبل أن أفعل.
“هل جننت؟ أأنت—تبًّا!”
“ما الذي يحدث؟ ما الذي دهاك؟”
“فوووش!”
تنفّستُ بعمقٍ وهززتُ رأسي.
اشتعلت نارٌ عظيمة.
كان رمزًا فريدًا، تتداخل فيه الخطوط والحلقات والأشكال الزاويّة في نمطٍ محكمٍ غريب. كان من الصعب إدراك معناه.
تبدّلت ملامح الجميع، غير أنّي بقيتُ ثابتًا أُراقب النار وهي تخبو. لم يستغرق الأمر طويلًا قبل أن تنطفئ تمامًا. بضع دقائق فقط، احترق خلالها الخشب كاشفًا عن الرمز للجميع.
“همم.”
كان رمزًا فريدًا، تتداخل فيه الخطوط والحلقات والأشكال الزاويّة في نمطٍ محكمٍ غريب. كان من الصعب إدراك معناه.
‘سأتحقّق من كايل لاحقًا. أنا متأكّد أنّ هذه ليست مصادفة. ليس حين يكون هو المعنيّ بالأمر. لا شيء في هذا الرجل يمكن الوثوق به.’
ومع ذلك، حين نظرتُ إليه، شعرتُ بشيءٍ مألوفٍ نحوه.
كان يمنحني مخرجًا، بطريقته. لكنّي كنتُ أعلم أنّ الأمر لن يكون بهذه البساطة. أعرف مايلز بكلّ ذرةٍ في كياني، وأدرك أنّه يُخطّط لشيءٍ ما. بل كان واضحًا أنّه يستمتع بالموقف.
أين رأيتُ هذا من قبل…؟
ثم—
“هاه…؟”
رأيتُ الدهشة على وجهه تحت الضوء الخافت. حاول المقاومة، لكن الأوان كان قد فات. كنتُ أعتليه، أضرب بكلّ ما أملك من قوّة. لسعت مفاصلي، وانتشرت الحرارة على كفّي. هممتُ بتوجيه ضربةٍ أخرى، لكنّ أحدهم أمسك بذراعي وجذبني للخلف، مطيحًا بي عنه.
“انتظر… ما هذا؟”
تبدّلت ملامح الجميع، غير أنّي بقيتُ ثابتًا أُراقب النار وهي تخبو. لم يستغرق الأمر طويلًا قبل أن تنطفئ تمامًا. بضع دقائق فقط، احترق خلالها الخشب كاشفًا عن الرمز للجميع.
وبينما ارتسمت الحيرة على وجوههم، أشرتُ إلى الرمز قبل أن أوجّه بصري نحو مايلز.
حاولتُ أن أُكمل لكماتي، لكنّهم أوقفوني قبل أن أفعل.
“لهذا هاجمتك. ليس لأنّني أُكنّ لك شيئًا، بل لأنّ جسدك كان على وشك أن يُستولى عليه.”
تجاهلتُ السؤال الموجّه إليّ وتقدّمتُ نحو إحدى الشموع على الأرض.
ولم يكن ذلك كذبًا. حين رأيتُ مايلز واقفًا فوق الرمز، أضاء بخفوتٍ غريب، وتسلّل شيءٌ مظلمٌ شريرٌ من الخشب المتفحّم أسفله، متلوّيًا وهو يمدّ نفسه نحوه.
ورغم أنني لم أكن أُحبّ مايلز، لم أكن لأدع شيئًا يتلبّسه.
“لماذا أوقفتموني؟”
ذلك كان سيجعله أكثر إزعاجًا.
أين رأيتُ هذا من قبل…؟
“…لا أعلم إن كنتُ قد نجحتُ في إخراجك من ذلك.” التفتُّ نحو المجموعة وأشرتُ برأسي إلى مايلز. “راقبوه من الآن. تأكّدوا أنّه لا يقوم بأيّ تصرّفٍ… غريب.”
ومع ذلك، حين نظرتُ إليه، شعرتُ بشيءٍ مألوفٍ نحوه.
لم أضربه لأنّه كان تحت السيطرة. ضربتُه تحديدًا لأمنح الآخرين سببًا كافيًا لمراقبته. كنتُ أعلم من خلال النظّارات أنّه لم يُمسّ.
