الذي يعبدونه [1]
الفصل 423: الذي يعبدونه [1]
“دانتاليون.”
“دانتاليون.”
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
انفلت الاسم من شفتيّ مرّةً أخرى.
لا…
كأنّ شيئًا ما قد انغلق ثم انفتح داخل ذهني.
كانت اليد ترتجف وهي تنسخ، بينما يسيل المزيد من الدم على الطاولة.
الضباب الذي كان يهيمن عليّ من قبل بدأ يتلاشى، وعادت الصور لتومض في عقلي من جديد.
“ننبذ جميع الدوقات الآخرين، وجميع الملوك الآخرين. لا نركع إلا لك، يا دوق دانتاليون العظيم، ونختم عهدنا بالإخلاص والدم.”
كتابٌ قديم.
وبسبب خفوت الإضاءة، كان من الصعب تمييز ملامحها، لكنّني استطعتُ أن أعرف من صوتها وحده أنّها كانت مسنّةً للغاية.
فليب، فليب—
“حيّوا دانتاليون.”
تقليبٌ متعجّل للصفحات.
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
دريب!
كأنّ شيئًا ما قد انغلق ثم انفتح داخل ذهني.
قطرةٌ حمراء.
زفرتُ بارتجاف، متراجعًا خطوةً إلى الخلف، لكن ما إن فعلت ذلك حتّى شعرتُ بشيءٍ يضغط على ظهري، مُثبتًا إيّاي في مكاني.
قطرةٌ لوّثت الصفحات.
اختفت الغرفة التي كنتُ فيها، مُحيَت كما لو أنّها لم تكن موجودةً قطّ. وفي مكانها انتصبت قاعةٌ شاسعة، خافتة الإضاءة بعشرات الشموع المتراقصة على طول الجدران. كانت ألسنة لهبها تنحني وتتمايل، كأنّها تتنفّس على إيقاع الهواء ذاته.
ثمّ، بعد ذلك بقليل—
كتابٌ قديم.
’الـ-النجدة… أ-أرجوك.’
بدأ الألم في رأسي يطفو إلى السطح من جديد.
’أ-أنا… لا أريد فعل هذا بعد الآن.’
مجرّد صوته جعل نبضي يتسارع.
’أرجوك، ساعدني.’
اسمٌ واحدٌ همس في ذهني.
صوت.
بدأ المكان يهتزّ من جديد، والأرض تصدر صريرًا مع تعاظم الحضور داخل القاعة.
صوتٌ بدا يائسًا.
“حيّوا دانتاليون.”
مُرتبكًا.
انطلق صوتٌ فجأةً، وخرجت امرأةٌ ترتدي الأبيض الخالص من قلب الظلمة الخافتة.
أو، على وجه الدقّة، كأنّه… صوتي.
فليب! فليب! فليب!
دريب! دريب!
ساد الصمت على كلّ شيء.
سقطت قطراتٌ أخرى، وصبغت الصفحات بالأحمر.
لم أستطع التفكير أو فعل أيّ شيء.
ظهرت شتّى الرموز، لكن الصفحات توقّفت في النهاية عند صفحةٍ بعينها.
دريب!
’نـ-نعم، نعم…’
كنتُ…
ازداد الصوت هيجانًا، متحمّسًا.
“…..”
ثمّ—
[آرس غويتيا]
درييييب!
ازداد الصوت هيجانًا، متحمّسًا.
انسكب المزيد من الدم على الكتاب… يدٌ تمتدّ نحو الدم، تُزيح الكتاب جانبًا، وتنسخ الرمز على الطاولة الخشبية أسفله.
ظهرَت مرآة.
كانت اليد ترتجف وهي تنسخ، بينما يسيل المزيد من الدم على الطاولة.
اهتزاز! اهتزاز!
لكنّ اليد لم تتوقّف.
ثمّ—
واصلت نسخ الرمز، وسرعان ما همس الصوت، ’أنتَ… أملي الأخير. أرجوك، أنقذني من هذا العذاب. أ-أنا… أتوسّل وأرجو أن تُنقذني. أنتَ الوحيد القادر على منحي الحرّية. أنتَ…’
لا…
توقّفت اليد، واكتمل الجزء الأخير من الرمز أخيرًا.
“…..”
’…الذي يسعى إلى الحقيقة ويُقدّرها.’
“حيّوا دانتاليون.”
’الدوق العظيم للجحيم، دانتاليون!’
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
اهتزاز! اهتزاز!
تقلبت الصفحات بعنف.
اهتزّت الأرجاء.
ازداد الصوت هيجانًا، متحمّسًا.
فليب! فليب! فليب!
من حولي، ركعت أشكالٌ متلفّعة بالأبيض على الأرض، وجوههم مخفيّة تحت أغطية الرؤوس.
تقلبت الصفحات بعنف.
“حيّوا دانتاليون.”
بدأت الشقوق تظهر في الطاولة، والرمز ينبض بالحياة.
لم تكن تنظر إليّ.
بدأت الأصوات تهمس في الهواء.
بدأت الأصوات تهمس في الهواء.
أتت من كلّ اتجاه، تمتدّ نحو من تسبّب بكلّ هذا.
واصلت نسخ الرمز، وسرعان ما همس الصوت، ’أنتَ… أملي الأخير. أرجوك، أنقذني من هذا العذاب. أ-أنا… أتوسّل وأرجو أن تُنقذني. أنتَ الوحيد القادر على منحي الحرّية. أنتَ…’
وبينما كان كلّ ذلك يحدث، ارتفع الرأس ببطء.
“لا بدّ أنّ الأمر كان قاسيًا عليك.”
ظهرَت مرآة.
انطلق صوتٌ فجأةً، وخرجت امرأةٌ ترتدي الأبيض الخالص من قلب الظلمة الخافتة.
وفي الانعكاس، حدّق وجهٌ في المقابل.
لكن—
وجهٌ بلا ملامح.
مُرتبكًا.
فواب!
“لا بدّ أنّ الأمر كان قاسيًا عليك.”
انغلق الكتاب فجأة، مُظهرًا غلافًا بلا عنوان.
“أنت دانتاليون.”
غلافًا توهّج تحت الأضواء الخافتة في الغرفة.
وبينما كان كلّ ذلك يحدث، ارتفع الرأس ببطء.
[آرس غويتيا]
قعقعة! قعقعة!
انتهت الومضات عند ذلك الحدّ، وتجمّد دمي في عروقي.
“دانتاليون.”
أُعيدَت الصور في ذهني. بلا توقّف. مرارًا وتكرارًا.
“وفي المقابل، امنحنا بصرك وحكمتك. اجلب الشرف لأسمائنا، والثروة لذرّيتنا، والسيادة على ما هو آتٍ، فنحن لك… في العقل، وفي الروح، وفي الأبدية…”
لكن لم يكن لديّ وقتٌ لأغرق فيها، إذ عاد نفسٌ ساخن ينساب على عنقي مرّةً أخرى.
كيف انتهى بي الأمر هنا؟
“هاا.”
فليب، فليب—
بدأت أرتجف فجأة، واندفع رأسي إلى الخلف.
لا…
لكن—
ازداد الصوت هيجانًا، متحمّسًا.
ما استقبلني كانت العيون نفسها… متناثرة على الجدران، وعلى الأرض، وحتى على السقف. غير أنّ قشعريرةً باردةً زحفت على عمودي الفقري وأنا أحدّق فيها. لم تكن كما كانت من قبل. الأسطح التي استقرّت عليها بدت وكأنّها تنبض بخفوت، وداخل كلّ مركزٍ أسود لامع، كان هناك شيءٌ يتحرّك.
ازداد المكان هيجانًا، وراحت الإطارات ترتجّ بعنفٍ أشدّ.
لم تكن تنظر إليّ.
من حولي، ركعت أشكالٌ متلفّعة بالأبيض على الأرض، وجوههم مخفيّة تحت أغطية الرؤوس.
بل كانت…
لكنّ اليد لم تتوقّف.