غير أنّي لم أكن أُصدّقه البتّة.
غير أنّي لم أكن أُصدّقه البتّة.
[71]
وبالنظر إلى وضع الفريق، كانت هذه أسهل طريقةٍ لجعلهم يضعون عيونهم عليه. مجرّد وجوده هنا، بعيدًا عن مجموعته، واقفًا أمامي، كان مقلقًا بحدّ ذاته.
كان يمنحني مخرجًا، بطريقته. لكنّي كنتُ أعلم أنّ الأمر لن يكون بهذه البساطة. أعرف مايلز بكلّ ذرةٍ في كياني، وأدرك أنّه يُخطّط لشيءٍ ما. بل كان واضحًا أنّه يستمتع بالموقف.
‘سأتحقّق من كايل لاحقًا. أنا متأكّد أنّ هذه ليست مصادفة. ليس حين يكون هو المعنيّ بالأمر. لا شيء في هذا الرجل يمكن الوثوق به.’
حدّقتُ في الصفحة البيضاء أمامي.
ركّزتُ انتباهي مجددًا على مايلز، مُراقبًا إيّاه بصمت. للحظةٍ قصيرة، شعرتُ ببرودةٍ مميتةٍ تشعّ من عينيه. كافيةٍ لتجعلني أتجمّد. غير أنّ تلك النظرة سرعان ما اختفت، لتحلّ محلّها غمزةٌ خفيفة وهو يرفع كلتا يديه.
ذلك كان سيجعله أكثر إزعاجًا.
“لقد أمسكتَ بي.”
وبينما ارتسمت الحيرة على وجوههم، أشرتُ إلى الرمز قبل أن أوجّه بصري نحو مايلز.
قالها، غير أنّ وقع كلماته بالنسبة إليّ كان مختلفًا تمامًا عمّا فهمه الآخرون.
اختفى كذلك الإحساس بوجود من يراقبني.
“لن أتحرّك. يمكنك أن تدع الجميع يراقبونني. أنا ممتنّ لك فحسب لأنّك أنقذتني. كنتُ سأقع في ورطةٍ لولاك.”
“لقد أمسكتَ بي.”
تمتمتُ بأنينٍ خافتٍ وأعرضتُ عنه. جاء صوتٌ متردّدٌ من خلفي، لكنّي تجاهلته.
اشتعلت نارٌ عظيمة.
“قـ-قائد الفرقة…”
“قـ-قائد الفرقة…”
كنتُ في حالة من التركيز الفائق. لم أدرِ كم ستدوم، لذا كان عليّ أن أستغلّها بأقصى قدرٍ ممكن.
لا، لم تكن بيضاء تمامًا.
“انتظر، قائد الفرقة، أنا—”
توقّفت يدي فجأةً عند كتابٍ معيّن.
“كفى. دعه وشأنه. واضح أنّه لا يريد التورّط معنا الآن.”
“أنا بخير. فقط… تفاجأتُ قليلًا. أنا واثق أنّه لم يفعل ذلك عن قصد. على الأرجح فزعَ مني. وأنا كذلك فزعتُ قليلًا. أليس كذلك؟”
تجاهلتُ ما يدور حولي.
انفتح الكتاب من تلقاء نفسه، قافزًا قلبي إلى حلقي.
وأول ما فعلتُه هو أن التفتُّ نحو الرفّ في الزاوية. لم يتبقَّ عليه الكثير من الكتب. بعضها احترق، بالكاد متماسك، بالكاد يُسمّى كتابًا.
“قائد الفرقة!”
قلبتُها واحدًا تلو الآخر، باحثًا عن شيءٍ ما.
ومع ذلك، حين نظرتُ إليه، شعرتُ بشيءٍ مألوفٍ نحوه.
‘أنا في الطابق الثامن. مفتاح حلّ السيناريو هنا. عليّ فقط أن أجده.’
تمتمتُ بأنينٍ خافتٍ وأعرضتُ عنه. جاء صوتٌ متردّدٌ من خلفي، لكنّي تجاهلته.
كنتُ أعلم أنّ للأمر علاقةً بالرمز على الأرض. لكنّي لم أكن أعرف عنه شيئًا، وكان باهتًا أكثر من اللازم. الجواب لا بدّ أن يكون في أحد الكتب. لا بدّ أن يكون—
رأيتُ الدهشة على وجهه تحت الضوء الخافت. حاول المقاومة، لكن الأوان كان قد فات. كنتُ أعتليه، أضرب بكلّ ما أملك من قوّة. لسعت مفاصلي، وانتشرت الحرارة على كفّي. هممتُ بتوجيه ضربةٍ أخرى، لكنّ أحدهم أمسك بذراعي وجذبني للخلف، مطيحًا بي عنه.
“همم.”
تنفّستُ بعمقٍ وهززتُ رأسي.
توقّفت يدي فجأةً عند كتابٍ معيّن.
وما إن لمسته، حتّى تجمّد جسدي كلّه. الأصوات التي سمعتها سابقًا عادت، أعلى من قبل، تمزّق عقلي كالخناجر. تسلّل بردٌ مميتٌ في عمودي الفقري، حتى لم أعد أشعر بشيء. بدأت يداي ترتجفان، والتفتُّ للخلف.
صوتٌ معيّنٌ كسر الصمت.
كلّ ما رأيته كان نظراتهم المثبّتة عليّ. انفلتت أنفاسي دون وعي، ثم أطبقتُ فمي بإحكامٍ مع ازدياد البرودة في الغرفة.
“لا.”
ثم—
وأول ما فعلتُه هو أن التفتُّ نحو الرفّ في الزاوية. لم يتبقَّ عليه الكثير من الكتب. بعضها احترق، بالكاد متماسك، بالكاد يُسمّى كتابًا.
تجمّدتُ أمام المرآة. انعكاسي تبدّل ببطءٍ، بالكاد في البداية، قبل أن تتمدّد شفتاي بشكلٍ غير طبيعي، تنحنيان حتى أطراف عينيّ. انقطع نفسي. وحين ظننتُ أن الأمر لن يسوء أكثر…
وما إن لمسته، حتّى تجمّد جسدي كلّه. الأصوات التي سمعتها سابقًا عادت، أعلى من قبل، تمزّق عقلي كالخناجر. تسلّل بردٌ مميتٌ في عمودي الفقري، حتى لم أعد أشعر بشيء. بدأت يداي ترتجفان، والتفتُّ للخلف.
فواب!
لم أضربه لأنّه كان تحت السيطرة. ضربتُه تحديدًا لأمنح الآخرين سببًا كافيًا لمراقبته. كنتُ أعلم من خلال النظّارات أنّه لم يُمسّ.
انفتح الكتاب من تلقاء نفسه، قافزًا قلبي إلى حلقي.
“…لم أفزعْ منك.”
حدّقتُ في الصفحة البيضاء أمامي.
“لماذا أوقفتموني؟”
لا، لم تكن بيضاء تمامًا.
لم يتكلّم أحد، لكنّ الصمت قال ما يكفي. كانوا يعلمون أنّي على حق، وإن لم يتقبّلوا طريقتي. استطعتُ أن أفهم سبب تدخّلهم. مايلز لم يكن حالة شاذّة، ولم يكن تحت سيطرةٍ عقليةٍ غريبة. كان عاقلًا، عاقلًا على نحوٍ مؤلم، وكلّهم أدركوا ذلك.
رقمٌ واحد.
حاولتُ أن أُكمل لكماتي، لكنّهم أوقفوني قبل أن أفعل.
[71]
صوتٌ معيّنٌ كسر الصمت.
هذا كلّ ما كان مكتوبًا فيها.
“لن أتحرّك. يمكنك أن تدع الجميع يراقبونني. أنا ممتنّ لك فحسب لأنّك أنقذتني. كنتُ سأقع في ورطةٍ لولاك.”
رقمٌ واحد.
مايلز لم يتحرّك حتّى وأنا أُسدد لكماتي عليه.
عادةً، كنتُ لأشعر بالسرور من فعلٍ كهذا.
حاولتُ أن أُكمل لكماتي، لكنّهم أوقفوني قبل أن أفعل.