’تنظر إلى مكانٍ آخر.’
درييييب!
تسرّب الإدراك ببطء، كالجليد الزاحف على ظهري. لم تكن العيون مثبّتة على جسدي، ولا على وجهي، ولا حتى على حركاتي. كانت تنظر إلى مكانٍ آخر. إلى شيءٍ كان حاضرًا في الغرفة.
ثمّ، بعد ذلك بقليل—
“هاا…”
ثمّ، استدرتُ ببطء.
زفرتُ بارتجاف، متراجعًا خطوةً إلى الخلف، لكن ما إن فعلت ذلك حتّى شعرتُ بشيءٍ يضغط على ظهري، مُثبتًا إيّاي في مكاني.
كان الأمر أقوى بكثيرٍ من ذي قبل، وبدأ بصري يلتوي ويتقلّب أمام عينيّ مباشرةً. لم أكن أعلم ما الذي يحدث، ولم يكن لديّ الوقت لأفكّر في ذلك.
با… خفق! با… خفق!
مجرّد صوته جعل نبضي يتسارع.
تجمّدتُ.
ازداد الهواء ثقلًا، وتضاعف الضغط على صدري.
وقلبي يخفق بقوّة داخل ذهني.
’أ-أنا… لا أريد فعل هذا بعد الآن.’
سرت قشعريرةٌ باردة على طول عمودي الفقري، بينما أخذتُ أنفاسًا عميقةً وثابتة.
“حيّوا دانتاليون.”
ثمّ، استدرتُ ببطء.
لكن—
لكن—
بل كانت…
“….”
“…..”
لا شيء.
كان عاليًا، واستولى على عقلي بأكمله.
كلّ جدارٍ من حولي ارتعش تحت نظري، والعيون المنحوتة ترتجف، فيما امتلأت الغرفة بطَنينٍ منخفض. لم يكن آليًّا. ولم يكن طبيعيًّا أيضًا. كان كما لو أنّ مئات الهمسات قد ملأت المكان، كلّ واحدةٍ تطغى على الأخرى.
دريب! دريب!
ازداد الهواء ثقلًا، وتضاعف الضغط على صدري.
صوتٌ بدا يائسًا.
’دانتاليون…’
من حولي، ركعت أشكالٌ متلفّعة بالأبيض على الأرض، وجوههم مخفيّة تحت أغطية الرؤوس.
ظلّ الاسم يتردّد بخفوتٍ في ذهني. رفض أن يغادر أفكاري، يهمس داخلي كإسطوانةٍ مشروخة.
حدّقتُ في كلّ ذلك بذهول، وقلبي هادئ بينما أحاول فهم ما أمامي.
’دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون.’
وإلى جانب الشموع والأشكال الراكعة، امتدّت تحت قدميّ دائرةٌ حمراء هائلة، خطوطها حادّة وطويلة، مرسومة على الأرض بطلاءٍ طازج. تعرّفتُ عليها فورًا. لقد رأيتها من قبل، آنذاك… مع الرجل الملتوي.
مجرّد صوته جعل نبضي يتسارع.
“حيّوا دانتاليون.”
ومع ذلك، وسط كلّ هذا—
هاه…؟
بدأ الألم في رأسي يطفو إلى السطح من جديد.
انغلق الكتاب فجأة، مُظهرًا غلافًا بلا عنوان.
كان الأمر أقوى بكثيرٍ من ذي قبل، وبدأ بصري يلتوي ويتقلّب أمام عينيّ مباشرةً. لم أكن أعلم ما الذي يحدث، ولم يكن لديّ الوقت لأفكّر في ذلك.
كان—
’دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون.’
ساد الصمت على كلّ شيء.
اسمٌ واحدٌ همس في ذهني.
وقلبي يخفق بقوّة داخل ذهني.
كان ناعمًا، ومع ذلك ملأ كل زاويةٍ من عقلي.
تعالت أصواتهم وانخفضت في ترنيمةٍ نشاز، الكلمات نفسها تُكرَّر مرارًا وتكرارًا، وكلّ كلمةٍ تحكّ أذنيّ كهمسةٍ موجّهة لشيءٍ آخر يُصغي في الظلام.
لم أستطع التفكير أو فعل أيّ شيء.
ذلك الاسم.
’دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون.’
كلّ جدارٍ من حولي ارتعش تحت نظري، والعيون المنحوتة ترتجف، فيما امتلأت الغرفة بطَنينٍ منخفض. لم يكن آليًّا. ولم يكن طبيعيًّا أيضًا. كان كما لو أنّ مئات الهمسات قد ملأت المكان، كلّ واحدةٍ تطغى على الأخرى.
كان شعورًا خانقًا.
بدأت الأصوات تهمس في الهواء.
كان—
’الدوق العظيم للجحيم، دانتاليون!’
“حيّوا دانتاليون.”
لكن لم يكن لديّ وقتٌ لأغرق فيها، إذ عاد نفسٌ ساخن ينساب على عنقي مرّةً أخرى.
“حيّوا دانتاليون.”
لكن لبرهةٍ فقط.
“حيّوا دانتاليون.”
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
“حيّوا دانتاليون.”
“…..”
هاه…؟
وجهٌ بلا ملامح.
رمشتُ بعينيّ ببطء، وفجأةً تغيّر شيءٌ ما.
فما إن انقضت تلك اللحظة، حتّى امتلأت الأرجاء بالكلمتين نفسيهما.
اختفت الغرفة التي كنتُ فيها، مُحيَت كما لو أنّها لم تكن موجودةً قطّ. وفي مكانها انتصبت قاعةٌ شاسعة، خافتة الإضاءة بعشرات الشموع المتراقصة على طول الجدران. كانت ألسنة لهبها تنحني وتتمايل، كأنّها تتنفّس على إيقاع الهواء ذاته.
ازداد صوتها خشونة، وامتلأ ذهني بكلّ أنواع الهمسات.
من حولي، ركعت أشكالٌ متلفّعة بالأبيض على الأرض، وجوههم مخفيّة تحت أغطية الرؤوس.
بدأ المكان يهتزّ من جديد، والأرض تصدر صريرًا مع تعاظم الحضور داخل القاعة.
“حيّوا دانتاليون.”
فليب، فليب—
“حيّوا دانتاليون.”
هاه…؟
تعالت أصواتهم وانخفضت في ترنيمةٍ نشاز، الكلمات نفسها تُكرَّر مرارًا وتكرارًا، وكلّ كلمةٍ تحكّ أذنيّ كهمسةٍ موجّهة لشيءٍ آخر يُصغي في الظلام.
غائبًا عن نفسي.
“…..”
ذلك الاسم.
حدّقتُ في كلّ ذلك بذهول، وقلبي هادئ بينما أحاول فهم ما أمامي.
“حيّوا دانتاليون.”
ماذا حدث؟
أتت من كلّ اتجاه، تمتدّ نحو من تسبّب بكلّ هذا.
كيف انتهى بي الأمر هنا؟
تجمّدتُ.
ما الذي يجري؟
“دانتاليون.”
كنتُ هادئًا على الرغم من الموقف.
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
لا، الهدوء ليس الكلمة الصحيحة.
ذلك الاسم.
كنتُ…
توقّفت اليد، واكتمل الجزء الأخير من الرمز أخيرًا.
غائبًا عن نفسي.
ثمّ، بعد ذلك بقليل—
كنتُ أفهم كلّ ما يحدث، لكنّ عقلي في الوقت ذاته كان بطيئًا مثقَلًا.
ازداد الهواء ثقلًا، وتضاعف الضغط على صدري.
“حيّوا دانتاليون.”
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
“حيّوا دانتاليون.”
تسرّب الإدراك ببطء، كالجليد الزاحف على ظهري. لم تكن العيون مثبّتة على جسدي، ولا على وجهي، ولا حتى على حركاتي. كانت تنظر إلى مكانٍ آخر. إلى شيءٍ كان حاضرًا في الغرفة.
دانتاليون…
ازداد المكان هيجانًا، وراحت الإطارات ترتجّ بعنفٍ أشدّ.
ذلك الاسم.
وبينما كان كلّ ذلك يحدث، ارتفع الرأس ببطء.
من هو…؟ لماذا كانوا يهتفون باسمه؟ لماذا كانوا راكعين أمامي؟ ماذا كان يحدث لي؟
توقّفت اليد، واكتمل الجزء الأخير من الرمز أخيرًا.
ببطءٍ، استدار رأسي لأتطلّع إلى ما حولي.
أو، على وجه الدقّة، كأنّه… صوتي.
وفي تلك اللحظة، دوّى طنينٌ متواصل داخل ذهني.
“حيّوا دانتاليون.”
كان عاليًا، واستولى على عقلي بأكمله.
ظهرت شتّى الرموز، لكن الصفحات توقّفت في النهاية عند صفحةٍ بعينها.
“حيّوا دانتاليون.”
فواب!
“حيّوا دانتاليون.”
لا…
“حيّوا دانتاليون.”
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
وإلى جانب الشموع والأشكال الراكعة، امتدّت تحت قدميّ دائرةٌ حمراء هائلة، خطوطها حادّة وطويلة، مرسومة على الأرض بطلاءٍ طازج. تعرّفتُ عليها فورًا. لقد رأيتها من قبل، آنذاك… مع الرجل الملتوي.
لكن—
رفعتُ رأسي، وجُلتُ بنظري في أرجاء القاعة. كانت الجدران مصطفّةً بعددٍ لا يُحصى من الإطارات المعلّقة، كلّ إطارٍ يُصوّر وجهًا مختلفًا؛ رجالًا، نساءً، أطفالًا، مئاتٍ منهم، وربّما أكثر.
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
بدت عيونهم المرسومة كأنّها تتبع ضوء الشموع، تلمع بخفوتٍ في الظلام.
لا شيء.
حتى إنّني رأيتُ صورةً لميريل.
كأنّ شيئًا ما قد انغلق ثم انفتح داخل ذهني.
“سيث…”
“حيّوا دانتاليون.”
انطلق صوتٌ فجأةً، وخرجت امرأةٌ ترتدي الأبيض الخالص من قلب الظلمة الخافتة.
كيف انتهى بي الأمر هنا؟
وبسبب خفوت الإضاءة، كان من الصعب تمييز ملامحها، لكنّني استطعتُ أن أعرف من صوتها وحده أنّها كانت مسنّةً للغاية.
فليب! فليب! فليب!
لكن كيف عرفت اسمي؟
اختفت الغرفة التي كنتُ فيها، مُحيَت كما لو أنّها لم تكن موجودةً قطّ. وفي مكانها انتصبت قاعةٌ شاسعة، خافتة الإضاءة بعشرات الشموع المتراقصة على طول الجدران. كانت ألسنة لهبها تنحني وتتمايل، كأنّها تتنفّس على إيقاع الهواء ذاته.
لا…
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
كان من المنطقي أن تعرف اسمي.
ما الذي يجري؟
“لا بدّ أنّ الأمر كان قاسيًا عليك.”
لا شيء.
استدرتُ نحوها، وقد أبرز وميض الشموع المتراقصة تجاعيد وجهها.
كنتُ…
“…أنت آخر أعمالنا. الوعاء الذي اكتمل بالنار والإيمان.”
كان شعورًا خانقًا.
ضغطت يدٌ باردة على خدّي، وابتسامتها دافئة وهي تنظر إليّ.
ساد الصمت على كلّ شيء.
“أنت دانتاليون.”
’أ-أنا… لا أريد فعل هذا بعد الآن.’
أعلنت ذلك بيقين.
“هاا…”
“أحد الاثنين والسبعين، دوق المعرفة، حارس العقل المحجوب.”
انفلت الاسم من شفتيّ مرّةً أخرى.
ارتعشت الشموع في أرجاء القاعة، واهتزّت الإطارات على الجدران.
ازداد الهواء ثقلًا، وتضاعف الضغط على صدري.
انتشر بردٌ قارص في المكان بأسره، بردٌ جعلني أشعر كأنّني غُمرتُ في هاويةٍ مظلمة تمتصّ الهواء من جسدي.
انطلق صوتٌ فجأةً، وخرجت امرأةٌ ترتدي الأبيض الخالص من قلب الظلمة الخافتة.
“لقد كدحنا باسمك، أيّها العظيم.”
دريب!
قالت المرأة ذلك وهي تحدّق إليّ.
استدرتُ نحوها، وقد أبرز وميض الشموع المتراقصة تجاعيد وجهها.
لا…
الفصل 423: الذي يعبدونه [1]
من خلالي.
هاه…؟
“الأجساد التي قدّمناها من قبل كانت معيبة. كان D-15 قريبًا، لكنّه لم يكن جديرًا. أمّا الآن، فنحن نقدّم لك وعاءً غير ملوّث، قويًّا في الجسد والروح، مقيَّدًا بالشظية في عقله.”
“أنت دانتاليون.”
قعقعة! قعقعة!
بدأ الألم في رأسي يطفو إلى السطح من جديد.
بدأ المكان يهتزّ من جديد، والأرض تصدر صريرًا مع تعاظم الحضور داخل القاعة.
“لقد كدحنا باسمك، أيّها العظيم.”
وقفتُ على قدميّ، مقيَّدًا بشيءٍ غير مرئي، عاجزًا عن الحركة أو ردّ الفعل.
كأنّ شيئًا ما قد انغلق ثم انفتح داخل ذهني.
“ننبذ جميع الدوقات الآخرين، وجميع الملوك الآخرين. لا نركع إلا لك، يا دوق دانتاليون العظيم، ونختم عهدنا بالإخلاص والدم.”
“أحد الاثنين والسبعين، دوق المعرفة، حارس العقل المحجوب.”
ازداد صوتها خشونة، وامتلأ ذهني بكلّ أنواع الهمسات.
“وفي المقابل، امنحنا بصرك وحكمتك. اجلب الشرف لأسمائنا، والثروة لذرّيتنا، والسيادة على ما هو آتٍ، فنحن لك… في العقل، وفي الروح، وفي الأبدية…”
’اقبل الإخلاص.’
كان من المنطقي أن تعرف اسمي.
’…اقبل الصلوات.’
“…..”
’اقبل العبادة.’
“هاا…”
“وفي المقابل، امنحنا بصرك وحكمتك. اجلب الشرف لأسمائنا، والثروة لذرّيتنا، والسيادة على ما هو آتٍ، فنحن لك… في العقل، وفي الروح، وفي الأبدية…”
“هاا.”
قعقعة! قعقعة!
تجمّدتُ.
ازداد المكان هيجانًا، وراحت الإطارات ترتجّ بعنفٍ أشدّ.
انتهت الومضات عند ذلك الحدّ، وتجمّد دمي في عروقي.
ثمّ—
انسكب المزيد من الدم على الكتاب… يدٌ تمتدّ نحو الدم، تُزيح الكتاب جانبًا، وتنسخ الرمز على الطاولة الخشبية أسفله.
“…..”
“…..”
“…..”
ساد الصمت على كلّ شيء.
“…..”
“…..”
ساد الصمت على كلّ شيء.
ظهرت شتّى الرموز، لكن الصفحات توقّفت في النهاية عند صفحةٍ بعينها.
لكن لبرهةٍ فقط.
كتابٌ قديم.
فما إن انقضت تلك اللحظة، حتّى امتلأت الأرجاء بالكلمتين نفسيهما.
كان ناعمًا، ومع ذلك ملأ كل زاويةٍ من عقلي.
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
كنتُ هادئًا على الرغم من الموقف.
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
قالت المرأة ذلك وهي تحدّق إليّ.
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
دريب! دريب!
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
’دانتاليون. دانتاليون. دانتاليون.’
“حـيّـوا دانـتـالـيـون.”
مجرّد صوته جعل نبضي يتسارع.
لكن—
